نبذة تاريخية 

أقرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ومحكمة العدل الدولية، بأن ما جرى في سربرنيتسا سنة 1995، في سياق النزاع الأوسع في البوسنة والهرسك (1992-1995)، يُعد إبادة جماعية. وكان النزاع في البوسنة والهرسك الأشدّ عنفًا من بين النزاعات التي اندلعت عقب تفكك يوغوسلافيا السابقة، إذ تنازعت الجماعات العرقية الثلاث الكبرى—الصرب البوسنيون، والمسلمون البوسنيون، والكروات البوسنيون—لبسط السيطرة على الأراضي. وفي شرق البوسنة، حيث تقع سربرنيتسا، استهدفت أعمال العنف المسلمين البوسنيين أساسًا، ضمن سعي القوات الصربية البوسنية إلى إقامة مناطق متجانسة عرقيًا. وقد أفضت هذه الحملة العنيفة الأشمل إلى تمهيد الطريق لوقوع الإبادة الجماعية في سربرنيتسا.

وفي أواخر سنة 1992، أصبحت بلدة سربرنيتسا جيبًا محاصرًا خاضعًا لسيطرة جيش جمهورية البوسنة والهرسك، الذي كان يتألف في غالبيته من المسلمين البوسنيين. ومع مرور الأشهر، توافد عشرات الآلاف من المسلمين من المناطق المجاورة إلى سربرنيتسا يلتمسون الأمان. فعاشوا في ظروف شديدة القسوة، مكتظين في أماكن ضيقة، يفتقرون إلى المياه النقية، والطعام، والدواء، وسائر الحاجات الأساسية، بما في ذلك المأوى اللائق.

وفي 16 نيسان/أبريل 1993، واعتصامًا بالوضع الإنساني المتدهور، اعتمد مجلس الأمن القرار 819 الذي أعلن بموجبه أن سربرنيتسا ومحيطها منطقة «آمنة». وفي 18 نيسان/أبريل، وُقِّع اتفاقٌ لوقف إطلاق النار، ونص على نزع سلاح الجيب تحت إشراف قوة الأمم المتحدة للحماية، التي وصلت أولى وحداتها في اليوم ذاته. وأقامت هذه القوة مركز قيادة صغيرًا في سربرنيتسا، وقاعدةً أكبر في بوتوشاري، على بُعد نحو خمسة كيلومترات شمال البلدة. إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتوفير الحماية المنشودة.

وفي آذار/مارس 1995، أصدر رادوفان كارادجيتش، بوصفه رئيس «جمهورية صربسكا» المعلَنة من جانب واحد وقائدًا أعلى لقواتها المسلحة، التوجيه السابع الذي أمر فيه قوات صرب البوسنة بتهيئة «وضع لا يُحتمل، من انعدام الأمن المطلق، لا يترك لسكان سربرنيتسا أملًا في البقاء أو في استمرار النفس» (الصفحة 10 من التوجيه السابع: مهام الوحدات، فيلق درينا).

وفي أوائل تموز/يوليه 1995، شنّ الجنرال راتكو ملاديتش وقوات صرب البوسنة هجومًا يحمل الاسم الرمزي «كريفايا 95»، انتهى بسقوط سربرنيتسا في 11 تموز/يوليه. وبعد سقوط البلدة، قُتل ما يصل إلى 8 000 رجل وفتًى من المسلمين البوسنيين، أو فُقِد أثرهم، وهو عدد يستند إلى نتائج قضائية أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وآلية المحاكم الجنائية الدولية المتبقية في سياق محاكمات ذات صلة بسربرنيتسا. كما نُقل قسرًا نحو 30 000 من النساء والأطفال والمسنين خارج الجيب. وفُصل الرجال والفتيان عن عائلاتهم، واقتيدوا إلى أماكن متفرقة حيث احتُجزوا وأُعدموا بأسلوب منظَّم ومنهجي. ثم نُبشت جثث كثير من الضحايا ونُقلت لإعادة دفنها في مقابر جماعية ثانوية وثالثية، محاولةً لطمس معالم الجريمة.

وقد قضت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ومحكمة العدل الدولية، بأن هذه الوقائع تُعد إبادة جماعية. ونظرت المحكمة وآليتها الخلف القضائية في قضايا عشرين فردًا حوكموا على جرائم ارتُكبت في سربرنيتسا في تموز/يوليه 1995، وخلصت إلى أن عمليات القتل الجماعي التي استهدفت الرجال والفتيان من المسلمين البوسنيين تُشكّل جريمة إبادة جماعية. وأُدين ستة عشر شخصًا، منهم مسؤولون كبار مثل راديسلاف كريستيتش، وراتكو ملاديتش، ورادوفان كارادجيتش، على الجرائم المرتكبة في سربرنيتسا. وقد كان لعمل المحكمة أثر حاسم في إنفاذ العدالة ومناصرة القانون الدولي.

وأكدت المحكمة تأكيدًا جليًا أن المسؤولية الجنائية عن جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي تقع على الأفراد ولا يجوز نسبتها إلى جماعة أو طائفة أو أقلية عرقية أو دينية برمتها.

وتظلّ إبادة سربرنيتسا، التي تُعد من أفظع الجرائم التي ارتُكبت على التراب الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، إنذارًا دائمًا بما يمكن أن يقع حينما يعجز العالم عن التحرك إزاء الفظائع. وقد قال الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان في تأملاته: «إن مأساة سربرنيتسا ستظل تلاحق تاريخ الأمم المتحدة إلى الأبد (...) ولن نستطيع أن نمحو هذه المأساة، ولكن من الأهمية البالغة أن نستخلص منها العِبر، وأن نُحسن تطبيقها في المستقبل.»

وفي عام 2024، وبعد مرور تسعة وعشرين عامًا على الإبادة الجماعية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/RES/78/282 الذي قضت فيه بتخصيص يوم 11 تموز/يوليه من كل عام يومًا دوليًا للتفكر والتأبين لإبادة سربرنيتسا سنة 1995. وبهذا القرار، أضحت الجرائم المرتكبة في سربرنيتسا مناسبةً لإحياء الذكرى على الصعيد العالمي.

وفي القرار ذاته، ندّدت الجمعية العامة دون تحفظ بكل إنكار لإبادة سربرنيتسا بوصفها واقعةً تاريخية، وحثت الدول الأعضاء على صون الحقائق الثابتة، ومنها عبر منظوماتها التعليمية، وعلى الإحياء التذكاري المتواصل، درءًا للإنكار والتحريف وتكرار الإبادات الجماعية. ويظلّ إحياء الذكرى والتعليم من أبرز الوسائل اللازمة لبلوغ هذه الغاية.

لقد أسهمت إبادة سربرنيتسا سنة 1995، إلى جانب إبادة التوتسي في رواندا سنة 1994، في صوغ معالم العدالة الجنائية الدولية، وترسيخ العزم العالمي على منع الإبادات الجماعية. ولا تزال الجهود الرامية إلى ملاحقة الجناة، والبحث عن المفقودين، وتحديد هوية الضحايا، وتوثيق شهاداتهم، ضروريةً لصون العدالة، وردّ الكرامة إلى جميع الضحايا وعائلاتهم، وصونًا للوعد القائل: «لن يتكرر ذلك أبدًا.»

 

الذين يخططون للإبادة الجماعية وينفذونها إنما يستهدفون تجريد البشرية من غناها البشري بكل ما فيه من تنوع في الجنسيات والأعراق والانتماءات الدينية، وهذه جريمة في حق الإنسانية جمعاء، لا في حق الجماعة المستهدفة وحدها، بل في حقنا جميعًا.

حكم استئناف كريستيتش (19 نيسان/أبريل 2004)