سلسلة ورقات المناقشة
الورقة الثالثة
هتلر وبول بوت وسلطة الهوتو: التمييز بين مواضيع أيديولوجية الإبادة الجماعية
بقلم الأستاذ بن كيرنان
أستاذ التاريخ في قسم أ. هويتني غريسوولد
أستاذ الدراسات الدولية ودراسات التخصص
مدير برنامج الدراسات بشأن الإبادة الجماعية، جامعة ييل (الولايات المتحدة)
كانت محرقة اليهود التي ارتكبها النازيون هي أشد الحالات تطرفاً في التاريخ فيما يخص الإبادة الجماعية. فالمحاولة التي كانت ترعاها الدولة للقضاء بأساليب منظمة على ملايين الأشخاص العُزَّل من السلاح خلال فترة تقل عن خمس سنوات، قلّما يوجد لها مثيل. فعملية إفناء أعداد بالجملة تتراوح من خمسة إلى ستة ملايين يهودي، والغزوات المزلزِلة لمعظم أوروبا واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية التي مكّنت من ذلك تطلبت اقتصاداً متقدماً ودولة حديثة مدجّجة بالسلاح. ومع ذلك كانت آلة القتل النازية لديها مصدر قوة أكثر عراقة. فقد كانت تديرها آلات أيديولوجية متلاحمة حيث كانت تمجّد العنصر والتاريخ والأرض والزراعة - وكل الأفكار التي تبرز في نطاق من السياقات التكنولوجية.
وتعتَبر الشواغل القوية لدى مرتكبي الجرائم أيضاً من الصفات المميزة لأفعال أخرى من الإبادة الجماعية. ويمكن تحديد السمات الشائعة للتفكير الخاص بالإبادة الجماعية حتى في الحالات التي تفتقر إلى القوة التدميرية الخاصة بمحرقة اليهود. وفي الواقع، يمكن ملاحظة الشواغل الأيديولوجية لمرتكبي الجرائم في كثير من الحالات منذ المراحل المبكرة للاشتغال بمهنهم، قبل أن يصلوا إلى السلطة أو قبل تجميع القوات العسكرية أو الجهاز التنظيمي اللازم لتنفيذ الإبادة الجماعية. وقد يساعد وصف هذه السمات الشائعة لكثير من الحالات في التنبؤ بأفعال الإبادة الجماعية ومنعها مستقبلاً.
وسأضع الأيديولوجية النازية جنباً إلى جنب، مع فاعلين آخرين ارتكبا الإبادة الجماعية وهما حكام الخمير الحمر في كمبوديا من سنة 1975 إلى سنة 1979، ونظام سلطة الهوتو في رواندا سنة 1994. ولدى زعماء النظم الثلاثة رؤى خاصة بالمستقبل مستوحاة إلى حدٍ ما من الماضي القديم - الأسطوري والأصلي - وفيها تخيّل هؤلاء أفراد عنصرهم الأصلي النقي الزراعي الذي كان ذات مرة يزرع أقاليم أكبر ولم يكن بها يهود ولا فييتناميون ولا أشخاص من شعب التوتسي. وكان مرتكبو الإبادة الجماعية ضد جماعات الضحايا يتبادلون الشواغل بالنقاء العرقي ليس هذا فحسب بل أيضاً بالعراقة والزراعة والنزعة التوسعية. وعادة ما يكون التفكير الخاص بالإبادة الجماعية متسماً بالنزعة العنصرية والرجعية والريفية والتطرّف في القومية.
لقد امتدح هتلر ارمنيوس (هيرمان)، الذي أفنى جحافل الرومان القدماء، بصفته أول مهندس لحريتنا، وملك القرون الوسطى العدواني، شارلمان باعتباره أحد أعظم الرجال في تاريخ العالم. وفي سنة 1924، حثّ هتلر على أنه يجب على الرايخ الجديد أن يهيئ نفسه ويستعد للسير على طريق الفرسان الألمان الشماليين التوتونيين القدماء للحصول بحد السيف الألماني على قطعة أرض وما عليها من عشب من أجل المحراث الألماني.
وثمة مثال آخر وهو النموذج الروماني ذاته، الذي اعتبره هتلر أفضل وأعز، ليس فيما يتعلق بوقتنا الحاضر بل أيضاً من المحتمل أن يكون لجميع الأزمان. واعتَبر أن ما قامت به روما من إبادة جماعية في قرطاج في سنة 146 قبل الميلاد كان إعداماً بطيئاً لشعب من خلال صحاريه. فقد كانت اسبرطه القديمة ثالث نموذج نازي. وأوصى هتلر في سنة 1928 بأن أية دولة ينبغي أن تحدِّد العدد المسموح له بالعيش، وأضاف قائلاً إن أهل اسبرطه كانوا قادرين ذات مرة على مثل هذا التدبير الحكيم ... وما قام به 000 6 اسبرطي من إخضاع 000 350 من عبيد الأرض ما كان ممكناً، إلا بسبب التفوق العنصري للاسبرطيين. فقد أنشأ هؤلاء أول دولة عنصرية. كما أن هتلر عندما غزا اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في سنة 1941 رأى في مواطنيه عبيداً للأرض أي أنهم عبيد الأرض لرجاله الاسبرطيين فقد جاء هؤلاء فاتحين واستولوا على كل شيء. وذكر أحد الضباط النازيين هذا بقوله كان على الألمان أن يتولوا مكانة الاسبرطيين العسكريين، في حين كان الروس هم عبيد الأرض.
وقد أبدى هتلر ملاحظة قال فيها لقد عرفت لتوّي أن تغذية الجيوش الرومانية كانت تقوم كلية تقريباً على الغلال. وأضاف قائلاً إن أوكرانيا وروسيا ستكونان ذات يوم مخزنين للغلال من أجل أوروبا، بيد أنهما كانتا لا تستحقان هذه الجدارة إلاّ بالاستيطان الزراعي الألماني. وزعم هتلر أن السلافيين مجموعة من أشخاص وُلدوا عبيداً. ولكن في ظل سيطرة الفلاح الألماني كل بوصة من الأرض تُستغَل بكل حماس. ومن ثم نستطيع طوال فصل الشتاء أن نجعل مدننا تنعم بالخضروات والفواكه الطازجة. فليس هناك شيء أحب للنفس من فلاحة البساتين. وكان الألمان أكثر تقدماً بسبب كان أسلافنا جميعهم ممن يفلحون الأرض. ولكن البلد عانى من التصنيع المفرط الضار حيث سبب هذا إضعاف الفلاح. واعتبر هتلر طبقة من الفلاحين الأصحاء هم الأساس للأمة كلها ... قوام متين من الفلاحين الصغار والمتوسطين. كان في جميع الأزمان أفضل حماية من المساوئ الاجتماعية. وزعم هتلر في سنة 1933 أن مستقبل ألمانيا يعتمد حصرياً على الحفاظ على الفلاح.
وكان النازيون يرون في اليهود نموذجاً أصلياً لسكان المدن. فالتفكير المناهض للحضر عزّز المعاداة القاسية للسامية. وفي ذروة المحرقة، ظل المتمذهبون النازيون منشغلين بالتنظير العنصري والإبادة الجماعية والحرب التوسعية ليس هذا فحسب، بل ظل هؤلاء أيضاً منشغلين بما هو عريق مع تفضيل أسلوب الحياة الزراعية.
وقد كشف دليل نظام بول بوت لمعابد كمبوديا القديمة عن انشغالها الرسمي بالعصور التليدة. فقد بدأ كما يلي: بنيت معابد انغكور وات في الفترة ما بين 1113 و 1152. وكان أعداء مثل أقلية تشام المحلية، ضحايا الإبادة الجماعية في ظل حكم بول بوت، أعداءً أزليين. ويذكر كتاب الدليل الإرشادي أن معبد انغكور توم بُني بعد غزوات قوات تشام في سنة 1177، والتي قامت بتدمير العاصمة تدميراً كاملاً. وأضاف منشور آخر آثار انغكور الرائعة تعتبرها البشرية قاطبة أنها إحدى الروائع الفنية للحضارة اللامعة والروح الخلاّقة لشعب كمبوتشيا العامل. وكما قال بول بوت بالحرف إذا كان شعبنا يستطيع أن يبني معبد انغكور، فإننا نستطيع أن نفعل أي شيء. وكان انتصاره في سنة 1975 ذا دلالة أكبر من فترة انغكور. وقد أعطت السياسية الستالينية والماوية الحزب الشيوعي لكمبوتشيا الوسيلة السياسية لتحدّي هذا النموذج الذي يعود للقرون الوسطى ولاستعادة التقاليد الريفية لعهد متوهّم عندما زعم بول بوت أن مجتمعنا اعتاد أن يكون صالحاً وطاهراً.
وقامت الماوية (مبادئ ماو تسي تونغ) بتعزيز اهتمام الخمير الحمر البالغ بالحياة الريفية. وفي الستينات، أدان نظام الأمير سيهانوك متمردي الخمير الحمر بسبب تحريض الشعب على مقاطعة المدارس والمستشفيات وترك المدن. وقال المتمردون عن سيهانوك دعه يعزق التربة مرة واحدة مثلما نفعل. ويقول رئيس الدولة السابق من الحزب الشيوعي لكمبوتشيا، خيو سامفان، في مذكراته وهو يتذكر لقاءه مع قائد المغاوير موك في الأدغال. ويشير ما قاله إلى أن سامفان كان مفتوناً بالمغامرات الخيالية الريفية. فقد وجد موك وهو يرتدي ملابس مثل جميع الفلاحين، سروالاً قصيراً أسود وإزاراً قصير الأكمام وبغير أزرار. وكشف لنا الوهج المنتشر من المصباح مع ذلك عن عينين غائرتين ثاقبتين أعلى وجهه ذي اللحية الكثة. وكان موك يتحرك بحرية، ... أحياناً عاري الصدر، يكشف عن صدر وذراعين بهما شعر ... . وفي الحقيقة أصبحت أمام نشاطه، دارياً بحدودي. وأعمق من ذلك، شعرت بالزهو أن أقابل هذا الرجل الذي اعتبرته فلاحاً يصبح واحداً من أهم القادة في حركة مقاومة وطنية.
ومثلما توسّع الحزب الشيوعي لكمبوتشيا في ربوع الريف، قسّم الحزب مجتمع الخمير إلى طبقات. فمن الناحية النظرية، كانت الطبقة العاملة هي القائدة، بيد أنه من الناحية العملية شكّلت الطبقات الأدنى الثلاث من الفلاحين القاعدة لثورة الحزب الريفية. وقام الحزب الشيوعي لكمبوتشيا المنتصر بإخلاء مدن كمبوديا بالقوة في سنة 1975، واعتَرف قائلاً: من الناحية الواقعية المحسوسة، لم نرتكن إلى قوى العمال ... أنهم لم يصبحوا الطليعة. وفي الواقع الملموس، كان هؤلاء فلاحين فحسب. وظلّت الرؤية الأساسية للحزب الشيوعي لكمبوتشيا تتسم بأنها ريفية. وزعم سامفان: أن الماء يجري طليقاً، وبالماء تصير المناظر منعشة والنباتات نضرة وعلى وجوه الناس ابتسامة ... فالفقراء والفلاحون من الطبقة الوسطى الدنيا قانعون. وكذلك هم الفلاحون من الطبقة الوسطى. وأضاف بول بوت: الناس من الطبقات الفقيرة السابقة والفلاحون من الطبقة المتوسطة الدنيا تغمرهم نشوة القناعة ... لأنهم الآن يستطيعون أن يجدوا قوت يومهم طوال السنة وأن يصبحوا فلاحين من الطبقة الوسطى. وكان هذا فيما يبدو وجهة نظر الحزب عن المستقبل. ولقد تجاوز هذا حتى المبادئ الماوية عندما أعلن أن الريف ذاته، وليس البروليتاريا في المناطق الحضرية، يضم طليعة الثورة: لقد قمنا بإخلاء المدن من الناس، وهذا هو صراعنا الطبقي. وفي عملية سحق الأعداء لجأت القيادات بالحزب الشيوعي الكمبوتشي إلى استخدام الاستعارات اللفظية الزراعية مثل اقتلاع الحشائش، واقتلاع الأشياء من جذورها والإعلان بأن جثث الضحايا ستستخدَم بمثابة سماد مخصِّب.
وقد لازم السياسة التوسعية الإقليمية تمجيد لما هو زراعي. وشنّ النظام هجمات ضد جميع جيران كمبوديا: فييت نام ولاوس وتايلند. وليس من المعروف كم كان ثمن ذلك من أرواح الكمبوديين، بيد أنه وفقاً لما ذكرته هانوي، قَتَل الخمير الحمر قرابة 000 30 من الفييتناميين المدنيين والجنود في قرابة سنتين من الغارات عبر الحدود. وكان بول بوت يهدف إلى إثارة الكراهية الوطنية والكراهية الطبقية ضد العدو الفييتنامي العدواني. فالغارات داخل فييت نام من شأنها أن تقتل العدو كما يحلو له وسوف يصرخ الفييتناميون الذين يستحقون الاحتقار من الفزع مثلما تصرخ القردة من الفزع هاربة في أنحاء الغابة. وأعلنت كمبوديا التوسع في جبهة بحرية، وتغيرات إقليمية متوقعة في المنطقة السفلى من كمبوديا (كمبوتشيا كروم)، وهي أرض فُقدَت لصالح فييت نام منذ أوائل القرن التاسع عشر. فقد أعلن كثير من مسؤولي الحزب الشيوعي الكمبوتشي أن هدفهم استعادة كمبوتشيا كروم (المنطقة السفلي من كمبوديا). وأصدر بول بوت أوامره للقوات بالتوغل وشنّ حرب فدائية للإطباق على رقبة العدو. وزعم تقرير صادر من الحزب الشيوعي الكمبوتشي أن معظم شعب كمبوتشيا كروم التمس الانخراط في الجيش الكمبوتشي بغية قتل جميع الفييتناميين. وفي كمبوديا، اتهم الحزب معظم ضحايا الخمير بأنهم يحملون أجساد الخمير مع عقول فييتنامية. ودشّن النظام أضخم مذبحة ضد الكمبوديين مع دعوة لتطهير ... حشود الشعب. وفي الفترة من 1975 إلى 1979، تسببت سيطرة الحزب الشيوعي الكمبوتشي في مقتل حوالي 1.7 مليون شخص نتيجة للإنهاك في العمل أو المرض أو التجويع وأفعال قتل الأعداء السياسيين والمنتمين لأصول عرقية، بما في ذلك الفييتناميون وأقليات تشام. وكان لأفكار الاستحواز المتسلطة على العقل بالعنصر والتاريخ والزراعة والأراضي كلها أدّت أدواراً في الإبادة الجماعية الكمبودية.
وكتب أحد البارزين ممن ارتكبوا الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994 قائلاً في أزمان قديمة، كانت رواندا مملكة مسالمة في ظل الهوتو، قبل وصول التوتسي. فقد زعم أن شعب الهوتو الذي ينتمي لأسرة البانتو العظيمة وتوا أو أقزام الجماعة العرقية الأصغر كانوا يعيشون في وئام منذ عصور قديمة تعود إلى القرن التاسع. وبعد ذلك جاء في القرن السادس عشر جنس عرقي من المتطفلين الشماليين، قبائل التوتسي من بلاد الحبشة.
وفي سنة 2003 أدانت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا المؤرخ الكبير المتعصب لقبائل الهوتو، فرديناند ناهيمانا بارتكاب جريمة إبادة جماعية. وكان ناهيمانا قد بدأ أبحاثه في سنة 1978 في شمال غرب رواندا، موطن رئيس الجمهورية آنذاك، جوفينال هابياريمانا وزوجته اغاثه كانزيغا، أميرة من بلاط مملكة بوشيرو السابقة المحلية للهوتو. وكتب ناهيمانا أنه قبل وقت طويل من التوسع وتنصيب حكم التوتسي في جميع أنحاء رواندا، نظَّم شعب الهوتو الشماليون أنفسهم في دول وكل دولة منها لها تاريخ طويل. ومن الروايات التي تحكى شفاهة من أحفاد مباشريين لآخر أمراء الهوتو، ذكر ناهيمانا في القائمة تسع ممالك وحكامها. وراح يصور ممالك الهوتو عائداً إلى الوراء في التاريخ، مضيفاً جيلاً مدته 33 سنة لكل مملكة، ووضع تقديراً حسابياً يفيد أن هؤلاء جميعاً ظهروا أثناء القرن السادس عشر (ست ملكيات) وفي القرن السابع عشر (3 ملكيات). ومن المفترض أن أول ملك للبوشيرو حكم من سنة 1600 إلى سنة 1633، والمؤسس بوهوما حكم في الفترة من سنة 1499 إلى سنة 1532. وسقط حكم بوهوما فقط بعد 429 سنة (1499 - 1928) لتخضع لاحتلال التوتسي. وإلى حد ما كانت الإبادة الجماعية للتوتسي محاولة لعكس مسار تلك النتيجة التاريخية.
وتضمنت أيدلوجية الإبادة الجماعية التي اتُبعت في ظل سلطة الهوتو، مثل النازيين والخمير الحمر، تصورات من التاريخ والعنصر العرقي مع أفكار خاصة بالزراعة والأراضي.
وخلص ناهيمانا إلى نتيجة، على سبيل المثال، أن المصطلح umuhinza ينطبق على حكام الهوتو في الشمال الغربي والذين خضعوا لمملكة التوتسي، مع الاشتقاق من لفظ كان يدل على الازدهار الزراعي والأمن الإقليمي. وقد احتفظ أولئك الأمراء من قبائل الهوتو في الشمال الغربي بالهيبة الخاصة بالطقوس المحلية من خلال هذا اللقب الذي كان يعني جزئياً: الفلاح بامتياز الذي يحكم شعباً من المزارعين أو رئيس جمهورية المحاصيل. واعتبرت النُظم التي يسيطر عليها الهوتو أن أقلية التوتسي في رواندا طغاة تاريخيون، ليس هذا فحسب بل لكنهم أيضاً من القاطنين في المناطق الحضرية أو الرعاة الذين يقومون بتربية الماشية، وهم من غير المزارعين الفلاحين العتاة مثل الهوتو. وأصبحت الحياة الريفية والعمل الريفي من الأشياء المبجَّلة في سلطة الهوتو. وأفاض ناهيمانا في التعبير عن إعجابه بشأن المفكرين الذين أمسكوا بمعزقة الأرض أو آلة التقليم والتشذيب أو أية أداة يدوية أخرى وانضموا إلى صفوف حشود الفلاحين ليقلبوا التربة بأيديهم وليعيشوا الواقع الفعلي للعمال اليدويين ... واستعاد هؤلاء معاً القيمة لمعزقة الأرض. وقرر ناهيمانا، بصفة مدير مكتب المعلومات في رواندا منذ سنة 1990، السماح في نهاية الأمر لظهور الحقيقة الريفية .
وعمدت محطة إذاعة وتليفزيون سلطة الهوتو Radio Télévision Libre des Milles Collines إلى الجمع بين المواضيع الزراعية والعنصرية العنيفة. وأعلنت في سنة 1993: قبائل التوتسي هم بدو وغزاة قدموا إلى روانداً بحثاً عن الرعي. وأعلن رئيس تحرير محطة الإذاعة قبل ثلاثة أسابيع من بدء الإبادة الجماعية في نيسان/أبريل 1994: نحن لدينا هنا إذاعة، ولو أراد أي شخص حتى فلاح أن يقول شيئاً باستطاعته المجيء إلى هنا، وسوف نعطيه الكلمة. وعندئذ سوف يكون بمقدور فلاحين آخرين الاستماع لما يفكر فيه الفلاحون. وفي ذروة المذبحة في منتصف أيار/مايو حثت محطة الإذاعة على مواصلة الجهود لإبادة التوتسي من على وجه الكرة الأرضية وجعلهم يختفون مرة واحدة وإلى الأبد. وكان أحد المستمعين للإذاعة وصار قاتلاً، قد أخبر الباحث تشارلز ميرونكو أنه استمع إلى إذاعات تتضمن عبارات مثل: عندما يقوم واحد من الهوتو بالفلاحة، توجد لديه بندقية وعندما يظهر العدو، تتبادل معه إطلاق النار. وعندما يتقهقر، عندئذ تمسك بالمعزقة وتمارس الفلاحة!. وكانت مطاردة التوتسي يعبَّر عنها بشعارات مثل طهر الشجيرات أو إفصل الحشائش عن الذرة العويجة وإقلع اللبلاب السام من جذوره. وكان المذيع الرسمي في إذاعة رواندا يحث أيضاً الناس على مطاردة التوتسي حتى إلقاء القبض عليهم، على سبيل المثال، ما حدث في 12 نيسان/أبريل: عليك بالقيام بأعمال مجتمعية محلية لتنظيف هشيم الأشجار، ولتفتيش البيوت، ابتداءً بتلك البيوت المهجورة، ولتفتيش المستنقعات في المنطقة للتأكد من عدم وجود صراصير [أي توتسي] إنزلقت إليها. وصوَّر والي كيغالي فيما بعد أفعال القتل في سنة 1994 بأنها نتيجة لاستفزاز من هجمات التوتسي العرقية على بستان زراعي يملكه الهوتو. وألقى باللائمة عن المذابح المفترض أنها فيما بين العناصر العرقية المختلفة على المعارضة جيش التوتسي الأحادي العرق، الذي أفسد السنوات الجميلة للجمهورية الثانية عندما كان يفيض اللبن والعسل بوفرة.
وكانت وجهة النظر في عالم سلطة الهوتو تتسم أيضاً بالطابع الإقليمي مع سياسة توسعية داخلية وأيضاً موجَّهة إلى وراء حدود رواندا. وقد كتب جيرارد برونييه أن انقلاب هابياريمانا في سنة 1973 جاء إلى السلطة بأميرة من قبيلة بوشيرو، ليس هذا فحسب، بل أنه كان إرهاصاً أيضاً بموجة من انتقام الشماليين من خلال فصيل شرس من الهوتو ضد طوائف الهوتو الجنوبيين الأكثر سماحة وتحرراً في الفكر. وبعد وفاة هابياريمانا في 6 نيسان/أبريل 1994، توجه الشماليون المتعصبون لوطنيتهم على الفور إلى ممارسة الإبادة الجماعية لقبائل التوتسي. ويصف برونييه هؤلاء بأنهم الشماليون الغربيون الحقيقيون، ممثلو رواندا الصغيرة التي هزمت رواندا الكبيرة. وتوحي حملتهم بأنهم كانوا يهدفون إلى توسيع نطاق نقاء الهوتو العرقي الخاص بقبيلة بوشيرو في رواندا لتحويل هوية إقليمية إلى شكل عنصري الطابع من التطرف في القومية المحلية.
وكانت الطموحات العرقية - الإقليمية لسلطة الهوتو أيضاً تتجه إلى الخارج. وأوضح ناهيمانا أن مملكة رواندا في ظل التوتسي قبل الفترة الاستعمارية قامت أيضاً بتوسيع نفوذها شرقي الكونغو وجنوبي أوغندا، بيد أن هذا النفوذ لم يكن أبداً يعني خضوعاً سياسياً وإدارياً من جانب نُظم الحكم المحلية. ومثل ممالك الهوتو في شمال غرب رواندا لم تتوقف هذه الأقاليم التي تتجاوز رواندا الحديثة مطلقاً عن خضوعها للسيطرة من سلطاتها الخاصة بها. ولهذا وجدت إمكانية تاريخية من أجل إبرام تحالف مناهض للتوتسي يتجاوز حدود رواندا. وشكا ناهيمانا أن النُظم الاستعمارية الأوروبية قد اغتالت رواند وشوهتها وبترت أطرفها بتحويل المناطق الناطقة باللغتين الكينية الرواندية إلى مستعمراتها في الكونغو وأوغندا. وبحلول زمن سقوط سلطة الهوتو في تموز/يوليه 1994، كانت مطالب الهوتو التقليدية في الشمال الغربي تمتد إلى ما وراء باقي رواندا، والآن انتشرت خارج حدودها أيضاً. ونقلت سلطة الهوتو ممارساتها العنيفة بشأن الإبادة الجماعية إلى البلدان المجاورة وهاجمت أقلياتها التابعة لقبائل التوتسي. ومثلما ذكر ريك أورث أنهم واصلوا قتل التوتسي في رواندا، ليس هذا فحسب بل استهدفوا أيضاً توتسي بانيارواندا الذين يعيشون في شرق الكونغو. وهناك طافت ميليشيات الهوتو عبر أقاليم كيفو، وذبحت رعاة الماشية من التوتسي المحليين، وتسللوا إلى هضبة ماسيسي في محاولة لإبادة توتسي بانياماسيسي. ويشرح برونييه أنهم استطاعوا بهذه الطريقة خلق نوع من أرض الهوتو التي يمكن أن تكون إما قاعدة لإعادة الاستيلاء على رواندا، أو إذا ما فشل ذلك، تكون رواندا جديدة خارج رواندا القديمة.
وبإجراء مقارنة موجزة لثلاثة أفعال من الإبادة الجماعية في القرن العشرين تظهر أن تاريخ محرقة اليهود التي ارتكبها النازيون تشتمل على علامات تحذير تلقي الضوء على حالات تالية ومحتملة في المستقبل. ومع العنصرية العنيفة أو التعصّب الديني، والوساوس المتسلطة مع الاهتمام بما هو تليد، وقد تصبح الزراعة والسياسة التوسعية، في كثير من الأحيان علامات على الطريق إلى الإبادة الجماعية.
أسئلة للمناقشة
- (1) رغم أن أفعال الإبادة الجماعية هذه حدثت في سياقات اجتماعية وتاريخية مختلفة، ما هي أوجه الشبه والاختلاف فيما بينها، وفقاً لما ذكره الأستاذ كيرنان؟
- (2) ما هي الفائدة التي تنجم من اتباع نهج مواضيعي عريض الأساس إزاء دراسة الإبادة الجماعية في مقابل تحليل كل حدث بشكل انفرادي؟
- (3) كيف يمكن تطبيق الخصائص المميِّزة لأيديولوجية الإبادة الجماعية التي حددها الأستاذ كيرنان على أفعال الإبادة الجماعية بخلاف المحرقة أو رواندا أو كمبوديا؟
- (4) إلى أي حد أمكن للشعور بعدم الأمان الاقتصادي والاجتماعي أن يخلق الشروط المسبقة الأساسية لظهور أيديولوجية الإبادة الجماعية؟ وبأي الطرق يمكن أن تساعد التوعية على منع الخوف غير المنطقي؟
- (5) ما هي الآليات الحكومية الدولية التي ستلزم لتحديد علامات التحذير بوقوع إبادة جماعية وشيكة وللتصرّف إزاءها؟
18011 الأستاذ إدوارد كيسي
سلسلة ورقات المناقشة
الورقة الخامسة
محرقة اليهود كعلامة هادية لاكتشاف الإبادة الجماعية ومنعها في أفريقيا
بقلم إدوارد كيسي
الأستاذ المساعد لتاريخ أفريقيا، جامعة سوث فلوريدا (الولايات المتحدة).
يجب علينا أن نتذكر وأن نستخلص دروساً مستفادة من الجرائم المرتكبة ضد اليهود أثناء المحرقة إذا ما أردنا أن نمنع وقوع مآسي مماثلة في المستقبل. وينبغي أن تكون أفريقيا متيقظة لهذه الأخطار في ضوء ماضيها القريب.
وتوحي الأحداث التي وقعت في أفريقيا منذ الإبادة الجماعية في رواندا 1994 إلى استمرار الاستهداف المتعمَّد لفئات مقولبة نمطياً، مع النية المعلنة بإبادتها. وهذا يعزِّز درسين بارزين في سلوك الحكومات وردود أفعال المجتمع إزاء الإبادة الجماعية. فأولاً، أي حكومة تتقلَّد السلطة وتصر على متابعة برنامج إبادة فئات معيَّنة، باسم احتكار السلطة أو إنشاء ما يفترض أنه مجتمع نقي وكامل، في كثير من الأحيان تنجح في القيام بذلك. وتصور الأيديولوجيات والأفعال التي قام بها النظام النازي وحكومة رواندا التي تتزعمها قبيلة الهوتو هذه الحقيقة المؤسفة. وهناك أيضاً عدد من العناصر الفاعلة والعوامل التي تضاعف من العنف ضد الفئات العرقية التي تعتبر غير عربية أساساً في دارفور والتي يمكن أن تعرض للخطر وجود هذه الفئات إذا لم تتخذ خطوات عما قريب لحمايتها. وثانياً، قد يكون هناك شيء يتربص لجوهر الإنسانية بحيث يجتذب البشر إلى ممارسة العنف أو يجعلهم لا مبالين بالعنف المرتكب ضد الآخرين. فالاستجابات الفاترة من جانب المجتمع إزاء مصير يهود أوروبا في غضون الحرب العالمية الثانية، وإزاء التوتسي أثناء الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994، تلقي الضوء على هذا.
في حين قد تشير الاحتجاجات الشفوية إلى فيض من اللياقة والود في الإنسانية بحيث يمكن أن يستفاد بها لمنع الإبادة الجماعية، قد يتطلب الأمر لمنع الإبادة الجماعية نُهجاً جديدة مثل الاستجابات العملية، الهرمية من القاعدة إلى القمة، على المستويات المحلية ودون الإقليمية، للاستعاضة عن الآليات الحالية البيروقراطية الدولية والتي تبدأ من القمة إلى القاعدة.
وقد يتأتى واحد من هذه النُهج في عملية إنقاذ، يتم التفاوض بشأنها وتساعدها العناصر الفاعلة المحلية ودون الإقليمية، وتهدف إلى نقل الفئات المستهدفة من البيئة التي تقع فيها الإبادة الجماعية. ومثال لذلك هو عملية النقل الناجحة، بالبر والجو، لليهود الإثيوبيين المعرضين للخطر من إثيوبيا إلى إسرائيل في الثمانينات. وكانت ضرورة الدخل السريع درساً قيماً مستفاداً من محرقة اليهود، عندما أخفقت عناصر فاعلة دولية- الدول المتحالفة القوية واسعة الحيلة في التصرف لتنقذ أو تنجي اليهود الأوروبيين في ألمانيا النازية. وبالتأكيد، ترتبط أية عملية إنقاذ أو رحيل جماعي متفاوض عليه للفئات المهددة بالخطر استعداد العناصر الفاعلة المحلية والإقليمية، مثل السودان، في الحالة الإثيوبية، للمساعدة في عملية الإنقاذ، أو إسرائيل كدولة أخرى أو كمجتمع آخر سواء في الجوار أو على بُعد، لقبول الجماعة المهددة بالخطر. ويمكن إيجاد هذا الاستعداد بسهولة عندما يصل الأفراد وبقية المجتمع إلى اعتبار الإنقاذ عوناً لا غنى للإنسانية عنه في وقت الخطر، واعتبار عدم الاكتراث بمحنة المستضعفين نوعاً من الوقوف موقف المتفرج وهو ما يشبه موقف مرتكب جريمة الإبادة الجماعية.
وتشير الاعتذارات التي تواصل الدول ورؤساء الحكومات السابقون تقديمها عن عدم بذل ما فيه الكفاية لإنقاذ الضحايا من الإبادة الجماعية إلى الآثار المترتبة عن ذلك على الفرد والمجتمع لوقوفهما موقف المتفرج. ويمكن لذكريات الوقوف موقف المتفرج في حين كان يجري ذبح زملاء من بني البشر أن تسبب صدمة نفسية للأفراد الذين يشاهدون الإبادة الجماعية ولكن كان من الممكن أن يساعدوا على الحيلولة دون وقوع ذلك. وهذا يعمل في كثير من الأحيان على أن يشعر المتفرجون طويلاً بتأنيب الضمير لافتقارهم إلى السلوك الأخلاقي وإلى غضب أجيال المستقبل لأنهم لم يفعلوا شيئاً لمنع أو قف العنف.
إن القرن الحادي والعشرين يتطلب حرباً عالمية على الإبادة الجماعية مع تخصيص الكثير من الموارد وإيلاء الاهتمام مثل الحرب العالمية على الإرهاب الجارية حالياً. وتحقيق النجاح في حرب عالمية على الإبادة الجماعية سوف يعتمد، دون شك، على نُظم إنذار مبكر بشأن الإبادة الجماعية بحيث يمكن اكتشاف علامات تشير إلى أن إبادة جماعية يجري ارتكابها.
علامات تشير إلى إبادة جماعية
تمخضت الدراسات المقارنة للإبادة الجماعية منذ وقوع محرقة اليهود عن معلومات هامة بشأن علامات التحذير المبكر لوقوع إبادة جماعية وشيكة. وهذه العلامات تشمل البيانات الإذاعية عن خطب الكراهية وتبشيع صورة فئات مستهدفة (كما حدث في حالة رواندا). وأية تحركات جماعية عبر الحدود لفئات محدَّدة إلى دول مجاورة (كما في تحركات الشعب الجارية من دارفور إلى تشاد) يمكن أن تكون علامة تشير إلى أن شكلاً من أشكال الاضطهاد المستهدف لهذه الفئات يحدث في بلدان إقامة هذه الجماعات. فمنع الفئات المضطهدة من الفرار، وخصوصاً عندما يتسم هذا بعمليات قتل بدنية لأفراد الفئات، إنما يفضح نية قائمة أو متكشفة من جانب القائمين بممارسة الاضطهاد، لإفناء تلك الجماعة. كما أن النزاعات المديدة على السلطة والسيطرة على الدولة ما بين الحكومات والجماعات المسلحة، ولا يظهر أي من المتحاربين أية رغبة في تسوية شكاواهم بالطرق السلمية، يمكن أن يخلق هذا حالة إبادة جماعية. فقد وجد هذا الموقف في إثيوبيا، في الفترة من سنة 1977 حتى سنة 1991، عندما تحاربت الحكومة العسكرية في إثيوبيا ومعارضوها المسلحون على مسائل السلطة والانفصال وتقرير المصير حسب الأصل العرقي. وتوجد نفس الحالة في دارفور، حيث ما انفكت حكومة السودان وحركات المتمردين المسلحين تتحاربان منذ شباط/فبراير 2003 على مسائل السلطة والحكم الذاتي الإقليمي، وتقرير المصير حسب الأصل العرقي وتوزيع موارد التنمية. وتواجدت حالة إبادة جماعية في رواندا، في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 1990 إلى آذار/مارس 1994، بسبب الحرب المسلحة الدائرة بين حكومة يسيطر عليها الهوتو والجماعة المسلحة المناهضة للحكومة بقيادة التوتسي، وهي الجبهة الوطنية لرواندا، على مسائل مشابهة. وكما نعرف الآن، يمكن لحالات الإبادة الجماعية بسهولة أن تفضي إلى إبادة جماعية فعلية.
الدروس المستفادة من محرقة اليهود
في كثير من الأحيان، يستخدِم مرتكبو جريمة الإبادة الجماعية، كما تؤكد الدروس المستفادة من محرقة اليهود، ستار الحرب لمتابعة خطة مدبّرة لإبادة فئات معيّنة. وقد أخفقت الدول المتحالفة في كشف علامات إنذار سافرة ودقيقة تشير إلى أن إفناء يهود أوروبا يشكّل جزءاً أساسياً من أهداف حرب النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، أو ببساطة تجاهلت تلك الدول علامات الإنذار. ونتيجة لذلك، بدا أن الدول المتحالفة كانت أكثر اهتماماً بدحر ألمانيا النازية من إنقاذ اليهود، ربما متجاهلة الحقيقة ومفادها أن كثيراً من الهدف النازي المستتر وهو إبادة يهود أوروبا، كان قد أُنجِز عندما خيّم وقت النصر. كما أن أعمال القتل المستهدفة التي ارتكبها متطرفو الهوتو ضد التوتسي في رواندا حدثت في سياق حرب طويلة الأمد بدا فيها وقف إطلاق النار ومؤتمرات السلام المتفاوض عليها هي أهداف السلام العليا، التي ينشدها الوسطاء الدوليون. ومن ثم، ينبغي أن تُراقَب بدقة حروب الاستنزاف الطويلة الأمد في أفريقيا لأن أي قتل منهجي لفئات معيّنة في إبادة جماعية فعلية كان صراعاً محلياً مستتراً على السلطة. واتخاذ إجراء عملي إزاء علامات الإنذار هذه في مراحلها المبكرة هو أفضل الطرق لمنع إبادة جماعية ماثلة في إطار الحرب.
زيادة على ذلك، كان النازيون يتطلعون إلى خلق دولة ألمانية (رايخ ألماني) أوسع نطاقاً، أو ألمانيا العظمى استناداً إلى أفكار معلنة بوضوح تتمثل في ضم أراضٍ خارج ألمانيا، تسكنها شعوب تتكلم الألمانية. وتضمّنت التطلعات المثالية النازية أيضاً آمالاً في احتياز أراضٍ أوسع والسيطرة عليها باسم خلق حيّز معيشي للألمان. ولدى قارة أفريقية رُسمت حدودها الاستعمارية بشكل استبدادي، وشكّلت مناطق طبيعية عرقية الكثير مما تخشاه من هذه الطموحات الإقليمية على النمط النازي. فالناس الذين يعيشون في منطقة القرن الأفريقي لا بد وأن يتولوا المسؤولية الأخلاقية لمعارضة الفكرة المتلبثة الخاصة بالصومال الأكبر التي ألهمت دعاة الانضمام الوحدويين الصوماليين منذ سنة 1962 إلى السعي وراء ضم أراضٍ في كينيا وإثيوبيا وجيبوتي تسكنها جماعات عرقية صومالية. فوجود سياسة صومالية للضم القومي الوحدوي في القرن الأفريقي، على النمط الألماني الاندماج anschluss و الحيّز المعيشي lebensraum في وسط أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية، قد لا يكون شيئاً محتملاً. ومع ذلك، تنذر محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا بأن الشيء غير المتصوّر أحياناً يمكن أن تحرّكه بضعة أشخاص على ظهر دبابات مع أفكار مثالية خيالية. ومع ذلك، ليس كل عملية قتل في أثناء الحرب، أو حزازات وأنماط مقولبة معلَنة صراحة بشأن جماعات معيّنة تشير إلى وقوع إبادة جماعية جارية أو قيد النظر.
وينبغي أن تنبّه محرقة اليهود أيضاً الأفارقة، والدول الأفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى أشخاص معدودين آخرين ضحايا لهذه الإبادة الجماعية إلى جانب اليهود الأوروبيين: الأشخاص المثليون. فالثقافات التي تُلهم مشاعر الخوف والكراهية ضد المثليين والسحاقيات يمكن أن تكون مكامن للإبادة الجماعية، وينبغي مراقبتها بدقة.
المسؤولية عن الحماية مقابل الالتزام بالمنع
رغم أن الدراسات عن محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا ليست كافية للتنبؤ بوقوع إبادة جماعية، فإنها أثارت فجأة وبشدة الرأي العالمي نحو التزام بمنع الإبادة الجماعية أو التدخّل في عملية إبادة جماعية لإنقاذ الأرواح. وقد دعا قادة العالم أثناء انعقاد مؤتمر القمة العالمي في سنة 2005 إلى قبول مبدأ عالمي بشأن المسؤولية عن حماية المدنيين من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية عندما تكون الحكومات غير راغبة في القيام بذلك.
وهذا هو مبدأ عالمي آخر جدير بالثناء، بين مبادئ كثيرة أُعلنت منذ سنة 1945، بيد أن السؤال هو: على من تقع المسؤولية عن حماية فئات مستهدفة؟ وما هو أفضل شكل يكون للحماية لكي لا يشهد العالم تكشف إبادة جماعية أخرى؟
وفي ضوء التاريخ المختَلط بالتصديات الدولية للإبادة الجماعية، بما في ذلك البعثات الوقائية لإنقاذ المدنيين من المحرقة إلى الملاذات الآمنة التابعة للأمم المتحدة والتي لم توقف الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا في أوروبا الشرقية إلى تكشف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، فإن أفضل حماية هي في الحقيقة، المنع. كما أن إجراء من القمة هبوطاً بقيادة الولايات المتحدة أو بتكليف من الأمم المتحدة، أو تدخلات إنسانية مسلحة أو نظام فرض جزاءات قد لا يكون هذا هو الأفضل أو الطريقة العملية لتنفيذ هذا الالتزام على أرض القارة الأفريقية.
وتشير عمليات الإبادة الجماعية التي وقعت في الماضي إلى أن انتظار التدخل الخارجي أو تحمّل مسؤولية دولية لحماية فئات مهددة بالخطر قد يستغرق وقتاً طويلاً ومراوغاً ويحصد أرواح الكثيرين. أما نجاح مسؤولية الحماية كمبدأ أخلاقي، فيمكن تنفيذه على أفضل وجه من خلال المساعي المحلية ودون الإقليمية مع بعض العون الخارجي.
وقد كان التاريخ القريب للإجراءات الوقائية الإقليمية لحماية المدنيين شيئاً مشجعاً أكثر من بدائلها الدولية. فمع بعض العون من الولايات المتحدة، أوقف فريق الرصد التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا النزاع المسلّح والعنف في ليبيريا وسيراليون في التسعينات. فالقرب من المنطقة ومعرفتها وإمكانية أن تستطيع دول في المنطقة، مثلما في حالة غرب أفريقيا، أن تنظّم بسهولة بعثات لإنقاذ الجماعات المستهدفة، هذه توفر وقاية أفضل وأسرع وأنجع.
ووجود التزامات دون إقليمية إزاء مسؤولية لحماية المدنيين من جرائم ضد الإنسانية يعني أنه لا بد من وجود مكاتب خاصة للكشف والإبلاغ عن علامات الإنذار المبكر داخل هذه الأجهزة الإقليمية. ومن الممكن أن يساء استعمال التدخلات دون الإقليمية من القوى الإقليمية. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الاحتمال إلى أدنى حدّ بمنح دور للأمم المتحدة في مبادرة دون إقليمية جديدة خاصة بمنع الإبادة الجماعية وبحماية المدنيين. ويستطيع الدعم اللوجستي من الأمم المتحدة والحوافز المالية أن تفيد فيما تقوم به قوات التدخل الإقليمية من استنجاد وكبح لإساءة استخدام هذه التدخلات من جانب القوى الإقليمية. وتستطيع البلدان الأفريقية أن تُعدّ جموع السكان الوطنيين على قبول إمكان حدوث وفيات لقواتها أثناء تقديم خدمة أخلاقية لحماية جماعات في بلدان مجاورة توجد معها روابط ثقافية في منطقة يعتبر استقرارها شيئاً أساسياً لأمن هذه الشعوب.
وقد كانت النزاعات المسلحة بين الحكومات والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة هي أكبر الأسباب لوقوع الجرائم ضد المدنيين في أفريقيا المعاصرة. فقادة الدول المصرّون على احتكار السلطة أو استخدامها لتحديد توزيع الموارد يصرّون على عقاب المدنيين المفتَرض أنهم يتعاطفون مع المسلحين المناوئين للدولة. وقد كشف تاريخ هذه النزاعات منذ السبعينات في إثيوبيا وليبيريا وسيراليون ورواندا والسودان أن جماعات التحرير أو مليشيات التحرير المسلحة المتحاربة في أفريقيا ليسوا ضحايا أبرياء لإرهاب الدولة. فالحكومات وجماعات المتمردين المسلحين من غير المحتمل أن يقوموا بحماية السكان المدنيين المفترض أنهم يعارضونهم. ومن ثم في دارفور مثلاً، قد يحتاج الإنسان إلى أن يتجاوز التزاماً بحماية السكان المدنيين من جرائم ضد الإنسانية مثل حرق القرى واغتصاب النساء. ومن الأمور الأساسية لزعماء العالم (الذين يُتصوَّر بشكل عام أن من بينهم قادة الدول الأفريقية) أن يتحملوا التزاماً آخر بأن يكونوا متوازنين في إداناتهم لمرتكبي الأفعال الإجرامية.
فإذا كان أحد يريد أن يدين دولة السودان، ينبغي بنفس الطريقة إدانة المسلحين المناوئين للحكومة السودانية مثل جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. فعدم إدانة أفعال جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة (تسمى الآن جبهة الخلاص الوطني) الذي يمكن أن يبتلع هذا كامل المنطقة الفرعية للقرن الأفريقي في عنف الإبادة الجماعية، معناه إغماض العين وتشجيع السلوك الخطر أخلاقياً لهذه الجماعات المسلحة من غير الدول.
وبجانب الجهود دون الإقليمية المبذولة للحماية، من الضروري أيضاً إقرار مبدأ المسؤولية عن الحماية في إطار أوسع نطاقاً في الجهود المحلية لمنع الإبادة الجماعية. وقد حان الوقت لكي تُستخدَم أيضاً المؤسسات المألوفة ثقافياً، بقيمها الكامنة لديها، في إعداد نظام من المسؤوليات الأخلاقية الأصلية لمعارضة الإبادة الجماعية والعبارات البلاغية المحرّضة على الإبادة الجماعية. وينبغي للناشطين في مجال حقوق الإنسان في كل بلد أفريقي إنشاء مجالسهم المحلية الخاصة التي تضم الشيوخ و قيادات المجتمعات المحلية. فهؤلاء الشيوخ وقيادات المجتمعات المحلية يحظون بوقار كبير في ثقافاتهم المحلية. وباستغلال أدوارهم في المجتمع والاحتكام إلى الأعراف المنسية التي كانت من قبل تُجَرّم أفكار الإبادة الجماعية، يستطيع هؤلاء العمل خارج أُطر الدول لجعل منع الإبادة الجماعية وجميع أشكال القتل الجماعي التزاماً عرفياً مرة أخرى. ومع هذا، فإن النجاح في مجال الإبادة الجماعية، في أي مكان، يتوقف على رغبة السكان المحليين لقبول أو للتغاضي عن الهلاك البدني لمجموعة معيّنة فيما بينهم. فإذا أراد مرتكبو الأفعال الإجرامية في أفريقيا الرد بمعارضة الشيوخ المحليين ذوي النفوذ أو بمعارضة التدخل من بلدان المنطقة الفرعية لإنقاذ الضحايا أو حمايتهم، قد يعيد هؤلاء الجناة النظر في رغباتهم. وإذا أمكن لمجتمع يتسم بالشجاعة وصحوة الضمير، أثناء استمرار إبادة جماعية أن يجعل من المستحيل على الجناة أن يحققوا النجاح، لن يكون من الضروري الاضطلاع بمسؤولية دولية مكلِّفة لحماية المدنيين.
عقلية مرتكبي الجرائم
صار من يرتكب الإبادة الجماعية أو يدعمها من الدول والقادة يعتقدون أنهم يستطيعون المضي قُدماً دون مواجهة اعتراض من شعوبهم وجيرانهم ومن بقية العالم. وهنا، مرة أخرى تعتَبر الدروس المستفادة من محرقة اليهود جديرة بالذكر بأسوأ معاني الدروس. فالطريقة التي وقعت بها محرقة اليهود، وخصوصاً في الاستجابة الدولية الفاترة في ذلك الوقت، جعلت حدوث أفعال إبادة جماعية لاحقة أكثر احتمالاً. ويبدو أن مرتكبي الجرائم بعد وقوع محرقة اليهود استوحوا الإلهام من المحرقة. فقد استخرج هؤلاء لأنفسهم عناصرها الأساسية وصورها واقتدوا بها من حيث عدم وجود جهود محلية ودولية منظمة للإنقاذ أو الحماية. وكما تفصِح اليسون ديس فورج في كتابها لا تدع أحداً يحكي الرواية Leave None To Tell the Story(1999)، بدا أن رئيس جمهورية رواندا، جوفينال هابياريمانا و أخلاءه قد أُعجبوا بشخصية أدولف هتلر ودولة الرايخ الثالث فقد كان لدى هابياريمانا في مقر إقامته نُسخ من أفلام عن هتلر والنازية، ويحتمل أنه شاهدها. وقلّد القوميون الهوتو في رواندا أساليب أخرى استعملها الرايخ الثالث الألماني. وما أصبح معروفاً بأنه الوصايا العشر التي يتبعها الهوتو حرّضت إلى حدٍ ما الهوتو على الحفاظ على نقاء هويتهم بالامتناع عن الزواج رجالاً ونساءً من التوتسي. وهذا هو أقرب ما وصل إليه مصممو وداعمو الإبادة الجماعية في رواندا فيما يتعلق بعملية الإنجاب في ذلك البلد في كانون الأول/ديسمبر 1990، حيث استنسخوا قوانين نورنمبرغ التي سنّها النظام النازي في ألمانيا في أيلول/سبتمبر 1935، هو نفس الغرض وهو الحفاظ على نقاء الجنس الآري من خلال إجراءات تحريم الزواج بين اليهود والألمان. وكان مرتكبو جرائم الإبادة الجماعية من الهوتو قريبين أيضاً من النازي في الطريقة التي قلّلوا بها من قيمة ضحاياهم من التوتسي. فاليهود بالنسبة للنازيين كانوا يعتبَرون هوام عالة على المجتمع يتعيَّن إبادتهم من المجتمعات الصناعية في أوروبا وبقية العالم. أما مرتكبو الجرائم الهوتو فقد كانوا يعتَبرون التوتسي صراصير لا بد من البحث عنهم وقتلهم في المجتمع الزراعي في رواندا. وقد اعتاد المذيعون في محطات الإذاعة التي يسيطر عليها الهوتو على التحريض على الإبادة الجماعية، حيث قاموا دون حياء بتحريض المستمعين إليهم بقتل جميع التوتسي والهوتو المعتدلين دون إعارة أي اهتمام للرأي أو الاستجابة على الصعيد الدولي. وبالتالي فإن اليسون ديس فورج على صواب في القول بأن مرتكبي الجرائم الهوتو قد عرفوا أن هذا النوع من المذبحة سوف يتغاضى عنها المجتمع الدولي.
ورغم أن بعض الناس العاديين وغير المستنيرين يساعدون على ارتكاب الإبادة الجماعية، فإن أولئك الذين يشرعون في الإبادة الجماعية ويخططون لها هم من غير الناس العاديين ولا من المستنيرين. لكن الذين خططوا مؤخراً لارتكاب الإبادة الجماعية في أفريقيا كانوا من النُخب المتعلمة جيداً الذين لديهم فهم ملحوظ للشؤون السياسية الدولية وعمليات المنظمات الدولية. كما أن هؤلاء قرأوا عن مصير اليهود في الحرب العالمية الثانية. أما في أفريقيا في فترة ما بعد الاستعمار، يمكن لأشخاص الصفوة الذين يباشرون في ارتكاب الإبادة الجماعية أن يصوّروا أي تدخلات دولية بأنها مثال آخر للتدخل والعبث الأجنبي أو للاستعمار الجديد. وهذا الاتهام تتردد أصداؤه في القارة الأفريقية. وهو يستمد قوته وجاذبيته من ذكريات السيطرة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ والتدخل الفاشل من الأمم المتحدة في الكونغو وعمليات التآمر اللاحقة أثناء الحرب الباردة على القارة في الستينات. وهذه الحقائق تشجّع المستنيرين مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية في أفريقيا على الاعتقاد بأنهم يستطيعون الإفلات من عقوبة القتل. وهكذا، من الضروري وضع استراتيجيات جديدة لمنع الإبادة الجماعية في أفريقيا بحيث لا تعتمد على عناصر فاعلة دولية.
الخاتمة: التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية
ينبغي أن تتضمّن استراتيجيات التوعية بالإبادة الجماعية وحماية المدنيين في أفريقيا أيضاً التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية. وتستطيع الأمم المتحدة أن تزوّد البلدان الأفريقية بلقطات ومشاهد مرئية لمحرقة اليهود وعمليات الإبادة الأخرى مع ترجمات باللغات المحلية لكي تُعرض في المناطق الريفية والحضرية. وينبغي أن تتزامن ذكريات محرقة اليهود في أفريقيا مع تكليف من الدولة بتدريس موضوع الإبادة الجماعية في جميع المدارس والأكاديميات العسكرية لتجديد الشعور بالتقدير والاحترام للآخرين. وينبغي تعزيز هذه البرامج التعليمية ذات الدلالة في السنوات المدرسية المبكرة قبل أن تنمو عقليات تتقبل الإبادة الجماعية. وينبغي وضع التثقيف ذي الدلالة بشأن المحرقة والإبادة الجماعية في أفريقيا في إطار الذكريات التاريخية المألوفة ومناقشة أوسع لدرس من أهم دروس المحرقة: الثمن المؤلم للتعصّب. وهذه الذكريات تشمل التاريخ الخاص بتجارة الرقيق، ومشاركة الشيوخ الأفارقة والتجار فيها وإبادة جماعات عرقية معينة باسم التقدّم والتهدئة في أفريقيا تحت نير السيطرة الاستعمارية الأوروبية. وهذه الجرائم المنقوشة في الذاكرة الجماعية للأفارقة، نشأت من نفس التعصّبات الإنسانية وعدم المبالاة بحياة الإنسان والتي انحطت بإنسانية اليهود الأوروبيين وأسفرت عن محرقة اليهود.
ويعمل العون من الخارج على رفع الروح المعنوية. لكن في نهاية المطاف، حلول الإبادة الجماعية والأشكال الأخرى من أعمال القتل الجماعي في أفريقيا لا بد وأن تجيء من الداخل. ويعتَبر أفضل تعبير عن الاستقلال، هو مشاهدة الإنسان قادراً على حلّ مشاكله الخاصة، وليس بجعلها مسؤولية تقع على كاهل الآخرين.
أسئلة للمناقشة
- (1) لماذا قد يكون للتدابير المحلية والإقليمية لمنع الإبادة الجماعية تأثير في أفريقيا أفضل من النُهج الدولية؟ وما هي بعض العقبات التي تحول دون تدخل دولي فعّال في النزاعات المسلحة الأفريقية؟
(2) أسفرت الدراسات المقارَنة منذ حدوث محرقة اليهود عن معلومات هامة حول علامات الإنذار المبكّر بحدوث إبادة جماعية وشيكة. ما هي علامات الإنذار هذه وكيف يمكن تطوير جهاز إنذار مبكّر لرفع إنذارات الخطر على الصعيدين الإقليمي والدولي؟
(3) ما هي أوجه التشابه التي يمكن استشفافها بين محرقة اليهود والإبادة الجماعية في أفريقيا؟
(4) لماذا ينبغي إدراج الدروس التاريخية للمحرقة في المنهاج التعليمي للمدارس الأفريقية؟ وما الذي يمكن أن يستفيده تلاميذ المدارس الأفريقية من المعرفة بشأن مآسي الحرب العالمية الثانية؟