ترسيخ الحوار وتجاوز الانقسام
يُذكّرنا الرابع من شباط/فبراير، اليوم الدولي للأخوة الإنسانية، بأننا ننتمي إلى أسرة إنسانية واحدة، تتعدد ثقافاتها ومعتقداتها، وتتساوى في كرامتها، وتزداد قوة حين تختار الثقة والاحترام بدل الشك والارتياب. وفي وقت يتسم بتنامي التوترات وتعمّق الاستقطاب، لا تُعدّ الأخوة الإنسانية قيمةً أخلاقية مجردة، بل التزامًا عمليًا بالعيش المشترك سلميًا وصون حقوق الإنسان وكرامته دون استثناء.
ويأتي موضوع هذا العام دعوةً واضحة إلى تغليب الحوار على منطق الانقسام. فالحوار لا يفترض التطابق في الآراء، ولا يشترط الاتفاق الكامل؛ بل يقوم على الإصغاء المسؤول، والتعبير الواعي، والاعتراف المتبادل بالإنسانية المشتركة، ولا سيما في لحظات الخوف أو الغضب أو الارتياب.
كما يقتضي ذلك رفض جميع أشكال التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب وخطاب الكراهية، والعمل على إتاحة فضاءات مأمونة — رقميًا وواقعيًا — يمكن فيها معالجة الاختلافات وتدبيرها دون أن تنقلب إلى أذى أو إقصاء.
وتبدأ الأخوة الإنسانية من تفاصيل الحياة اليومية: في طريقة تعاملنا مع الجيران وزملاء الدراسة والعمل ومع الغرباء، وفي أسلوب تداولنا للمعلومات، وفي مواقفنا حين يُستهدف شخص بسبب هويته أو معتقده. ويمكن لكل فرد الإسهام في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وشمولًا بتفكيك الصور النمطية، والوقوف دفاعًا عن الكرامة والإدماج، والتعرّف إلى الثقافات والتقاليد الدينية الأخرى، ودعم المبادرات المحلية التي تجمع الناس على القيم المشتركة. فالاختيارات البسيطة، حين تُمارس باستمرار، تعزّز الروابط التي تُبقي المجتمعات سلمية وقادرة على الصمود.
أهمية الأخوة الإنسانية
تستند الأخوة الإنسانية من أجل السلام والتعاون إلى حقيقة جوهرية مفادها أن أتباع جميع الأديان والمعتقدات يسهمون إسهامًا أصيلًا ودائمًا في مسيرة الإنسانية. ويُسهم الحوار بين الجماعات الدينية وأصحاب المعتقدات المختلفة في تعميق الفهم المتبادل وإبراز القيم المشتركة التي تجمع بينها. كما أن إذكاء الوعي بالتنوع الثقافي والديني والعقائدي يعزز ثقافة التسامح القائمة على الاحترام والإدماج وقبول التعدد، بما يشمل حرية التعبير عن الهوية الدينية.
ويؤدي التعليم، ولا سيما في المرحلة المدرسية، دورًا محوريًا في ترسيخ هذه المبادئ والوقاية من التمييز القائم على الدين أو المعتقد. فالتسامح والاحترام المتبادل والقدرة على التعايش الإيجابي مع الاختلافات تشكّل ركائز أساسية للأخوة الإنسانية والوئام الاجتماعي، وهو ما يبرز أهمية الحوار بين الأديان والثقافات على جميع المستويات — العالمية والإقليمية والوطنية والمحلية.
محطات بارزة ومراحل مفصلية
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أُسست الأمم المتحدة للمساعدة على تجنيب الأجيال المقبلة ويلات النزاعات وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات العالمية. ويتمثل جوهر هذه الرسالة في صون حقوق الإنسان وحمايتها، وضمان الحريات الأساسية للجميع دون تمييز، وبناء السلام على أساس المسؤولية المشتركة والعمل الجماعي.
وفي عام 1999، جرى التأكيد مجددًا على هذا الالتزام عبر إعلان وبرنامج عمل ثقافة السلام، الذي يوفّر إطارًا عالميًا لتعزيز السلام ونبذ العنف لصالح أجيال الحاضر والمستقبل. واستنادًا إلى المبدأ الوارد في الدستور التأسيسي ليونسكو — ومفاده أن السلام ينبغي أن يُبنى في عقول البشر — تَعتبر ثقافة السلام أن السلام ليس مجرد غياب للنزاع المسلح، بل مسار متواصل يقوم على الحوار والمشاركة والتعاون.
وفي هذا السياق، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية التفاهم المتبادل والحوار بين الأديان، بما في ذلك إقرار أسبوع الوئام العالمي بين الأديان في عام 2010، بوصفه وسيلة لتعزيز الانسجام والتعاون والتعايش السلمي بين أتباع مختلف الأديان. وعلى امتداد عديد من التقاليد الدينية، تتردّد دعوة مشتركة إلى التضامن والتعاطف واحترام إنسانيتنا الواحدة؛ غير أن النزاعات والتعصب والنزوح وانتشار الكراهية لا تزال ماثلة.
وإقرارًا بقدرة الأخوة الإنسانية على مواجهة الانقسام وتعزيز السلام، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الرابع من شباط/فبراير يومًا دوليًا للأخوة الإنسانية، تأكيدًا لالتزام عالمي بالوحدة والحوار والتعايش السلمي.
تعريف بثقافة السلام
ثقافة السلام هي مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد وأنماط السلوك وأساليب الحياة تستند إلى ما يلي:
- احترام الحياة وإنهاء العنف وترويج وممارسة اللاعنف من خلال التعليم والحوار والتعاون؛
- اﻻحترام الكامل لمبادئ السيادة والسﻻمة اﻹقليمية والاستقلال السياسي للدول وعدم التدخل في المسائل التي تعد أساسا ضمن اﻻختصاص المحلي ﻷي دولة، وفقا لميثاق اﻷمم المتحدة والقانون الدولي؛
- اﻻحترام الكامل لجميع حقوق اﻹنسان والحريات اﻷساسية وتعزيزها؛
- اﻻلتزام بتسوية الصراعات بالوسائل السلمية؛
- بذل الجهود للوفاء باﻻحتياجات اﻹنمائية والبيئية للأجيال الحاضرة والمقبلة؛
- احترام وتعزيز الحق في التنمية؛
- احترام وتعزيز المساواة في الحقوق والفرص بين المرأة والرجل؛
- اﻻعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير والرأي والحصول على المعلومات؛
- التمسك بمبادئ الحرية والعدل والديمقراطية والتسامح والتضامن والتعاون والتعددية والتنوع الثقافي والحوار والتفاهم على مستويات المجتمع كافة وفيما بين اﻷمم؛

