الأخبار

انكماشات حادة في القطاعات كثيفة العمالة وأثرها في تفاوت الدخل على الصعيد العالمي

أصبح التراجع الاقتصادي الناجم عن وباء كوفيد-19 هو الحدث الأسوأ منذ مأساة الكساد الكبير الذي كان له عواقب مأساوية. ولقد أُجريت مقارنات لا حصر لها بين الوضع الاقتصادي الحالي والأزمة المالية العالمية لعام 2008م. وعلى الرغم من تشابهما من حيث التأثير ، ولا سيما في التوظيف والدخل، فإن ثمة اختلافات رئيسة تجعل الأزمة الحالية بالغة الخطورة.

بدأت الأزمة المالية العالمية في عام 2008م مع انفجار فقاعة سوق الإسكان في الولايات المتحدة مصحوبة بانهيار في الإقراض العقاري غير المضمون. وتبع ذلك انهيار المؤسسات المصرفية الكبرى، إلى جانب هبوط حاد في أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم وتجميد الارصدة. وازدادت حالات الإفلاس وجفت الائتمانات وارتفعت البطالة ارتفاعًا حادًا. وكانت تلك بداية الركود العظيم.

في هذه المرة، يرجع ارتفاع معدل البطالة في المقام الأول إلى اضطرار العديد من الشركات إلى الغلق بسبب حظر التجول المفروض على الصعيد الوطني في معظم البلدان ذات الاقتصادات متقدمة النمو. كما يؤدي ارتفاع معدلات البطالة وتقلص الإيرادات إلى خنق الطلب على المنتجات والخدمات، وهو الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى زيادات حادة في حالات الإفلاس بل وإلى المزيد من حالات تسريح العمالة.

وأصبح الملايين من العمال ذوي المهارات المنخفضة والعاملين في تجارة التجزئة والمطاعم والرياضة والترفيه هم أول المتضررين، حيث أدت تدابير احتواء انتشار الوباء إلى إغلاق الأنشطة الاقتصادية في هذه القطاعات إلى حد كبير.

يضر الوباء أولئك العمال من ذوي المهارات المنخفضة والأجور المنخفضة في القطاعين النظامي وغير النظامي على نحو لا يتناسب مع قدراتهم على تحمل الصدمات الاقتصادية. ففي الوقت الذي تزداد فيه الأرباح الناتجة عن الازدهار الاقتصادي، تنخفض فيه الخسائر الناجمة عن الأزمة على نحو يسمح للفقراء والفئات الأكثر ضعفًا في المجتمعات بامتصاص معظم الانتكاسات.

من المرجح أن تكون النتائج التوزيعية السلبية للوباء أكثر وضوحًا مقارنة بالأزمة
المالية العالمية من حيث النطاق والحجم وبالتالي سوف تتأثر الأسر ذات الدخل المنخفض على المستويين الاقتصادي والصحي في آن واحد.

السفر والسياحة

كانت السياحة والسفر أول المتضررين المباشرين لوباء ـكوفيد-19، وتتوقع منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة انخفاضًا بنسبة تتراوح من 20 إلى 30 في المائة في عدد السياح الدوليين الوافدين في سنة 2020م، إلى جانب انخفاضًا بنسبة 4 في المائة في عام 2009م في أعقاب الأزمة المالية العالمية مباشرة.

وبالمثل، يُقدر اتحاد النقل الجوي الدولي انخفاضًا بنسبة 38 في المائة في حركة الركاب في عام 2020م مقارنة بمستويات عام 2019م، وهو ما يُترجم إلى خسارة إيرادات بقيمة 252 مليار دولارًا من الركاب.

إن قُدر للسياحة العالمية أن تنهار- وهي قطاع يعمل به أكثر من 300 مليون شخص – فسوف تكون العواقب كارثية على الفئات الأكثر فقرًا. فمن شأن فقدان الدخل – إلى جانب صعوبة الحصول على فرص عمل في قطاعات الاقتصاد الأخرى أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات الفقر والتفاوت في المستوى الاقتصادي في معظم البلدان التي يعتمد اقتصادها على السياحة في جميع أنحاء العالم النامي.

التصنيع

يؤثر وباء كوفيد-19 أيضأ تأثيرًا كبيرًا، في قطاع التصنيع الذي يعمل به أكثر من 460 مليون شخص حول العالم. ومع استمرار انتشار الوباء، فقد توقفت أنشطة التصنيع أو تباطأت في جميع أنحاء العالم حيث شهدت العديد من الاقتصادات انكماشًا في قطاعات التصنيع لديها في آذار/مارس.

تعرض التصنيع العالمي بالفعل لضغوط من جراء التوترات التجارية المتزايدة. ومن شأن الأزمة الاقتصادية التي طال أمدها، مع انخفاض الطلب العالمي، ولا سيما على السلع المعمرة، أن توقف الزيادة في نمو الأجور الحقيقية مما تؤدي حتمًا إلى ارتفاع التفاوت في الدخل في العديد من البلدان النامية.

تسرب هبوط النشاط الصناعي عبر الحدود الوطنية من خلال شبكات التجارة العالمية إلى الدول الأخرى. ولذا فمن المحتمل أن يكون لمثل هذا التسرب تأثيرًا كارثيًا على النشاط الصناعي العالمي حيث إن ما يقرب من نصف السلع والخدمات المصدرة على مستوى العالم تتعرض لإدخال تعديلات عليها من أكثر من دولة أو قد تصبح لاحقًا بعد إدخال المزيد من المعالجات الإضافية – جزءًا من الصادرات المستقبلية للدول المستوردة.

ومع تراجع العائدات من الصادرات في قطاع السياحة والسلع الأساسية والسلع المصنعة، تواجه البلدان النامية قيودًا كبيرة على تصرفها المالي يمنعها من التخفيف من حدة هذه التأثيرات الضارة للوباء على نحو فعال، ومن كبح جماح التفاوت في مستوي الدخل.

ولذلك، عندما ينظر شركاء التنمية في إعادة هيكلة الديون أو تأجيل دفعها وغير ذلك من أشكال الاعفاءات، فمن الضروري أن تتلقى الاقتصادات المعتمدة على السياحة والسلع دعمًا ماليًا إضافيًا. ويجب أن يأتي الدعم في أقرب وقت ممكن وليس بعد ثلاثة أشهر لأن أي تأخير يعني تضخيم التأثير الكارثي لارتفاع نسبة التفاوت في المستوى الاقتصادي، مما يحد بشدة من آفاق التنمية المستدامة.

Follow Us