منذ بداياته الأولى في منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا، يواصل الذكاء الاصطناعي إحداث تحولات متسارعة في عالمنا.
يشمل الذكاء الاصطناعي طائفة متنوعة من التكنولوجيات التي يمكن تعريفها بأنها «نظم ذاتية التعلّم والتكيّف». ويمكن تصنيفه استناداً إلى التكنولوجيات المستخدمة، أو الأغراض المنشودة (مثل التعرّف على الوجوه أو الصور)، أو الوظائف (مثل فهم اللغة وحل المشكلات)، أو أنواع الوكلاء (بما في ذلك الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة).
ويشمل الذكاء الاصطناعي أيضاً أساليب وتخصصات متعددة، مثل الرؤية الحاسوبية والتعرّف على الكلام والروبوتات، ويُستخدم لتعزيز القدرات البشرية التقليدية. وقد أسهمت التطورات في القدرة الحاسوبية وتقنيات معالجة البيانات في دفع عجلة التقدم المحرز مؤخراً في هذا المجال.
تسخير الذكاء الاصطناعي ليكون قوة من أجل الخير
يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لدعم الأمم المتحدة من خلال تعزيز الشمول، والحد من أوجه عدم المساواة، والمساعدة على تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة (أهداف التنمية المستدامة)، وتعزيز عمل منظومة الأمم المتحدة. ويمكن أن يصبح أداة رئيسية لتحقيق المساواة في القرن الحادي والعشرين، ولكن ذلك لن يتحقق إلا إذا امتلكت جميع البلدان القدرات اللازمة والصوت الذي يمكّنها من الإسهام في توجيه مساره.
فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم إحراز تقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال توفير أدوات التشخيص والتحليلات التنبؤية في مجال الرعاية الصحية (الهدف 3)؛ ورصد المحاصيل وتعزيز القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ في قطاع الزراعة (الهدفان 2 و15)؛ وتوفير تجارب تعلّم مخصصة في مجال التعليم (الهدف 4)؛ ورسم خرائط الأزمات وتوزيع المساعدات في إطار الاستجابة الإنسانية.
غير أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر أثره التحويلي على التنمية المستدامة فحسب، بل يمكنه أيضاً مساعدة الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات في مختلف أنحاء العالم، ومساعدة البلدان على التعاون لمعالجة النزوح الناجم عن تغير المناخ، وأن يصبح قوة من أجل الخير ووسيلة لإنقاذ الأرواح.
ومع ذلك، لا تزال فوائد الذكاء الاصطناعي موزعة بصورة غير متكافئة، إذ تتركز في أيدي عدد محدود من الشركات والبلدان ذات النفوذ الكبير. ففي عام 2025، كانت الولايات المتحدة تمتلك 75 في المائة من القدرة الحاسوبية ضمن أكبر 500 مجموعة حوسبة معروفة للذكاء الاصطناعي في العالم، بينما كانت حصة الصين تبلغ 15 في المائة. وتتقاسم جميع البلدان الأخرى نسبة الـ10 في المائة المتبقية. وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تواجه بلدان عديدة صعوبات في الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، مما يسلّط الضوء على ضرورة التعاون والتضامن الدوليين لسد الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي التي تواجهها البلدان النامية.
«من دون ضمانات وضوابط كافية، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة والفجوات الرقمية، وإلى إلحاق أضرار غير متناسبة بالفئات الأشد ضعفاً. ويجب أن نغتنم هذه الفرصة التاريخية لإرساء أسس حوكمة شاملة للذكاء الاصطناعي، بما يعود بالنفع على البشرية جمعاء».
وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على المساعدة في التصدي لبعض أعظم التحديات التي تواجه البشرية، من خلال تحفيز الاقتصادات وإحداث تحولات في المجتمعات، فإن التطور السريع لهذه التكنولوجيا يجلب معه حتماً مجموعة واسعة من المخاطر والتحديات، بما في ذلك التهديدات التي تطال دقة المعلومات وحقوق الإنسان.
السعي إلى تحقيق التنسيق العالمي في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي
لا تعترف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالحدود، وكذلك لا تعترف بها مخاطره. وينبغي أن تسهم البشرية جمعاء في رسم ملامح التكنولوجيا التي ستحدد مستقبلها، لا أن يقتصر ذلك على حفنة من البلدان أو الشركات. ولا تحل الأمم المتحدة محل الهيئات التنظيمية الوطنية، بل يتمثل دورها في توفير قاعدة مستقلة من الأدلة، ومنبراً عالمياً جامعاً، والدعم اللازم لتمكين كل بلد من المشاركة.
في عام 2023، أنشأ الأمين العام الهيئة الاستشارية الرفيعة المستوى المعنية بالذكاء الاصطناعي. وقد رسم تقريرها النهائي، المعنون «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل البشرية» والصادر في أيلول/سبتمبر 2024، مخططاً لبناء أول بنية عالمية شاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. ومنذ ذلك الحين، وضعت الدول الأعضاء موضع التنفيذ اثنتين من توصيات التقرير، هما إنشاء هيئة علمية دولية مستقلة وإطلاق حوار عالمي بشأن السياسات المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي.
بداية عهد جديد من التعاون والأمن الرقميين
يمثل الميثاق الرقمي العالمي إطاراً شاملاً يرمي إلى تعزيز التعاون العالمي في مجال حوكمة التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. وقد اعتُمد الميثاق في أيلول/سبتمبر 2024، بالتزامن مع اعتماد ميثاق المستقبل، ويوفر خارطة طريق لتعزيز التعاون الرقمي العالمي، وتسخير الإمكانات الهائلة للتكنولوجيات الرقمية، وسد الفجوات الرقمية القائمة.
وقد تفاوضت على هذا الإطار الدول الأعضاء الـ193، واستند إلى مشاورات عالمية. ويلزم الإطار الحكومات باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان في الفضاء الرقمي، ويشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان سلامة الفضاء الرقمي وأمنه. كما اتفقت الدول الأعضاء، للمرة الأولى، على مجموعة من المبادئ المشتركة للتعاون العالمي في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي.
الهيئة العلمية التي تسترشد بها حوكمة الذكاء الاصطناعي القائمة على الأدلة
استكمالاً لما أرساه الميثاق الرقمي العالمي، أنشأت الجمعية العامة، في آب/أغسطس 2025، الهيئة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز الفهم العلمي وضمان استناد المداولات العالمية إلى أفضل الأدلة المتاحة. وتتألف الهيئة من 40 خبيراً مستقلاً من أقاليم الأمم المتحدة الخمسة، يعملون بصفتهم الشخصية. وهي أول هيئة علمية عالمية تُكرّس جهودها لتقييم الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل المجتمعات.
وكُلّفت الهيئة بإعداد تقرير سنوي يستند إلى الأدلة بشأن فرص الذكاء الاصطناعي ومخاطره وآثاره، لتقديمه إلى الحوار العالمي للأمم المتحدة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي.
ويجوز للهيئة أيضاً إصدار إحاطات موضوعية، وإطلاع الجمعية العامة على المستجدات حتى مرتين سنوياً، وإنشاء أفرقة عاملة، والتشاور مع خبراء من خارجها عند الاقتضاء. وستدرس الهيئة كذلك الفرص والمخاطر والآثار المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات غير العسكرية. وتتسم تقاريرها بأهميتها في صياغة السياسات، من دون أن تكون توجيهية أو إملائية، كما أن نتائجها لا تخضع لمراجعة الأمم المتحدة أو موافقتها.
ونشرت الهيئة تقريرها الأولي في 1 تموز/يوليه 2026، كما نشرت أول إحاطة موضوعية لها، بشأن وكلاء الذكاء الاصطناعي ومخاطر فقدان السيطرة البشرية، في 21 أيلول/سبتمبر 2026.
الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي
يجمع الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي الحكومات والعلماء والقطاع الصناعي والمجتمع المدني للعمل معاً على حوكمة الذكاء الاصطناعي. وقد صُمّم هذا الحوار ليكمّل الآليات والجهود القائمة، لا لينافسها. ودُعيت جميع الدول الأعضاء إلى المشاركة في اجتماعه الأول الذي عُقد في جنيف يومي 6 و7 تموز/يوليه 2026، وشاركت فيه 163 دولة. ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع التالي في نيويورك يومي 3 و4 أيار/مايو 2027. وتقدم الهيئة العلمية تقريرها السنوي خلال الحوار؛ فالهيئة والحوار كيانان منفصلان، لكنهما يعزز أحدهما الآخر.
وفي الحوار الأول، أشار الرئيسان المشاركان إلى بروز توافق في الآراء بشأن أربعة مجالات، هي: إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم التنمية المستدامة؛ وضرورة سد الفجوات المستمرة في البنية التحتية والقدرة الحاسوبية والبيانات والمهارات؛ واحترام حقوق الإنسان، ولا سيما حماية الأطفال من الأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، طوال دورة حياة هذه التكنولوجيا؛ والإقرار بأنه لا يمكن لأي حكومة أو شركة أو مؤسسة بمفردها أن تتولى حوكمة الذكاء الاصطناعي.
بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي في كل بلد
لا تمتلك أقل من ثلث البلدان النامية استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي. ولا يمكن الفصل بين بناء القدرات وضمان السلامة: فالبلد الذي لا يمتلك قدرة حاسوبية خاصة به لا يستطيع أن يسهم إسهاماً فعلياً في صياغة المعايير التي يناقشها بقية العالم.
وانضمت أكثر من 20 دولة إلى دعوة الأمين العام لإنشاء شبكة عالمية لتبادل الخبرات والتعاون في مجال بناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، بدعم من الأمم المتحدة. كما دعا الأمين العام إلى إنشاء صندوق عالمي لبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي، بتعهدات أولية تبلغ نحو 3 مليارات دولار من دولارات الولايات المتحدة، بهدف بناء المهارات وتوفير البيانات والقدرة الحاسوبية بأسعار ميسورة في جميع أنحاء العالم. ويمكن الاسترشاد في الجهود الوطنية بالمخطط التوجيهي للاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي والبيانات، الذي أصبحت ليسوتو أول بلد يطبّقه في آب/أغسطس 2026.
أضواء وظلال الذكاء الاصطناعي: وضع الإنسان قبل الربح
تتزايد الأدلة في هذا المجال. وقد خلصت الهيئة العلمية إلى عدم وجود ضمانات علمية تؤكد أن وكلاء الذكاء الاصطناعي لن يخالفوا التعليمات الموجّهة إليهم، وحذّرت مما وصفته بمعضلة الأدلة: فقد يحين الوقت الذي تصبح فيه الأدلة المتعلقة بمخاطر الذكاء الاصطناعي قاطعة بعد فوات الأوان لاتخاذ إجراءات بشأنها. فالابتكار يحتاج إلى ضوابط وضمانات.
وكما يشير الأمين العام للأمم المتحدة، فإن الحيطة تقتضي، في ما يتعلق بالسلم والأمن، التأكيد على أن «مصير البشرية لا يمكن أن يُترك لخوارزمية»، مشدداً على أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية على القرارات المتعلقة باستخدام القوة، بما يعزز إعمال جميع حقوق الإنسان وحمايتها.
ويتجلى ذلك بوضوح في المجالات الأربعة الرئيسية التي تثير القلق لدى الأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي:
- السلم والأمن: أصبحت المعلومات المضللة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تهدد بالفعل عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والعمليات الإنسانية، مما يعرّض الموظفين والمدنيين للخطر. وأفاد أكثر من 70 في المائة من أفراد حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة، ممن شاركوا في دراسة استقصائية حديثة، بأن المعلومات المغلوطة والمضللة أعاقت بشدة قدرتهم على أداء مهامهم.
- انتهاكات حقوق الإنسان: يُستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى ضار ونشره، بما في ذلك مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال والصور الإباحية المنشأة من دون موافقة الأشخاص المعنيين، مع استهداف النساء والفتيات بوجه خاص. وتشعر الأمم المتحدة أيضاً بقلق بالغ إزاء احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتضخيم المحتوى المعادي للسامية والمعادي للمسلمين والعنصري وكاره الأجانب.
- تهديد الديمقراطية: تشكّل قدرة الذكاء الاصطناعي المحتملة على التلاعب بالناخبين والتأثير في الرأي العام أثناء الانتخابات تهديداً كبيراً للعمليات الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.
- تقويض العلم والمؤسسات العامة: يمكن، على سبيل المثال، لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تفاقم حملات التضليل المستمرة منذ عقود، والرامية إلى عرقلة العمل المناخي، من خلال تضخيم المعلومات الكاذبة بشأن تغير المناخ والطاقة المتجددة.
الذكاء الاصطناعي ومنظومة الأمم المتحدة
حوكمة الذكاء الاصطناعي والتعاون الرقمي
أنشأت الجمعية العامة مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والناشئة في 1 كانون الثاني/يناير 2025، بهدف النهوض بالتعاون الرقمي الشامل والقائم على الحقوق والمتعدد أصحاب المصلحة، مع مراعاة الأولويات والسياقات الوطنية. ويضطلع المكتب أيضاً بدور جهة التنسيق على نطاق منظومة الأمم المتحدة في ما يتعلق بالتكنولوجيات الرقمية والناشئة.
وينسق المكتب تنفيذ الميثاق الرقمي العالمي على نطاق منظومة الأمم المتحدة. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، ينسق المكتب أعمال أمانة الهيئة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي، التي تضم أعضاء من الاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وتستفيد من القدرات والخبرات المتاحة في سائر أنحاء المنظومة. كما يشارك المكتب في الأمانة المشتركة للحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاتحاد الدولي للاتصالات واليونسكو والمكتب التنفيذي للأمين العام. ويساعد المكتب البلدان كذلك على بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك من خلال المخطط التوجيهي للاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي والبيانات.
الذكاء الاصطناعي والتعليم
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولات عميقة في جوانب شتى من حياتنا، إذ يوفّر خدمات قيّمة بفضل قدراته في مجالات مثل الإدراك وحل المشكلات والإبداع. وفي حين تسهم هذه التطورات إسهاماً إيجابياً في المبادرات العالمية، مثل خطة التنمية المستدامة لعام 2030، فإنها تثير أيضاً شواغل أخلاقية كبيرة. وتتفاقم قضايا مثل التحيز والتهديدات التي تطال حقوق الإنسان والآثار المناخية بفعل أوجه عدم المساواة القائمة مسبقاً، ولا سيما تلك التي تؤثر في الفئات المهمشة. واستجابةً لهذه التحديات، اعتمدت اليونسكو التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بهدف التصدي لهذه التحديات الأخلاقية على الصعيد العالمي.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على المساعدة في معالجة التحديات الرئيسية التي تواجه التعليم وتحويل ممارسات التدريس، دعماً لتحقيق هدف التنمية المستدامة 4. وإدراكاً لهذه الإمكانات، أصدرت اليونسكو أيضاً أول إرشاداتها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، لمساعدة البلدان على الاستجابة للانتشار السريع لهذه الأدوات.
غير أن وتيرة التغيير التكنولوجي المتسارعة تجاوزت سرعة تطوير السياسات والأطر التنظيمية ذات الصلة. ولمعالجة هذه الفجوة، وضعت اليونسكو إطار الكفاءات الرقمية لتعزيز مهارات الموظفين المدنيين والمعلمين في استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات.
الذكاء الاصطناعي والعدالة
يضطلع الجهاز القضائي بدور حيوي في حوكمة الذكاء الاصطناعي، إذ يتصدى للشواغل الأخلاقية المرتبطة بالتحيز والشفافية، مع الاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحسين إمكانية اللجوء إلى العدالة. وتوفر مبادرة اليونسكو المعنية بالقضاة موارد تدريبية لدعم السلطة القضائية في التعامل مع هذه القضايا المعقدة، وتعزيز المعايير الدولية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان.
الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية
يشارك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بنشاط في المناقشات العالمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية. ويشمل ذلك تنفيذ الميثاق الرقمي العالمي ومتابعة توصيات الهيئة الاستشارية الرفيعة المستوى المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للأمين العام. ويتعاون البرنامج تعاوناً وثيقاً مع الفريق العامل المشترك بين وكالات الأمم المتحدة المعني بالذكاء الاصطناعي، كما يقيم شراكات مع منظمات مثل الاتحاد الدولي للاتصالات واليونسكو.
وإلى جانب التنسيق العالمي، عزز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدراته الداخلية في مجال الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2024، أطلق البرنامج مبادرة AI Sprint، وهي مبادرة استراتيجية تهدف إلى تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو مسؤول في جميع أنحاء المنظمة.
وعلى المستوى القطري، يشجع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استخدام الذكاء الاصطناعي دعماً للتنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، تستخدم مختبرات التسريع الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات رصد الأرض، مثل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، من أجل تحديد أمراض المحاصيل في الكاميرون وكابو فيردي، ورصد المناطق التي تتراكم فيها النفايات في غواتيمالا والفلبين وصربيا وفييت نام، وإعداد خرائط استخدام الأراضي والغطاء الأرضي في إكوادور والهند.
الذكاء الاصطناعي والعمال
قد تؤدي ثورة الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة الاقتصادية بين البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة الدخل. فعلى الرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على تحفيز الابتكار وزيادة الإنتاجية، فإن التفاوت في الاستثمار في تكنولوجياته واعتمادها يعني أن البلدان المرتفعة الدخل يُرجّح أن تجني فوائد أكبر بكثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وقد يؤدي هذا التفاوت، الذي يتجلى بوضوح خاص في أفريقيا، إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، في ظل مواجهة البلدان النامية نقصاً في البنية التحتية الرقمية ومحدودية الوصول إلى التعليم الجيد. ولمعالجة هذه التحديات، حددت منظمة العمل الدولية (ILO) ثلاثة محاور رئيسية للسياسات، هي: تحسين البنية التحتية الرقمية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وبناء المهارات في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتحتاج البلدان النامية إلى أدوات رقمية قوية لدعم اعتماد الذكاء الاصطناعي، في حين ينبغي للبلدان المرتفعة الدخل أن تساعد على نقل المعارف والخبرات التكنولوجية. ويكتسي الاستثمار في التعليم والتدريب أهمية حاسمة لتزويد القوى العاملة بالمهارات اللازمة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وعلاوة على ذلك، فإن تعزيز الحوار الاجتماعي أمر أساسي لضمان احترام التطورات التكنولوجية لحقوق العمال وتحسين جودة الوظائف. ويسلط تقرير عالمي صدر في عام 2025 بشأن الذكاء الاصطناعي والسلامة والصحة المهنيتين الضوء على الفرص الجديدة والمخاطر الناشئة في أماكن العمل. وفي السياق نفسه، تدعو دراسة «الانتباه إلى الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي» واضعي السياسات وقادة القطاع الصناعي والمنظمات الدولية إلى العمل معاً لضمان مستقبل للذكاء الاصطناعي يتسم بالإنصاف والشمول.
الذكاء الاصطناعي والأطفال
لا ينبغي أن يكون أي طفل موضوعاً للتجارب باستخدام نظم ذكاء اصطناعي غير خاضعة للتنظيم. وقد دعا الأمين العام إلى اعتماد تعهد بشأن سلامة الأطفال في مجال الذكاء الاصطناعي، يستند إلى ثلاث قواعد بسيطة لأي نظام يمكن للأطفال الوصول إليه:
- إثبات السلامة: ينبغي ألا تنشر أي شركة نظاماً للذكاء الاصطناعي يمكن للأطفال الوصول إليه من دون إخضاعه لاختبارات سلامة مخصصة للأطفال وإشراف مستقل.
- عدم التسامح مطلقاً مع الاعتداء الجنسي: ينبغي ألا تسمح أي شركة لنظام الذكاء الاصطناعي التابع لها بإنشاء صور جنسية للأطفال، ويجب على كل شركة اكتشاف هذه الصور والإبلاغ عنها وإزالتها.
- عدم ترك أي طفل يواجه أزمة بمفرده: عندما تظهر على طفل علامات الضيق أو المعاناة، يجب على النظام التوقف وإحالته إلى دعم بشري فعلي.
وأطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) مبادرة «Generation AI» لضمان احترام نظم الذكاء الاصطناعي حقوق الأطفال. وتركز المبادرة، التي تُنفّذ بالتعاون مع شركاء من بينهم المنتدى الاقتصادي العالمي وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، على تعظيم الفرص المتاحة للأطفال مع الحد من المخاطر المرتبطة بتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. وتراقب المنظمة أيضاً الاتجاهات العالمية في هذا المجال عن كثب من خلال تحليلها لعام 2025 بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وقد وضع صندوق الأمم المتحدة للطفولة توجيهات بشأن السياسات لتعزيز حقوق الأطفال في السياسات والممارسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وتؤكد هذه التوجيهات أهمية مراعاة احتياجات الأطفال وحقوقهم عند تطوير نظم الذكاء الاصطناعي ونشرها.
الذكاء الاصطناعي والصحة
نشرت منظمة الصحة العالمية (WHO) إرشادات شاملة بشأن الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. ويحدد هذا الإطار مبادئ لضمان تصميم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتنفيذها على نحو يضع رفاه الإنسان في المقام الأول ويحافظ على حقوق الإنسان. واستكمالاً لهذه الإرشادات، يقدم تقرير إقليمي جديد أول تقييم شامل على مستوى الإقليم لكيفية إدماج الذكاء الاصطناعي في النظم الصحية.
وبالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، أنشأت منظمة الصحة العالمية هذه المبادرة لإيجاد منصة تتيح للجهات المعنية مناقشة المعايير الخاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ووضعها، بما يضمن تسخير إمكانات هذه التكنولوجيا على نحو مسؤول.
الذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي
تشكّل منصة اختبار الذكاء الاصطناعي التابعة لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) بيئة تجريبية لاختبار مشروعات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح للبرنامج تقييم جدوى حلول الذكاء الاصطناعي وأثرها قبل تنفيذها. ويضمن هذا النهج عدم نشر سوى الأدوات الفعالة والمسؤولة في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويتسق هذا النهج مع الاستراتيجية العالمية للذكاء الاصطناعي للفترة 2025-2027 التي وضعها برنامج الأغذية العالمي، والتي تدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف عملياته بهدف الاستخدام الأمثل للموارد، وتعزيز الاستجابة لحالات الطوارئ، وتحسين التدخلات الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي.
وبالتعاون مع مجموعة علي بابا، أطلق برنامج الأغذية العالمي نظام «Hunger Map LIVE»، وهو نظام عالمي لرصد الجوع يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويتنبأ بمستويات الجوع ويرصد شدتها في أكثر من 90 بلداً، مما يساعد على تنفيذ تدخلات سريعة وموجهة.
الذكاء الاصطناعي واللاجئون
تستخدم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتحسين الاستجابة الإنسانية من خلال برنامج الابتكار في مجال البيانات، الذي يوفر الخدمات والتدريب بشأن الاستخدام الأخلاقي للبيانات، ويتعاون مع الشركاء لاستكشاف نهج مبتكرة.
ويعزز هذا العمل نهج المفوضية إزاء الذكاء الاصطناعي، وهو إطار قائم على الحقوق ومحوره الإنسان، يوضح كيفية توظيف المفوضية للذكاء الاصطناعي لتعزيز الحماية، ودعم اتخاذ القرارات الإنسانية، وتحسين تقديم الخدمات.
وعلاوة على ذلك، يستخدم مشروع «Jetson» أداة للتحليلات التنبؤية تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتحركات السكان، مما يمكّن المفوضية من استباق التدفقات المحتملة للاجئين والاستعداد لها، وبالتالي تحسين استراتيجيات الاستجابة.
الذكاء الاصطناعي والقطاع الخاص
يمثل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة مبادرة طوعية تستند إلى التزامات الرؤساء التنفيذيين بتنفيذ مبادئ الاستدامة العالمية واتخاذ خطوات لدعم أهداف الأمم المتحدة. ويشجع الاتفاق مؤسسات الأعمال في جميع أنحاء العالم على مواءمة عملياتها واستراتيجياتها مع المبادئ العالمية العشرة في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة ومكافحة الفساد. وهو أكبر مبادرة في العالم معنية باستدامة الشركات ومسؤوليتها الاجتماعية.
ومع اقتراب عام 2030، تكتسب الحلول المبتكرة أهمية أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويضطلع القطاع الخاص، الذي يسهم بأكثر من 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بدور محوري في دفع عجلة الابتكار وتسخير الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل التنمية المستدامة.
ويتضمن تقرير الاتفاق العالمي للأمم المتحدة المعنون «الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل تحقيق الأهداف العالمية» استراتيجيات عملية ودراسات حالات ورؤى بشأن إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي، فضلاً عن موارد لدعم تنفيذه على نحو مسؤول.
الموارد
- مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والناشئة (ODET): حوكمة الذكاء الاصطناعي
- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR): مورد بشأن الذكاء الاصطناعي | مركز حقوق الإنسان الرقمي
- منظمة الصحة العالمية (WHO): تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل الصحة
- المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO): أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته
- برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP): حلول الذكاء الاصطناعي من أجل البيئة
- اليونسكو: إرشادات بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي
- الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU): الذكاء الاصطناعي من أجل الخير
- الاتفاق العالمي للأمم المتحدة: المكتبة المرجعية للاتفاق العالمي للأمم المتحدة
- مجلس الرؤساء التنفيذيين في منظومة الأمم المتحدة المعني بالتنسيق: الذكاء الاصطناعي
- الهيئة الاستشارية الرفيعة المستوى المعنية بالذكاء الاصطناعي: حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل البشرية
- الميثاق الرقمي العالمي للأمم المتحدة: الميثاق الرقمي العالمي
- الميثاق الرقمي العالمي للأمم المتحدة: الهيئة العلمية والحوار بشأن الذكاء الاصطناعي
- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد): تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
