الأمم المتحدةمرحباً بكم في الأمم المتحدة. إنها عالمكم

أسبوع الوئام العالمي بين الأديان
1-7 شباط/فبراير

أسبوع الوئام العالمي بين الأديان

الأمير غازي بن محمد (الأردن) (تكلم بالانكليزية):

 يشرفني ‏باسم المملكة الأردنية الهاشمية والـمقدمين الــ 27 ‏الآخرين لمشروع القرار: الاتحاد الروسي، أذربيجان، وألبانيا، ‏والإمارات العربية المتحدة، وأوروغواي، وباراغواي، ‏والبحرين، وبنغلاديش، وتركيا، والجمهورية الدومينيكية، ‏وجمهورية تنزانيا المتحدة، وجورجيا، والسلفادور، وعمان، ‏وغواتيمالا، وغيانا، وقطر، وكازاخستان، وكوستاريكا، ‏والكويت، وليبريا، ومصر، والمغرب، والمملكة العربية ‏السعودية، وموريشيوس، وهندوراس، واليمن أن أعرض ‏مشروع القرار ‏A/65/L.5‎‏ المعنون: ”أسبوع الوئام العالمي ‏بين الأديان“.‏
أود أن أوضح بإيجاز السبب المنطقي وراء مشروع ‏القرار هذا الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ‏ابن الحسين أمام الجمعية العامة في 23 أيلول/سبتمبر 2010 ‏‏(انظر ‏A/65/PV.12‎‏).‏
وكما تدرك جيدا هذه الجمعية، فإن التوتر الديني ‏يستبد بعالمنا، ومن المؤسف، انعدام الثقة، والكراهية ‏والبغضاء. ويمكن لتلك التوترات الدينية أن تندلع في شكل ‏عنف طائفي. وتيسر أيضا تشويه صورة الآخرين، ومن ثم ‏تستحوذ على الرأي العام لتأييد شن حرب على الشعوب ‏والأديان الأخرى. فعلى سبيل المثال، وفقا لاستطلاع الرأي ‏الذي أجرته مؤسسة غالوب في عام 2008، إحدى أكبر ‏الدراسات الدولية عن الدين في التاريخ، فإن 53 في المائة من ‏الغربيين أعربوا عن آراء سلبية أو سلبية جدا عن المسلمين ‏و 30 في المائة من استطلاعات الرأي في أوساط المسلمين ‏في العالم أجمع تضمنت آراء سلبية عن المسيحيين.‏
وهكذا، فإن تشويه الأديان أو إساءة استعمالها، ‏يمكن أن يكون سببا لنزاع عالمي، في حين ينبغي أن تكون ‏الأديان أساسا عظيما لتيسير إحلال السلم العالمي. ولا يمكن ‏أن يعالج هذه المشكلة إلا أديان العالم نفسها. ويجب أن ‏تكون الأديان جزءا من الحل، لا من المشكلة. وقد تم انجاز ‏الكثير من العمل الجيد بالفعل في هذا الصدد، حيث بدأ ذلك ‏حقا بمجلس الفاتيكان الثاني من 1962 إلى 1965 وقامت ‏بذلك مئات المجموعات بين أتباع الدين الواحد والمجموعات ‏المشتركة في الحوار بين الأديان في جميع أرجاء العالم ومن ‏جميع الأديان.‏
ولكن القوى التي تحرض على التوترات بين الأديان، ‏ولا سيما الأصولية الدينية من شتى الأنواع، منظمة على نحو ‏أفضل وأكثر خبرة، وأفضل تنسيقا، وأكثر تحفيزا وأقسى. ‏فهي أكثر براعة في الخداع، ولديها المزيد من المؤسسات ‏والكثير من المال والمزيد من القوة ، وتحظى بالمزيد من ‏الشعبية، وبذلك فإنها تتفوق على جميع العمل الايجابي لسائر ‏المبادرات بين الأديان. والدليل المؤسف على هذا يتمثل في ‏التوترات الدينية التي تزداد ولا تنخفض.‏
إن مشروع القرار المعروض علينا يسعى إلى تحويل ‏التيار ضد هذا الحركة السلبية، أولا، بتنسيق وتوحيد الجهود ‏التي تقوم بها كل المجموعات المشتركة بين الأديان التي تقوم ‏بعمل إيجابي بتركيزها على موضوع واحد وفي وقت محدد ‏مرة في السنة، وبذلك تزيد الزخم الجماعي ‏وتزيل الازدواجية.‏
ثانيا، إن مشروع القرار يسعى إلى تسخير واستخدام ‏القوة الجماعية لثاني أكبر هيكل أساسي، أي دور العبادة - ‏أكبر مكان للتعليم - وبالتحديد من أجل إحلال السلام ‏والوئام في العالم، مثله كمثل وضع ”برمجيات“ صحيحة في ‏‏”الجهاز الحاسوبي“ الديني العالمي.‏
ثالثا، إن مشروع القرار يشجع بصورة دائمة ‏ومنتظمة الأغلبية الصامتة من الوعاظ على تكريس أنفسهم ‏من أجل السلام والوئام وتوفير وسيلة جاهزة لهم للقيام ‏بذلك. وعلاوة على ذلك، إذا ما ألتزم الوعاظ والمدرسون ‏رسميا مرة في السنة بإحلال السلام والوئام، فهذا يعني أنه ‏عندما تنشأ الأزمة المقبلة بين الأديان أو أي استفزاز لها، فقد ‏تنتكس إلى خوف وعدم ثقة يتسمان بضيق الأفق، ومن ‏المرجح أنه تقاوم رياح الديماغوغائية الشعبية.‏
إنني إذ أنتقل إلى النص نفسه، أود أن أوضح بعضا ‏من أهم مصطلحاته ومفاهيمه الجوهرية. ‏
أولا، في عنوان مشروع القرار نفسه وفي الفقرة ‏الثانية من المنطوق، وفي أماكن أخرى، تستخدم كلمة ‏‏”وئام“بالمعنى الصيني للعبارة. ونضيفها إلى عبارة ‏‏”التسامح“، التي استخدمناها أيضا، لأن التسامح يمكن أن ‏يوحي بأن الآخر، غير إيجابي جدا، بحيث يتعين التسامح معه. ‏ولا يمكننا استخدام عبارة ”تقبل“ لأنها تعني ضمنا أن ‏الأديان تتقبل تعاليم الديانات الأخرى، بدلا من حقها في ‏تلك التعاليم، وهذا ليس هو الحال. إذ لا يمكننا أن نستخدم ‏عبارة ”السلام“ وحدها لأنها توحي بأن السلام يعني مجرد ‏عدم وجود حرب وليس انعدام الكراهية. ولا يمكن أن ‏ينقذنا هنا إلا المفهوم الكونفوشي للوئام لأنه يوحي أكثر من ‏مجرد السلام، بل أيضا التفاعل الجميل والديناميكي بين ‏عناصر مختلفة في إطار شامل. ‏
ثانيا، في الفقرة 3، وردت إشارة إلى ”حب الله، ‏وحب الجار، أو حب البر وحب الجار“. لماذا هذه الإشارة ‏الدينية لازمة في قرار للأمم المتحدة؟ للإجابة على هذا ‏السؤال، من الجدير ملاحظته أولا، أن مشروع القرار فريد ‏لأنه يتكلم بالتحديد عن السلام بين الأديان وليس عن أي ‏شيء آخر، لذلك، من الطبيعي أن ترد بعض الإشارات ‏الدينية في هذه الحالة بالذات. فالإبقاء بصرامة على نقيض ‏ذلك يعني أن نتجاهل مشاعر 85 في المائة من سكان العالم ‏الذين يعتنقون ديانة ما أو أخرى.‏
ثالثا، وربما هو الأهم، ندرج هذه الإشارات لأننا ‏بينما نتفق جميعا على أنه من الواضح أنه ليس من عمل الأمم ‏المتحدة الدخول في نظام لاهوتي، ومع ذلك فإن الهدف ‏الأساسي للأمم المتحدة يتمثل في صنع السلام والحفاظ على ‏السلام، وبدون إشارة محددة إلى الله وإلى الوصيتين المتعلقتين ‏بالحب، فإن الكثير من المسلمين الورعين - إن لم يكن ‏معظمهم - والمسيحيين واليهود سوف يعتبرون أي دعوة إلى ‏العلمانية في أسبوع الوئام بين الأديان ستصبح ابتذالا عقيما ‏إذ ليسع بوسعهم تأييدها بالكامل أو بإخلاص. فقد جاء في ‏الكتاب المقدس، أن عيسى المسيح قال ”ليس بالخبز وحده ‏يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان“ ‏‏(إنجيل متى، 4:4“)،”ليتقدس اسمك“ (إنجيل متى 6:9). ‏وتوجد معان مماثلة في القرآن الكريم، حيث ذُكر أنه ما من ‏عمل يُثاب عليه المرء في سعيه ”إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى“ ‏‏(سورة الليل، الآية 20) وحقا ”وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر“، سورة ‏العنكبوت، الآية 45).‏
وبعبارة أخرى، يؤسفني أن أقول إن العديد من ‏المسلمين والمسيحيين واليهود الذين يشكلون مجتمعين ‏ربما 55 في المائة من سكان العالم، أضحوا متورطين في ‏معظم النزاعات في العالم، لذلك من الضروري أن نذكر ‏جوهر معتقداتهم. وبخلاف ذلك، فإن الأمل في تعزيز السلام ‏بين الأديان بفرض عليها بالإكراه لغة خارجية وعلمانية بحتة ‏وبيروقراطية سيكون بمثابة بيت منقسم على نفسه. ولن ‏يكتب له الدوام. ‏
رابعا، مما تجدر ملاحظته أن هذه اللغة لا تستبعد أي ‏أحد ينتمي لأي ديانة أو معتقد على الإطلاق. وكل شخص ‏لديه نية حسنة، سواء أكان يعتنق ديانة أم لا، بوسعه وينبغي ‏له أن يلتزم بحب الجار وحب الله أو حب الجار وحب البر. ‏فحب الإنسان لجاره وحب الله في النهاية جوهر حسن النية، ‏والإشارة إلى الله لا تعني ضمنا الإيمان بالله أو بأي دين بعينه، ‏وعلى الرغم من أنه بالنسبة للعديد من المؤمنين، يعني البر الله ‏بالتحديد. فقد قال عيسى المسيح ”ليس أحد صالحاً ‏إلا واحد وهو الله“ (الكتاب المقدس، إنجيل مرقس، ‏‏10:18) و ”البر“ من أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، ‏وهكذا من الناحية اللاهوتية فإن الكلام عن البر صحيح، ‏ولكنه معادلة شاملة - كما يبدو حتى الآن - توحد البشرية ‏جمعاء ولا تترك أحدا.‏
خامسا، هناك سبب آخر لضرورة الإشارة إلى حب ‏الجار بالتحديد، إنه يضع معيارا قيما وعمليا يستند عليه ‏الناس ويتساءلون إن كانت أعمالهم تنبع من لفظة ‏‏”‏caritas‏“ - حب - حب الجار أو عدمه. وفي الواقع ‏كما قال النبي محمد، ”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ‏ما يحب لنفسه“. ‏
كذلك في الفقرة 3 من المنطوق استخدمت عبارة ‏‏”على أساس طوعي“ لأن الاقتراح برمته يجب أن يكون ‏طوعيا بالكامل. ولا يجوز إرغام أي دار من دور العبادة على ‏الاحتفال بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، لأنه بينما نأمل ‏في تشجيع الوئام بين الأديان، فإن آخر شيء نريده لأي ‏شخص على الإطلاق هو أن يشعر بأن شيئا ما يفرض عليه ‏أو على دينه أو معتقداته أو قناعاته. ومع ذلك، يمكن للمرء ‏أن يتصور الحوافز الإيجابية لكي يشجع ويساعد في دعم ‏ورصد تنفيذ مشروع القرار.‏
وأخيرا، وفي الفقرة 3 من المنطوق فإن عبارة ”كل ‏حسب تقاليده أو معتقداته“ تعتبر حيوية لأن الديانات ‏المختلفة لا تفسر بالضرورة حب الله وحب الجار بنفس ‏الطريقة بالضبط ولا تريد أن يقال بأنهم يفعلون ذلك. ‏وهكذا فإن هذه العبارة تتحاشى مخاطر التوفيق بين المعتقدات ‏المتعارضة أو التقليل من أهميتها وتسمح بالاختلافات الدينية ‏في إطار نفس الهدف المتمثل في العمل نحو السلام والوئام ‏بين الأديان.‏
وخلاصة القول، أطلب بمنتهى التواضع إلى الدول ‏الأعضاء في الجمعية العامة أن تعتمد مشروع القرار ‏A/65/L.5‎‏ بشأن أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، مع التنويه ‏بأنه لا يستبعد أي فرد ولا يعرض للخطر أي فرد، ولا يلزم ‏أحدا، ولا يرغم أحدا، ولا يضر بأحد أو يكلف شيئا. بل ‏على النقيض من ذلك، يشمل الجميع ويشارك الجميع في ‏الاحتفال ، وينفع الجميع، ويوحد الجميع وينطوي على ‏إمكانية إحلال السلام والوئام اللازمين كثيرا للعالم بأسره.‏