رسالة الأمين العام

الرسالة المصورة

الرسالة المكتوبة

"الاستثمار في السلام في جميع أنحاء العالم"

لقد برهنت عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام على مدى ما يقرب من ٧٠ عاما على أنها واحدة من أنجع الاستثمارات التي يوجهها المجتمع الدولي نحو إرساء السلام والأمن وتحقيق الازدهار.

وما فتئ الطلب على خدمات حفظة السلام التابعين للأمم المتحدة يتزايد باطراد على مر السنين، وكادت معدلات النشر تصل الآن مستويات لم يسبق لها نظير. وقد تركت عمليات حفظ السلام أثرا إيجابيا على حياة الملايين من الناس في أنحاء العالم كافة.

وجميع بعثات الأمم المتحدة، على اختلاف أحجامها والولايات المنوطة بها، تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف: إنقاذ الأرواح وحماية الناس، والتمهيد للسلام، ثم غلق أبوابها. فالمنشود منها أن تكون استثمارات قصيرة الأجل تدر فوائد على الأجل الطويل من خلال إيجاد الوقت وتهيئة الحيز اللازمين لسير العمليات السياسية.

وقد أنجزت حتى الآن أربع وخمسون عملية من عمليات الأمم المتحدة للسلام ولاياتها. وستغلق قريبا أبواب بعثتين أخريين في كوت ديفوار وليبريا، لتنضما بذلك إلى قائمة طويلة من العمليات الناجحة التي تمت في أنغولا، وتيمور-ليشتي، والسلفادور، وسيراليون، وغواتيمالا، وكرواتيا، وكمبوديا، وناميبيا، وأماكن أخرى.

ونرمي مستقبلا إلى فعل المزيد لإنهاء العمليات التي حققت أهدافها. كذلك نعكف على إصلاح بعثاتنا لحفظ السلام وتعديلها من أجل الارتقاء بفعاليتها في البيئات المتزايدة الصعوبة التي تعمل فيها.

وأموال ميزانية حفظ السلام اليوم، التي تقل عن نصف في المائة من النفقات العسكرية في العالم، هي أموال تنفق في موضعها السليم. فهي جزء بسيط من تكلفة السماح بانتشار النزاع وتقويض مكاسب التنمية الاقتصادية. ويضاعف من هذا الاستثمار النموُ الاقتصادي والرخاء الناتجان عن الاستقرار والأمن اللذين تخلفهما بعثات حفظ السلام الناجحة.

وتعمل الأمم المتحدة جاهدة لتوخي الفعالية من حيث التكلفة في جميع عملياتنا لحفظ السلام من بدايتها إلى نهايتها. ونحن لا نتوانى عن إيجاد سبل للإصلاح وإعادة التنظيم وخفض التكاليف.

وفي نفس الوقت، يعمل حفظة السلام التابعون للأمم المتحدة بلا كلل في البحث عن سبل جديدة لبناء السلام المستدام.

لقد تطورت عمليات حفظ السلام من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى حماية المدنيين، ونزع سلاح المقاتلين السابقين، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، ودعم الانتخابات الحرة النزيهة، والتقليل من مخاطر الألغام الأرضية إلى أدنى حد، وأمور كثيرة أخرى. وهي تعمل أيضا من أجل ضمان التمثيل الكامل للمرأة في عمليات السلام، والحياة السياسية، وفي سلطات الحكم. ولا غنى عن أي من هذه الاستثمارات لبناء سلام دائم.

ومنذ أن توليت منصبي في وقت سابق من هذا العام وأنا أضع على رأس أولوياتي القضاء على آفة أعمال الاستغلال والاعتداء الجنسيين التي يرتكبها أفراد الأمم المتحدة، بمن فيهم حفظة السلام. ونحن لا ندعي لأنفسنا الكمال بأي حال من الأحوال. ولكننا عندما نخطئ، نتعلم من أخطائنا، ونسعى باستمرار إلى نشر أفرادنا وأصولنا بطريقة لا تتسم بالمسؤولية فحسب، وإنما تعود بالفائدة أيضا على من نقوم بخدمتهم من أفراد وجماعات.

وإنني لأتطلع إلى العمل مع الدول الأعضاء في هذا الشأن. فشراكتنا أمر أساسي لنجاح بعثات حفظ السلام، ذلك أن الدول الأعضاء هي التي تقرر المواقع التي توفد إليها القوات، والعمل الذي تضطلع به، وماهية الموارد التي ستدعمها. وللتعاون الوثيق بيننا أهمية حيوية إذا أردنا أن نحقق السلام الدائم الموعود، بينما يهيئ حفظة السلام الظروف المواتية على أرض الواقع للتمكين من إيجاد الحلول وتثبيتها.

وكذلك جعلت من أولوياتي كفالة أن تؤدي المرأة دوراً أكثر نشاطا بكثير في عمليات السلام، ضمن أفراد القوات العسكرية وعناصر شرطة والموظفين المدنيين. فالتكافؤ بين الجنسين أمر ضروري في حد ذاته، ووجود المرأة يزيد من فرص السلام المستدام، ويحد في الوقت نفسه من حالات الاعتداء والاستغلال الجنسيين.

وفي هذا اليوم الدولي لحفظة السلام التابعين للأمم المتحدة، نعرب عن تقديرنا لعدد يتجاوز 000 113 من أصحاب "الخوذ الزرق" وشرطة الأمم المتحدة والموظفين المدنيين المنتشرين في 16 بعثة. ونشيد بالمساهمة التي يقدمها عدد متزايد باستمرار من الدول الأعضاء في عملياتنا. ونتوجه بالشكر لأكثر من مليون امرأة ورجل خدموا تحت راية الأمم المتحدة بمهنية وتفان وشجاعة طوال تاريخنا. ونكرم ذكرى ما يزيد عن ٥٠٠ ٣ من حفظة السلام الذين فقدوا أرواحهم أثناء الخدمة.

وفي العام الماضي، جاد 117 من حفظة السلام بأرواحهم. وكان من بينهم عسكريون وأفراد شرطة وموظفون مدنيون دوليون وأفراد من متطوعي الأمم المتحدة وموظفون وطنيون من 43 بلداً. وفي عام 2017، وحتى الوقت الراهن، قُتل اثنا عشر من حفظة السلام.

وتمثل جهودهم المبذولة باسم المجتمع الدولي واحداً من أبرز التعبيرات الملموسة عن التصميم المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة على "إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب". فلهم في أعناقنا جميعاً دين كبير.