مع تنامي الأدلة على الأزمة التي يتسبب فيها فقدان التنوع البيولوجي نتيجة للأنشطة البشرية إلى حد كبير فقد يبدو الأمر وكأن التنمية المستدامة من غير الممكن أن تتضمن الحفاظ على الحياة البرية. ولكن عمل اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) وغيرها من اتفاقيات الحياة البرية والتنوع البيولوجي الرئيسية يبين أن تنفيذ إطار عالمي لحفظ الطبيعة يمكن أن يسفر عن نتائج للتنمية البشرية.
يمكن أن يتم التسامح معك لتفكيرك في أن الحفاظ على الحياة البرية والموائل والنظم الإيكولوجية وإنجاز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs) يصعب التوفيق بينها.
ذلك أن بعض أهداف التنمية المستدامة مثل الهدف 14 (الحياة تحت الماء) أو الهدف 15 (الحياة في البر)، تدعو بالفعل إلى الحفاظ على هذه الأنظمة البيئية ومكوناتها. وثمة أهداف أخرى مثل الهدف 1 (القضاء على الفقر)، تدعو إلى النهوض الاقتصادي للبشرية جمعاء، الذي سيتطلب حتماً استخدام الحياة البرية بما في ذلك الحيوانات البرية مثل الأسماك والزواحف فضلاً عن المنتجات النباتية مثل الأخشاب والنباتات الطبية.
لقد رسمت الأبحاث الحديثة صورة رهيبة لحالة الحياة البرية والتنوع البيولوجي في العالم الناتجة عن الأنشطة البشرية. إن تقرير التقييم العالمي عن التنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي والذي نشره المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات المعني بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES)، واضح: ما يقرب من مليون نوع ــ ربع أشكال الحياة المعروفة ــ يمكن أن تواجه الانقراض في غضون عقود كنتيجة مباشرة للاستغلال المفرط من جانب البشر وتغيّر المناخ وتدهور الموئل. كما يصنّف تقرير المخاطر العالمية لعام 2020 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي خسارة التنوع البيولوجي وانهيار النظام البيئي باعتبارها إحدى التهديدات الخمسة الكبرى التي سوف تواجهها البشرية في السنوات العشر المقبلة.
منذ العصور القديمة، كانت المجتمعات البشرية والاقتصادات تعتمد على التنوع البيولوجي بطرق أساسية. على سبيل المثال، يستخدم الناس في جميع أنحاء العالم أنواعاً لا حصر لها من الحيوانات والنباتات البرية في حياتهم اليومية من أجل الغذاء وفي صنع منتجات الرعاية الصحية والأثاث والسكن والتذكارات السياحية ومستحضرات التجميل والملابس.
تدرك الأطراف في اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) أهمية التأكد من أن استخدام الحياة البرية للتجارة ضمن التجارية الدولية هي مستدامة وقانونية وقابلة للتتبع لأجل مصلحة البشر والازدهار والكوكب.
ولا تزال اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) واحدة من أقوى أدوات حفظ الحياة البرية في العالم من خلال تنظيم التجارة الدولية.
من خلال المشاركة التعاونية للحكومات والمنظمات الدولية ومجموعات ومجتمعات المجتمع المدني المحلية والدولية وكذلك الجهات الفاعلة في القطاع الخاص، تم وضع إطار يدعم فيه الاستخدام المنظم للحياة البرية وموائلها كل من الحفظ والرفاهية البشرية وبالتالي المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وخاصة الأهداف 1 و14 و15 وكذلك الهدف 12 (ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة).
الربط بين الحفظ وسبل العيش المستدامة والاقتصادات الوطنية
تعتبر هذه الاتفاقية أقدم اتفاق بيئي متعدد الأطراف من حيث تاريخ بدء النفاذ. وإلى جانب الاتفاقيات الأخرى المتصلة بالتنوع البيولوجي مثل اتفاقية رامسار بشأن الأراضي الرطبة واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) واتفاقية حفظ الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية (CMS). على سبيل المثال لا الحصر، جمعت اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) الحكومات معاً لبناء إطار عالمي للتنوع البيولوجي يعزز جهود الحفظ بما في ذلك حفظ الأنواع وموائلها والأنظمة البيئية الأوسع. وتشارك أيضاً جهات فاعلة أخرى مثل المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية والصناعة والأوساط الأكاديمية كمراقبين وشركاء في عمل الاتفاقية.
والهدف من الاتفاقية هو ضمان ألا تهدد التجارة الدولية في الحيوانات والنباتات البرية بقاءها. وتسعى الأطراف في الاتفاقية إلى جعل التجارة الدولية في الحيوانات والنباتات البرية مستدامة وقانونية وقابلة للتتبع بحيث يمكن أن تسهم في إيجاد كوكب صحي وضمان سبل عيش المجتمعات التي تعيش جنباً إلى جنب مع الحياة البرية والاقتصادات الوطنية من أجل التنمية المستدامة.
ولا تزال اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) واحدة من أقوى أدوات حفظ الحياة البرية في العالم من خلال تنظيم التجارة الدولية. وقد كرست الأطراف الـ 183 في الاتفاقية (182 دولة والاتحاد الأوروبي) الحفظ بوصفه ركيزة أساسية في تنظيم التجارة فيما يقرب من 37,000 نوع من أنواع الحيوانات والنباتات البرية.
وقد ترجم تنفيذ الاتفاقية من جانب الأطراف، بدعم من السلطات المحلية ومشاركة المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية والمجتمع المدني وبعض الأعمال التجارية إلى برامج عززت فرص العيش المستدامة كجزء من الجهود الرامية إلى تعزيز حفظ الأنواع المهددة بالانقراض.
الآثار المحلية للإطار العالمي
يتعلق أحد الأمثلة على ذلك بجهود تعافي حيوان الفاكونة، وهو نوع من الحيوانات المستوطنة في مرتفعات جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية. بسبب الألياف العالية الجودة لصوفه، تم استغلال حيوان الفاكونة ليقترب من حد الانقراض إلى أن تم إدراجه في الملحق الأول لاتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض في عام 1975 مما أدى إلى حظر التجارة الدولية في حيوان الفاكونة. بعد ذلك، تعافى عدد حيوانات الفاكونة على الصعيد الوطني، ومنذ ذلك الحين، تم تخفيض العديد من الأنواع الفرعية المدرجة بالملحق الثاني لاتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض مما سمح باستئناف التجارة المنظمة في هذا الحيوان.

منذ عام 2007 ومع استمرار تطبيق أنظمة اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، نفذت حكومة بوليفيا برنامجاً لجمع الألياف الصوفية لحيوان الفاكونة بالتشاور الوثيق مع المجتمعات المحلية مما أسفر عن صناعة شكلت في عام 2019 نحو 20 في المئة من صادرات البلاد، والذي أدى إلى تمكين المجتمعات المحلية. رغم أن الصيد الجائر لحيوان الفاكونة لا يزال قائماً إلا أن الأرقام تشير إلى قصة نجاح في الحفاظ على البيئة: فقد زاد عدد قطيع هذا الحيوان مما يقدر بنحو 3,000 آلاف رأس في عام 1969 إلى أكثر من 160,000 ألف رأس في عام 2018 ويتم إدراج أنواع هذا الحيوان الآن على أنها واحدة من الأنواع "الأقل إثارة للقلق" على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN).
وقد بينت البحوث التي تجريها الأطراف والشركاء في اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض مراراً وتكراراً أن إنفاذ إطار عالمي للتجارة المنظمة مقترناً بالجهود الحكومية الرامية إلى تمكين المجتمعات المحلية في بلدان النطاق وبلدان المرور العابر، عزز حفظ الأنواع في البحر والبر والجو. وسواء كان ذلك يتعلق بالحصاد المربح ولكن المتحكم فيه من تماسيح المياه المالحة من قِبل مجموعات من السكان الأصليين في المناطق الشمالية من أستراليا أو الاستغلال المستدام لنباتات الصبار في منطقة الكاب الشرقية في جنوب أفريقيا أو نظام الحصص التفضيلية للبرازيليين من السكان الأصليين الذين يعتمدون على صيد الأسماك بالقرصة البحرية من المياه العذبة كثيراً ما تعود الجهود التعاونية الرامية إلى تنفيذ إطار اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض من أجل حفظ الحياة البرية بفوائد على كل من أنواع الحيوانات والنباتات والأشخاص الذين يعتمدون عليها.
تعزيز التعاون المستمر والتغيير التحويلي
هذا العام، سوف تعمل الدول الأعضاء في اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض والمنظمات المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية والهيئات المشاركة في الحفاظ على التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام على زيادة الوعي بأهمية التنوع البيولوجي ومكوناته أثناء "هذا العام المكرس للتنوع البيولوجي". وستجعل الفعاليات والمؤتمرات الرئيسية في جميع أنحاء العالم التنوع البيولوجي والتحديات المتمثلة في وقف فقدانه في مقدمة جدول أعمال التنمية المستدامة.
وبمساعدة شركاء رئيسيين، سوف تسلط أمانة اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض الضوء على مكانة الحياة البرية الخاصة في التنوع البيولوجي العالمي وقيمتها الهائلة للبشرية.
وبالنظر إلى خطورة أزمة فقدان التنوع البيولوجي الراهنة، تهدف هذه الجهود إلى اعتماد إطار عالمي طموح ويحقق التغيير التحويلي للتنوع البيولوجي يتمشى مع خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030. وفي مؤتمر الأطراف المعقود في عام 2019، تم تبني الرؤية الاستراتيجية لاتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض: 2021-2030، وهو الأمر الذي يجعل الاتفاقية رائدة في تعزيز التغيير التحويلي؛ والاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية؛ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وستطرح أمانة اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض هذه الرؤية في 3 آذار/ مارس - اليوم العالمي للحياة البرية.
لقد كرست الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في عام 2013 باعتباره احتفالاً سنوياً بأنواع الحيوانات والنباتات البرية في العالم، حيث تعمل الأمانة العامة للأمم المتحدة كميسّر رئيسي له. وتنظم كل سنة فعاليات رفيعة المستوى في مقري الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف تركز على موضوع رئيسي. في عام 2020، كان موضوع "الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض" يشمل كل أنواع الحيوانات والنباتات البرية باعتبارها مكونات رئيسية للتنوع البيولوجي في العالم. وبمساعدة شركاء رئيسيين، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، سوف تسلط أمانة اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض الضوء على مكانة الحياة البرية الخاصة في التنوع البيولوجي العالمي وقيمتها الهائلة للبشرية.
ومن خلال حشد أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص سنضاعف من دعوتنا لجميع الجهات الفاعلة في هذا اليوم العالمي للحياة البرية لعام 2020 للعمل معاً من أجل القضاء على التهديدات التي يتعرض لها التنوع البيولوجي وتعزيز حفظ الحياة البرية، وفي الوقت نفسه، يستفيد من ذلك أيضاً أولئك الذين يعتمدون على الحيوانات والنباتات البرية في كسب أرزاقهم ودعم التنمية المستدامة.
وقائع الأمم المتحدة ليست سجلاً رسمياً. إنها تتشرف باستضافة كبار مسؤولي الأمم المتحدة وكذلك المساهمين البارزين من خارج منظومة الأمم المتحدة الذين لا تعبر آراءهم بالضرورة عن آراء الأمم المتحدة. وبالمثل، الحدود والأسماء المعروضة والتسميات المستخدمة في الخرائط أو المقالات، لا تعني بالضرورة موافقة أو قبول من قِبل الأمم المتحدة.



