أسبوع الوئام العالمي بين الأديان
الأمير غازي بن محمد (الأردن) (تكلم بالانكليزية):
يشرفني باسم المملكة الأردنية الهاشمية والـمقدمين الــ 27 الآخرين لمشروع القرار: الاتحاد الروسي، أذربيجان، وألبانيا، والإمارات العربية المتحدة، وأوروغواي، وباراغواي، والبحرين، وبنغلاديش، وتركيا، والجمهورية الدومينيكية، وجمهورية تنزانيا المتحدة، وجورجيا، والسلفادور، وعمان، وغواتيمالا، وغيانا، وقطر، وكازاخستان، وكوستاريكا، والكويت، وليبريا، ومصر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، وموريشيوس، وهندوراس، واليمن أن أعرض مشروع القرار A/65/L.5 المعنون: ”أسبوع الوئام العالمي بين الأديان“.أود أن أوضح بإيجاز السبب المنطقي وراء مشروع القرار هذا الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة في 23 أيلول/سبتمبر 2010 (انظر A/65/PV.12).
وكما تدرك جيدا هذه الجمعية، فإن التوتر الديني يستبد بعالمنا، ومن المؤسف، انعدام الثقة، والكراهية والبغضاء. ويمكن لتلك التوترات الدينية أن تندلع في شكل عنف طائفي. وتيسر أيضا تشويه صورة الآخرين، ومن ثم تستحوذ على الرأي العام لتأييد شن حرب على الشعوب والأديان الأخرى. فعلى سبيل المثال، وفقا لاستطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة غالوب في عام 2008، إحدى أكبر الدراسات الدولية عن الدين في التاريخ، فإن 53 في المائة من الغربيين أعربوا عن آراء سلبية أو سلبية جدا عن المسلمين و 30 في المائة من استطلاعات الرأي في أوساط المسلمين في العالم أجمع تضمنت آراء سلبية عن المسيحيين.
وهكذا، فإن تشويه الأديان أو إساءة استعمالها، يمكن أن يكون سببا لنزاع عالمي، في حين ينبغي أن تكون الأديان أساسا عظيما لتيسير إحلال السلم العالمي. ولا يمكن أن يعالج هذه المشكلة إلا أديان العالم نفسها. ويجب أن تكون الأديان جزءا من الحل، لا من المشكلة. وقد تم انجاز الكثير من العمل الجيد بالفعل في هذا الصدد، حيث بدأ ذلك حقا بمجلس الفاتيكان الثاني من 1962 إلى 1965 وقامت بذلك مئات المجموعات بين أتباع الدين الواحد والمجموعات المشتركة في الحوار بين الأديان في جميع أرجاء العالم ومن جميع الأديان.
ولكن القوى التي تحرض على التوترات بين الأديان، ولا سيما الأصولية الدينية من شتى الأنواع، منظمة على نحو أفضل وأكثر خبرة، وأفضل تنسيقا، وأكثر تحفيزا وأقسى. فهي أكثر براعة في الخداع، ولديها المزيد من المؤسسات والكثير من المال والمزيد من القوة ، وتحظى بالمزيد من الشعبية، وبذلك فإنها تتفوق على جميع العمل الايجابي لسائر المبادرات بين الأديان. والدليل المؤسف على هذا يتمثل في التوترات الدينية التي تزداد ولا تنخفض.
إن مشروع القرار المعروض علينا يسعى إلى تحويل التيار ضد هذا الحركة السلبية، أولا، بتنسيق وتوحيد الجهود التي تقوم بها كل المجموعات المشتركة بين الأديان التي تقوم بعمل إيجابي بتركيزها على موضوع واحد وفي وقت محدد مرة في السنة، وبذلك تزيد الزخم الجماعي وتزيل الازدواجية.
ثانيا، إن مشروع القرار يسعى إلى تسخير واستخدام القوة الجماعية لثاني أكبر هيكل أساسي، أي دور العبادة - أكبر مكان للتعليم - وبالتحديد من أجل إحلال السلام والوئام في العالم، مثله كمثل وضع ”برمجيات“ صحيحة في ”الجهاز الحاسوبي“ الديني العالمي.
ثالثا، إن مشروع القرار يشجع بصورة دائمة ومنتظمة الأغلبية الصامتة من الوعاظ على تكريس أنفسهم من أجل السلام والوئام وتوفير وسيلة جاهزة لهم للقيام بذلك. وعلاوة على ذلك، إذا ما ألتزم الوعاظ والمدرسون رسميا مرة في السنة بإحلال السلام والوئام، فهذا يعني أنه عندما تنشأ الأزمة المقبلة بين الأديان أو أي استفزاز لها، فقد تنتكس إلى خوف وعدم ثقة يتسمان بضيق الأفق، ومن المرجح أنه تقاوم رياح الديماغوغائية الشعبية.
إنني إذ أنتقل إلى النص نفسه، أود أن أوضح بعضا من أهم مصطلحاته ومفاهيمه الجوهرية.
أولا، في عنوان مشروع القرار نفسه وفي الفقرة الثانية من المنطوق، وفي أماكن أخرى، تستخدم كلمة ”وئام“بالمعنى الصيني للعبارة. ونضيفها إلى عبارة ”التسامح“، التي استخدمناها أيضا، لأن التسامح يمكن أن يوحي بأن الآخر، غير إيجابي جدا، بحيث يتعين التسامح معه. ولا يمكننا استخدام عبارة ”تقبل“ لأنها تعني ضمنا أن الأديان تتقبل تعاليم الديانات الأخرى، بدلا من حقها في تلك التعاليم، وهذا ليس هو الحال. إذ لا يمكننا أن نستخدم عبارة ”السلام“ وحدها لأنها توحي بأن السلام يعني مجرد عدم وجود حرب وليس انعدام الكراهية. ولا يمكن أن ينقذنا هنا إلا المفهوم الكونفوشي للوئام لأنه يوحي أكثر من مجرد السلام، بل أيضا التفاعل الجميل والديناميكي بين عناصر مختلفة في إطار شامل.
ثانيا، في الفقرة 3، وردت إشارة إلى ”حب الله، وحب الجار، أو حب البر وحب الجار“. لماذا هذه الإشارة الدينية لازمة في قرار للأمم المتحدة؟ للإجابة على هذا السؤال، من الجدير ملاحظته أولا، أن مشروع القرار فريد لأنه يتكلم بالتحديد عن السلام بين الأديان وليس عن أي شيء آخر، لذلك، من الطبيعي أن ترد بعض الإشارات الدينية في هذه الحالة بالذات. فالإبقاء بصرامة على نقيض ذلك يعني أن نتجاهل مشاعر 85 في المائة من سكان العالم الذين يعتنقون ديانة ما أو أخرى.
ثالثا، وربما هو الأهم، ندرج هذه الإشارات لأننا بينما نتفق جميعا على أنه من الواضح أنه ليس من عمل الأمم المتحدة الدخول في نظام لاهوتي، ومع ذلك فإن الهدف الأساسي للأمم المتحدة يتمثل في صنع السلام والحفاظ على السلام، وبدون إشارة محددة إلى الله وإلى الوصيتين المتعلقتين بالحب، فإن الكثير من المسلمين الورعين - إن لم يكن معظمهم - والمسيحيين واليهود سوف يعتبرون أي دعوة إلى العلمانية في أسبوع الوئام بين الأديان ستصبح ابتذالا عقيما إذ ليسع بوسعهم تأييدها بالكامل أو بإخلاص. فقد جاء في الكتاب المقدس، أن عيسى المسيح قال ”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان“ (إنجيل متى، 4:4“)،”ليتقدس اسمك“ (إنجيل متى 6:9). وتوجد معان مماثلة في القرآن الكريم، حيث ذُكر أنه ما من عمل يُثاب عليه المرء في سعيه ”إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى“ (سورة الليل، الآية 20) وحقا ”وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر“، سورة العنكبوت، الآية 45).
وبعبارة أخرى، يؤسفني أن أقول إن العديد من المسلمين والمسيحيين واليهود الذين يشكلون مجتمعين ربما 55 في المائة من سكان العالم، أضحوا متورطين في معظم النزاعات في العالم، لذلك من الضروري أن نذكر جوهر معتقداتهم. وبخلاف ذلك، فإن الأمل في تعزيز السلام بين الأديان بفرض عليها بالإكراه لغة خارجية وعلمانية بحتة وبيروقراطية سيكون بمثابة بيت منقسم على نفسه. ولن يكتب له الدوام.
رابعا، مما تجدر ملاحظته أن هذه اللغة لا تستبعد أي أحد ينتمي لأي ديانة أو معتقد على الإطلاق. وكل شخص لديه نية حسنة، سواء أكان يعتنق ديانة أم لا، بوسعه وينبغي له أن يلتزم بحب الجار وحب الله أو حب الجار وحب البر. فحب الإنسان لجاره وحب الله في النهاية جوهر حسن النية، والإشارة إلى الله لا تعني ضمنا الإيمان بالله أو بأي دين بعينه، وعلى الرغم من أنه بالنسبة للعديد من المؤمنين، يعني البر الله بالتحديد. فقد قال عيسى المسيح ”ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله“ (الكتاب المقدس، إنجيل مرقس، 10:18) و ”البر“ من أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، وهكذا من الناحية اللاهوتية فإن الكلام عن البر صحيح، ولكنه معادلة شاملة - كما يبدو حتى الآن - توحد البشرية جمعاء ولا تترك أحدا.
خامسا، هناك سبب آخر لضرورة الإشارة إلى حب الجار بالتحديد، إنه يضع معيارا قيما وعمليا يستند عليه الناس ويتساءلون إن كانت أعمالهم تنبع من لفظة ”caritas“ - حب - حب الجار أو عدمه. وفي الواقع كما قال النبي محمد، ”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه“.
كذلك في الفقرة 3 من المنطوق استخدمت عبارة ”على أساس طوعي“ لأن الاقتراح برمته يجب أن يكون طوعيا بالكامل. ولا يجوز إرغام أي دار من دور العبادة على الاحتفال بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، لأنه بينما نأمل في تشجيع الوئام بين الأديان، فإن آخر شيء نريده لأي شخص على الإطلاق هو أن يشعر بأن شيئا ما يفرض عليه أو على دينه أو معتقداته أو قناعاته. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتصور الحوافز الإيجابية لكي يشجع ويساعد في دعم ورصد تنفيذ مشروع القرار.
وأخيرا، وفي الفقرة 3 من المنطوق فإن عبارة ”كل حسب تقاليده أو معتقداته“ تعتبر حيوية لأن الديانات المختلفة لا تفسر بالضرورة حب الله وحب الجار بنفس الطريقة بالضبط ولا تريد أن يقال بأنهم يفعلون ذلك. وهكذا فإن هذه العبارة تتحاشى مخاطر التوفيق بين المعتقدات المتعارضة أو التقليل من أهميتها وتسمح بالاختلافات الدينية في إطار نفس الهدف المتمثل في العمل نحو السلام والوئام بين الأديان.
وخلاصة القول، أطلب بمنتهى التواضع إلى الدول الأعضاء في الجمعية العامة أن تعتمد مشروع القرار A/65/L.5 بشأن أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، مع التنويه بأنه لا يستبعد أي فرد ولا يعرض للخطر أي فرد، ولا يلزم أحدا، ولا يرغم أحدا، ولا يضر بأحد أو يكلف شيئا. بل على النقيض من ذلك، يشمل الجميع ويشارك الجميع في الاحتفال ، وينفع الجميع، ويوحد الجميع وينطوي على إمكانية إحلال السلام والوئام اللازمين كثيرا للعالم بأسره.
