سلسلة ورقات المناقشة
الورقة الخامسة
محرقة اليهود كعلامة هادية لاكتشاف الإبادة الجماعية ومنعها في أفريقيا
بقلم إدوارد كيسي
الأستاذ المساعد لتاريخ أفريقيا، جامعة سوث فلوريدا (الولايات المتحدة).
يجب علينا أن نتذكر وأن نستخلص دروساً مستفادة من الجرائم المرتكبة ضد اليهود أثناء المحرقة إذا ما أردنا أن نمنع وقوع مآسي مماثلة في المستقبل. وينبغي أن تكون أفريقيا متيقظة لهذه الأخطار في ضوء ماضيها القريب.
وتوحي الأحداث التي وقعت في أفريقيا منذ الإبادة الجماعية في رواندا 1994 إلى استمرار الاستهداف المتعمَّد لفئات مقولبة نمطياً، مع النية المعلنة بإبادتها. وهذا يعزِّز درسين بارزين في سلوك الحكومات وردود أفعال المجتمع إزاء الإبادة الجماعية. فأولاً، أي حكومة تتقلَّد السلطة وتصر على متابعة برنامج إبادة فئات معيَّنة، باسم احتكار السلطة أو إنشاء ما يفترض أنه مجتمع نقي وكامل، في كثير من الأحيان تنجح في القيام بذلك. وتصور الأيديولوجيات والأفعال التي قام بها النظام النازي وحكومة رواندا التي تتزعمها قبيلة الهوتو هذه الحقيقة المؤسفة. وهناك أيضاً عدد من العناصر الفاعلة والعوامل التي تضاعف من العنف ضد الفئات العرقية التي تعتبر غير عربية أساساً في دارفور والتي يمكن أن تعرض للخطر وجود هذه الفئات إذا لم تتخذ خطوات عما قريب لحمايتها. وثانياً، قد يكون هناك شيء يتربص لجوهر الإنسانية بحيث يجتذب البشر إلى ممارسة العنف أو يجعلهم لا مبالين بالعنف المرتكب ضد الآخرين. فالاستجابات الفاترة من جانب المجتمع إزاء مصير يهود أوروبا في غضون الحرب العالمية الثانية، وإزاء التوتسي أثناء الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994، تلقي الضوء على هذا.
في حين قد تشير الاحتجاجات الشفوية إلى فيض من اللياقة والود في الإنسانية بحيث يمكن أن يستفاد بها لمنع الإبادة الجماعية، قد يتطلب الأمر لمنع الإبادة الجماعية نُهجاً جديدة مثل الاستجابات العملية، الهرمية من القاعدة إلى القمة، على المستويات المحلية ودون الإقليمية، للاستعاضة عن الآليات الحالية البيروقراطية الدولية والتي تبدأ من القمة إلى القاعدة.
وقد يتأتى واحد من هذه النُهج في عملية إنقاذ، يتم التفاوض بشأنها وتساعدها العناصر الفاعلة المحلية ودون الإقليمية، وتهدف إلى نقل الفئات المستهدفة من البيئة التي تقع فيها الإبادة الجماعية. ومثال لذلك هو عملية النقل الناجحة، بالبر والجو، لليهود الإثيوبيين المعرضين للخطر من إثيوبيا إلى إسرائيل في الثمانينات. وكانت ضرورة الدخل السريع درساً قيماً مستفاداً من محرقة اليهود، عندما أخفقت عناصر فاعلة دولية- الدول المتحالفة القوية واسعة الحيلة في التصرف لتنقذ أو تنجي اليهود الأوروبيين في ألمانيا النازية. وبالتأكيد، ترتبط أية عملية إنقاذ أو رحيل جماعي متفاوض عليه للفئات المهددة بالخطر استعداد العناصر الفاعلة المحلية والإقليمية، مثل السودان، في الحالة الإثيوبية، للمساعدة في عملية الإنقاذ، أو إسرائيل كدولة أخرى أو كمجتمع آخر سواء في الجوار أو على بُعد، لقبول الجماعة المهددة بالخطر. ويمكن إيجاد هذا الاستعداد بسهولة عندما يصل الأفراد وبقية المجتمع إلى اعتبار الإنقاذ عوناً لا غنى للإنسانية عنه في وقت الخطر، واعتبار عدم الاكتراث بمحنة المستضعفين نوعاً من الوقوف موقف المتفرج وهو ما يشبه موقف مرتكب جريمة الإبادة الجماعية.
وتشير الاعتذارات التي تواصل الدول ورؤساء الحكومات السابقون تقديمها عن عدم بذل ما فيه الكفاية لإنقاذ الضحايا من الإبادة الجماعية إلى الآثار المترتبة عن ذلك على الفرد والمجتمع لوقوفهما موقف المتفرج. ويمكن لذكريات الوقوف موقف المتفرج في حين كان يجري ذبح زملاء من بني البشر أن تسبب صدمة نفسية للأفراد الذين يشاهدون الإبادة الجماعية ولكن كان من الممكن أن يساعدوا على الحيلولة دون وقوع ذلك. وهذا يعمل في كثير من الأحيان على أن يشعر المتفرجون طويلاً بتأنيب الضمير لافتقارهم إلى السلوك الأخلاقي وإلى غضب أجيال المستقبل لأنهم لم يفعلوا شيئاً لمنع أو قف العنف.
إن القرن الحادي والعشرين يتطلب حرباً عالمية على الإبادة الجماعية مع تخصيص الكثير من الموارد وإيلاء الاهتمام مثل الحرب العالمية على الإرهاب الجارية حالياً. وتحقيق النجاح في حرب عالمية على الإبادة الجماعية سوف يعتمد، دون شك، على نُظم إنذار مبكر بشأن الإبادة الجماعية بحيث يمكن اكتشاف علامات تشير إلى أن إبادة جماعية يجري ارتكابها.
علامات تشير إلى إبادة جماعية
تمخضت الدراسات المقارنة للإبادة الجماعية منذ وقوع محرقة اليهود عن معلومات هامة بشأن علامات التحذير المبكر لوقوع إبادة جماعية وشيكة. وهذه العلامات تشمل البيانات الإذاعية عن خطب الكراهية وتبشيع صورة فئات مستهدفة (كما حدث في حالة رواندا). وأية تحركات جماعية عبر الحدود لفئات محدَّدة إلى دول مجاورة (كما في تحركات الشعب الجارية من دارفور إلى تشاد) يمكن أن تكون علامة تشير إلى أن شكلاً من أشكال الاضطهاد المستهدف لهذه الفئات يحدث في بلدان إقامة هذه الجماعات. فمنع الفئات المضطهدة من الفرار، وخصوصاً عندما يتسم هذا بعمليات قتل بدنية لأفراد الفئات، إنما يفضح نية قائمة أو متكشفة من جانب القائمين بممارسة الاضطهاد، لإفناء تلك الجماعة. كما أن النزاعات المديدة على السلطة والسيطرة على الدولة ما بين الحكومات والجماعات المسلحة، ولا يظهر أي من المتحاربين أية رغبة في تسوية شكاواهم بالطرق السلمية، يمكن أن يخلق هذا حالة إبادة جماعية. فقد وجد هذا الموقف في إثيوبيا، في الفترة من سنة 1977 حتى سنة 1991، عندما تحاربت الحكومة العسكرية في إثيوبيا ومعارضوها المسلحون على مسائل السلطة والانفصال وتقرير المصير حسب الأصل العرقي. وتوجد نفس الحالة في دارفور، حيث ما انفكت حكومة السودان وحركات المتمردين المسلحين تتحاربان منذ شباط/فبراير 2003 على مسائل السلطة والحكم الذاتي الإقليمي، وتقرير المصير حسب الأصل العرقي وتوزيع موارد التنمية. وتواجدت حالة إبادة جماعية في رواندا، في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 1990 إلى آذار/مارس 1994، بسبب الحرب المسلحة الدائرة بين حكومة يسيطر عليها الهوتو والجماعة المسلحة المناهضة للحكومة بقيادة التوتسي، وهي الجبهة الوطنية لرواندا، على مسائل مشابهة. وكما نعرف الآن، يمكن لحالات الإبادة الجماعية بسهولة أن تفضي إلى إبادة جماعية فعلية.
الدروس المستفادة من محرقة اليهود
في كثير من الأحيان، يستخدِم مرتكبو جريمة الإبادة الجماعية، كما تؤكد الدروس المستفادة من محرقة اليهود، ستار الحرب لمتابعة خطة مدبّرة لإبادة فئات معيّنة. وقد أخفقت الدول المتحالفة في كشف علامات إنذار سافرة ودقيقة تشير إلى أن إفناء يهود أوروبا يشكّل جزءاً أساسياً من أهداف حرب النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، أو ببساطة تجاهلت تلك الدول علامات الإنذار. ونتيجة لذلك، بدا أن الدول المتحالفة كانت أكثر اهتماماً بدحر ألمانيا النازية من إنقاذ اليهود، ربما متجاهلة الحقيقة ومفادها أن كثيراً من الهدف النازي المستتر وهو إبادة يهود أوروبا، كان قد أُنجِز عندما خيّم وقت النصر. كما أن أعمال القتل المستهدفة التي ارتكبها متطرفو الهوتو ضد التوتسي في رواندا حدثت في سياق حرب طويلة الأمد بدا فيها وقف إطلاق النار ومؤتمرات السلام المتفاوض عليها هي أهداف السلام العليا، التي ينشدها الوسطاء الدوليون. ومن ثم، ينبغي أن تُراقَب بدقة حروب الاستنزاف الطويلة الأمد في أفريقيا لأن أي قتل منهجي لفئات معيّنة في إبادة جماعية فعلية كان صراعاً محلياً مستتراً على السلطة. واتخاذ إجراء عملي إزاء علامات الإنذار هذه في مراحلها المبكرة هو أفضل الطرق لمنع إبادة جماعية ماثلة في إطار الحرب.
زيادة على ذلك، كان النازيون يتطلعون إلى خلق دولة ألمانية (رايخ ألماني) أوسع نطاقاً، أو ألمانيا العظمى استناداً إلى أفكار معلنة بوضوح تتمثل في ضم أراضٍ خارج ألمانيا، تسكنها شعوب تتكلم الألمانية. وتضمّنت التطلعات المثالية النازية أيضاً آمالاً في احتياز أراضٍ أوسع والسيطرة عليها باسم خلق حيّز معيشي للألمان. ولدى قارة أفريقية رُسمت حدودها الاستعمارية بشكل استبدادي، وشكّلت مناطق طبيعية عرقية الكثير مما تخشاه من هذه الطموحات الإقليمية على النمط النازي. فالناس الذين يعيشون في منطقة القرن الأفريقي لا بد وأن يتولوا المسؤولية الأخلاقية لمعارضة الفكرة المتلبثة الخاصة بالصومال الأكبر التي ألهمت دعاة الانضمام الوحدويين الصوماليين منذ سنة 1962 إلى السعي وراء ضم أراضٍ في كينيا وإثيوبيا وجيبوتي تسكنها جماعات عرقية صومالية. فوجود سياسة صومالية للضم القومي الوحدوي في القرن الأفريقي، على النمط الألماني الاندماج anschluss و الحيّز المعيشي lebensraum في وسط أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية، قد لا يكون شيئاً محتملاً. ومع ذلك، تنذر محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا بأن الشيء غير المتصوّر أحياناً يمكن أن تحرّكه بضعة أشخاص على ظهر دبابات مع أفكار مثالية خيالية. ومع ذلك، ليس كل عملية قتل في أثناء الحرب، أو حزازات وأنماط مقولبة معلَنة صراحة بشأن جماعات معيّنة تشير إلى وقوع إبادة جماعية جارية أو قيد النظر.
وينبغي أن تنبّه محرقة اليهود أيضاً الأفارقة، والدول الأفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى أشخاص معدودين آخرين ضحايا لهذه الإبادة الجماعية إلى جانب اليهود الأوروبيين: الأشخاص المثليون. فالثقافات التي تُلهم مشاعر الخوف والكراهية ضد المثليين والسحاقيات يمكن أن تكون مكامن للإبادة الجماعية، وينبغي مراقبتها بدقة.
المسؤولية عن الحماية مقابل الالتزام بالمنع
رغم أن الدراسات عن محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا ليست كافية للتنبؤ بوقوع إبادة جماعية، فإنها أثارت فجأة وبشدة الرأي العالمي نحو التزام بمنع الإبادة الجماعية أو التدخّل في عملية إبادة جماعية لإنقاذ الأرواح. وقد دعا قادة العالم أثناء انعقاد مؤتمر القمة العالمي في سنة 2005 إلى قبول مبدأ عالمي بشأن المسؤولية عن حماية المدنيين من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية عندما تكون الحكومات غير راغبة في القيام بذلك.
وهذا هو مبدأ عالمي آخر جدير بالثناء، بين مبادئ كثيرة أُعلنت منذ سنة 1945، بيد أن السؤال هو: على من تقع المسؤولية عن حماية فئات مستهدفة؟ وما هو أفضل شكل يكون للحماية لكي لا يشهد العالم تكشف إبادة جماعية أخرى؟
وفي ضوء التاريخ المختَلط بالتصديات الدولية للإبادة الجماعية، بما في ذلك البعثات الوقائية لإنقاذ المدنيين من المحرقة إلى الملاذات الآمنة التابعة للأمم المتحدة والتي لم توقف الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا في أوروبا الشرقية إلى تكشف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، فإن أفضل حماية هي في الحقيقة، المنع. كما أن إجراء من القمة هبوطاً بقيادة الولايات المتحدة أو بتكليف من الأمم المتحدة، أو تدخلات إنسانية مسلحة أو نظام فرض جزاءات قد لا يكون هذا هو الأفضل أو الطريقة العملية لتنفيذ هذا الالتزام على أرض القارة الأفريقية.
وتشير عمليات الإبادة الجماعية التي وقعت في الماضي إلى أن انتظار التدخل الخارجي أو تحمّل مسؤولية دولية لحماية فئات مهددة بالخطر قد يستغرق وقتاً طويلاً ومراوغاً ويحصد أرواح الكثيرين. أما نجاح مسؤولية الحماية كمبدأ أخلاقي، فيمكن تنفيذه على أفضل وجه من خلال المساعي المحلية ودون الإقليمية مع بعض العون الخارجي.
وقد كان التاريخ القريب للإجراءات الوقائية الإقليمية لحماية المدنيين شيئاً مشجعاً أكثر من بدائلها الدولية. فمع بعض العون من الولايات المتحدة، أوقف فريق الرصد التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا النزاع المسلّح والعنف في ليبيريا وسيراليون في التسعينات. فالقرب من المنطقة ومعرفتها وإمكانية أن تستطيع دول في المنطقة، مثلما في حالة غرب أفريقيا، أن تنظّم بسهولة بعثات لإنقاذ الجماعات المستهدفة، هذه توفر وقاية أفضل وأسرع وأنجع.
ووجود التزامات دون إقليمية إزاء مسؤولية لحماية المدنيين من جرائم ضد الإنسانية يعني أنه لا بد من وجود مكاتب خاصة للكشف والإبلاغ عن علامات الإنذار المبكر داخل هذه الأجهزة الإقليمية. ومن الممكن أن يساء استعمال التدخلات دون الإقليمية من القوى الإقليمية. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الاحتمال إلى أدنى حدّ بمنح دور للأمم المتحدة في مبادرة دون إقليمية جديدة خاصة بمنع الإبادة الجماعية وبحماية المدنيين. ويستطيع الدعم اللوجستي من الأمم المتحدة والحوافز المالية أن تفيد فيما تقوم به قوات التدخل الإقليمية من استنجاد وكبح لإساءة استخدام هذه التدخلات من جانب القوى الإقليمية. وتستطيع البلدان الأفريقية أن تُعدّ جموع السكان الوطنيين على قبول إمكان حدوث وفيات لقواتها أثناء تقديم خدمة أخلاقية لحماية جماعات في بلدان مجاورة توجد معها روابط ثقافية في منطقة يعتبر استقرارها شيئاً أساسياً لأمن هذه الشعوب.
وقد كانت النزاعات المسلحة بين الحكومات والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة هي أكبر الأسباب لوقوع الجرائم ضد المدنيين في أفريقيا المعاصرة. فقادة الدول المصرّون على احتكار السلطة أو استخدامها لتحديد توزيع الموارد يصرّون على عقاب المدنيين المفتَرض أنهم يتعاطفون مع المسلحين المناوئين للدولة. وقد كشف تاريخ هذه النزاعات منذ السبعينات في إثيوبيا وليبيريا وسيراليون ورواندا والسودان أن جماعات التحرير أو مليشيات التحرير المسلحة المتحاربة في أفريقيا ليسوا ضحايا أبرياء لإرهاب الدولة. فالحكومات وجماعات المتمردين المسلحين من غير المحتمل أن يقوموا بحماية السكان المدنيين المفترض أنهم يعارضونهم. ومن ثم في دارفور مثلاً، قد يحتاج الإنسان إلى أن يتجاوز التزاماً بحماية السكان المدنيين من جرائم ضد الإنسانية مثل حرق القرى واغتصاب النساء. ومن الأمور الأساسية لزعماء العالم (الذين يُتصوَّر بشكل عام أن من بينهم قادة الدول الأفريقية) أن يتحملوا التزاماً آخر بأن يكونوا متوازنين في إداناتهم لمرتكبي الأفعال الإجرامية.
فإذا كان أحد يريد أن يدين دولة السودان، ينبغي بنفس الطريقة إدانة المسلحين المناوئين للحكومة السودانية مثل جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. فعدم إدانة أفعال جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة (تسمى الآن جبهة الخلاص الوطني) الذي يمكن أن يبتلع هذا كامل المنطقة الفرعية للقرن الأفريقي في عنف الإبادة الجماعية، معناه إغماض العين وتشجيع السلوك الخطر أخلاقياً لهذه الجماعات المسلحة من غير الدول.
وبجانب الجهود دون الإقليمية المبذولة للحماية، من الضروري أيضاً إقرار مبدأ المسؤولية عن الحماية في إطار أوسع نطاقاً في الجهود المحلية لمنع الإبادة الجماعية. وقد حان الوقت لكي تُستخدَم أيضاً المؤسسات المألوفة ثقافياً، بقيمها الكامنة لديها، في إعداد نظام من المسؤوليات الأخلاقية الأصلية لمعارضة الإبادة الجماعية والعبارات البلاغية المحرّضة على الإبادة الجماعية. وينبغي للناشطين في مجال حقوق الإنسان في كل بلد أفريقي إنشاء مجالسهم المحلية الخاصة التي تضم الشيوخ و قيادات المجتمعات المحلية. فهؤلاء الشيوخ وقيادات المجتمعات المحلية يحظون بوقار كبير في ثقافاتهم المحلية. وباستغلال أدوارهم في المجتمع والاحتكام إلى الأعراف المنسية التي كانت من قبل تُجَرّم أفكار الإبادة الجماعية، يستطيع هؤلاء العمل خارج أُطر الدول لجعل منع الإبادة الجماعية وجميع أشكال القتل الجماعي التزاماً عرفياً مرة أخرى. ومع هذا، فإن النجاح في مجال الإبادة الجماعية، في أي مكان، يتوقف على رغبة السكان المحليين لقبول أو للتغاضي عن الهلاك البدني لمجموعة معيّنة فيما بينهم. فإذا أراد مرتكبو الأفعال الإجرامية في أفريقيا الرد بمعارضة الشيوخ المحليين ذوي النفوذ أو بمعارضة التدخل من بلدان المنطقة الفرعية لإنقاذ الضحايا أو حمايتهم، قد يعيد هؤلاء الجناة النظر في رغباتهم. وإذا أمكن لمجتمع يتسم بالشجاعة وصحوة الضمير، أثناء استمرار إبادة جماعية أن يجعل من المستحيل على الجناة أن يحققوا النجاح، لن يكون من الضروري الاضطلاع بمسؤولية دولية مكلِّفة لحماية المدنيين.
عقلية مرتكبي الجرائم
صار من يرتكب الإبادة الجماعية أو يدعمها من الدول والقادة يعتقدون أنهم يستطيعون المضي قُدماً دون مواجهة اعتراض من شعوبهم وجيرانهم ومن بقية العالم. وهنا، مرة أخرى تعتَبر الدروس المستفادة من محرقة اليهود جديرة بالذكر بأسوأ معاني الدروس. فالطريقة التي وقعت بها محرقة اليهود، وخصوصاً في الاستجابة الدولية الفاترة في ذلك الوقت، جعلت حدوث أفعال إبادة جماعية لاحقة أكثر احتمالاً. ويبدو أن مرتكبي الجرائم بعد وقوع محرقة اليهود استوحوا الإلهام من المحرقة. فقد استخرج هؤلاء لأنفسهم عناصرها الأساسية وصورها واقتدوا بها من حيث عدم وجود جهود محلية ودولية منظمة للإنقاذ أو الحماية. وكما تفصِح اليسون ديس فورج في كتابها لا تدع أحداً يحكي الرواية Leave None To Tell the Story(1999)، بدا أن رئيس جمهورية رواندا، جوفينال هابياريمانا و أخلاءه قد أُعجبوا بشخصية أدولف هتلر ودولة الرايخ الثالث فقد كان لدى هابياريمانا في مقر إقامته نُسخ من أفلام عن هتلر والنازية، ويحتمل أنه شاهدها. وقلّد القوميون الهوتو في رواندا أساليب أخرى استعملها الرايخ الثالث الألماني. وما أصبح معروفاً بأنه الوصايا العشر التي يتبعها الهوتو حرّضت إلى حدٍ ما الهوتو على الحفاظ على نقاء هويتهم بالامتناع عن الزواج رجالاً ونساءً من التوتسي. وهذا هو أقرب ما وصل إليه مصممو وداعمو الإبادة الجماعية في رواندا فيما يتعلق بعملية الإنجاب في ذلك البلد في كانون الأول/ديسمبر 1990، حيث استنسخوا قوانين نورنمبرغ التي سنّها النظام النازي في ألمانيا في أيلول/سبتمبر 1935، هو نفس الغرض وهو الحفاظ على نقاء الجنس الآري من خلال إجراءات تحريم الزواج بين اليهود والألمان. وكان مرتكبو جرائم الإبادة الجماعية من الهوتو قريبين أيضاً من النازي في الطريقة التي قلّلوا بها من قيمة ضحاياهم من التوتسي. فاليهود بالنسبة للنازيين كانوا يعتبَرون هوام عالة على المجتمع يتعيَّن إبادتهم من المجتمعات الصناعية في أوروبا وبقية العالم. أما مرتكبو الجرائم الهوتو فقد كانوا يعتَبرون التوتسي صراصير لا بد من البحث عنهم وقتلهم في المجتمع الزراعي في رواندا. وقد اعتاد المذيعون في محطات الإذاعة التي يسيطر عليها الهوتو على التحريض على الإبادة الجماعية، حيث قاموا دون حياء بتحريض المستمعين إليهم بقتل جميع التوتسي والهوتو المعتدلين دون إعارة أي اهتمام للرأي أو الاستجابة على الصعيد الدولي. وبالتالي فإن اليسون ديس فورج على صواب في القول بأن مرتكبي الجرائم الهوتو قد عرفوا أن هذا النوع من المذبحة سوف يتغاضى عنها المجتمع الدولي.
ورغم أن بعض الناس العاديين وغير المستنيرين يساعدون على ارتكاب الإبادة الجماعية، فإن أولئك الذين يشرعون في الإبادة الجماعية ويخططون لها هم من غير الناس العاديين ولا من المستنيرين. لكن الذين خططوا مؤخراً لارتكاب الإبادة الجماعية في أفريقيا كانوا من النُخب المتعلمة جيداً الذين لديهم فهم ملحوظ للشؤون السياسية الدولية وعمليات المنظمات الدولية. كما أن هؤلاء قرأوا عن مصير اليهود في الحرب العالمية الثانية. أما في أفريقيا في فترة ما بعد الاستعمار، يمكن لأشخاص الصفوة الذين يباشرون في ارتكاب الإبادة الجماعية أن يصوّروا أي تدخلات دولية بأنها مثال آخر للتدخل والعبث الأجنبي أو للاستعمار الجديد. وهذا الاتهام تتردد أصداؤه في القارة الأفريقية. وهو يستمد قوته وجاذبيته من ذكريات السيطرة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ والتدخل الفاشل من الأمم المتحدة في الكونغو وعمليات التآمر اللاحقة أثناء الحرب الباردة على القارة في الستينات. وهذه الحقائق تشجّع المستنيرين مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية في أفريقيا على الاعتقاد بأنهم يستطيعون الإفلات من عقوبة القتل. وهكذا، من الضروري وضع استراتيجيات جديدة لمنع الإبادة الجماعية في أفريقيا بحيث لا تعتمد على عناصر فاعلة دولية.
الخاتمة: التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية
ينبغي أن تتضمّن استراتيجيات التوعية بالإبادة الجماعية وحماية المدنيين في أفريقيا أيضاً التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية. وتستطيع الأمم المتحدة أن تزوّد البلدان الأفريقية بلقطات ومشاهد مرئية لمحرقة اليهود وعمليات الإبادة الأخرى مع ترجمات باللغات المحلية لكي تُعرض في المناطق الريفية والحضرية. وينبغي أن تتزامن ذكريات محرقة اليهود في أفريقيا مع تكليف من الدولة بتدريس موضوع الإبادة الجماعية في جميع المدارس والأكاديميات العسكرية لتجديد الشعور بالتقدير والاحترام للآخرين. وينبغي تعزيز هذه البرامج التعليمية ذات الدلالة في السنوات المدرسية المبكرة قبل أن تنمو عقليات تتقبل الإبادة الجماعية. وينبغي وضع التثقيف ذي الدلالة بشأن المحرقة والإبادة الجماعية في أفريقيا في إطار الذكريات التاريخية المألوفة ومناقشة أوسع لدرس من أهم دروس المحرقة: الثمن المؤلم للتعصّب. وهذه الذكريات تشمل التاريخ الخاص بتجارة الرقيق، ومشاركة الشيوخ الأفارقة والتجار فيها وإبادة جماعات عرقية معينة باسم التقدّم والتهدئة في أفريقيا تحت نير السيطرة الاستعمارية الأوروبية. وهذه الجرائم المنقوشة في الذاكرة الجماعية للأفارقة، نشأت من نفس التعصّبات الإنسانية وعدم المبالاة بحياة الإنسان والتي انحطت بإنسانية اليهود الأوروبيين وأسفرت عن محرقة اليهود.
ويعمل العون من الخارج على رفع الروح المعنوية. لكن في نهاية المطاف، حلول الإبادة الجماعية والأشكال الأخرى من أعمال القتل الجماعي في أفريقيا لا بد وأن تجيء من الداخل. ويعتَبر أفضل تعبير عن الاستقلال، هو مشاهدة الإنسان قادراً على حلّ مشاكله الخاصة، وليس بجعلها مسؤولية تقع على كاهل الآخرين.
أسئلة للمناقشة
- (1) لماذا قد يكون للتدابير المحلية والإقليمية لمنع الإبادة الجماعية تأثير في أفريقيا أفضل من النُهج الدولية؟ وما هي بعض العقبات التي تحول دون تدخل دولي فعّال في النزاعات المسلحة الأفريقية؟
(2) أسفرت الدراسات المقارَنة منذ حدوث محرقة اليهود عن معلومات هامة حول علامات الإنذار المبكّر بحدوث إبادة جماعية وشيكة. ما هي علامات الإنذار هذه وكيف يمكن تطوير جهاز إنذار مبكّر لرفع إنذارات الخطر على الصعيدين الإقليمي والدولي؟
(3) ما هي أوجه التشابه التي يمكن استشفافها بين محرقة اليهود والإبادة الجماعية في أفريقيا؟
(4) لماذا ينبغي إدراج الدروس التاريخية للمحرقة في المنهاج التعليمي للمدارس الأفريقية؟ وما الذي يمكن أن يستفيده تلاميذ المدارس الأفريقية من المعرفة بشأن مآسي الحرب العالمية الثانية؟
سلسلة ورقات المناقشة
الورقة العاشرة
تراث الناجين : تذكر الاضطهاد النازي لطائفتي روما والسنتي - مفتاحاً لمكافحة العنصرية في العصر الحديث
بقلم أندريه ميرجا
مستشار بارز في قضايا طائفتي روما والسنتي
منظمة الأمن والتعاون في أوروبا
مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان
في 27 كانون ثاني/ يناير 1945، شكل تحرير معسكر الاعتقال أوشفيتز الخلاص لـ 7,000 سجينا تمكنوا من البقاء على قيد الحياة رغم التعذيب والتجويع والأمراض، والتجارب الطبية، وعمليات الإعدام وغرف الغاز. ولم يكن أفراد طائفتي روما والسنتي بين هؤلاء الناجين. فقبل نصف عام من التحرير، وفي ليلة 2 آب/ أغسطس 1944، قتل 2,897 من نساء وشيوخ وأطفال طائفة روما في غرف الغاز، في ما يسمى بـ زجيىنرلاجر أو مخيم الغجر والذي انشأ بموجب مرسوم هيملر في كانون الأول / ديسمبر عام 1942. وكان أفراد الطائفة قد عانوا حتى ذلك الحين من كل ما يمكن تصوره من الفظائع. وبلغ عدد المعتقلين من الروما والسنتي في معسكر أوشفيتز حوالي 23,000 ، منهم ما يقارب من 13'000 من ألمانيا والنمسا وآخرون من البلدان التي تخضع لحكم الرايخ الثالث أو متعاونة معه. وبين نيسان / ابريل وحزيران/يوليو 1944 نقل حوالي 3.500 من أفراد روما والسنتي إلى معسكرات أخرى. ونجا البعض منهم من الاضطهاد، غير أنه في النهاية تم إبادة 85 في المئة من أولئك الذين تم نقلهم في الأصل إلى معسكر أوشفيتز بيركيناو.
والتزم أفراد طائفتي روما والسنتي الناجين من الاضطهاد النازي الصمت لعقود عديدة. ونادراً ما روا قصصهم أو تحدثوا عن تجاربهم ووقائع ما شاهدوه. وحيث أن الذكرى تعتمد على ذاكرة الناس، وشهادة الناجين والبحث والتأريخ، والاعتراف الرسمي، مرّت معاناة طائفتي روما والسنتي دون أن يلحظها أحد. وبعد انتهاء عام 1945 لم تعترف كثير من البلدان بالاضطهاد العرقي الذي تعرضوا له أو تدينه ؛علاوة على أنها كانت وعلى مدى عقود تطبق الممارسات التمييزية ضد طائفتي روما والسنتي، بما في ذلك عملية التعويضات.
وكافحت طائفتي روما والسنتي من أجل نيل الاعتراف بهم وتأمين مكانة بين ضحايا النظام النازي. ولم تعترف ألمانيا رسميا إلا في أوائل 1980، بأن العنصرية كانت الدافع وراء إبادة طائفتي روما والسنتي . و في عام 1994 أخذت طائفتي روما والسنتي على عاتقهما إحياء ذكرى الإبادة الجماعية في أوشفيتز في 2 آب / أغسطس، وهو تاريخ تصفية زجيىنرلاجر، بمشاركة المسؤولين في الدولة والمجتمع الدولي. وفي عام 2001، افتتح متحف الدولة أوشفيتز معرض دائم عن الإبادة الجماعية لطائفتي روما والسنتي.
وتبقى شخصيات رمزية وقصصهم مثل قصة آن فرانك التي تجسد تجربة المحرقة ذكرى لأجيال قادمة. ولا تزال طائفتي روما والسنتي بحاجة إلى الكشف عن الأدلة الشخصية التي تجسد تجربة الاضطهاد. ويمكن لقصة أونكو او إرنا لوينبرجر، أو فتاة السنتي الألمانية أن تكون واحدة من هذه القصص التي تجسد الإبادة الجماعية لطائفتي روما والسنتي . إيرنا، هي نموذج للبطلة الرئيسية في كتاب للأطفال إيدي وأنكو للكاتبة جريتا ويسكوف برنهايم تحت (اسم مستعار : أليكس ودنج) ، في عام 1920. وقد نشر الكتاب في عام 1931. وقد منع النازيين كتابها في عام 1933 كونها يهودية. وتم تسجيل إرنا عنصرياً في عام 1939 ، وجاء تصنيفها على أنها غجرية من عرق مختلط في عام 1941. وتم ترحيلها مع عائلتها من معسكر الاعتقال في ماغديبرغ مباشرة الى أوشفيتز في 1 آذار / مارس 1943، وتوفيت هناك في العام نفسه. ومن بين أحد عشر طفلاً من السنتي المذكورين في هذا الكتاب، استناداً إلى قصص الحياة الحقيقية ، نجا طفل واحد فقط من الاضطهاد.
ولا ينبغي لذكرى المحرقة أن تتلاشى حيث لا ينبغي أن تذهب معاناة الملايين سدى. ومع ذلك تواجه البشرية مراراً وتكراراً شر الإبادة الجماعية. هل من الممكن تجنب ذلك؟ لقد تعلمنا من تجارب الناجين أن لا نتعاون مع أولئك الذين يضمرون الكراهية، بل ينبغي أن ننشط في مقاومة ومعارضة ذلك.
لم تتلاش الأيديولوجيات العنصرية في عالمنا فلا تزال هناك مجموعات في المجتمعات على استعداد للتبشير بمثل هذه الأفكار والعمل بناء عليها. ولا يمكن للذين عانوا خلال الحقبة النازية ، بما في ذلك الروما والسنتي أن ينسوا أن الإيديولوجيات العنصرية هي السبب الجذري للاضطهاد في ذلك الوقت، وهذا هو أيضاً السبب في شعورهم بأنهم مهددين بشكل خاص اليوم من الجماعات المتطرفة أو جماعات النازيين الجدد. ومما لا شك فيه أن هذه الجماعات، على هامش المجتمع ، ليست خائفة من الخروج للجمهور والثناء على الإيديولوجية النازية، وإحياء رموزها وشعاراتها، وتنظيم مسيرات للاحتفال بماضي النازية. وللأسف، فإنها لا تزال تجتذب الكثير من التابعين.
إن تذكر المحرقة هو المفتاح لمكافحة العنصرية الحديثة والتعصب. وهذا يعني الالتزام باحترام قيمة الإنسان وكرامته وحقوقه. غير أن التذكر لا يكفي ؛ يجب الالتزام بالقوانين التي تحمي كرامة وحقوق الإنسان واتباعها . وهذا هو المنطق وراء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا هو المنطق لضمان مبدأ المساواة وعدم التمييز في القوانين الأساسية أو الدساتير.وفي نفس السياق، يجب تطبيق أدوات إنفاذ القانون بشكل فعال لمنع أو معاقبة المظاهر العنيفة للعنصرية والايديولوجيات المتطرفة.
وإدراكا منها لخطر خطاب الكراهية والعنصرية العدوانية وكراهية الأجانب ومعاداة السامية، دعت منظمة الأمن والتعاون، بالاشتراك مع المنظمات الدولية الأخرى، إلى تكثيف الجهود الرامية إلى تعزيز التسامح وعدم التمييز. وينبغي لهذه الجهود، بوجه خاص، أن تستهدف الأجيال الشابة؛ من أجل بناء فهمهم بضرورة التسامح وأهمية المصالحة والتعايش السلمي.
أما الشق الآخرمن تراث الناجين فهو التثقيف بالمحرقة. وبالرغم من أنه واجب الا أنه في الوقت نفسه يشكل تحدياً خاصة بعد مرور قرابة 65 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو يتطلب مشاركة المؤسسات المتخصصة لتطوير المناهج التعليمية وإضفاء الطابع المؤسسي عليها. إننا نعيش في عالم جديد، يتيح لنا وسائل جديدة للحفاظ على الذكرى، والتعلم والتعليم عن الماضي. وفي هذا الصدد فأن زيارة أكثر من 47 مليون شخص متحف أوشفيتز منذ إنشائه وحضور ملايين الزوار لمشاهدتة كل عام يعد بارقة أمل. وفيما يتعلق بالناجين من طائفتي روما والسنتي فيجب أن تصبح رواياتهم حول الاضطهاد في ظل النظام النازي جزءاً شرعياً من السرد الرئيسي والتدريس عن المحرقة وتكون بمثابة تذكير للجميع بما يجب أن لا يحدث مرة أخرى أبداً.
أسئلة للمناقشة
- (1) لعدة عقود لم يتم الاعتراف باضطهاد طائفتي روما والسنتي خلال الحرب العالمية الثانية . ماذا حدث لروما والسنتي خلال المحرقة؟
- (2) ماذا كان أساس التمييز النازي ضد طائفتي الروما والسنتي؟
- (3) طبقا لما ورد في ورقة السيد/ميرجا، لم تعترف ألمانيا رسميا بالعنصرية كالدافع وراء إبادة طائفتي روما والسنتي إلا في بداية عام 1980 فقط. لماذا ذهب اضطهادهم دون أن يلاحظه أحد طوال هذه المدة؟
- (4) ما هو خطر الكراهية والعنصرية العدوانية وكراهية الأجانب ومعاداة السامية؟ وما هي أهمية دور المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، في تعزيز التسامح وعدم التمييز؟
- (5) لماذا يعد تعليم المحرقة أداة هامة اليوم؟
سلسلة ورقات المناقشة
الورقة الحادية عشرة
الوقاية الدولية من الإبادة الجماعية: التعلم من الهولوكوست
من إعداد
إدوارد مورتايمر، النائب الأعلى للرئيس والمسؤول الأول بالبرنامج،
وكاجا شونيك غلان، مديرة جلسة الوقاية الدولية من الإبادة الجماعية: التعلم من الهولوكوست، بمؤسسة (Salzburg Global Seminar)
في الفترة من 28 حزيران/ يونيو 2010 وحتى 3 تموز/ يوليو، 2010، ألتقت مجموعة من الخبراء الدوليين في مجالات دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، والتوعية بالهولوكوست والإبادة الجماعية، وحماية حقوق الإنسان، والوقاية من الإبادة الجماعية، في مؤسسة (Salzburg Global Seminar) ضمن المؤتمر الذي عقد تحت عنوان الوقاية الدولية من الإبادة الجماعية: التعلم من الهولوكوست. تم إعداد هذا المؤتمر بالتعاون مع المتحف التذكاري للهولوكوست بالولايات المتحدة، وترئسه الدكتور/ كلوس مولير، الممثل الأوروبي للمتحف.
وكان الهدف المحدد لهذا المؤتمر يتمثل في استكشاف الروابط وكذلك الاختلافات بين مجالات التوعية بالهولوكوست، والوقاية من الإبادة الجماعية، وحقوق الإنسان. ووضع المشاركون بعين الاعتبار ما إذا كانت التوعية بالهولوكوست يمكنها زيادة الوعي بحالات الإبادة الجماعية المعاصرة، وتقوية ثقافة الوقاية من الإبادة الجماعية، والمساهمة في التوعية الخاصة بحقوق الإنسان، وكيفية تحقيق ذلك. لقد تناقشوا في ما إذا كان تحسين فهمنا لحالات الإبادة الجماعية الماضية وحقوق الإنسان المعاصرة يمكن أن تنتهك عن طريق الربط بينهما، أو ما إذا كان قيامنا بذلك يعرض اعترافنا بالتباين الضخم بينهما للخطر. وشكلت العلاقة المعقدة بين التوعية بالهولوكوست والتعلم منها أحد الموضوعات التي تناولها الحاضرون وواصلوا مناقشتها لمرات عدة. لقد ناقش المشاركون المساهمات التي تقدمها التوعية بالهولوكوست، أو التي يمكن أن تقدمها، لرفع الوعي بحالات التفرقة العنصرية، أو معاداة السامية، أو الرهبة من المثلية الجنسية أو الأوضاع التي تعاني منها شعوب السينتي وغجر الروم اليوم. لقد حاولوا فهم ما إذا كانت التوعية بالهولوكوست يمكنها المساهمة في فهم عمليات الإبادة الجماعية المستقبلية والوقاية منها، وكيفية تحقيق ذلك، إن صحت العلاقة بين الموضوعين.
هناك ميل للاعتقاد بين صناع القرار وأدبيات الباحثين، بأنه يمكن للتوعية بالهولوكوست أن تكون أداة فعالة لتعليم الطلاب أهمية حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، والوقاية من التفرقة العنصرية ومعاداة السامية، والترويج للاحترام المتبادل بين الناس من مختلف الأعراق والأديان والثقافات. لقد ناقش الباحثون على سبيل المثال، دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية وحقوق الإنسان هي دراسات متلازمة ، وأن التوعية بالهولوكوست يمكنها أن تقدم مساهمة هامة للغاية للمواطنة، عن طريق زيادة وعي التلاميذ بقضايا حقوق الإنسان والإبادة الجماعية، ومفاهيم الصور النمطية وإلقاء المسؤولية على الآخرين . لقد أقترح تقرير صادر في عام 2004، عن معهد ستانفورد للأبحاث (Stanford Research Institute) إن التوعية بالهولوكوست لا تمثل مشروعاً أكاديمياً فحسب، ولكنها تشكل أفضل أمل لتحصين الجنس البشري ضد الأمثلة المستقبلية للإبادة الجماعية. لقد قدم الباحثون الأكاديميون طروحات مشابهة، مؤكدين مثلاً على أن التوعية بالهولوكوست يمكنها أن تزرع بذور القلق....التي تطرح أفكاراً يمكنها أن تثمر اعتبارات مستمرة عن المكان الخاص للفرد في العالم، ومعنى أن تكون مواطناً في دولة ديمقراطية .
بناء على هذه النظرية، يمكن للتوعية بالهولوكوست أن تلعب دور هام في الوقاية من العنصرية ومعاداة السامية والصراع الإثني والترويج لحقوق الإنسان، لقد أقرت العديد من الدول حول العالم برامج إلزامية للتوعية بالهولوكوست في مستوى المدارس الثانوية. ولكن الدراسات والاستبيانات الحديثة أظهرت أن معظم برامج التوعية بالهولوكوست في كل من المدارس والمتاحف لا تربط صراحة بين تاريخ الهولوكوست وتاريخ عمليات الإبادة الجماعية الأخرى أو بالقضايا الأوسع لحقوق الإنسان . وفي ذات الوقت، هناك القليل من الأدلة التجريبية التي تثبت أن التوعية بالهولوكوست، في حد ذاتها، يمكنها بالضرورة أن تزيد وعي التلاميذ بالأخطار المعاصرة المستمرة للعنصرية، والخوف من الأجانب، ومعاداة السامية، والإبادة الجماعية. لقد سعى مؤتمر ساليزبورغ لعام 2010 إلى تعاطي المشاركين من مختلف مجالات التوعية بالهولوكوست، والوقاية من الإبادة الجماعية، وحماية حقوق الإنسان، مع هذه القضايا، وكان موجهاً بسلسلة من الأسئلة الشاملة التي تتعلق بالغرض من التوعية بالهولوكوست. هل الغرض منها هو تزويد الطلاب بالمعرفة المتعلقة بالهولوكوست؟ أم أن الغرض هو جعلهم يفكرون بطريقة أعمق في المسؤولية المدنية، وحقوق الإنسان، وخطر العنصرية ؟ أم أنه يمكن أن نحقق كلا الغرضين معاً؟
الهولوكوست، وحالات الإبادة الجماعية الأخرى، والتوعية بحقوق الإنسان
لقد شكلت مسألة الانسجام بين التوعية بالهولوكوست وحقوق الإنسان واحدة من القضايا الرئيسية التي تمت مناقشتها خلال أسبوع ساليزبورغ. ولغرض هذا المقال، فإننا نعتمد على تعريف منظمة اليونيسكو للتعليم المتعلق بحقوق الإنسان على أنه التعليم، والتدريب، والمعلومات التي تهدف إلى بناء ثقافة عالمية لحقوق الإنسان ...إن التعليم المتعلق بحقوق الإنسان يشجع السلوكيات والمواقف المطلوبة لدعم حقوق الإنسان لجميع أعضاء المجتمع . لقد زعم بعض المشاركين أنه من المهم الربط بين هذين الموضوعين، وأيدوا تطبيق مدخلاً تعليمياً يضع التوعية بالهولوكوست ضمن مناقشة وسياق أوسع لحقوق الإنسان. قالوا إنه يتعين تشجيع المعلمين على الربط بين الهولوكوست وإتفاقية منع الإبادة الجماعية والميثاق العالمي لحقوق الإنسان. بينما لم يتفق البعض الآخر مع هذا الرأي، واقترحوا أنه لا يتعين الخلط بين التوعية بالهولوكوست والتوعية بحقوق الإنسان، وأنهما يشكلان مجالين منفصلين بأهداف ومناهج ونقاط تركيز مختلفة. لقد تم تسليط الضوء على هذا الخلاف بواسطة عرض تقديمي مشترك يركز على التعليم في المتاحف. لقد اقترح أحد المتحدثين أن المتاحف والنصب التذكارية للهولوكوست يمكنها، ويتعين عليها، الربط بين الهولوكوست وحقوق الإنسان، وبالتحديد استخدام الهولوكوست كمثال للانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان. وبناء على رأي هذا المتحدث، فإن المعرفة بالهولوكوست والانتهاكات التاريخية لحقوق الإنسان، يمكنها أن تؤدي إلى مناقشة مثمرة حول الانتهاكات المعاصرة لحقوق الإنسان. بينما أشار أحد المتحدثين الآخرين إلى أنه ثم هناك فرقاً هاماً بين فهم التاريخ واستخلاص العبر منه.
بينما اختلف المشاركون حول ما إذا كان من المناسب وضع التوعية بالهولوكوست ضمن إطار التعليم المتعلق بحقوق الإنسان، وبوجه عام، لاحظ معظم المشاركون في المؤتمر قيمة وأهمية توعية الطلاب، ليس فقط بالهولوكوست، ولكن أيضاً بالحالات الأخرى للإبادة الجماعية. لقد زعم العديد من المشاركين بأن مقارنة الهولوكوست، التي تعتبر في أغلب الأحيان الحالة النموذجية للإبادة الجماعية، بغيرها من حالات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، من شأنه أن يحسن تفهمنا لحالات الإبادة الجماعية الأخرى، وللسبب نفسه، بمخرقة اليهود ذاتها. وقد أشاروا في ذات الوقت، إلى التحديات المصاحبة لمثل ذلك المدخل المقارن، وألقوا الضوء على أهمية التفرقة بين الهولوكوست، والإبادة الجماعية، وغيرهما من حالات العنف الجماعي، وانتهاكات حقوق الإنسان، أو الصراعات الإثنية داخل الفصل.
الهولوكوست ودروس المستقبل؟
لقد ألقى المؤتمر الضوء على العديد من الأراء المختلفة التي تتعلق بالغرض من التوعية بالهولوكوست. فمن ناحية، قام بعض المشاركين بالتأييد الصريح لأهمية التعلم من الهولوكوست وغيرها من حالات الإبادة الجماعية، وجعل الطلاب يربطون بين الأحداث المعاصرة وما حدث في الماضي. لقد أقترح أحد المشاركين على سبيل المثال، أن الغرض من التوعية بالهولوكوست هو التعرف على وحشية الإنسانية والعنف الإنساني وفهمهما وكيفية الوقاية منهما. هذا المشارك أقترح أنه في بعض الأماكن ربما يكون من المناسب التركيز على حالات الإبادة الجماعية والصراعات الأخرى لتلقين هذه الدروس. بينما ظل بعض المشاركين الآخرين حذرين من مثل ذلك المدخل، وأيدوا بدلاً من ذلك تطبيق مدخل أكثر مباشرة للتوعية بالهولوكوست، وعدم الربط صراحة بينها وبين الأحداث الأخرى، سواء كانت أحداث تاريخية أو معاصرة. لقد عبروا عن درجة من عدم الارتياح مع المفهوم الذي ينادي بتعلم شيء من الهولوكوست وأقترحوا أنه من المناسب والمهم في حد ذاته أن تتم دراسة الهولوكوست كحدث تاريخي.
وكجزء من برنامج المؤتمر، استعرض مربون من جميع أنحاء العالم بعض الطرق المختلفة التي يقومون، هم والمؤسسات التابعين لها، باتباعها لتحديد الغرض من التوعية بالهولوكوست وحدود تلك التوعية. لقد وصف أحد المتحدثين على سبيل المثال، برنامج تعليمي عريق متواجد في الولايات المتحدة، يركز على استخدام التوعية بالهولوكوست للمراهقين كأداه للوقاية من العنف، وكذلك إمكانية الوقاية من الإبادة الجماعية. ركز هذا المتحدث على أنه إذا كنا مهتمين بغرس قيم أو دروس معينة في نفوس المراهقين، فإننا بحاجة إلى أخذ سلوكيات ومراحل نمو المراهقين بعين الاعتبار. وقام بتأييد مدخل متعدد المعارف لا يتعرف الطلاب من خلاله فقط على الهولوكوست وغيرها من حالات الإبادة الجماعية، بل أنه يشجعهم أيضاً على التعبير عن حياتهم الشخصية والروابط (وكذلك الاختلافات) القائمة بين الأحداث المعاصرة والحالات التاريخية للإبادة الجماعية.
وأيد متحدث آخر مدخلاً مشابهاً ووصف تطور منهج مدعوم من قبل الدولة في الإكوادور حول حقوق الإنسان، والهولوكوست وحالات الإبادة الجماعية المعاصرة الأخرى. هذا البرنامج تم تطويره للتلاميذ في سن ستة عشر وسبعة عشر عاماً. إن مبرر تدريس هذه المواد في المدرسة الثانوية هو أنه من المهم تقديم أخلاقيات الشفقة للتلاميذ، وتعليمهم قيم المواطنة. هذه القيم هي مفتاح نشر ثقافة اللاعنف، والمزيد من السلوكيات الإيجابية تجاه الأجانب والغرباء. طبقاً لما ذكره هذا المشارك، فإن الحفاظ على ذكرى الهولوكوست حية في سياق تدريس القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان وحالات الإبادة الجماعية الحديثة، يعد أمراً هاماً لكي نظهر للطلاب أنه يتعين علينا الاهتمام بالآخرين من أجلنا ومن أجل الإنسانية جمعاء.
وبالتعارض مع المتحدثين السابقين، الذين أيدا صراحة البرامج التي تشجع الطلاب على الربط بين الهولوكوست، وغيرها من حالات الإبادة الجماعية، وقضايا حقوق الإنسان، وحياتهم الشخصية، أقترح متحدث ثالث اتباع مدخلاً يبقي التركيز على تدريس تاريخ الهولوكوست وتقديم موضوع أحياء ذكرى الهولوكوست كموضوع استثنائي وفريد.
وصف ذلك المتحدث الثالث أعمال البرنامج الأوروبي لإحياء ذكرى الهولوكوست، وقال أنه يركز صراحة على تذكر الهولوكوست ولا يعتبر الوقاية من الإبادة الجماعية والتعليم المتعلق بحقوق الإنسان كمهمة رئيسية له. وفضل إتباع مدخل إنعكاسي لدراسة التاريخ، واقترح أن الغرض من التوعية بالهولوكوست هي التعرف على الهولوكوست بدلاً من التعلم منها.
ألقى المتحدث الرابع والأخير الضوء على المدخل متعدد المعارف للتوعية بالهولوكوست والوقاية من الإبادة الجماعية، والذي يتبعه برنامج الأمم المتحدة للتوعية بالهولوكوست. فطبقاً لتفويض البرنامج الصادر من الجمعية العامة، يقوم البرنامج بتنظيم يوم سنوي لإحياء ذكرى الهولوكوست، ويتم إحياء ذلك اليوم بجميع مكاتب الأمم المتحدة حول العالم، كما يعقد البرنامج شراكات مع المجتمع المدني لتوسيع تفهم الهولوكوست وأسباب العنف الجماعي، الذي يمكن أن يقود على إبادة جماعية. يقوم البرنامج أيضاً بتطوير حلقات دراسية ومواد إعلامية التي تبرز الروابط الأساسية بين هذا التاريخ والترويج لحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية اليوم.
مواجهة الحقائق المحلية
بينما تظل مسألة كيفية تدريس مواد التوعية الخاصة بالهولوكوست، وهل من الأفضل دمجها ضمن منهج يركز بشكل كامل على التاريخ، أم في منهج يركز على حقوق الإنسان، أم في منهج يركز على مقارنتها بحالات الإبادة الجماعية الأخرى والأحداث المعاصرة، تظل تلك المسألة محل خلاف، أقر جميع المشاركون بالقيود التي تفرضها الأحداث التاريخية والسياقات المحلية على الأشكال التي يمكن أن تقدم بها التوعية بالهولوكوست وتلك التي يجب إتباعها. وقد ألقت لجنة منفصلة تركز على التحديات والنجاحات التي حققتها التوعية المعاصرة بالهولوكوست، بالمزيد من الضوء على الإغراض المحددة لبرامج التوعية بالهولوكوست وتنوع الطرق المتبعة لتطبيقها، وأنها تعكس حقائق محلية محددة. على سبيل المثال، أوضح أحد المتحدثين النمساويين أن التوعية بالهولوكوست في النمسا تعد جزءاً إلزامياً من المنهج الدراسي بالمدارس الثانوية. ولكن ضمن معهد erinnern.at، وهو معهد مخصص لتدريب المعلمين وتطوير مواد تعليمية للتوعية بالهولوكوست نيابة عن وزارة التعليم النمساوية، وقد تقرر في الوقت الحالي أنه لا يتعين تدريس المواد الخاصة بالهولوكوست مقترنة بحالات الإبادة الجماعية الأخرى أو ضمن إطار منهج حقوق الإنسان. والسبب الرئيسي وراء هذا القرار هو أن تاريخ الهولوكوست لازال يشكل موضوعاً مشحوناً في النمسا حيث لازالت هناك العديد من الذكريات والروايات المتضاربة قابعة في الذاكرة. ويظل التحدي الأكبر متمثلاً في الصراع بين الرواية الرسمية للجريمة النمساوية (مثل المشاركة في الأعمال الوحشية النازية) ورواية العائلات النمساوية التي تركز على النمسا ومواطنيها كضحايا، أو على الأكثر، كمشاركين مجبرين في الهولوكوست.
ويبدو الحال مغايراً لذلك في أوكرانيا، كما يوضح المتحدث التالي، فإن الهولوكوست لا تعد جزءاً أساسياً في المناهج المدرسية. وفي الحقيقة، وطبقاً لما ذكره هذا المتحدث، أقل من 10% من معلمي التاريخ في المدارس الثانوية بأوكرانيا تلقوا تدريباً حول تدريس التوعية بالهولوكوست. وذكر أنه هناك ثم عوائق بيروقراطية وكذلك سياسية تواجه تطبيق برامج فعالة للتوعية بالهولوكوست في أوكرانيا. تتضمن بعض التحديات الكبرى: عادة الصمت (الأوكرانيون لا يعتقدون بأن الهولوكوست تشكل حدثاً أوكرانياً أو جريمة شارك فيها الأوكرانيين)؛ التنافس بين أعداد الضحايا (هناك إحساس بأن عدد ضحايا المجاعة الأوكرانية لابد وأنه كان أكبر من عدد ضحايا الهولوكوست)؛ وتأميم التاريخ الأوكراني عبر تهميش أو تجاهل اليهود والأقليات الأخرى. وكما أظهر هذا العرض التقديمي وغيره من العروض التقديمية بوضوح أن المؤسسات والدول والمربين المختلفين ينتهجون مداخل متباينة للغاية عند تناول موضوع التوعية بالهولوكوست. وهناك عوامل تعليمية وسياسة وتاريخية تؤثر على الطرق التي يتم بها تطبيق برامج التوعية بالهولوكوست، وما إذا كان يتم ربطها بحالات الإبادة الجماعية الأخرى أو حقوق الإنسان، أو الاحداث التاريخية المحلية.
خاتمة
بالعودة إلى السؤال الرئيسي الذي طرح في هذا المؤتمر بخصوص الغرض من التوعية بالهولوكوست، نود أن نقترح بأنه هناك شرعية لجميع المناقشات التي خاضها المشاركون، والدفاع عن نظرية وجود طريقة واحدة صحيحة لتدريس التوعية بالهولوكوست. من الواضح أن الهولوكوست تشكل حدثاً هاماً ومحورياً في تاريخ القرن العشرين. ولهذا السبب، من المهم للطلاب دراستها والتعرف عليها. خاصة عند التحدث عن التوعية بها ضمن الجامعات، فإن مفهوم ضرورة تعلم شيئاً من الهولوكوست يناقض، بشكل أو بآخر، المفهوم العام للبحث والدراسة. إننا لا نعتبر موضوعاً يستحق الدراسة أو لا يستحقها ببساطة لأنه يشكل شيئاً يمكننا أو لا يمكننا استخلاص دروساً منه في مجتمعاتنا المعاصرة. ولكن في ذات الوقت، فإننا نعترف بأن التعليم لا يثمن الحياد، وأن التعليم يحدد بوجه عام الوظائف على أنها واحدة من أكثر الآليات التي يمكن للأمم من خلالها أن تغرس في الأذهان قيم وأخلاقيات معينة (سواء كانت بنائة أو هدامة) ضمن مواطنيها. وفي عالمنا الذي يزداد عالمية، إننا نؤمن بأنه من المهم للغاية توعية الطلاب بأخطار العنصرية، ومعاداة السامية، والخوف من الأجانب، وأن نغرس فيهم احترام حقوق الإنسان. إننا نؤمن بأنه من الأهداف الهامة للتعليم خلق ثقافة تعزز استعداد الطلاب وتمكنهم من تحدي عدم التسامح والظلم والعنف المؤدي للإبادة الجماعية. وكما ذكر أحد المشاركين في المؤتمر في لجنة عقدت تحت عنوان جذور الإبادة الجماعية، إننا بحاجة لتركيز اهتمامنا وطاقتنا على خلق ثقافة مضادة للإبادة الجماعية، إذا كنا نريد الوقاية من حالات الإبادة الجماعية في المستقبل. وبينما يمكن للتوعية بالهولوكوست أن تشكل مكوناً هاماً في خلق ثقافة مضادة للإبادة الجماعية، لكنها ليست كافية في حد ذاتها. يتعين أن نظهر للطلاب المدى الذي تشكل فيه الإبادة الجماعية مأساة إنسانية مشتركة تكرر حدوثها لمرات عدة في الماضي . لا يمكن تدريس الهولوكوست أو فهمها كانحراف في تاريخ الإنسانية. بل يتعين علينا، عوضاً عن ذلك، أن نظهر للطلاب أنه بينما تشكل الهولوكوست أكثر حالات الإبادة الجماعية تطرفاً، فإنها تشارك أوجه تشابة جلية مع حالات الإبادة الجماعية الحديثة في رواندا وكمبوديا والبوسنة. إذا كنا نريد الوقاية من الإبادة الجماعية في المستقبل، لابد وأن نثقف طلابنا حول تفشي حالات الإبادة الجماعية وصراعات الإبادة الجماعية على مدار التاريخ الحديث، وتوعيتهم بكيفية حدوث تلك الصراعات والأسباب التي أدت إليها. تتوفر في الوقت الحالي نماذج تعليمية قليلة نسبياً تنجح في الجمع بين التوعية بالهولوكوست والتوعية بحالات الإبادة الجماعية الأخرى، وحقوق الإنسان، والوقاية من الإبادة الجماعية. من النتائج الواضحة التي توصل إليها مؤتمرنا، أنه هناك حاجة لزيادة التعاون والتنسيق بين المهنيين والمربيين الذين يعملون في هذه الميادين، إذا كنا نأمل في نهاية المطاف في خلق نموذج تعليمي يسمح بدمج تلك المجالات المختلفة في إطار تعليمي واحد. وفي هذا المجال، قامت مؤسسة (Salzburg Global Seminar)، بالتعاون مع المتحف التذكاري للهولوكوست بالولايات المتحدة، بخلق مبادرة تدور حول موضوعات التوعية بالهولوكوست والوقاية من الإبادة الجماعية، وستتعامل مع هذه القضايا وستقوم بخلق شبكة من الخبراء متعددي المعارف، الذين يمكنهم التعلم من بعضهم البعض بهدف تأسيس جهود تعليمية ومبادرات ثقافية عالية الجودة لدعم الوعي والتوعية بالهولوكوست وحالات الإبادة الجماعية الأخرى، برؤية تقاوم الكراهية والعنصرية ومعاداة السامية، وتروج لحماية حقوق الإنسان والوقاية من الإبادة الجماعية.
أسئلة للمناقشة
- (1) ما هي أهمية قيام الطلاب حول العالم بدراسة الهولوكوست؟
- (2) ما هي أوجه التشابه بين الدراسات المتعلقة بالهولوكوست والوقاية من الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان؟ وما هي أوجه التباين بينها؟
- (3) ما هي بعض الأخطار والفوائد المحتملة من جراء الربط بين دراسة الهولوكوست وغيرها من حالات الإبادة الجماعية؟
- (4) ما هي الدروس المستخلصة من الهولوكوست؟ هل ينطبق ذلك على حياتك اليومية وتفاعلاتك مع الأخرين؟
- (5) هل تعتقد أن التوعية بالهولوكوست يمكنها أن تساعد في الوقاية من أعمال الإبادة الجماعية المستقبلية؟ نرجو توضيح لماذا أو لما لا.
سلسلة ورقات المناقشة
المرأة في المحرقة
من إعداد
إليونور ج. وايتزمان
أستاذة فخرية، جامعة جورج ماسون
قد تسأل عن السبب الذي يدعونا إلى التحدث عن المرأة في حين أننا نعلم أن النازيين قد قتلوا ستة ملايين يهودي بغض النظر عن كونهم رجالا أو نساء أو أطفالا.
وأحد الأجوبة هو أن التركيز على مجموعة بعينها يساعدنا على تقسيم هذا العدد الرهيب، وهو ستة ملايين، كما يساعدنا على التفكير في الأفراد.
فعندما نسمع عن أم احتفظت بقطعة الخبز الواحدة التي أخذتها من مصنع الغيتو من أجل ”الغذاء“ لتتشاطرها مع أطفالها الواهنين في المنـزل؛ وعندما نسمع عن مراهقة كانت تساعد جدتها، وتساندها في سيرها على الطريق المنحدر في أوشفيتز، وأرسلت في نهاية المطاف معها إلى غرف الغاز، نفهم أنهن كن نساء عاديات مثلنا - مثل أمهاتنا وأخواتنا، ومثل بناتنا وحفيداتنا - أناس أبرياء عاديون وقعوا في شرك الإرهاب النازي.
وإجابة ثانية هي أن التركيز على المرأة يزودنا بفهم أكثر تفصيلا ودقة واكتمالا لما حدث لليهود خلال المحرقة.
وهذه الورقة تستطلع ثلاث مجالات للفروق الجنسانية:
أولا، كيفية صياغة أدوار النساء قبل الحرب لتجاربهن أثناء المحرقة؛
ثانيا، كيف عاملت السياسة الألمانية النساء بشكل مختلف؛
ثالثا، كيف استنبطت المرأة اليهودية طرقا مختلفة لتحمل المعيشة في الغيتوهات والمعسكرات.
1 - أدوار ما قبل الحرب:
نستطلع أولا أدوار الرجال والنساء قبل المحرقة، عندما كانت المرأة مسؤولة بشكل رئيسي عن أطفالها وأسرتها ومنزلها، وكان الرجل مسؤولا عن الدعم الاقتصادي لأسرته.
وقد زودت هذه الأدوار الجنسين بمجالات مختلفة للمعرفة والمهارات والتجارب الحياتية التي يواجهون بها هجمات النازي.
وعلى سبيل المثال، ففي ألمانيا النازية عندما أُقر أول القوانين ضد اليهود وفُصلوا من وظائفهم ومهنهم، تضرر الرجال اليهود بصورة مباشرة. فالرجال الذين أنفقوا حياتهم كلها في العمل، طردوا بشكل مفاجئ من أعمالهم وقطعوا عن زملائهم في العمل ونظامهم اليومي المعتاد. ولأن الرجال أجبروا على أن يكونوا عديمي الجدوى ولم يعد باستطاعتهم إعالة أسرهم فقد شعروا بالإذلال من جراء فقدانهم دخولهم وأوضاعهم واحترامهم لذاتهم. ولذلك فليس من المستغرب أن يرتفع معدل انتحار الذكور ارتفاعا كبيرا خلال هذه الفترة.
أما بالنسبة للمرأة اليهودية، فبخلاف الرجل، كان للسنوات الأولى من النظام النازي أثر عكسي عليها، فقد دفعتها للمزيد من العمل وتحمل مسؤولية أكبر؛ حيث حاولت إدارة أسرتها المعيشية بنقود أقل وبدون مساعدة، وشراء الأغذية من متاجر معادية، ومساعدة أطفالها الخائفين على مواجهة المضايقات في المدرسة، وتوفير العزاء والسلوى لزوجها.
والواقع أنه حتى شباط/فبراير 1938، بعد خمس سنوات من تولي هتلر السلطة، كانت مقالة في صحيفة ألمانية يهودية لا تزال تحض المرأة اليهودية على ”إضاءة الشموع وبعث البهجة في منـزلها“.
2 - السياسات الألمانية:
كانت السياسات الألمانية ومجموعة القواعد والأنظمة التي تستهدف المرأة اليهودية بصفة خاصة مصدرا ثانيا للفروق الجنسانية.
و كانت أحد الأمثلة المؤلمة السياسة التي حظرت الحمل وولادة الأطفال اليهود في ليتوانيا. وكان الأطباء اليهود في الغيتوهات مطالبين بالإبلاغ عن كل حالة من حالات الحمل وإجراء إجهاض لإنهائها. وكانت عقوبة عدم الامتثال هي الموت للمرأة وللطبيب. فعلى سبيل المثال، نص الأمر الصادر في 24 تموز/يوليه 1942 في غيتو كوفنو على ”ضرورة إنهاء حالات الحمل. وسيجري إطلاق الرصاص على الحوامل“.
وبرغم عقوبة الإعدام قررت بعض الشابات في غيتو كوفنو تحدي هذا الأمر والإبقاء على الحمل. وقد شاركت هؤلاء النساء في عمل واع من أعمال المقاومة لأنهن لم يرون السماح للألمان بحرمانهن من تجربتي الولادة والأمومة.
وكان من حسن حظهن العثور على طبيب يهودي، دكتور ابراهام بيريتس، الذي وافق على مساعدتهن - مجازفا بحياته - وحمايتهن طيلة حملهن (رغم علمهم جميعا باحتمال القبض عليهم وقتلهم).
(ويذكرنا هذا المثال أيضا بأهمية التحري عن كيفية استجابة اليهود للأوامر الألمانية - وكيف حاولوا التصدي لها ومقاومتها - بدلا من التعامل مع المراسيم الألمانية بوصفها أمرا واقعا).
وكانت عقوبة الحمل الإعدام للنساء في معسكرات الاعتقال أيضا، حيث اختيرت الحوامل - والنساء التي لديهن أطفال - للقتل الفوري.
وتحدد عملية الاختيار على الطريق المنحدر للوصول إلى معسكر الاعتقال أوشفيتـز من سيجري إرساله إلى العمل القسري ومن سيجري إرساله إلى غرف الغاز ليموت. أولئك اليهود الذين بدوا على قدر كاف من القوة أرسلوا إلى جانب، أما من بدوا أصغر أو أكبر أو أضعف من أن يعلموا أرسلوا إلى الجانب الآخر، وهو الجانب الذي أدى بهم إلى غرف الغاز.
وكان الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة للمرأة التي تحمل طفلا بين ذراعيها أو تمسك بأيدي أطفالها. وحتى إذا بدت هذه المرأة بصحة جيدة وقادرة على العمل فإنها ترسل تلقائيا إلى غرف الغاز إذا كانت تمسك بطفل.
وبعض اليهود الذين كانوا يعملون في الطريق المنحدر للوصول إلى أوشفيتـز، ممن كانوا يعلمون بالطبع بما سيحدث لهؤلاء الأمهات، ابتكروا طريقة لمحاولة إنقاذ بعضهن. وأخبروا الأمهات هامسين ”تأكدي من إعطاء طفلك لجدته“ لأن العاملين كانوا يعرفون أن جميع المسنات سيرسلن إلى غرف الغاز على أية حال، وكانوا يأملون في إنقاذ حياة الأمهات إذا لم يكنَّ ممسكات بأطفالهن.
3 - ردود الفعل المختلفة واستراتيجيات المواجهة:
ننتقل الآن إلى المجال الثالث للفروق الجنسانية، استجابات الرجال والنساء اليهود في الغيتوهات والمعسكرات.
3 أ - ردود الفعل واستراتيجيات المواجهة في الغيتوهات:
في أوروبا الشرقية، حيث وجدت الغيتوهات، كانت المحرقة أكثر عنفا بكثير من أوروبا الغربية. وعلى سبيل المثال، ففي ألمانيا استغرق تنفيذ أكثر من 400 قانون ضد اليهود ست سنوات - من عام 1933 إلى عام 1939.
وعلى العكس من ذلك، ففي بولندا تم اتخاذ نفس التدابير في غضون أشهر، وصاحب ذلك منذ البداية عنف بدني.
وأُرغم اليهود في بولندا بعد ذلك على التواجد في غيتوهات مزدحمة محاصرين خلف بواباتها وجدرانها. وقد جُردوا من منازلهم ومهنهم ومنعوا من التصرف في حساباتهم المصرفية وعُزلوا عن وظائف ومتاجرهم ومكاتبهم وأعمالهم.
وأصبح الرجال اليهود، وبخاصة الأكثر وضوحا بسبب لحاهم وملابسهم التقليدية، على الفور هدفا للضرب والإذلال والمضايقة والاحتجاز والإعدام. وتعرض الكثيرون للاعتداء ونُزعت عنهم لحاهم وجرى الاستهزاء بهم والسخرية منهم في الشوارع وأرسلوا إلى الأعمال القسرية القاسية.
ولذلك فليس من المستغرب أن كثيرا من الرجال اليهود كانوا خائفين من مغادرة منازلهم خلال النهار، واعتمدوا بصورة متزايدة على زوجاتهم في التعامل مع العالم الخارجي. ونتيجة لذلك، بدأت الزوجات في القيام بكثير من الأدوار التي كان يقوم بها أزواجهن سابقا.
وعلى سبيل المثال، كتب المؤرخ البارز لغيتو وارسو إمانويل رنغلبلوم في يومياته:”(الـ) رجال لا يخرجون ...إنها تقف في طابور طويل (من أجل الخبز) ...عندما تكون هناك حاجة للذهاب إلى الجستابو، تذهب الابنة أو الزوجة ...النساء في كل مكان ...(المرأة) التي لم تفكر مطلقا في العمل تؤدي الآن أصعب الأعمال البدنية“.
لكن كيف تسنى لهؤلاء النساء، اللاتي لم يسبق لمعظمهن مطلقا العمل خارج المنـزل، إعالة أسرهن؟
وفي الواقع فمعظمهن لم يمكنه أن يفعل ذلك. وحصل بعض هؤلاء النساء على وظائف في مصنع الغيتو وفرق العمل ومطابخ الحساء، بينما قامت أخريات بخدمات التنظيف الخاصة أو الغسيل أو رعاية الأطفال. ولكن كان هناك نقص شديد في الوظائف، ولم تتمكن غالبية النساء من العثور على أعمال عادية.
(في وارسو، على سبيل المثال،كان حوالي نصف المقيمين في غيتو وارسو في أيلول/سبتمبر 1941، من 200 ألف إلى 250 ألف شخص، بدون وظائف وكانوا يموتون جوعا، وكان معظمهم من النساء والأطفال.
ودفع هذا بالكثير من النساء إلى اللجوء إلى ”مهنة“ التهريب الخطيرة وغير المشروعة بصفتها الطريقة الوحيدة لإطعام أطفالهن. وكان على هؤلاء النساء أولا الهروب من الغيتو ثم العثور على أشخاص من غير اليهود على استعداد لشراء ممتلكاتهن التي يعتزون بها مقابل الغذاء. وشيئا فشيئا تخلين عن أثوابهن المفضلة ولوازم أسرَّتهن التي حصلن عليها من مهورهن، وفي نهاية المطاف خواتم زواجهن.
وبينما قد يدهشنا أن نعلم أن كثيرا من النساء أصبحن مهربات للأغذية، نفهم ذلك بشكل أفضل عندما نعلم أن حصص السعرات للأشخاص في غيتو وارسو كانت لا تتعدى 181 سعرا لكل شخص في اليوم.
لكن في نهاية المطاف، ورغم جميع جهودهن، فنحن نعلم أن معظم النساء لم يتمكَّن من إعالة أسرهن، فالصعاب الوحشية في الغيتوهات تكاتفت ضدهن.
وتبين جهودهن التي تنفطر لها القلوب أنهن حاولن بكل ما في وسعهن - بما في ذلك حرمان أنفسهن من الغذاء - الإبقاء على حياة أطفالهن. إلا أن معظم هؤلاء النساء استنفدن تدريجيا جميع مواردهن وقواهن.
وتضحية الأمهات اليائسة هذه كانت الموضوع الأكثر شيوعا في يوميات الغيتو. فمثلا وصف داود سيراكوياك البالغ من العمر 15 سنة أمه الهزيلة عشية ترحيلها من غيتو لودز (في بولندا) قائلا:
”أمي الصغيرة الهزيلة،التي عانت من الكثير من النكبات ...(إنها) كرست كل حياتها للآخرين ...أمي المسكينة التي تحملت دائما كل شيء ...ووافقت عندما قلت لها أنها قد وهبت حياتهالتوفير الطعام وتقديمه،ولكني ... رأيتها غير نادمة على شيء“.
3 ب - المرأة في المقاومة اليهودية:
بينما كان هذا مصير معظم نساء الغيتو، من المهم أن نذكر مجموعة صغيرة من غير الأمهات أو مقدمات الرعاية، ولهذا فقد كنَّ ”أحرارا“ بالنسبة للاشتراك في المقاومة اليهودية في الغيتوهات.
وهؤلاء النساء كنَّ صغيرات وغير متزوجات، بدون أعباء أسرية، وشاركن بنشاط في المجموعات التي خططت لثورات الغيتوهات.
وكانت المقاومة اليهودية أحد الميادين التي قامت فيه المرأة بأدوار القيادة على قدم المساواة مع الرجل. وفي كثير من الغيتوهات، بما فيها غيتو وارسو، كانت نساء مثل زيفيا لوبتكين بين القادة المركزيين للثورة. والواقع أن زيفيا لوبتكين كانت واحدة من ثلاثة قادة من قواد ثورة غيتو وارسو، وقد اعتُرف بها على نطاق واسع ملهمة قوية لموقفهم التاريخي من أجل الشرف اليهودي.
كما اضطلعت النساء بأدوار هامة في الأشكال الأخرى للمقاومة في الغيتوهات - فقمن بإنشاء المدارس غير القانونية والمكتبات السرية وإحياء المناسبات الثقافية السرية وكثيرا ما تصدرن الجهود السرية لإنقاذ غيرهن من اليهود.
ومن المجموعات النسائية الأخاذة في المقاومة اليهودية مجموعة الساعيات السريات التي عملت خارج الغيتوهات، وهن محط اهتمام بحثي الحالي. وهؤلاء الشابات، ويعرفن بالكاشاريوت، كن يسافرن بطرق غير قانونية متنكرات في زي غير يهودي. وكن يهرِّبن الأخبار والمعلومات والأموال والطعام واللوازم الطبية والوثائق المزورة وغيرهن من اليهود داخل وخارج الغيتوهات في شرق أوروبا. وكانت مهامهنَّ تستلزم بسالة وشجاعة وجراءة وأعصاب فولاذية.
وبمجرد معرفة هؤلاء الساعيات بعمليات القتل الجماعي قمن بتحذير اليهود في الغيتوهات النائية التي كانت معزولة عن الأخبار والمعلومات. وكن يرغبن في الوصول إلى اليهود المنعزلين قبل أن يخدعهم الألمان بوعود ”إعادة التوطين“ بينما يخططوا في الواقع لإرسالهم بالقطارات إلى مخيمات الموت.
وحثت الساعيات اليهود على ألا يركبوا القطارات، بل ينضموا بدلا من ذلك إلى الحركة اليهودية السرية ويقاوموا - عن طريق إبلاغ الآخرين بحقيقة طبيعة الترحيلات، وبناء الملاجئ للأشخاص الأكثر ضعفا، والقتال ومقاومة الألمان بأية طريقة مستطاعة. كما عملت الكاشاريوت على اقتناء الأسلحة والذخيرة وتهريبها إلى الغيتوهات للثورات المخطط لها. وكانت مهمتهنَّ الأخيرة إنقاذ اليهود الآخرين من الغيتوهات المشؤومة وتزويدهم بالوثائق المزورة والدور والنقود والدعم المعنوي.
ورغم أنه لم يكن بوسع معظم النساء أن يقمن بما قامت به هؤلاء الشابات الجريئات، فمن المهم أن نتذكر بطولتهن والدور الخاص الذي اضطلعن به في المقاومة اليهودية.
3 ج - ردود الفعل واستراتيجيات المواجهة في المخيمات:
في الختام، دعونا ننظر في ردود فعل النساء في معسكرات الاعتقال واستراتيجياتهن للمواجهة.
ومن أكبر الاختلافات بين تجارب الرجال والنساء في معسكرات الاعتقال ردود فعلهم إزاء ”تجهيزهم“ المبدئي.
وأُرغمت النساء اللاتي جرى اختيارهن للعمل أولا على نزع ثيابهن والوقوف عاريات أمام الحراس الذكور الألمان، بينما جرت حلاقة جميع أجزاء أجسادهن ووشمها بالأرقام. ووصفت الناجيات هذه العملية بأنها مؤذية ومُحِطَّة ومهينة ومؤلمة. وبكت الكثيرات من الاعتداء والعار - الذي كثيرا ما ازدادا حدة عند مشاهدة المرأة لأمها أو لابنتها تتعرض لنفس الوحشية - بينما تجبرهن على الوقوف موقف العاجزة.
وبينما وصف الرجال اليهود أيضا العملية المُحِطَّة لانتزاع هوياتهم عنهم، فلم يكونوا مضطربين عاطفيا مثلهم مثل النساء. وعندما كتب الرجال اليهود عن عملية التجهيز بدا أن أكثر ما يزعجهم كانت الطريقة التي عوملت بها زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم. وفي الواقع كان رد فعل الرجال كما لو كانوا تعرضوا شخصيا للاعتداء نتيجة لإهانة نسائهم.
وبمجرد دخول المعسكرات، نجد ثلاث استراتيجيات للمواجهة تنفرد بها النساء.
الأولى هي الطريقة التي واجهت بها النساء الجوع. ورغم أن ذلك قد يبدو مناقضا للأمور البديهية، فقد كن يتحدثن عن الوجبات والطعام الذي كنَّ يقدمنه في الأعياد اليهودية، كما تقاسمن وصفات الطعام المفضلة لديهن، مثل سمك الجيفلت أو الكولينت.
وفي الليل في الثكنات كن يحكين لبعضهن قصصا عن حفلات العشاء الأسرية الخاصة وكيفية احتفالهن بكل عيد من الأعياد اليهودية. وتقول بعض الناجيات إن لهذه المحادثات آثار مشبعة. بيد أن هذه المناقشات، سواء كان لها هذا الأثر بالفعل أم لا، قد أكدت بشكل واضح هويات النساء كأمهات وزوجات وبنات. وكان هذا مهما في مكان كانت به خطة صريحة لتدمير تلك الهويات وتجريدهن من إنسانيتهن.
وكانت الاستراتيجية الثانية للمواجهة استخدام النساء المستمر لمهاراتهن في إعداد المنـزل وتهيئة أنفسهن. فعلى سبيل المثال فقد بذلن مجهودا لتحسين مظهرهن عن طريق قرص خدودهن ليبدون في صحة أفضل، وحك شعورهن الرمادية بالفحم الأسود ليبدون أصغر سنا.
ولم يحسن هذا من فرصة اعتبارهن صالحات للعمل أثناء عمليات النداء و ”الاختيار“ التي لا تنتهي فحسب، بل ساعدهن أيضا على الحفاظ على مظهر أكثر إنسانية وعلى كرامتهن. وفضلا عن ذلك، وكما لاحظت فيلشيا كاراي، حثت عناية النساء بنظافتهن الشخصية ومظهرهن مراقبيهن في معسكرات العمل على معاملتهن بشكل أكثر إنسانية.
أما الاستراتيجية الثالثة للمواجهة فكانت إقامة علاقات ”أخوات المعسكر“، وهي العلاقات التي قامت فيها امرأتان بدعم ومساندة بعضهما البعض كأنهما أختان، بتشاطرهما الطعام والموارد الأخرى ومحاولة كل منهما حماية الأخرى من التهديدات والاعتداءات ورعايتها عندما تمرض. وكان لهذا أهمية خاصة أثناء عمليات النداء عندما كان النساء يطالبن بالوقوف لساعات بلا نهاية، وكانت المريضات يحتجن إلى أخوات المعسكر لدعمهن.
كما شجعت أخوات المعسكر بعضهن البعض على عدم اليأس والبقاء على قيد الحياة. ولذلك فمن غير المستغرب أن تشير كثير من الناجيات إلى أخواتهن في المعسكر بصفتهن السبب في ”بقائهن على قيد الحياة“ من الناحيتين البدنية والعاطفية. وبالإضافة إلى ذلك، فكثيرا من النساء تحدثن عن شعورهن بضرورة البقاء على قيد الحياة ليتمكن من مساعدة أخواتهن في المعسكر.
4 - خاتمة:
في البداية، افترض الكثير منا أن معرفتنا بالمزيد عن المحرقة سيمدنا بالأدوات التي تضمن ألا تتكرر مطلقا. ومع ذلك فقد شهدنا الكثير جدا من الفظائع وعمليات القتل الجماعي في السنوات التي أعقبت ذلك، وفي معظم الأحوال رأينا النساء، على الأخص، يتعرضن للإيذاء. وفضلا عن ذلك، رأينا مؤخرا ظاهرة الاغتصاب المروعة تستخدم كسلاح من أسلحة الحرب.وقد يقودنا ذلك، بادئ ذي بدء، إلى أن نستنتج أننا لم نحرز أي تقدم منذ المحرقة. ولكننا في الوقت نفسه رأينا أيضا شيئا لم يحدث مطلقا أثناء المحرقة. رأينا المجتمع الدولي ينهض ويجهر برأيه ويحاول إيقاف هذه الأعمال للإبادة الجماعية.
بالإضافة إلى ذلك، رأينا المجتمع الدولي يعرّف استهداف النساء بشكل محدد بوصفه جريمة حرب والاغتصاب بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
وبينما نرتجف إزاء فظاعة أعمال الإبادة التي تحدث اليوم في يوغوسلافيا السابقة ورواندا ودارفور ينبغي أيضا أن نفكر في أن هذه الأحداث كان يمكن أن تكون أسوأ من ذلك وأن تستمر لفترة أطول لو تم تجاهلها، كما جرى تجاهل المحرقة، ومقابلة المجتمع الدولي لها بالصمت الذي كان سائدا خلال المحرقة.
ولذلك فرغم معرفتنا بأن المجتمع الدولي يستطيع، بل وينبغي له، أن يفعل المزيد، يمكننا أيضا أن نشير إلى الجوانب الكثيرة التي ساعدت فيها الدروس المستفادة من المحرقة بالفعل على تغيير مسار التاريخ الحديث.
أسئلة للمناقشة
- (1) كيف أثر الواقع المتغير تحت الحكم النازي في ألمانيا على أدوار النساء داخل أسرهن؟
- (2) كيف واجهت النساء الحياة في الغيتوهات والمعسكرات؟
- (3) مكيف اختلفت تجارب النساء عن تجارب الرجال؟
- (4) ما أهمية التعرف على تجارب النساء خلال المحرقة؟
- (5) ماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل للمساعدة على حماية النساء من العنف اليوم، وبخاصة في حالات النـزاع؟
18119 دافيد ماتاسسلسلة ورقات المناقشة
القانون كعامل للتعجيل بالإبادة الجماعية
من إعداد
إدافيد ماتاسمستشار فخري أقدم لمنظمة بناي بريث، كندا ومحامي في وينيبيغ، كندا
في الرايخ الثالث، تخلل تواطؤ المهنة القانونية في الاضطهاد النازي هيئة المحكمة والادعاء، وحتى محاميّ الدفاع. وساعدت القوانين، ومن قاموا بدعمها، على إضفاء الشرعية على التعصب الغاشم وتيسير تهميش واستبعاد اليهود من المجتمع. ويثير هذا عديدا من الأسئلة التي تستحق التحقيق. ألم يكن هناك معيار دولي للأخلاقيات كان ينبغي للشرفاء من القضاة وأعضاء المهنة القانونية أن يتبعوه؟ ماذا كان سيحدث لو رفض أعضاء المهنة القانونية التعاون؟ ولِمَ لم يفعلوا ذلك؟ ما هو تأثير ذلك على المرتكبين؟
وهناك حالة من حالات معارضة ممارسات النازي قام بها القاضي لوثر كريسيغ من براندبرغ، ألمانيا، قد تقدم بعض الإجابات. فقد لاحظ القاضي كريسيغ، المكلف بحالات الوصاية، أن عددا من الموضوعين تحت وصايته من الأطفال والبالغين المتخلفين عقليا الموجودين في مستشفى محلية للأمراض العقلية، توفوا فجأة بعد نقلهم إلى بعض المؤسسات. واستنتج القاضي أنهم قتلوا على أيدي النظام النازي بموجب سياسته ”عملية القتل الرحيم“، وبعث برسالة إلى فرانز غورتنر، وزير العدل، للاعتراض.
ولما لم يحدث شيء، تقدم القاضي كريسيغ في تموز/يوليه 1940 إلى المدعي العام في بوتسدام بشكوى تتعلق بالقتل ضد فيليب بوهلر - رئيس كل من مستشارية هتلر وبرنامج النازي للقتل الرحيم. وبعد ذلك أصدر القاضي في آب/أغسطس أوامر زجرية ضد المستشفيات التي يوجد بها الأشخاص الموضوعين تحت وصايته، فأمرها بعدم نقل هؤلاء الأشخاص دون موافقته المسبقة.
واستدعى غورتنر، وزير العدل، كريسيغ إلى برلين وطلب منه التخلي عن جهوده. ورفض كريسيغ ذلك، وأمر غورتنر بإحالته إلى التقاعد المبكر( ). ولم يعان كريسيغ من أية عواقب أخرى؛ وتلقى المعاش التقاعدي الحكومي من الرايخ الثالث. وعاش كريسيغ حتى عام 1986.
وكتب إنغو مولر في كتابه عدالة هتلر: محاكم الرايخ الثالث:
”مهما حاول المرء أن يبحث عن رجال شجعان بين قضاة الرايخ الثالث، قضاة رفضوا أن يخدموا النظام من خلال هيئة المحكمة، فلا يزال هناك قاض واحد: لوثر كريسيغ“( ).
وأوزوالد روثاغ من النماذج المتطرفة لظاهرة معتادة بشكل أكبر، وهي ظاهرة الحقوقيين المناهضين للسامية. وقد حظرت القوانين العنصرية النازية، ضمن جملة أمور، العلاقات الجنسية بين اليهود والجنس الآري. وقُدم ليو كاتزنبرغر للمحاكمة في آذار/مارس 1942 بسبب إقامته علاقة مع إيريني سيلر. وقد أنكر كلاهما العلاقة ولم يكن هناك دليل على عكس ذلك سوى معرفة كل منهما بالآخر وكونهما أصدقاء. ومع ذلك فقد أدان القاضي أوزوالد روثاغ كاتزنبرغر وحكم عليه بالإعدام الذي نفذ في حزيران/يونيه 1942( ).
وقُدم أوزوالد روثاغ للمحاكمة العادلة في نورمبرغ بعد الحرب، وهي محاكمة 16 من أعضاء وزارة عدل الرايخ أو المحاكم الشعبية والمحاكم الخاصة. وأجرت المحاكمة محكمة عسكرية تابعة للولايات المتحدة في المنطقة التي تحتلها الولايات المتحدة من ألمانيا في نورمبرغ بعد استكمال المحاكمات العسكرية الدولية.
وأحد عناصر التهمة الموجهة ضد روثاغ بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إدارته لمحاكمة كاتزنبرغر. وأدين روثاغ في كانون الأول/ديسمبر 1947 وحكم عليه بالسجن المؤبد. وكتبت المحكمة العسكرية التابعة للولايات المتحدة في إدانة روثاغ:
”يتضح من الأدلة أن هذه المحاكمات [التي كانت محاكمة كاتزنبرغر إحداها] افتقرت إلى العناصر الرئيسية للمشروعية. وكانت جلسات المتهمين في هذه القضايا، على الرغم من المغالطات القانونية التي وُظفت، مجرد أداة في برنامج زعماء الدولة النازية للاضطهاد والإبادة“( ).
وأطلق سراح روثاغ في عام 1956 وتوفي في عام 1967.
وتضمن فيلم الحكم في نورمبرغ نسخة روائية من محاكمة روثاغ. وقامت جودي غارلاند بدور قائم على شخصية إيريني سيلر.
وتخلل تواطؤ المهنة القانونية في الاضطهاد النازي، الذي كانت محاكمة كاتزنبرغر مثالا له، هيئة المحكمة والمحاكمات. كما أدى هذا التواطؤ إلى اضطراب محاميّ الدفاع. واعتبر محامو الدفاع أنفسهم وكلاء الدولة وتحولوا بصفة روتينية ليصبحوا ضد عملائهم سعيا إلى تحقيق ما اعتبروه مصالح الدولة النازية( ).
ولم يقتصر الإفساد النازي للقانون على المجال الجنائي. فقد أصبح كل مجال من المجالات القانونية، بما فيها قانون العقود وقانون العمل وحضانة الطفل، مكانا لتطبيق الأيديولوجية العنصرية النازية.
كانت السياسات الألمانية ومجموعة القواعد والأنظمة التي تستهدف المرأة اليهودية بصفة خاصة مصدرا ثانيا للفروق الجنسانية.
وفضلا عن ذلك، فهذا الاستبعاد من خلال القانون لم ينحصر في ألمانيا النازية. ففي كل بلد غزاه النازيون، فيما عدا الدانمرك، جرى سن وإنفاذ قوانين عنصرية تستبعد اليهود من الأنشطة الاقتصادية( ).
ويسهل علينا أن نرى لماذا كان النازيين يريدون استخدام القانون لتعزيز أيديولوجيتهم العنصرية. وقد كانت الشمولية تعني السيطرة الكاملة، السيطرة على المهنة القانونية إل جانب جميع المهن الأخرى. إلا أن السيطرة النازية على المهنة القانونية كانت تعني ما هو أكثر من ذلك.
والقانون مسألة تنظيمية، وهو بيانات يعدها واضعو القانون لما يريدون للمجتمع أن يكون. ويحدد القانون المثل العليا للمشرعين. والخطاب القانوني هو خطاب بشأن ما ينبغي عمله.
وما كان استبعاد اليهود في الواقع من المجتمع إلا تعصبا وتمييزا. واستبعاد اليهود بالقانون من نفس ذلك المجتمع كان استبعادا على مستوى أعلى، مستوى معياري. وتشريع معاداة السامية كان تهميشا من حيث المبدأ وتجريدا من الإنسانية من الناحية الأخلاقية.
وفي الرايخ الثالث، قدمت مشروعية الاستبعاد تبريرا إضافيا لذلك الاستبعاد، مما عزز التهميش وجعله أكثر انتظاما. وقد أضفى القانون احتراما على التعصب الأعمى.
ومن الصعب تفسير الأسباب التي دعت المهنة القانونية إلى الموافقة على المحاولة النازية لإضفاء الشرعية على التعصب. وكريسيغ، وهو القاضي الوحيد الذي قاوم النازيين، كما سبق ذكره، لم يعاني أية عواقب أخرى غير الفصل مع الحصول على معاش تقاعدي. وكان ذلك نتيجة المعارضة الفعالة لهتلر في عام 1940، بعد انقضاء أمد طويل على اكتساب المشروع النازي زخما، وحتى بعد بداية الحرب العالمية الثانية. ولو كان القضاة والمحامين قد عارضوا مشروع النازي بقوة في السنوات الأولى من الرايخ الثالث لكان من المرجح ألا يتعرضوا حتى لهذا النوع من العواقب السلبية.
فلماذا لم يفعلوا ذلك؟ في ضوء ضآلة ما حدث للوثر كريسيغ من أجل مقاومته الشجاعة المتأخرة في الرايخ الثالث، لا يمكن أن تكون الإجابة أنهم تعاونوا لأنهم اضطروا إلى ذلك. ولا بد أن تكون الإجابة أنهم تعاونوا لأنهم أرادوا ذلك.
وكيف يمكن للمهنة القانونية أن تتخلى تماما وبصورة منهجية عن مثلها العليا؟ والتفسير بالنسبة للمحامين هو نفس التفسير بالنسبة لباقي المجتمع، تفشي معاداة السامية.
وفي ألمانيا، وكل مكان ذهب إليه النازيون تقريبا، أصبحت المعاداة الوحشية للسامية أخلاقيات غير رسمية. ولم يؤد تقيين هذه الأخلاقيات إلا إلى إضفاء الصبغة الرسمية على ما كان متفشيا بالفعل. ولم تقاوم الهيئة القانونية معاداة النازيين للسامية لأن حقوقيين كثيرين جدا كانوا معادين للسامية.
وقد يكون ثمة ما يغرى بالقول بأن إضفاء الشرعية على معاداة السامية لا يهم، وأن تنفيذ معسكرات الموت وفرق القتل المتجولة والحل النهائي والمحرقة لم يجر من خلال التشريعات وأوامر المحاكم. وبالرغم من ذلك، فتواطؤ المهنة القانونية كان هاما جدا بالفعل.
وإذا كان أعضاء المهنة القانونية قد أصروا منذ اليوم الأول للرايخ الثالث على الامتثال للعدالة والإنصاف وأصول المحاكمات وسيادة القانون، كان من الممكن وقف المشروع النازي قبل أن يتطور ليصبح بكامل طاقته. ولم يكن من الممكن حدوث المظالم الكبيرة إلا بسبب تسامح وتعاون المهنة القانونية والنظام القانوني فيما يتعلق بالمظالم الصغيرة.
وعند محاكمة روثاغ في نورمبرغ، دفع في طلب تخفيف الحكم عليه بأن أعداد من قتلوا نتيجة لقراراته لا تقاس إذا قورنت بأعداد من قتلوا على أيدي من قاموا بإدارة معسكرات الموت أو بتشغيل فرق الإبادة المتجولة( ). وقالت المحكمة في إدانتها له:
” أن قلة عدد من استطاع المتهم في إطار صلاحياته القضاء عليهم عن عدد من جرى القضاء عليهم في عمليات الاضطهاد الجماعي والإبادة الجماعية التي جرت على أيدي الزعماء الذين خدمهم لا يخفف من إسهامه في برنامج هؤلاء الزعماء. وأن أفعاله كانت أشد فظاعة لأن هؤلاء الذين كانوا يأملون في أن يجدوا الملاذ الأخير في مؤسسات العدل، وجدوا أن هذه المؤسسات انقلبت ضدهم وأصبحت جزءا من برنامج الإرهاب والقمع“.
والفشل في اللجوء إلى القانون يجعل الجرائم ضد الإنسانية أكثر رعبا. ويحق لضحايا الاضطهاد أن يتوقعوا أن يوفر لهم القانون الملاذ والسلامة والحماية. وعندما يشارك القانون في الاضطهاد يزداد الرعب من الاضطهاد.
وقد أتاح قانون الحقبة النازية استمرارية للماضي مما أخفى الطبيعة المفاجئة للتغيير الذي فرضه النظام النازي على ألمانيا والبلدان الأخرى التي ذهب إليها النازيون. والاعتماد على القانون جعل التمييز أيسر، ليس من جهة تحقيقه فحسب، بل من جهة محاولة القيام به أيضا. وهؤلاء الذين ترددوا إزاء التخبط في خطاب التعصب البحت تمكنوا من الاختباء تحت مظلة القانون.
وزود الاستبعاد من خلال القانون البلدان الواقعة تحت الحكم النازي بمظاهر متشابهة مع بلدان أخرى عمت فيها سيادة القانون، مما قدم للنازيين ستارا من الاحترام خلال ممارستهم للاستبعاد. وكان إضفاء الشرعية على الاستبعاد شكلا من أشكال خداع الذات للمرتكبين وتضليلا للغرباء غير المشاركين للتخفيف من اعتراضاتهم وتدخلاتهم.
وعندما قام النازيون بالاستيلاء على القانون وإخضاعه لخدمة أيديولوجيتهم للاستبعاد، قدموا ذريعة لذلك، وادعوا التحضر لتبرير بعض من أفظع التصرفات الوحشية التي شهدها العالم. وهؤلاء الذين لم يتمكنوا من تحقيق متعتهم اللاإنسانية بممارسة التعصب فحسب، وجدوا عزائهم في صلتهم بالتقاليد القانونية التي كانوا ملمين بها. وظهر لكثيرين من المطلعين والغرباء، على حد سواء، أن ما فعله النازيون لم يكن خطأ لأنه كان قانونيا.
ومن الجدير بالذكر أن لوثر كريسيغ، وهو القاضي الوحيد الذي عارض جرائم القتل النازية، فعل ذلك بلغة القانون. وفي رسالة الاحتجاج التي بعث بها كريسيغ إلى وزير العدل، دفع كريسيغ بأن أعمال قتل الأشخاص الموضوعين تحت وصايته غير قانونية من الناحية الموضوعية والإجرائية على حد سواء.
فمن الناحية الموضوعية، أكد كريسيغ عدم وجود أسس قانونية لقتل الموصى عليهم. ومن الناحية الإجرائية، ندد بغياب الفرصة لاستدعاء شاهد خبير وإمكانية الاستئناف.
وحاول غورتنر، وزير العدل، إقناع كريسيغ بأن ما حدث كان أمرا قانونيا لأنه حقق رغبة الزعيم، وهو ما كان مكتوبا في وثيقة أراها غورتنر لكريسيغ. وأكد كريسيغ وجهة النظر القائلة بأن رغبة الزعيم لا يمكن أن تمثل أساسا قانونيا لقتل الأشخاص الموضوعين تحت وصايته( ).
ومن ناحية، فالاعتراضات التي قدمها كريسيغ، القانونية لا الأخلاقية، تبدو شكلية، مما يشير إلى أن مجرد إدخال تغيير في القانون كان من شأن إلغاء اعتراضاته. ومع ذلك، فإن إصراره على المشروعية كان أكثر من مجرد إجراء شكلي. ومن ناحية أخرى، فقد أصاب فيما يتعلق بجزء صغير من الأخطاء التي كانت تحدث بالنسبة لانتهاك القانون.
وأصبح لدى مرتكبي هذه الجرائم شعورا بالحصانة من خلال القانون. ومع ذلك ففي نهاية المطاف، بعد الحرب، عندما مثل النازيون أمام محاكم نورمبرغ، رُفضت دفاعاتهم التي تستند إلى القانون المحلي، واعتقد الكثيرون ممن يملكون هذه الدفاعات بحصانتهم من الملاحقة القضائية لهم على أفعالهم لأنها كانت قانونية. وأدت المشروعية التي كانت سائدة في ذلك الوقت إلى منح المرتكبين ما تبين بعد ذلك أنه إحساس زائف بالأمان، إلا أن تلك المشروعية ساعدت وقت ارتكاب الجرائم على حشد الشركاء في الاستبعاد وتقويض المساعي الرامية إلى إبعادهم عن ارتكاب أفعالهم البشعة.
وفي بعض الأحيان يكون كل المطلوب لمنع الاعتداءات هو رؤيتها بوضوح كما هي. وقد منع قناع المشروعية الكشف بشكل واضح لا لبس فيه عن هذه الاعتداءات. وقد أدى هذا القناع إلى تعقيد الأمور والخلط بينها وتشويشها وجعلها غير واضحة لمن ليس لديهم أساس أخلاقي قوي يرشدهم إلى واجبهم.
وشكلت جملة، كنت أؤدي وظيفتي فحسب، عند تطبيقها على قانون الاستبعاد النازي أكثر من مجرد ذريعة، فقد أصبحت هذه الجملة وسيلة فعالة لإكمال الأعمال النازية القذرة. وإذا ما فصلت مهمة الاستبعاد عن تأثيرها على الإنسانية، وإذا كان يمكن تحويلها إلى مجرد مهمة تجريدية تقنية لأصبح القيام بها أسهل بكثير.
وقد أدى تقنين الاستبعاد إلى تنقيح المهمة وتخدير المرتكبين. وأصبح التصديق القانوني تقنية للتهرب. وبدلا من المواجهة والإحجام عن فرض المعاناة على البشر الحقيقيين، لم يفكر المرتكبون إلا في الأمور الدنيوية والتطبيق اليومي للشكليات القانونية. وقتل البشر الحقيقيين عمل دموي، إلا أن تطبيق الشكليات القانونية يمكن أن يبدو عملا لا تراق فيه الدماء.
ومن لم يعتقدوا أن ما كانوا يفعلونه صوابا لأنه كان عنصريا كان يمكنهم الاعتقاد، بل اعتقدوا بالفعل، أنه صواب لأنه قانوني. ووسعت المشروعية قاعدة المرتكبين بحيث تتجاوز المؤمنين الحقيقيين لتشمل الآلية الرسمية للدولة بأكملها.
وانتهاكات حقوق الإنسان وصمة تنتشر. والمهنة القانونية في ألمانيا النازية، بتواطؤها منذ البداية، أجازت الاستبعاد ونشرته وضخمته. وأصبح القانون في ألمانيا النازية لبنة أساسية للحل النهائي، وكانت المهنة القانونية من البناة.
ما هي الدروس التي يمكن استفادتها من هذه التجربة؟ أحد هذه الدروس أن المجتمع المدني يمكن أن يكون محرضا على عمليات التهميش ونزع الملكية والتجريد من الإنسانية والإبعاد. ولربما يعتقد المرء أن المهنة القانونية، بمثلها العليا عن العدل والمساواة والإجراءات القانونية الواجبة والإنصاف وسيادة القانون، ستكون صلبة في مواجهة هذا التحريض، إلا أن ألمانيا النازية بيَّنت أن الأمر لم يكن كذلك.
وقبل ألمانيا النازية كانت هناك معادلة بين القانون والتحضر. وإذا ما نظرنا إلى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية الدائمة التي بدأت عام 1922 نجده ينص على ”مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحضرة“( ) بوصفها مصدرا من مصادر القانون الدولي. والقانون الدولي، وفقا للنظام الأساسي للمحكمة وضعته أمم متحضرة.
وبينما لم يقرر النظام الأساسي للمحكمة الأمم المتحضرة والأمم غير المتحضرة، فقد جرت صياغته في عصر كانت تعتبر فيه الدول الاستعمارية أمما متحضرة والدول المستعمرة غير متحضرة. وجملة ”أمم متحضرة“ كان مفهوما أنها تشير إلى دول قارة أوروبا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة( ).
وقد كانت المحرقة مميزة وغير مسبوقة وفريدة من منظورات متنوعة كثيرة. وكانت ألمانيا في وقت المحرقة ذات حضارة متقدمة من نواحي كثيرة، ليس أقلها تقديمها الفقه القانوني وفقه القضاء. وكانت ألمانيا قد بدأت تشهد تقاعس المشاركين في ثقافة قانونية كاملة التطور، القضاة مثلهم مثل أعضاء المهنة القانونية، باستثناء وحيد هو لوثر كريسيغ، عن معارضة جرائم النازي بوصفها أعمالا غير قانونية، بل وعلى العكس، استعدادهم للمشاركة بفعالية في تلك الجرائم.
وفي البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، ارتكبت انتهاكات حقوق الإنسان بواسطة هياكل قانونية بارزة. وكانت تلك البلدان دولا مكرسة لانتهاكات حقوق الإنسان وقائمة على مبدأ انتهاكات تلك الحقوق. واستخدمت تلك البلدان القانون لتنفيذ البرنامج العنصري النازي.
وبسبب سلوك أعضاء المهنة القانونية في البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، لا بد أن نفكر في القانون بطريقة مختلفة تماما. وقد بينت مشاركة هؤلاء الأعضاء في الجرائم النازية، بطريقة لا يمكن لفقه القضاء بمفرده توضيحها، الفصل الكامل بين القانون والأخلاقيات وبين القانون وسيادة القانون وبين القانون واحترام معايير حقوق الإنسان. وبيَّنت المحرقة أن الحضارة المتقدمة، وحتى الثقافة القانونية المتطورة، ليست دفاعا مقبولا عن أسوأ الجرائم التي عرفتها البشرية. والمشروعية والهمجية يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب.
وتُظهر الثقافة القانونية المتطورة لألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين الطابع العالمي والأهمية المعاصرة للمحرقة. وقد يكون من المغري أن نقول عن السفاكين الآخرين في الأشكال الأخرى من الإبادة الجماعية أنهم لم يكونوا إلا همجا غير متحضرين. ولا يمكن أن ينطبق هذا القول على مرتكبي المحرقة.
وحتى في خضم المحرقة كان الكثيرون من أبرع الحقوقيين الألمان في ذلك الوقت ضمن أكثر المؤيدين حماسا. وتخبرنا المحرقة أكثر من أي مأساة أخرى بأن القانون وحده لا يمكن أن يحمينا من الشر.
وعلى العكس من ذلك، يمكن للقانون، كما حدث في حالة المحرقة، أن يساهم في تجريد البشر من إنسانيتهم. وساعدت القوانين والمحاكم، كما ساعد المحامون، عن طريق إضفاء مظهر المشروعية على استبعاد اليهود، على إضفاء الشرعية على هذا الاستبعاد.
ولم يستخف النازيون بالقانون فحسب، بل استخدموه. وثمة اتجاه، حتى في يومنا هذا، للتفكير في القانون بوصفه صديقا للمضطهدين، ودرعا واقيا أو دفاعا ضد سلطة الدولة. إلا أننا لو وجهنا اهتمامنا إلى القانون والمهنة القانونية في البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، يمكننا أن نرى العكس تماما، فلا يمكن تعطيل القانون وتقويضه فحسب، بل يمكن للقانون أيضا أن يجعل من الدولة القمعية أكثر قمعا، ويشارك في الطغيان ويعززه بنفس القدر الذي يشارك به في الحرية ويعززها، كما يمكن أن يكون نذيرا بالإبادة الجماعية ومعجلا لها.
أسئلة للمناقشة
- (1) ماذا يمكن أن تخبرنا قضية القاضي كريسيغ عن الآثار المحتملة التي كان من الممكن أن يتعرض لها القضاة والمحامين الآخرين الذين عارضوا النازيين بشدة؟
- (2) لماذا لم يعارض أعضاء المهنة القانونية القوانين العنصرية والقوانين الإقصائية للنازيين؟
- (3) ما أثر ذلك على المرتكبين؟
- (4) ماذا ينبغي أن تكون عليه المعايير الدولية للأخلاقيات التي يجب أن يُدعى المهنيين القانونيين إلى الالتزام بها؟
- (5) ماذا تخبرنا المحرقة عن دور القانون في المجتمع؟
18120 تالي نيتسسلسلة ورقات المناقشة
التثقيف بشأن المحرقة في جنوب أفريقيا
من إعداد
إتالي نيتسمديرة مركز المحرقة والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ، مؤسسة المحرقة والإبادة الجماعية في جنوب أفريقيا
التعريف بالمحرقة في جنوب أفريقيا أمر معقد. كيف تدرس الفظائع والآلام في بلد لديه عبء ثقيل من المعاناة الهائلة التي صنعها الإنسان؟ وقد كتب السياسي والكاتب الألماني ريتشارد فون فيزاكر ما يلي:
”ليست المسألة التغلب على الماضي. لا يستطيع المرء أن يفعل ذلك. فالماضي لا يتغير ولا يتبدد بأثر رجعي. إلا أن كل من يغمض عينيه عن الماضي لا يرى الحاضر. ومن لا يرغب في تذكر اللاإنسانية يصبح معرضا لمخاطر عدوى جديدة“.وتكلم الكاتب بطبيعة الحال عن ألمانيا كأمة وكيف أن ”أجدادهم أورثوهم تراثا ثقيلا“.
وفي عام 2007 أُدرجت المحرقة كجزء من المنهج الدراسي الجديد للتاريخ الوطني لجنوب أفريقيا. وجنوب أفريقيا هو البلد الوحيد في أفريقيا الذي يدرج هذه النماذج في مناهجه الدراسية وهذا يسمح بالعديد من الفرص التي يمكن أن يتيحها التعريف بالمحرقة للبلد. وعندما اعتُمد النهج الدراسي الجديد، أُدرجت المحرقة في كل من المناهج الدراسية للعلوم الاجتماعية والتاريخ للصفين التاسع والإحدى عشر. وقررت الإدارة الوطنية للتعليم تنفيذ منهج دراسي يشدد على موضوع حقوق الإنسان ويقوم على الدستور وشرعة الحقوق في جنوب أفريقيا. وتأثرت هذه الوثائق تأثرا مباشرا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وُضع بدوره كنتيجة للحرب العالمية الثانية والمحرقة. وقال أندريه كيت أثناء عمله في لجنة جنوب أفريقيا لحقوق الإنسان:
”هناك قبول واسع النطاق للمفهوم القائل بأن أحداث المحرقة مثلت انتهاكا من أشد انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ البشرية. واضطلعت الدروس المستفادة من هذه الجريمة ضد الإنسانية بدور واضح في وضع وتطوير حقوق الإنسان المعاصرة. ولذلك، وإلى جانب الكثير من الفظائع التاريخية والمعاصرة التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم وفي قارتنا، لم يكن إدماج المحرقة في المناهج الدراسية مطلقا موضع جدل“.
ونظام التعليم بالمدارس الثانوية لجنوب أفريقيا مدته خمس سنوات من الصف الثامن إلى الصف الثاني عشر. وتشكل نهاية الصف التاسع موعدا لخروج الدارسين الذين يسمح لهم قانونا بترك نظام التعليم في نهاية هذه السنة. وحتى نهاية الصف التاسع، يعتبر تدريس التاريخ إلزاميا لجميع الدارسين. ومن الصف العاشر فصاعدا يطلب من الدارسين انتقاء 6 أو 7 مواضيع للدراسة يجري التركيز عليها، وهناك كثيرون لا يختارون التاريخ. وأدرج واضعو المناهج الدراسية عن قصد دراسة المحرقة في الصف التاسع حيث كان هدفهم إتاحة الفرصة لجميع الدارسين لتعلم هذا القسم الهام من التاريخ. وفي أعقاب هذا القرار، كان على المدرسين التعريف بالمحرقة في جميع المدارس في جميع أنحاء البلد. وكانت الساعات المقترحة لتدريس المحرقة 12-15 ساعة، وهي الجزء الأول من وحدة ’قضايا حقوق الإنسان أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها‘. وأعقب ذلك، في الفصل الدراسي الثاني، دراسة الفصل العنصري. ومن خلال تعرف الدارسين أولا على المحرقة ثم على الفصل العنصري يصبحون مجهزين بشكل أفضل لربط ذلك بقضايا عصرنا مثل الإبادة الجماعية في رواندا وكره الأجانب في جنوب أفريقيا (مدرج أيضا في المنهج الدراسي لهذا الصف).
وأنشئ أول مركز للمحرقة في جنوب أفريقيا في كيب تاون في عام 1999. وكان الدافع إلى إنشائه جوله استمرت 18 شهرا لمعرض جنوب أفريقيا وناميبيا ’آن فرانك في عالمنا‘ في الفترة 1993-1994. ولأول مرة في تاريخ البلد، أجري عدد من حلقات النقاش الخاصة عن تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا كجزء من المعرض. وحضر المعرض الآلاف من مواطني جنوب أفريقيا من جميع الأعمار، وبخاصة طلاب المدارس الثانوية ومربيهم. وأتاح المعرض الفرصة للمربين للتعرف على معاداة السامية. وأعطت هذه المعرفة للمربين منظورا مفاده أن العنصرية ”لا تستند فقط إلى لون البشرة وأنه حتى ’البيض‘ يمكن أن يكونوا ضحايا للقولبة والتمييز والاضطهاد“. وكانت استجابة المربين غير عادية. وبيّن معرض آن فرانك الدور الذي يمكن أن يضطلع به التثقيف بشأن المحرقة في جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري بالنسبة لإثارة مسألتي التعصب والتعسف في استعمال السلطة. وفي سياق التاريخ المؤلم للعنصرية في جنوب أفريقيا أتاح إدراك أن الناس المصنفين على أنهم ’بيض‘ يمكنهم أن يعانوا أيضا بنفس المقدار على أيدي ’بيض‘ آخرين عمليات تعلم جديدة، وما زال يتيح ذلك. وينحو مواطنو جنوب أفريقيا إلى رؤية جميع انتهاكات حقوق الإنسان من خلال منظور ”الأبيض ضد الأسود“. والتعرف على المحرقة، باستخدام نفس المنظور ”البيض قتلوا البيض“، وفي رواندا حيث ”السود ذبحوا السود“، أمر بالغ الأهمية.
وفي عام 2008 جرى إنشاء مركزين جديدين من مراكز المحرقة في جنوب أفريقيا. أحدهما في دربان والآخر في جوهانسبرغ. وسيكون مركز المحرقة والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ مقرا لمعرض دائم يركز على المحرقة والإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا في عام 1994. كما جرى في عام 2008 إنشاء جهاز وطني جامع ’مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية‘ من أجل إيجاد تنسيق وتماسك أفضل عل الصعيد الوطني في مجال التثقيف بشأن المحرقة والإبادة الجماعية.
والنهج الذي اتبعته المؤسسة إزاء التثقيف بشأن المحرقة وتدريب المربين يستند إلى الاعتقاد بأنه رغم الأهمية البالغة لمحتوى المعرفة بشأن المحرقة ”فإن تزويد المربين والدارسين بالمحتوى فحسب لا يكفي. وينبغي إبلاغ كل من برامج المدارس والمربين بفكرة أن تاريخ المحرقة يقدم دراسة حالة إفرادية قوية لاكتشاف أخطار التعصب والتمييز ويلزم الأفراد بواجب أخلاقي لاتخاذ خيارات مسؤولة والدفاع عن حقوق الإنسان“.
ولمساعدة الدارسين على توسيع نطاق المحيط الأخلاقي الخاص بهم يتعين على المربين تطوير قدرتهم على أن يظلوا محايدين في غرف الدراسة. ومن خلال استجابات المربين يبدو أن التعريف بالماضي المؤلم للفصل العنصري مهمة صعبة وعاطفية. ولا يستطيع الكثير من المربين الفصل بين تاريخهم الشخصي وتاريخ المناهج الدراسية المطلوبة، وهم يجدوا أن التعريف بفترة الفصل العنصري أمر يزداد صعوبة. ولهذا السبب يشكل التعريف بالمحرقة، بوصفها دراسة حالة إفرادية لانتهاك حقوق الإنسان، مدخلا ممتازا لكل من المربين والدارسين؛ وقد حُذف هذا التاريخ من التجارب المحلية حيث وقع في بلد آخر وقارة أخرى منذ أكثر من 65 عاما، كما انه يثير مشاعر أقل لدى مواطني جنوب أفريقيا. ولهذه الأسباب يمكن لهذا التاريخ أن يجعل مواقف وتحيزات شخصية مثل العنصرية وكرة الأجانب تطفو على السطح بدلا من أن تظل مخفية. ولا يمكن معالجة هذه القضايا إلا عند الكشف عنها. وتبين نتائجنا أن من الأسهل أن يتعلم المرء قيما ودروسا أخلاقية من تاريخ حذف من خبراته رغم وجود بعض المقارنات بينه وبين تاريخ البلد. ويبدو من تعليقات المربين أن ”التعرف على المحرقة أوجد الفسحة العاطفية ليتكلم المربين صراحة عن خبراتهم“. ومع ذلك فبانتقال المربين أولا إلى التاريخ المتطرف للمحرقة كانوا أكثر استعدادا وقدرة على البدء في دراسة تاريخهم المؤلم.
وجنوب أفريقيا لديها تراث شفوي عظيم، واستخدام رواية القصص لاكتساب المعرفة والقيم والآداب والأخلاقيات يطرح نفسه بصورة طبيعية. و استخدام التاريخ الشفوي وشهادات الناجين والمرتكبين والمتفرجين والمقاومين يمكنه بث الحياة في محتوى المحرقة فضلا عن الدروس المستفادة منها. وفي أي دراسة عن المحرقة فإن العدد الضخم للضحايا يصعب إدراكه. ومشاركة شهادات الناجين مع الدارسين يمكن أن يذكرهم بأن هذه الأرقام وراءها أشخاص مثلهم، لديهم والدين وأشقاء وأصدقاء وجدود. واستماع الدارسين لشهادات الناجين وتعلمهم منها يساعدهم على إمعان النظر في مسألة الخيارات والارتباط بالدروس التي يمكنهم تعلمها من هذا التاريخ. ويدعو المنهج الدراسي أيضا إلى استخدام التاريخ الشفوي في غر ف الدراسة، ويجري تشجيع الدارسين على إجراء مقابلات على سبيل المثال مع الأشخاص في مجتمعاتهم المحلية والربط بينهم وبين حياة الدارسين الخاصة. والتاريخ الشخصي أداة هامة لتمكين الدارسين من النظر في حياتهم واستخلاص الدروس من قصصهم. وفي جنوب أفريقيا يوجد عدد قليل جدا من الناجين والمنقذين، كما أن ما بقي من شهود على هذا التاريخ يهرمون. ويمكن تعويض ذلك بنجاح كبير باستعمال الأفلام. وأنتجت مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية فيلم الشهادة، حيث تشاطر خمسة من ضحايا المحرقة الذين استقروا في جنوب أفريقيا شهاداتهم بشأن المحرقة. وتبين أن الفيلم مصدر تثقيفي قوي جدا. وجرى إنتاج فيلم قصير آخر خلال زيارة لجنوب أفريقيا قامت بها الناجية هانا بيك - غوسلار التي تروي قصة المحرقة من خلال تصورات بشأن صداقتها مع آن فرانك. ويمكن أيضا استخدام الأدب بنجاح لسماع أصوات الشهود. كما يمكن استخدام ما يكتب في اليوميات أو مقتطفات من مذكرات مثل ’يوميات آن فرانك‘ أو أعمال إيلي ويزيل (’ليلة‘ على سبيل المثال) أو مذكرات بريمو ليفي ’إن كان هذا رجلا‘ كمصادر وأدوات رئيسية لتعزيز تقاليد سرد القصص.
ويمكّن التثقيف بشأن المحرقة الدارسين من الربط بين الماضي والحاضر وترجمة ذلك إلى نشاط اجتماعي. ويهيئ تدريس تاريخ المحرقة الفرصة للدارسين للتفكير مليا في نتائج الخيارات التي قد يواجهونها في حياتهم اليومية عن طريق فحص نتائج خيارات الأشخاص أثناء المحرقة. وتساعد الدراسة الإفرادية للمحرقة الشباب على الاستجابة بشكل أكثر فعالية لواقعهم الراهن. والأمل معقود على أن يتمكن الدارسون من الانتقال من معرفة ”ما ينبغي عمله“ إلى عمله بالفعل. وتوجد فرص أخرى قليلة جدا في المنهج الدراسي حيث يمكن للدارسين تعزيز معتقداتهم وتعلم كيفية القيام بعمل عن طريق فهم العوامل التي تعوقهم عن القيام به.
وفهم دور المتفرجين واختيار القيام بعمل أمر هام للغاية، وبخاصة في ديمقراطية فتية مثل جنوب أفريقيا. وجاب فان بروسديج، وهو منقذ هولندي (اعترفت به هيئة ياد فاشيم في القدس على أنه من الصالحين بين الأمم) أنقذ حياة عشرات اليهود في هولندا أثناء المحرقة وعاش في بريتوريا، جنوب أفريقيا حتى وفاته في كانون الثاني/يناير 2011. وعندما سُئل بروسديج ”لماذا فعلت ذلك“؟ أجاب بأن سأل: ”إذا رأيت رجلا يغرق، ألا تنقذه؟“. وكان هذا السؤال بالنسبة لبروسديج سؤالا بلاغيا. ولكن مما يؤسف له أن الإجابة ليست واضحة تماما بالنسبة للكثيرين. فمعظم الناس لن ينقذوا الرجل الغريق، سواء كان ذلك خوفا على حياتهم أو لمجرد تفكيرهم أن شخصا آخر يسبح بشكل أفضل منهم سيقوم بإنقاذه، أو عليه أن يفعل ذلك. وتشجع قصصا مثل قصة جاب فان بروسديج الدارسين على استخدام التفكير النقدي واستحداث أدوات للتعامل مع هذه المآزق الصعبة. ومرة أخرى، يمكن لتجهيز قضية الخيارات أن يمكن الدارسين، ويُجرى من خلال التعرف على أدوار المتفرجين والمنقذين والمقاومين (المناضلين). ومن المهم أن يتفهم الدارسين أن بإمكانهم أن يختاروا التصرف كمتفرجين أو لا يختاروا ذلك. وإدراك أن هناك خيار مسألة بالغة الأهمية. وقد كانت هذه هي الحالة خلال المحرقة، ولا يزال هذا صحيحا اليوم. وقال بريمو ليفي ”على الرغم من تنوع إمكانيات الحصول على معلومات فإن معظم الألمان لم يعرفوا لأنهم لم يريدوا أن يعرفوا. لأنهم بالتأكيد أرادوا ألا يعرفوا“. وفي الواقع، فقد قدم المتفرجون دائما المساعدة إلى المرتكبين بمجرد صمتهم. ومرة تلو الأخرى، وجد الدارسون أنفسهم، مثلهم مثل الباقين منا، في موقف المتفرجين الذين يقفون قريبا ولكنهم لا يشاركون فيما يحدث، ويشلهم الخوف أو الإحساس بالعجز. وأدرك الدارسون، بالتعلم من المتفرجين على المحرقة، أن سلوك المتفرجين هو اختيار عدم التدخل والوقوف جانبا والنظر. وعواقب هذا النوع من السلوك هي نفس العواقب، سواء في حالة التنمر في المدارس أو في حالة المشاجرة. ويمكن للدارسين البدء في الربط بين هذا المفهوم وبين المرحلة الأوسع نطاقا من تاريخ البلد أثناء الفصل العنصري. وأثناء أحداث الشغب المتعلق بكره الأجانب في أيار/مايو 2008، هيأ أحد المربين، الذين حصلوا على تدريب مكثف يتعلق بالمحرقة، الفرصة للدارسين، عند تعريفهم بالمحرقة، لعمل ملصقات ولافتات والتظاهر خارج المدرسة ضد هذه الهجمات. وترجم الدارسون الدروس المستفادة من المحرقة بأن يصبحوا هم أنفسهم مناضلين.
ومن الفرص الأخرى التي يتيحها التعريف بالمحرقة تسليط الضوء على الصلات بين مختلف حالات الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان والتعصب. وفي نيسان/أبريل 1994 عندما كان مواطنو جنوب أفريقيا يحتفلون بتحررهم من الفصل العنصري وكان الناس يقفون بفخر في الطوابير لعدة ساعات للتصويت، قُتل الآلاف من التوتسي وبعض الهوتو المعتدلين سياسيا في فترة ثلاثة أشهر في رواندا في نفس القارة على بعد ثلاث ساعات ونصف طيران فحسب، إلا أن معظم المربين والدارسين لا ينظرون في هذين الحدثين الموازيين ولا يربطون بينهما. ويتيح تقديم المحرقة والدروس المستفادة منها الفرصة للقيام بهذا الربط.
ولخص رئيس الأساقفة الفخري ديزموند توتو، وهو أحد مناصري مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية، الفرص التي يتيحها التعريف بالمحرقة في جنوب أفريقيا عندما قال:
”نحن نتعرف على المحرقة بحيث يمكننا أن نصبح أكثر إنسانية وأكثر دماثة وأكثر اهتماما وأكثر رحمة، ونقدر كل شخص بأن له قيمة مطلقة، ثمينة للغاية بحيث نضمن أن تلك الفظائع لن تتكرر مطلقا وأن العالم سيصبح مكانا أكثر إنسانية“.
أسئلة للمناقشة
- (1) لماذا تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في عام 1948؟
- (2) ما هي الصلات التي يمكن للطلاب إقامتها بين المحرقة والإبادة الجماعية في رواندا والفصل العنصري في جنوب أفريقيا؟
- (3) ناقش السبب في أن المحرقة أصبحت جزءا من المنهج الدراسي للتاريخ في جنوب أفريقيا. وهل يمكن للتثقيف بشأن المحرقة أن يساعد على تدريس تاريخ جنوب أفريقيا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأية طريقة؟ (ربما، بدلا من ذلك، يمكن أن يكون الجزء الأول من السؤال: هل تعتقد أن ينبغي أن تشكل المحرقة جزءا من منهج تدريس التاريخ في جنوب أفريقيا؟)
- (4) كيف يمكن أن ييسر التثقيف بشأن المحرقة تعزيز التسامح في مجتمع جنوب أفريقيا المعاصر؟
- (5) هل تعتقد أن تدريس قصص من المحرقة، وبخاصة عن دور المنقذين والمتفرجين، يمكن أن يساعد الأجيال الأصغر سنا على فهم نتائج أعمالهم بشكل أفضل؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف؟
سلسلة ورقات المناقشة
من الالتزام إلى العمل: الأهمية الدائمة للمسؤولية عن الحمايةالتثقيف بشأن المحرقة في جنوب أفريقيا
إعداد:
أداما دينغ
أداما دينغ هو المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية. وفي السابق، عمل السيد دينغ مسجلاً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا. بدأ حياته المهنية كمسجل للمحاكم الإقليمية ومحاكم العمل في السنغال، وعمل كمسجل للمحكمة العليا في السنغال لمدة ست سنوات. وفي الفترة من عام 1982 إلى عام 2001، عمل السيد دينغ في لجنة الحقوقيين الدولية على مدى السنوات العشرة الماضية بصفته الأمين العام للمنظمة. وخلال هذه الفترة عين مبعوثٌ للأمين العام للأمم المتحدة إلى ملاوي في عام 1993، وكخبير مستقل للأمم المتحدة لهايتي في الفترة من 1995 إلى 2000.
وقد ساهم السيد دينغ، وهو خبير في الشؤون القانونية وحقوق الإنسان، طوال حياته المهنية في تعزيز سيادة القانون ومكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز بناء قدرات المؤسسات القضائية والديمقراطية. وساهم أيضاً في إنشاء عدة منظمات غير حكومية في أفريقيا وتعزيز المؤسسات الأفريقية. وكان السيد دينغ بمثابة القوة الدافعة وراء إنشاء المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، فضلاً عن مشروع اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع الفساد ومكافحته. وقد ألقى السيد دينغ محاضرات عن القانون الدولي وحقوق الإنسان في المؤسسات الأكاديمية في جميع أنحاء العالم وعمل مستشاراً للعديد من المنظمات، بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، ومؤسسة فورد، الاتحاد الأفريقي.
جنيفر ويلش
جنيفر ويلش هي المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالمسؤولية عن الحماية. وتعمل السيدة ويلش بتوجيه عام من أداما دينغ، المستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية، من أجل تعزيز التطوير المفاهيمي والسياسي والمؤسسي والتنفيذي لمسؤولية حماية المفهوم، على النحو الذي حددته الجمعية العامة في الفقرتين 138 و139 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005.
وتشغل السيدة ويلش حالياً منصب أستاذة ورئيسة قسم العلاقات الدولية في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، وتشمل مشاريع البحث التي تضطلع بها السيدة ويلش تطور المسؤولية عن الحماية في المجتمع الدولي، وأخلاقيات إعادة البناء بعد انتهاء الصراع، وسلطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومفهوم السيادة. وشغلت السيدة ويلش سابقاً منصب أستاذة العلاقات الدولية والمديرة المشاركة لمعهد أكسفورد للأخلاقيات والقانون والنزاع المسلح في جامعة أكسفورد، والمديرة المشاركة لبرنامج دراسات السلام والنزاع في جامعة تورنتو، وزميلة أبحاث كاديوكس في مجال موظفي تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الكندية وزميلة ببرنامج جين مونيه بمعهد الجامعة الأوروبية. كما درست العلاقات الدولية في جامعة ماكغيل وفي جامعة أوروبا الوسطى، بالإضافة إلى مؤلفاتها المنتشرة على نطاق واسع بشأن مسؤولية الحماية والوقاية من الفظائع. وعملت كمستشارة لحكومة كندا في مجال السياسة الدولية، وكانت معلقة متكررة الاستضافة في وسائل الإعلام الكندية بشأن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
وهي حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة أكسفورد، حيث درست كباحثة في منحة رودس، كما حصلت السيدة ويلش على درجة البكالوريوس في الآداب (بمرتبة الشرف) من جامعة ساسكاتشوان في كندا. ولدت في ريجينا، ساسكاتشوان، وهي متزوجة ولها طفلان.
على الرغم من النداءات المتكررة إلى عدم التكرار مطلقاً بصدد حدوث أشد أشكال الاضطهاد والعنف فظاعة، فإن المجتمع الدولي قد تعثر في المنع المنهجي لجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وقد أنشئت المسؤولية عن الحماية لسد هذه الفجوة بين الخطاب والعمل. ويجسد هذا المبدأ التزاماً سياسياً رسمياً، قدمه على أعلى مستوى جميع رؤساء الدول والحكومات في مؤتمر القمة العالمي لعام 2005، من أجل الوفاء بالالتزامات القانونية القائمة من قبل، والسعي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسماً وفي الوقت المناسب، وتحسين الحماية المقدمة إلى السكان الضعفاء.
وبعد عشر سنوات من اعتمادها رسمياً، أصبحت المسؤولية عن الحماية الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى. وقد ساعد هذا المبدأ على إيجاد توافق سياسي للآراء فيما بين الدول الأعضاء بشأن كيفية منع الجرائم الفظيعة والاستجابة لها. (1) وقد ساهمت مجموعة سريعة النمو من الأدبيات الأكاديمية والسياسية في تحسين فهمنا لكيفية توقع الجرائم الفظيعة وتخفيف المخاطر المرتبطة بها. والأهم من ذلك أن المبدأ أدى إلى تطوير قدرة مؤسسية جديدة وحفّز على المشاركة الناجحة في حالات مثل كوت ديفوار وغينيا وكينيا وقيرغيزستان.
كما أن اتساع وعمق مسؤولية حماية الأثر أصبح واضحاً أيضاً في قرارات ومداولات المؤسسات الدولية. وقد اعتمد مجلس الأمن أكثر من ثلاثين قراراً وبيانات رئاسية تشير إلى المبدأ، بما في ذلك القرارات الأخيرة التي ترحب صراحة بعمل مكتبنا (2). وأجرت الجمعية العامة مناقشة رسمية وعقدت سبعة حوارات تفاعلية غير رسمية سنوية بشأن هذا الموضوع. وقد اعتمد مجلس حقوق الإنسان ثلاثة عشر قراراً يتعلق بالمسؤولية عن الحماية. وعلى الصعيد الإقليمي، اعتمدت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب قراراً بشأن تعزيز المسؤولية عن الحماية في أفريقيا (3)، وأوصى البرلمان الأوروبي بالتنفيذ الكامل لمبدأ الاتحاد الأوروبي (4). وباختصار، فإن الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية تعيد تأكيد المبدأ بطريقة أكثر تحديداً وبوتيرة متزايدة.
وكما أشار الأمين العام بان كي مون، فإن مسؤولية الحماية توفر بديلاً للامبالاة والوحشية وتمثل معلماً بارزاً في تحويل القلق الدولي إزاء الأشخاص الذين يواجهون خطر مميت إلى استجابة مجدية (5). إننا في هذه المقالة، نستعرض عناصر المسؤولية عن الحماية التي شكلت إسهامها الهام في تعزيز الحماية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وإدراكاً منا للأزمات الحالية والكثير من الناس الذين ما زالوا معرضين لخطر مرتفع من الجرائم الفظيعة، فإننا نسلط الضوء بعد ذلك على الحاجة الملحة إلى التعجيل بتنفيذ هذا المبدأ ووضع جدول أعمال طموح ولكنه قابل للتحقيق للعقد المقبل.
مبدأ حيوي
وفي مؤتمر القمة العالمي لعام 2005، اعترفت الدول الأعضاء رسمياً بالحتمية السياسية والأخلاقية لمنع الجرائم الفظيعة ووقفها. وأكدوا مسؤوليتهم الرئيسية عن حماية سكانهم من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وقبلوا مسؤولية جماعية لمساعدة بعضهم بعضاً في الوفاء بهذه المسؤولية (6). وأعلنوا أيضاً استعدادهم لاتخاذ إجراءات حاسمة في الوقت المناسب، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة حسب الاقتضاء، عندما تفشل السلطات الوطنية بوضوح في حماية سكانها (7).
وقد ثبتت صياغة هذه المسؤولية عن الحماية لأربعة أسباب. أولاً، أنها توظف نطاقاً ضيقاً. وقد ساعد الحد من المبدأ على أخطر الجرائم الدولية، ساعد فيضمان أن تظل المسؤولية عن الحماية مركزة تركيزاً تاماً على سد المسافة بين الالتزامات المحددة بموجب القانون الدولي والواقع الذي يواجهه السكان المعرضون للخطر.
وثانياً، توضح الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005 من سيقوم بتحمل المسؤولية عن الحماية. وهو ينص على أن المسؤولية الرئيسية عن الحماية تقع على عاتق السلطات الوطنية، وأن هذه المسؤولية تنطوي أيضاً على الوقاية. ولكنه ينص أيضاً على أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية عن تقديم المساعدة والالتزام باتخاذ إجراءات جماعية في أقصى الحالات عندما تكون الدول الأعضاء إما غير راغبة أو غير قادرة على حماية سكانها حماية كافية.
ثالثاً، في حين أن المسؤولية عن الحماية توجه الانتباه إلى محنة الأفراد الذين يعانون من أشكال فظيعة من العنف والاضطهاد، فإنها تفعل ذلك بطريقة تحترم سيادة الدولة وتعززها. والواقع أن المبدأ يقوم على الاقتناع بأن الدول الأعضاء تعزز سيادتها عندما تحمي السكان من الجرائم الفظيعة. ولذلك فإن المسؤولية عن الحماية وسيادة الدول تعزز بعضها البعض.
رابعاً، توصلت الدول الأعضاء إلى اتفاق صيغ بعناية يحد من إمكانية إساءة استعمال المبدأ سعياً وراء تحقيق أهداف سياسية أخرى. إن المسؤولية عن الحماية تحكمها أحكام الأمن الجماعي في كل من الفصل السادس والسابع والثامن من ميثاق الأمم المتحدة. وهي تطرح منظوراً واسعاً من أنواع الصكوك التي يمكن أن يستخدمها المجتمع الدولي لمنع الجرائم الفظيعة والتصدي لها. وتؤكد أيضاً أن استخدام أية تدابير قسرية يتطلب تفويضاً من مجلس الأمن.
وقد أثبتت هذه العناصر من المسؤولية عن الحماية، أثبتت قوتها السياسية والعملية على السواء. ومن الناحية السياسية، ساهمت تلك العناصر في التوصل إلى توافق في الآراء بشأن مسائل سبق أن قسمت المجتمع الدولي. وتوافق الدول الأعضاء الآن على أن المنع هو جوهر المبدأ، وأن العمل الدولي ينبغي أن يستخدم مجموعة كاملة من التدابير الدبلوماسية والسياسية والإنسانية، وأن القوة العسكرية ينبغي ألا تعتبر إلا الملاذ الأخير، وأن التنفيذ يجب أن يحدث وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وغيره من المبادئ الثابتة للقانون الدولي.
ومن الناحية العملية، فإن وضوح آليات المسؤولية عن الحماية فيما يتعلق بكل من الوسائل المتاحة والجهات الفاعلة المسؤولة عن الحماية، مكنت الأمين العام من وضع وإرساء إطار متين للتنفيذ يستند إلى ثلاث ركائز متساوية ومتعاضدة (8). الركيزة الأولى تتناول كيف يمكن للدول أن تفي بمسؤوليتها الأساسية عن حماية سكانها (9). الركيزة الثانية تحدد المسؤولية الجماعية للمجتمع الدولي بشأن تشجيع ومساعدة الدول على الوفاء بمسؤوليتها عن الحماية (10). الركيزة الثالثة تضع خيارات للاستجابة الحاسمة وفي الوقت المناسب (11). إن هذا الإطار لم يوفر دليلاً للجهود الملموسة الرامية إلى تحسين الوقاية من الفظائع والاستجابة فحسب، بل ساعد أيضاً على توجيه الانتباه إلى المجالات التي يلزم فيها المزيد من العمل.
وقد قام الأمين العام، في أحدث تقرير له، بتقييم العقد الأول من المسؤولية عن الحماية، مشيداً بالتقدم المحرز وطالب بمزيد من الالتزام الدولي (12). وعلى الرغم من أن الاهتمام خلال السنوات العشر الأولى قد ركز بطبيعة الحال على بناء فهم مشترك للمبدأ، فقد خلص الأمين العام إلى أن الوقت قد حان الآن للانتقال من المناقشات المفاهيمية إلى النظرة الأكثر عملية في التنفيذ.
الانتقال إلى التنفيذ
يعكس اعتماد المسؤولية عن الحماية اعترافاً واسع النطاق بأن الوضع الراهن غير كاف وغير مقبول على السواء. ولم يكن الهدف من هذا المبدأ هو إعادة صياغة البلاغات الخطابية المريحة، بل هو التحفيز على العمل. وعلى هذا الأساس، من الواضح أن هذا المبدأ لا يزال ذا صلة بالواقع بطريقة مؤلمة. إن الأعمال التي قد تشكل إبادة جماعية وجرائم حرب وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية تحدث في جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية والعراق وليبيا ونيجيريا وجنوب السودان والسودان وسوريا، واليمن. وقد أوجدت هذه الحالات تحديات تتعلق بالحماية على نطاق مذهل وأنتجت أزمات إنسانية واسعة النطاق، بما في ذلك أزمة الهجرة واللاجئين العالمية.
وبعبارة أعم، لا يزال يتعين على العديد من الدول الأعضاء أن تصبح أطرافاً في الاتفاقيات الدولية التي تحدد الإطار القانوني لمنع الجرائم الفظيعة والمعاقبة عليها، بما في ذلك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ونشهد حالياً انخفاضاً مقلقاً في حماية حقوق الإنسان واحترام القانون الإنساني الدولي، ولا سيما في الحالات التي تجادل فيها السلطات الوطنية بأن التهديدات الأمنية الاستثنائية أو الأزمات السياسية تبرر الإلغاء المؤقت من التزاماتها القانونية.
ومن أجل الأسس الأخلاقية والسياسية والقانونية، يجب على المجتمع الدولي أن يقوم بعمل أفضل. إن ضرورة التعجيل بتنفيذ المسؤولية عن الحماية واضحة. فالجرائم الفظيعة تتحدى بشكل مباشر إنسانيتنا المشتركة. ولها آثار عميقة ودائمة، وتدمر الأساس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات وتسبب ضرراً تظل معاناته مستمرة لأجيال قادمة. وهي تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وتزيد من خطر أن يعبر عدم الاستقرار الحدود، ويجتاح الجيران والمنطقة المباشرة ويضعها في أزمات متزايدة التعقيد. وفي الوقت الذي تكون فيه قدرة المجتمع الدولي على التخفيف من حدة الصراع وإنهائه مثقلة بالفعل، فإن الجرائم الفظيعة تخلق نقاط ضعف جديدة وتزيد الطلب على المساعدة الدولية.
وسيتطلب التصدي لهذه التحديات تصميماً سياسياً، ليس فقط على التمسك بالمبدأ ذاته، بل أيضاً بتخصيص الموارد وإجراء التغيير المؤسسي اللازم لتحسين قدرتنا على منع الجرائم الفظيعة ووقفها. وستعتمد هذه الخطوات بدورها على رغبة طائفة واسعة من الجهات الفاعلة في تقييم مخاطر الجريمة الفظيعة والاستجابة لها على نحو أكثر انتظاماً، بما في ذلك عن طريق تكييف الاستراتيجيات التي توجه الجهود ذات الصلة في مجالات منع الصراعات وحفظ السلام وبناء السلام والتنمية.
وهناك بعض الدلائل المشجعة في هذا الصدد. وقد انضمت الآن إحدى وخمسون من الدول الأعضاء والاتحاد الأوروبي إلى الشبكة العالمية لمنسقي شؤون المسئولية عن الحماية (13). وقد عينت كل دولة مشاركة رسمياً مسؤولاً كبيراً للاضطلاع بمهمة تعزيز تنفيذ المسؤولية عن الحماية على الصعيد الوطني وتعزيز التعاون الدولي بشأن منع الجريمة الفظيعة والاستجابة لها. كما ظهرت شبكات تكميلية لمعالجة هذه التحديات على الصعيدين العالمي والإقليمي، مثل التحرك العالمي لمكافحة جرائم الفظائع الجماعية وشبكة أمريكا اللاتينية المعنية بالإبادة الجماعية والفظائع الجماعية. وتبذل الآن جهود في كل منطقة لترجمة الالتزام السياسي الذي تم في عام 2005 إلى ممارسة.
وتشكل هذه المجتمعات المتنامية من الالتزام جزءاً من العمل الأوسع نطاقاً. وفي هذا السياق، نعتقد أنه يمكن تحقيق الكثير عن طريق توجيه طاقاتنا إلى السعي إلى تحقيق عدة أولويات أساسية.
أولا، يجب على المجتمع الدولي أن يجعل الوقاية قاعدة وليست استثناءً. ويمكن لمجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان، ولجنة بناء السلام، والمنظمات الإقليمية أن يسهموا جميعاً إسهاماً أكبر من خلال إجراء مناقشات أكثر انفتاحاً للحالات المثيرة للقلق. وينبغي أن يصبح الاهتمام الدولي بعلامات الخطر الناشئة جزءاً منتظماً ومقبولاً من التعاون الدولي. وهذا لا يتطلب مجرد تحول تقني في أساليب العمل والاستعداد للحصول على معلومات جديدة، وإنما يتطلب أيضاً تغييراً أوسع في الثقافة السياسية والالتزام بالتحرك المبكر.
ثانياً، يجب أن يظل المجتمع الدولي على استعداد للاستجابة في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة عندما تواجهه الجرائم الفظيعة. والدرس المستفاد من التدخل في ليبيا المأذون به بموجب قرار مجلس الأمن 1973 ليس هو ضرورة تجنب الوسائل العسكرية دائماً، بل أن أية ولايات ذات صلة يجب أن تكون واضحة في أهدافها، والمدة المتوقعة، وإجراءات استعراض التقدم المحرز منها. ويجب أيضاً أن تسترشد الردود الدولية في البداية بالحاجة إلى تقديم دعم مستمر للمجتمعات التي تكافح من أجل التعافي في أعقاب الجرائم الفظيعة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن التقاعس لا يزال يشكل أكبر خطر يهدد السكان المعرضين للخطر. ويتحمل مجلس الأمن مسؤولية خاصة عن استخدام مجموعة كاملة من الأدوات غير القسرية والقسرية المتاحة لمنع ووقف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وعندما يخفق أعضاء مجلس الأمن في الاتفاق على استجابة فعالة وجماعية، كما هو الحال في كثير من الأحيان في حالة سوريا، يمكن أن يكون الأثر مدمراً، بما في ذلك سمعة ومكانة الأمم المتحدة.
ثالثا، يجب على المجتمع الدولي أن يولي مزيداً من الاهتمام لمنع تكرار الجرائم الفظيعة. إن عمليات بناء السلام غير المكتملة أو الفاشلة يمكن أن تهيئ ظروفاً تفضي إلى ارتكاب جرائم فظيعة. وتواجه المجتمعات التي عانت من الجرائم الفظيعة تحديات فريدة، لا سيما فيما يتعلق بالمصالحة والمساءلة. وينبغي أن تراعي استراتيجيات بناء السلام هذه الاحتياجات المحددة وأن تصمم لتوفير الدعم المطلوب الأطول أجلاً.
رابعاً، كثيراً ما تكون البلدان المجاورة والمنظمات الإقليمية في وضع جيد يمكنها من مساعدة الدول على حماية سكانها. فهم ليسوا فقط أكثر قدرة على فهم السياق المحلي، ولكن يمكن أن يجلبوا أيضاً علاقات سياسية واقتصادية طويلة الأمد يمكن تحملها. وفي حين تتباين الأدوات والآليات المحددة، فإن لكل منطقة أيضاً مؤسسات وممارسات قائمة يمكن استخدامها لتعزيز منع الجريمة الفظيعة والاستجابة لها.
خامساً، إن نمو الشبكات الدولية والإقليمية لمراكز التنسيق المكرسة للوقاية من الجرائم الفظيعة تعتبر تطوراً واعداً. كما أن البناء على هذا التقدم يوفر وعداً كبيراً. وسيشجع توسيع الشبكات على توسيع نطاق تقاسم أفضل الممارسات. ومن شأن تمكين نقاط التنسيق بالموارد والسلطة اللازمة لدفع التغيير المؤسسي أن يسهم في بناء هياكل أساسية طويلة الأمد للوقاية والحماية.
وفي حين أن اتساع نطاق جدول الأعمال هذا قد يبدو طموحاً، فإن التقدم المطرد في كل من هذه الأولويات سيعزز إلى حد كبير القدرة العالمية والإقليمية والوطنية المتاحة للوقاية من الفظائع والاستجابة لها. فمع زيادة الالتزام وتنفيذه ببراعة أكبر، لا يوجد سبب يدعو إلى عدم ملاءمة الجهود الدولية لنطاق الأزمات التي نواجهها حالياً.
خاتمة
لقد أصبحت المسؤولية عن الحماية راسخة الآن كمبدأ حيوي ودائم. وهي توفر إطاراً قيماً يعزز الالتزامات القانونية القائمة ويبني توافق آراء سياسي بشأن سبل المضي قدماً ويوفر سياسة عملية وتوجيهات مؤسسية. وفي حين أن العقد الماضي يدل على أن المسؤولية عن الحماية لم تتمكن من ترجمة الالتزام إلى عمل في كل حالة، فهناك أسباب تدعو إلى التفاؤل. ونحن نعلم من التجربة الأخيرة أن الوزن الجماعي للمجتمع الدولي يمكن أن يحدث فرقاً.
وفي هذا السياق الأوسع، تحث المسؤولية عن الحماية المجتمع الدولي على عدم التراجع إلى التخوف أو الشلل في مواجهة الأزمات التي تبدو مستعصية على الحل. ولا يمكننا أن نخلص إلى أن وسائل منع ووقف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ليست في متناول أيدينا. قد تكون تحديات الجرائم الفظيعة مروعة وتكلفتها الإنسانية مذهلة، ولكنها أسباب لتجديد عزمنا والإسراع في تنفيذ المسؤولية عن الحماية.
أسئلة المناقشة
- ما هي المسؤولية عن الحماية وما الذي أدى إلى اعتمادها؟
- ما الذي حققته المسؤولية عن الحماية في السنوات العشرة الأولى؟
- كيف يمكن للأمم المتحدة ودولها الأعضاء أن يقوموا بفعل المزيد لمنع الجرائم الفظيعة والتصدي لها؟ ما هي الشبكة العالمية لجهات التنسيق في مجال المسؤولية عن الحماية ولماذا تعتبر مهمة؟
- فوفقاً لما ذكره المؤلفون، ما هو الخطر الأكبر الذي يهدد السكان المعرضين للخطر؟ ما هو الدور الذي ينبغي أن يضطلع به مجلس الأمن في التصدي لهذه التهديدات؟
- اشرح لماذا يعبر المؤلفان عن تفاؤلهما في مواجهة الأزمات التي تبدو مستعصية على الحل ويريان أن مسؤولية الحماية هي أكثر أهمية وارتباطاً الآن أكثر من أي وقت مضى. ناقش كيف ترى تحديات الجرائم الفظيعة وإمكانية حماية المجتمعات الضعيفة بشكل أفضل.
- نستخدم تعبير الجرائم الفظيعة على وجه الحصر للإشارة إلى الأفعال الأربعة المحددة في الفقرة 138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005. يحدد القانون الجنائي الدولي جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ أما التطهير العرقي، وإن لم يكن قد ثبت كجريمة متميزة، فهو يشمل أعمالاً تتصاعد عادة لتشكل إحدى الجرائم، ولا سيما الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
- انظر، على وجه التحديد، قرارات مجلس الأمن 2150 (2014) و2171 (2014).
- المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، القرار 117 (XXXXII) 07: قرار بشأن تعزيز المسؤولية عن الحماية في أفريقيا.
- A7-0130/2013، توصية البرلمان الأوروبي إلى المجلس بشأن مبدأ الأمم المتحدة مسؤولية الحماية (R2P).
- ملاحظات على الحوار التفاعلي غير الرسمي للجمعية العامة بشأن التزام حيوي ودائم: تنفيذ المسؤولية عن الحماية ، 8 أيلول/ سبتمبر 2015.
- A/RES/60/1، الفقرة 138.
- المرجع نفسه، الفقرة 139.
- تقرير الأمين العام عن تنفيذ المسؤولية عن الحماية (A/63/677).
- تقرير الأمين العام عن الوفاء بمسؤوليتنا الجماعية: المساعدة الدولية والمسؤولية عن الحماية (A/68/947).
- تقرير الأمين العام عن الوفاء بمسؤوليتنا الجماعية: المساعدة الدولية والمسؤولية عن الحماية (A/68/947).
- تقرير الأمين العام عن المسؤولية عن الحماية: استجابة وقتية وحاسمة (A/66/874).
- تقرير الأمين العام عن الالتزام الحيوي والدائم: تنفيذ المسؤولية عن الحماية (A/69/981).
- لمزيد من التفاصيل، انظر جهات التنسيق في مجال المسؤولية عن الحماية.
سلسلة ورقات المناقشة
لماذا نحتاج إلى التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست
إعداد:
الدكتور/ ماريو سيلفا
يتضمن المسار المهني للأستاذ ماريو سيلفا الخدمة كمسؤول منتخب في كندا بين عامي 1994 و2011، فضلاً عن كونه مؤلفاً وباحثاً دولياً في القانون. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2011، عينته حكومة كندا للعمل كرئيس للتحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لعام 2013. التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) هو هيئة حكومية دولية تتألف من 31 دولة عضواً، ولديه ولاية لإشراك دعم القادة السياسيين وقادة السياسات الاجتماعية لتشجيع التعليم المتعلق بالهولوكوست، وتخليد ذكراها، والبحث على الصعيدين الوطني والدولي.
الأستاذ سيلفا هو خريج جامعة تورونتو، وجامعة السوربون في باريس ويحمل درجة الماجستير في القانون الدولي من جامعة أكسفورد، وكذلك دكتوراه في القانون من جامعة أيرلندا الوطنية في غالواي. وقد تم تكريمه من قبل الرئيس الفرنسي بمنحه لقب فارس ووسام جوقة الشرف الوطني وحصل أيضاً على وسام الاستحقاق من البرتغال، ووسام ريو برانكو من البرازيل. حصل الأستاذ سيلفا على جائزة باني الجسور (Bridge Builder Award) من قبل مجموعة الصداقة بين جميع الأديان والأحزاب التابعة للبرلمان الكندي، وجائزة الهولوكوست للتعليم الإنساني من الرابطة اليهودية بهاملتون.
لقد كانت الهولوكوست جريمة لم يسبق لها مثيل ضد الإنسانية ولحظة تاريخية حاسمة، غيرت بشكل جوهري كيف ينظر العالم إلى أعمال الإبادة الجماعية وكيف يتعامل معها. وعلى هذا النحو، فإنها توفر لنا العديد من الدروس الهامة التي يمكن أن تساعد في منع وقوع مثل هذه الجرائم مرة أخرى. ويتمثل التحدي في ضمان تذكر هذه الدروس وتقاسمها وتطبيقها. وبهذه الطريقة، يمكن للعالم أن يكرم ذكرى أولئك الذين فشلنا في حمايتهم.
لقد كان هذا الهدف، الذي وضعه رئيس الوزراء السويدي آنذاك، غوران بيرسون، في عام 1998 – بوصفه فرقة العمل المعنية بالتعاون الدولي في مجال تعليم الهولوكوست وإحياء الذكرى والأبحاث – وهو الهدف الذي نشأ من أجله التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA).
إن التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) هو هيئة دولية فريدة من نوعها، وهي تضم وفود البلدان التي تشمل المسؤولين الحكوميين وخبراء الهولوكوست غير الحكوميين، والأكاديميين، والمهنيين المتخصصين في المتاحف، والمربين، والباحثين. وتتم رئاسة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) سنوياً بالتناوب بين الدول الأعضاء وتشعر كندا بالفخر لرئاسة التحالف من آذار/ مارس 2013 إلى آذار/ مارس 2014.
الأصول
لقد كان رئيس الوزراء بيرسون متحمساً بسبب عدد من العوامل. وكان أحد هذه العوامل تجربته الشخصية في زيارة موقع معسكر الاعتقال النازي السابق في نيوغامي، بالقرب من هامبورغ، والقراءة عن الأطفال اليهود الذين قتلوا هناك. وتمثل عامل آخر في استطلاع للرأي أشار إلى وجود نقص مثير للقلق من المعرفة بالهولوكوست بين الشباب السويدي.
ودعا رئيس الوزراء بيرسون الرئيس بيل كلينتون ورئيس الوزراء توني بلير للانضمام إليه في هذا المشروع. وفي ستوكهولم، في الفترة من 27 إلى 29 كانون الثاني / يناير 2000، اعتمدت 46 حكومة - يمثلها رؤساء الدول ورؤساء الوزراء ونواب رؤساء الوزراء والوزراء - بالإجماع إعلان منتدى ستوكهولم الدولي بشأن الهولوكوست.
وكان التزام المجتمع الدولي بمبادئ إعلان استكهولم نقطة الانطلاق بالنسبة لكثير من البلدان لبدء مناقشة عامة بشأن تاريخها الوطني والاعتراف بدورها خلال الحرب العالمية الثانية المتصل بالهولوكوست. ماذا حدث خلال الحرب؟ وماذا فعل بلدنا؟ وماذا لم يقم بفعله؟ وما هي الدروس المتوفرة بالنسبة لنا لتعلمها لضمان ألا يحدث ذلك مرة أخرى؟
واليوم، توسع التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) من أعضائها المؤسسين الثلاثة إلى شبكة دولية من الخبراء بشأن الهولوكوست وما يتصل بها من قضايا، وعزز التعاون السياسي بين البلدان الأعضاء الـ 31 التي تعمل سوياً في إطار قائم على توافق الآراء.
وتلتزم الدول الأعضاء التي تنضم إلى التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) بمبادئ إعلان استكهولم الذي ينص على أن الطابع غير المسبوق للهولوكوست سيحظى دائماً بمعن عالمي، وأنه في عالم ما زال يعاني من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والعنصرية ومعاداة السامية ورهاب الأجانب، فإن المجتمع الدولي يتقاسم مسؤولية جسيمة لمحاربة تلك الشرور. ويجب على الحكومات أن تتعهد بتعزيز الجهود الرامية إلى تعزيز التعليم بشأن الهولوكوست وإحياء الذكرى والبحث.
الشراكات
ومنذ إعلان استكهولم، قامت منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومجلس أوروبا، ووكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (FRA)، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، قامت بجعل ذكرى الهولوكوست جزءاً أساسياً من مهمتها. ويعمل التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) بالتعاون مع هذه المنظمات التي تتمتع بمركز المراقب الدائم.
وقد زرعت بذور هذا الجهد الجماعي قبل ستين عاماً، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 260، المتمثل في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 9 كانون الأول/ ديسمبر، 1948. وعلاوة على ذلك، أعلنت الأمم المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 يوم 27 كانون الثاني/ يناير - وهو اليوم الذي قامت فيه القوات الروسية بتحرير معسكر أوشفيتز في عام 1945- بوصفه اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست. ويشير قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ذكرى الهولوكوست 60/7 إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويؤكد من جديد أن الهولوكوست، التي أسفرت عن مقتل ثلث الشعب اليهودي مع عدد لا يحصى من أفراد الأقليات الأخرى، ستكون إلى الأبد تحذيراً لجميع الناس من مخاطر الكراهية والتعصب والعنصرية والتحامل.
إن المعرفة بخلفية الهولوكوست والغرض منها وأهميتها أمر ضروري لزيادة الوعي العام وتعبئة القوى للرد على التحيزات والأحكام النمطية التي أدت إلى ذلك. إن جرائم الكراهية، سواء كانت قائمة على رهاب الأجانب أو معاداة السامية أو إنكار الهولوكوست، هي ظاهرة عالمية. فنحن، فرادى وجماعات، ملزمون بمكافحة التمييز الذي يؤدي إلى استبعاد مجموعات من الناس وينشر الكراهية.
وكما ذكر رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر في عام 2010، إن تذكر الهولوكوست ليس مجرد اعتراف تاريخي. بل يجب أيضاً أن يكون هناك تفهم وتعهد: يتعين فهم أن التهديدات نفسها موجودة اليوم، والاضطلاع بمسؤولية رسمية لمكافحة هذه التهديدات.
إشراك الشباب
في السنوات الأخيرة، أصبح الشباب بوجه خاص معرضين بشكل متزايد لآراء تمييزية من خلال شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الجواب لا يتمثل في الرقابة ولكن في التعليم، الذي هو جزء مهم من ولاية التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA). وقد وضعت الشبكة الدولية للتحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، المكونة من الخبراء التربويين سلسلة من الوثائق لمساعدة المعلمين على تعليم كل من الهولوكوست وعلاقتها بعمليات الإبادة الجماعية الأخرى.
إن دراسة الهولوكوست تساعد الطلاب على التفكير في استخدامات السلطة وإساءة استخدامها، وأدوار ومسؤوليات الأفراد والمنظمات والأمم عند مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان. ويمكنها أن تزيد الوعي بإمكانية حدوث عمليات الإبادة الجماعية في العالم المعاصر. وعلاوة على ذلك، يمكن لدراسة الهولوكوست مساعدة الطلاب على تطوير فهم تداعيات التحامل والعنصرية ومعاداة السامية والقوالب النمطية في أي مجتمع. وهي تساعد الطلاب على تنمية الوعي بقيمة التنوع في مجتمع تعددي وتشجع على مراعاة حساسية مواقف الأقليات.
وبينما يكتسب الطلاب نظرة ثاقبة تجاه العديد من العوامل التاريخية والاجتماعية والدينية والسياسية التي أدت إلى الهولوكوست، فإنهم يكتسبون أيضاً الوعي حول تعقيدات العملية التاريخية. فهم يكتسبون منظوراً يتعلق بكيفية مساهمة تقارب تلك العوامل في تفكك القيم الديمقراطية. یدرك الطلاب أنه من مسؤولیة المواطنین في الدولة الدیمقراطیة أن یتعرفوا علی إشارات الخطر وأن یعرفوا وقت الرد. ومن خلال المؤسسات الأكاديمية أو المشاركة في المجتمع المدني، تتوفر للطلاب الفرصة لزيادة فهمهم ورفع مستوى وعيهم مع الآخرين.
المجتمع المدني
على مدى السنوات العشرة الماضية، بذل التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) جهوداً كبيرة لتعزيز تنمية المجتمع المدني من خلال برنامج سنوي للمنح تبلغ قيمته حوالي 500,000 يورو. وتشمل أهداف برنامج منحة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) ما يلي:
- زيادة مشاركة الحكومة في إنشاء برامج وبنية تحتية تركز الوعي على الهولوكوست وتساهم في مكافحة معاداة السامية ورهاب الأجانب؛ إنشاء هياكل مستدامة للتثقيف بشأن الهولوكوست وإحياء الذكرى والبحث، وتحقيقاً لهذه الغاية، شارك التحالف في تمويل مشاريع واسعة النطاق تستهدف الأعمال التي تحقق نتائج مضاعفة؛ تمويل المشاريع المتعددة الأطراف ومن ثم حفز التبادل الدولي للخبرات والثقافة المشتركة لإحياء الذكرى.
وتشمل المشاريع الممولة في إطار برنامج المنح ما يلي:
- تدريب مدربي المعلمين؛ زيادة الوعي بالهولوكوست بين المجموعات الرئيسية، مثل السلك الدبلوماسي في العديد من البلدان؛ تأسيس أفضل الممارسات في تخليد ذكرى الهولوكوست والنُهُج المتبعة في أيام إحياء ذكرى الهولوكوست؛ و تعزيز البحوث الجديدة من خلال الندوات والمؤتمرات الأكاديمية.
ويجري هذا العمل في الدول الأعضاء في التحالف وفي البلدان الهامة غير الأعضاء المتأثرة بالهولوكوست، مثل أوكرانيا وبيلاروس والاتحاد الروسي.
الأولويات الحالية
اليوم، يسعى التحالف إلى تطبيق خطة عمل متعددة السنوات صاغها الخبراء وتم دفعها في ظل قيادة رئيسي التحالف السابقين، الهولندي والبلجيكي، مع تركيز الأولويات في المجالات التالية:
- تحديد أماكن مواقع القتل والاحتفال بها وحفظها، حيث وقعت عمليات إطلاق نار جماعي وما زالت غير معروفة نسبيا؛ استعراض للبحوث القائمة بشأن تعليم الهولوكوست من أجل اتباع نهج استراتيجي ومنسق في التعليم المتعلق بالهولوكوست وتعلمها؛ و البحث في إمكانية الوصول إلى محفوظات حقبة الهولوكوست عبر الدول الأعضاء في التحالف، تمشياً مع التزام إعلان استكهولم بإلقاء الضوء على ظلال المحرقة التي لا تزال محجوبة. ويكتسب الوصول إلى المحفوظات أهمية خاصة، بالنظر إلى أن هناك أدلة قولية تشير إلى أن مئات الملايين من الوثائق المتعلقة بتاريخ الهولوكوست لا يمكن الوصول إليها حالياً، وهي موجودة في المحفوظات الخاصة ومحفوظات الدول في جميع أنحاء العالم. دعم فعاليات يوم إحياء ذكرى الهولوكوست التي تخدم غرضاً تعليمياً وتسهم في زيادة الوعي العام في البلدان الأعضاء وخارجها.
وتعمل لجان الخبراء الخاصة أيضاً على مسائل أخرى مثل الهولوكوست وغيرها من أعمال الإبادة الجماعية، وإبادة شعوب الروما، ومعاداة السامية وإنكار الهولوكوست، والتحديات الخاصة في مجال التعليم، في حين أن ثلاث مجموعات عمل أكبر بشأن التعليم والذكرى والبحوث تتبادل الأفكار بشأن كيفية دعم أنشطة الهولوكوست على نطاق أوسع في البلدان الأعضاء وحول العالم.مع اسمها الجديد، بعد قرار بتغييره في كانون الأول/ ديسمبر 2012، يسعى التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) أيضاً إلى تحسين توافر المعلومات عن الهولوكوست من خلال تحديث موقع شبكي محدّث على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ويعكس ذلك ولاية التحالف المتطورة، التي بدأت في الأصل من كونه منتدٍ للتواصل مع مجموعة من الخبراء الذين يطورون الموارد للقادة السياسيين والاجتماعيين في جميع أنحاء العالم.
عام الرئاسة الكندية للتحالف
الأنشطة الدولية
باعتبارها رئيسة للتحالف، بالإضافة إلى دعم الأنشطة الجارية، ستسعى كندا إلى تحسين التعاون مع المنظمات الدولية، بهدف تنسيق الجهود الرامية إلى منع الإبادة الجماعية ومكافحة معاداة السامية ورهاب الأجانب وجرائم الكراهية وغيرها من أشكال التطرف. وسوف نعمل مع المراقبين الدائمين، ونستكشف أيضاً شراكات محتملة أخرى.
وسأقوم بزيارة البلدان المراقبة في التحالف التي تتضمن البرتغال وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة وبلغاريا وتركيا، لتشجيع صعودها إلى العضوية الكاملة، ومواصلة التواصل مع الدول غير الأعضاء في التحالف مثل أوكرانيا. تؤمن كندا بأن المجتمع الدولي يتقاسم مسؤولية التعلم من الهولوكوست وأن التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) يوفر منصة هامة للمساعدة في منع انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل.
وسأقوم كذلك بالتشجيع على زيادة الشفافية والتواصل فيما يتعلق بأولويات التحالف والتقدم المحرز، من خلال تقرير سنوي لتسليط الضوء على المبادرات في الدول الأعضاء، والمشاريع التي يمولها التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، والجهود التي تبذلها مجموعات عمل الخبراء.
الأنشطة الوطنية
بدعم من الشركاء المجتمعيين النشطين، استثمرت حكومة كندا بشكل كبير في التعليم المتعلق بالهولوكوست وإحياء الذكرى والبحث فيها، بما في ذلك مشاريع رئيسية مثل إنشاء نصب تذكاري وطني للهولوكوست في أوتاوا ومتحف كندي لحقوق الإنسان في وينيبيغ. وبالاقتران مع سنة الرئاسة، ستقوم كندا بدعم عدد من المبادرات الجديدة الرامية إلى زيادة فهم الهولوكوست في جميع أنحاء كندا.
وستقدم حكومة كندا التمويل للمساعدة في الحفاظ على شهادة الناجين. لقد تم تشكيل بلدنا بشكل عميق من قبل الناجين من المحرقة والبالغ عددهم 40,000 شخصاً، والذين استقروا في كندا بعد الحرب. وكان الناجون عنصراً حيوياً في التعليم بشأن الهولوكوست في كندا، والحفاظ على شهادتهم أمر بالغ الأهمية ونحن ننتقل إلى بيئة ما بعد النجاة.
وإقرارا بالمساهمات الحيوية التي يقدمها المعلمون، ستقدم حكومة كندا جائزة وطنية إلى المربي الذي يظهر أفضل الممارسات في التعليم المتعلق بالهولوكوست.
وتشارك كندا أيضاً في مسابقة الملصق الدولي حول موضوع البقاء على قيد الحياة - رحلات عبر الهولوكوست، ودعوة الطلاب في أقسام الغرافيتي أو الفن والتصميم للتنافس مع الآخرين في جميع أنحاء العالم. ويضطلع عدد من مراكز الأمم المتحدة للإعلام في بلدان مختلفة بدور رائد في تنظيم المشاركة الإقليمية في المسابقة، وذلك بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للتوعية بالهولوكوست وغيرها من المؤسسات. وسيتم الكشف عن الملصقات الفائزة في اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست في 27 كانون الثاني/ يناير 2014، وستعرض في مقر الأمم المتحدة في فيينا.
علاوة على ذلك، ستواصل كندا جهودها لإحياء ذكرى تجارب اليهود الكنديين في إطار سياسات كندا التقييدية المتعلقة بالهجرة. خلال عام 2013، سوف تجلب المعارض المسافرة الانتباه إلى احتجاز اللاجئين اليهود في كندا خلال الحرب العالمية الثانية والقصة المأساوية للسفينة سانت لويس.
وسيركز مؤتمر أكاديمي دولي في جامعة تورنتو في تشرين الأول/ أكتوبر على الباحثين الشباب والمنح الدراسية الناشئة. وستقوم مؤسستنا الوطنية، والتي تتضمن مكتبة كندا ودور المحفوظات في كندا، ستقوم بوضع دليل بحثي عن سجلاتهم المتعلقة بحقبة الهولوكوست وكيفية الوصول إليها.
ويجري تطوير هذه المبادرات بدعم من الشركاء الحكوميين والمجتمعيين، بما في ذلك مجلس استشاري وطني، تشترك في رئاسته السناتور الكندية ليندا فروم، مع أكاديميين ومديري المتاحف والرؤساء التنفيذيين وقادة من الجاليات اليهودية والأوكرانية والبولندية.
خاتمة
بصفتي رئيساً للتحالف لعام 2013، سأعمل على زيادة الوعي بشأن الهولوكوست في كندا وحول العالم، وإظهار أهمية التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA). وطالما أن التمييز القائم على أسس عرقية ودينية وغيرها من الأسباب مازال موجوداً في العالم، فهناك دور للتعليم والبحوث وإحياء ذكرى الهولوكوست. ولتحقيق هذه الغاية، سيواصل التحالف القيام بدور رئيسي كهيئة حكومية دولية مكرسة للتعلم من دروس الهولوكوست ومشاركتها مع القادة السياسيين والاجتماعيين في جميع أنحاء العالم.
أسئلة المناقشة
- كيف تم إنشاء التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) وما هدفه الرئيسي؟
- ما نوع الدعم الذي يقدمه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) للطلاب والمعلمين
- ما هي الأولويات في خطة العمل الحالية للتحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)؟
- ما هو الهدف الرئيسي لكندا كرئيسة للتحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)؟
- ما الدور الذي يمكن أن يلعبه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) في المساعدة على تعزيز حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم؟