أزمة حماية متفاقمة ناجمة عن قيود هيكلية، وعمليات عودة قسرية، وصدمات مناخية
تشهد أفغانستان واحدة من أكثر أزمات الحماية حدةً وتعقيداً في العالم، حيث تتضافر عوامل متعددة ومتداخلة لتفاقم حجم الاحتياجات الإنسانية وشدتها. ويكمن جوهر هذه الأزمة في منظومة من القيود القائمة على النوع الاجتماعي، والتي تحد بشكل كبير من فرص حصول النساء والفتيات على التعليم والعمل والمشاركة العامة والخدمات الأساسية. وقد أدت هذه القيود إلى تقويض قدرة نصف السكان على التكيف، كما قيدت بشدة قدرة الجهات الفاعلة في المجال الإنساني على تقديم مساعدات تتسم بالمبادئ والشمولية؛ إذ ساهم كل من حظر التعليم الثانوي والجامعي للفتيات، ومنع عمل النساء في قطاعات حيوية، واستمرار القيود المفروضة على العاملات في مجال المساعدات الإنسانية، في تصاعد مخاطر الحماية. وفضلاً عن ذلك، تزيد التوترات الجيوسياسية وعدم الاستقرار الإقليمي من حدة الضغوط في هذه البيئة الهشة أصلاً.
في الوقت نفسه، تشهد أفغانستان واحدة من أكبر موجات العودة في التاريخ الحديث؛ إذ عاد نحو 5 ملايين أفغاني من الدول المجاورة خلال العامين الماضيين، مما يمثل زيادة في عدد السكان بنسبة تقارب 10 في المائة. وفي عام 2025 وحده، عاد 2.8 مليون أفغاني، وهو أعلى معدل سنوي يُسجَّل في السنوات الأخيرة. وقد وصل الكثير منهم تحت وطأة ظروف قسرية، ودون حوزتهم وثائق أو أصول أو شبكات دعم قائمة، مما زاد من الضغط على الخدمات التي تعاني أصلاً من أعباء تفوق طاقتها، ولا سيما في المقاطعات الحدودية والمراكز الحضرية الكبرى.
تواجه أفغانستان أيضاً كوارث متداخلة مرتبطة بالمناخ؛ فقد أدت سنوات الجفاف إلى استنزاف المياه الجوفية وتدمير المراعي وإضعاف النظم الزراعية، في حين تواصل الفيضانات والانهيارات الأرضية والزلازل المتكررة تدمير المنازل وسبل العيش والبنية التحتية الحيوية. وتتداخل هذه الصدمات البيئية مع أوجه الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ تشير أكثر من 70 في المائة من الأسر إلى عدم كفاية استهلاك الغذاء، ويعتمد الكثير منها على آليات تكيّف تُلجأ إليها في حالات الأزمات، مثل بيع الأصول الإنتاجية، أو الزواج المبكر، أو تقليص فرص الحصول على خدمات الصحة والتعليم.
تشكل هذه العوامل مجتمعةً أزمة حماية متعددة الأبعاد، تترك الملايين عرضةً لحالة من الحرمان الشديد. وفي حين يواصل المجتمع الإنساني تقديم الدعم المنقذ للحياة — إذ يصل إلى أكثر من 17 مليون شخص في عام 2025 وحده — فإن حجم الاحتياجات يفوق الموارد المتاحة؛ كما أن الطبيعة المترابطة للأزمة تستدعي نهجاً استراتيجياً يمتد لعدة سنوات، يجمع بين الاستجابة الإنسانية وتعزيز تقديم الخدمات وبناء القدرة على الصمود.

انتقال استراتيجي من الإغاثة الإنسانية إلى المساعدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية لتعزيز القدرة على الصمود
إدراكاً منها للطابع الممتد للأزمة في أفغانستان، تبنت الأمم المتحدة نهجاً يوازن بين التدخلات الإنسانية العاجلة وتوفير المساعدات اللازمة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية بشكل مستدام. ويعكس هذا النهج تحولاً استراتيجياً يتجاوز مرحلة الاستجابة الطارئة قصيرة الأجل، ليتجه نحو تحقيق الاستقرار في الخدمات الأساسية وخلق فرص لكسب العيش.
في إطار الأمم المتحدة الاستراتيجي لأفغانستان (2023-2027)، تهدف البرامج المعنية بالاحتياجات الإنسانية الأساسية إلى ضمان استمرار عمل الخدمات الحيوية لملايين الأفغان الذين يعتمدون على الدعم الخارجي للحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، وخدمات المياه والصرف الصحي، وخدمات الحماية، والحماية الاجتماعية. ومن خلال الشراكات مع هيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المالية الدولية، يضمن نهج احتياجات الإنسان الأساسية بقاء العيادات قيد التشغيل، واستمرار التعليم المجتمعي للفتيات والفتيان، وصيانة شبكات المياه الآمنة، وتمكين الأسر المستضعفة من الوصول إلى شبكات أمان موثوقة وفرص لكسب العيش.
في حين تلبي المساعدات الإنسانية الاحتياجات العاجلة والضرورية لإنقاذ الأرواح، فإن البرامج المعنية بالاحتياجات الإنسانية الأساسية تعزز قدرة المجتمعات على الصمود في وجه الصدمات المتكررة، وذلك من خلال ترسيخ استقرار النظم التي تدعم الحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، أتاحت الاستثمارات المستمرة في الرعاية الصحية الأولية خلال عام 2025 لأكثر من 34 مليون شخص الحصول على الخدمات الأساسية، كما دعمت برامج التعليم المجتمعي مسيرة تعلّم 4.6 مليون طفل، كان من الممكن لولا هذه البرامج أن يُحرم الكثير منهم من الالتحاق بالتعليم النظامي.

وخير مثال على ذلك هو اعتماد نهج الحلول الدائمة الذي يتجاوز مرحلة المساعدة الطارئة لينتقل نحو إعادة الإدماج المستدام، وتوفير سبل العيش، وتعزيز التماسك الاجتماعي؛ وتكتسب هذه الخطوة أهمية متزايدة في ظل عمليات العودة واسعة النطاق من إيران وباكستان، والتي تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على مجتمعات تعاني أصلاً من الهشاشة وعلى الخدمات الأساسية.
من خلال نهج الحلول المستدامة، وصلت الأمم المتحدة وشركاؤها من المنظمات غير الحكومية إلى السكان المتضررين من النزوح في 33 من أصل 34 ولاية خلال عام 2025، حيث قدموا الدعم للعائدين والنازحين داخلياً والمجتمعات المضيفة المستضعفة عبر تدخلات شملت كلاً من الفئات المستهدفة والمجتمعات ككل.
يؤدي تقلص المساعدات العالمية وتزايد حالات الطوارئ إلى تراجع ترتيب أفغانستان على قوائم أولويات الجهات المانحة، مما يعزز الحاجة إلى تنسيق أقوى بين الركائز المختلفة.
يشهد المشهد الإنساني العالمي تحولات متسارعة؛ ففي ظل تزاحم العديد من الأزمات واسعة النطاق على جذب اهتمام الجهات المانحة المحدود، تتراجع أفغانستان تدريجياً في قائمة الأولويات. ولم تتلقَّ خطة الاستجابة والاحتياجات الإنسانية لعام 2025 سوى 42 في المائة من التمويل المطلوب، مما اضطر الشركاء في المجال الإنساني إلى تقليص النطاق الجغرافي للعمليات، والحد من البرامج، وحصر الاستهداف في الحالات التي تعاني من أشد الاحتياجات حدةً.
في ظل بيئة التمويل المحدودة هذه، لا يمكن لأي من المساعدات الإنسانية أو أنظمة تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية -بمفردها- أن تفي بحجم الاحتياجات القائمة. ونتيجة لذلك، تكثف الأمم المتحدة وشركاؤها جهودهم لتعزيز التنسيق بين مختلف الركائز؛ إذ تجري حالياً -منذ مطلع عام 2025- عملية مراجعة شاملة لهيكل التنسيق، وذلك بهدف رفع مستويات الكفاءة والمساءلة وتعظيم الأثر، فضلاً عن تعزيز التعاون بين الركائز المختلفة -بما يشمل الشركاء والهياكل المعنية بالعمل الإنساني والاحتياجات الإنسانية الأساسية- وتحقيق فعالية أكبر من حيث التكلفة.
تهدف البنية الجديدة إلى تعزيز التفاعل بين الشركاء المعنيين بالاحتياجات الإنسانية والاحتياجات البشرية الأساسية، وذلك بهدف بناء فهم مشترك، وتحسين التكامل، ودعم التحليل والتخطيط المشتركين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية استجابة كل طرف وفقاً لولايته المحددة.

وفي هذا الصدد، تتهيأ هذه البنية للتطور من خلال البناء على الهياكل والقدرات والموارد القائمة، وتعزيز شمولية المنظمات غير الحكومية - بما في ذلك إشراكها في أدوار قيادية تتعلق بالتنسيق - والتكيف استناداً إلى المراجعة والتعلم المستمرين. كما أنها تعزز التنسيق القائم على المناطق الجغرافية لتعظيم الأثر والحد من الازدواجية.
أثبت التنسيق القائم على المناطق فعاليته بشكل خاص في المناطق التي تشهد أعدادًا كبيرة من العائدين أو صدمات مناخية حادة، حيث تكون الاحتياجات متعددة الأبعاد وتتطلب المجتمعات دعمًا فوريًا ومنهجيًا. ومن خلال التركيز على التقارب الجغرافي والتعاون بين القطاعات، تساعد هذه المناهج في معالجة أسباب الضعف المزمن بشكل أكثر فعالية من التدخلات المنعزلة.
ومع ذلك، تظل التضامن الدولي المستمر أمراً لا غنى عنه. فحتى مع تحسّن التنسيق وزيادة كفاءة البرامج، تظل قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تقديم الدعم الإنساني المنقذ للحياة وضمان استمرار الخدمات التي تلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية مرهونةً بتوفر تمويلٍ يمكن التنبؤ به وممتد لعدة سنوات. فبدون هذا التمويل، تواجه المراكز الصحية خطر الإغلاق، وقد يتراجع دعم التعليم، وتتعطل شبكات المياه، كما قد تفقد الأسر المستضعفة سبل الحصول على دعم الدخل الأساسي؛ مما يؤدي إلى تفاقم الهشاشة وتقويض المكاسب التي تحققت بشق الأنفس.
خاتمة
تواجه أفغانستان وضعاً يتقاطع فيه تفاقم أزمة الحماية، واستمرار الاحتياجات الإنسانية، وتراجع الاهتمام الدولي؛ ومع ذلك، يظل التزام الجهات الفاعلة في المجالين الإنساني والتنموي على أرض الواقع ثابتاً. ومن خلال عملية انتقال استراتيجي تربط بين المساعدات الإنسانية وتوفير الخدمات الأساسية بشكل مستدام، وعبر تعزيز التنسيق بين مختلف مسارات العمل، تعمل الأمم المتحدة وشركاؤها على صون الكرامة الإنسانية، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، ودعم قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الصدمات المتراكمة.
سيحدد استمرار الانخراط العالمي وتجدد التزام الجهات المانحة ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأنظمة الأساسية التي يعتمد عليها الملايين يومياً في أفغانستان. وفي ظل سياق يتسم بتزايد أعداد العائدين، واضطرابات عند الحدود الإقليمية، وتوترات جيوسياسية أوسع نطاقاً، لا يُعد هذا الدعم مجرد شريان حياة فحسب، بل هو الركيزة الأساسية لمستقبل أكثر استقراراً وبعثاً على الأمل.
تم نشر هذا المقال بمساعدة الترجمة الآلية حيث تم بذل جهود معقولة لضمان دقته. الأمم المتحدة ليست مسؤولة عن الترجمة غير الصحيحة أو غير الدقيقة أو غير ذلك من المشاكل التي قد تنتج عن الترجمة الآلية. إذا كانت لديكم أي أسئلة تتعلق بدقة المعلومات الواردة في هذه الترجمة، فيرجى الرجوع إلى النسخة الإنكليزية الأصلية من المقال.
وقائع الأمم المتحدة ليست سجلاً رسمياً. إنها تتشرف باستضافة كبار مسؤولي الأمم المتحدة وكذلك المساهمين البارزين من خارج منظومة الأمم المتحدة الذين لا تعبر آراءهم بالضرورة عن آراء الأمم المتحدة. وبالمثل، الحدود والأسماء المعروضة والتسميات المستخدمة في الخرائط أو المقالات، لا تعني بالضرورة موافقة أو قبول من قِبل الأمم المتحدة.



