معلومات أساسية

خلصت دراسة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان هو حق غير قابل للتصرف ومستقل ومرتبط بواجب والتزام الدولة الطرف في مجال حماية وضمان حقوق الإنسان، وإجراء تحقيق فعال وضمان انتصاف وتعويض فعالين. ويرتبط هذا الحق ارتباطاً وثيقاً بالحقوق الأخرى وله بعد فردي ومجتمعي في آن معاً وينبغي اعتباره حقاً لا يجوز المساس به ولا يمكن إخضاعه لقيود.

وأكدت الدراسة أن الحق في معرفة الحقيقة، ضمناً، يعني معرفة الحقيقة كاملة ودون نقصان فيما يتعلق بالوقائع التي يكشف عنها، والظروف المحددة التي أحاطت بها ومن شارك فيها، بما في ذلك معرفة الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات، وكذلك أسبابها.

وفي تقرير 2009 حول الحق في معرفة الحقيقة ، حدد مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أفضل الممارسات الكفيلة بإعمال الحق في معرفة الحقيقة إعمالا فعالا، لا سيما الممارسات المتعلقة بالمحفوظات والسجلات التي تخص الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وبرامج حماية الشهود وغيرهم من الأشخاص المعنيين بالمحاكمات المرتبطة ﺑﻬذه الانتهاكات.

أنشئت لجنة تقصي الحقائق خاصة بالسلفادور (رابط بالانكليزية) وفقا لاتفاقات المكسيك المؤرخة في 27 نيسان/أبريل 1991 للتحقيق في أعمال العنف الخطيرة التي حدثت منذ عام 1980 والتي تطلب تأثيرها على المجتمع معرفة عامة وعاجلة بالحقيقة. ووثقت اللجنة، في تقريرها الصادر في 15 آذار/مارس 1993، الحقائق المتعلقة باغتيال القوات – المسماة ’’فرق الموت‘‘ - الموالية للحكومة المونسنيور أوسكار أرنولفو روميرو الذي قتل قنصا فيما كان يحتفل بيوم القداس في 24 آذار/مارس 1980.

 

سيرة المونسنيور أوسكار أرنولفو روميرو

الأب أوسكار روميرو في شبابه مع مواطنين سلفادوريين.
©the Archbishop Romero Trust

كان أوسكار أرنولفو روميرو إي غالداميز ( المولود في 15 آب/أغسطس 1917 والمتوفي في 24 آذار/مارس 1980) قسيسا كاثوليكيا بارزا في السلفادور خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وأصبح مطران سان سلفادور في عام 1977. بدأ في التحدث نيابة عن الفقراء وضحايا القمع. بعد أن شاهد العديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان. وأدى ذلك إلى العديد من الصراعات، مع كلا من الحكومة في السلفادور ومع الكنيسة الكاثوليكية. قُتل رئيس الأساقفة روميرو أثناء الاحتفال بيوم القداس في كنيسة صغيرة تابعة لمستشفى السرطان حيث كان يعيش، بعد أن تحدث علنا ضد الدعم العسكري الأمريكي لحكومة السلفادور، ودعا الجنود إلى عصيان الأوامر التي تضر بحقوق الإنسان. ويعتقد أنه قتل من طرف أعضاء فرق الموت السلفادورية ، من بينهم إثنان من خريجي مدرسة (سكول أوف ذي أميريكاز).

ولد أوسكار أرنولفو روميرو غالداميز في سيوداد باريوس، بالسلفادور، يوم 15 آب/أغسطس 1917. دربه والده حتى صار نجارا في سن الثالثة عشرة من عمره، ولكن الصغيرر وميرو شعر بنداء وجداني للإلتحاق بالكهان الكاثوليكيين، فغادر منزله في السنة التي تلت ذلك للإلتحاق بمعهد، حيث درس في السلفادور وفي روما ورسم كاهنا في عام 1942.
أمضى روميرو أول عقدين ونصف من حياته المهنية كاهنا للرعية وأمينا للأبرشية في سان ميغيل. وفي عام 1970 أصبح الأسقف المساعد لسان سلفادور، وعمل في هذا المنصب حتى عام 1974 عندما عينه الفاتيكان على كرسي سنتياغو دي ماريا، وهي منطقة ريفية فقيرة، تشتمل على البلدة التي نشأ فيها. وفي عام 1977 عاد إلى العاصمة لخلافة رئيس الأساقفة المسن في سان سلفادور. تزامنت ترقية روميرو إلى مكانة بارزة في الهرمية الكاثوليكية خلال فترة تغيير جذري شهدتها الكنيسة في أميركا اللاتينية. واجتمع أساقفة المنطقة بميديلين في كولومبيا في عام 1967 لمناقشة التنفيذ المحلي لتوصيات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، فخلصوا إلى التخلي عن الهرمية التقليدية بوصفها تكرس الوضع القائم، ولمساندة فقراء القارة في نضالهم من أجل العدالة الاجتماعية. وشق هذا التحول الجذري صفوف كلا من المؤمنين ورجال الدين.

خلال تلك الفترة، عرف عن أوسكار روميرو محافظته، وقد أظهر نفسه في أكثر من مناسبة متشككا في كل من إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني وتصريحات ميديلين. ولهذا السبب لم يحظى تعيينه في منصب رئيس الأساقفة في 1977 بشعبية كبيرة لدى رجال الدين النشطين اجتماعيا، الذين بدا لهم إشارة إلى رغبة الفاتيكان في كبح جماحهم. وقد اثار استغرابهم حينما برز روميرو بشكل فوري تقريبا كمعارض صريح للظلم و مدافع عن الفقراء.

وبحسب رواية روميرو نفسه، فقد عزا تغير سلوكه لفترة ولايته القصيرة التي قضاها أسقفا لسانتياغو دي ماريا، حيث شاهد عن كثب معاناة الفقراء الذين لا يملكون أرضا في السلفادور. تزايد عنف الحكومة ضد الكهنة النشطاء اجتماعيا والأشخاص العاديين فقوض ثقته في حسن نية السلطات وقاده هذا إلى الخوف من أن الكنيسة والدين يتعرضان لهجوم. وأدى اغتيال صديقه لفترة طويلة، الأب غراندي روتيليو في 12 آذار/مارس 1977، إلى شجبه اللاذع، حيث أوقف الجماهير في كنائيس العاصمة في يوم الأحد الذي تلى ذلك، وطالب بمعاقبة الأطراف المسؤولة.
كما تكلم روميرو أكثر فأكثر على مدى الأشهر التي تلت ذلك، وأصبحت لديه شعبية كبيرة وتزايد اتباعه الذين كانوا يحتشدون في الكاتدرائية للاستماع إلى وعظه أو الاستماع إلى خطبه من خلال إذاعة إيساكس الأسقفية. كان روميرو في شبابه رائدا في التبشير عبر وسائط الإعلام بالسلفادور، وقد استغل هذه الوسيلة الإعلامية لإحدث تأثير عظيم عندما ندد بكلا من عنف الحرب الأهلية الأولية وما تولده من أنماط متجدرة من سوء المعاملة والظلم. كان روميرو، من منصبه رئيسا للأساقفة، يستخدم السلطة المعنوية للتحدث بالنيابة عن الذين لم يتمكنوا من القيام بذلك بأنفسهم في بلد يعتبر حاكموه المعارضة تخريبا. وأصبح معروفا باسم "صوت من لا صوت لهم". عندما حدث انقلاب أطاح الحكومة السلفادورية يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر 1979، أعرب روميرو دعما حذرا للمجلس العسكري الاصلاحي الذي حل محله. إلا أنه سرعان ما أصيب بخيبة الظن، مع استمرار اضطهاد الفقراء والكنيسة. وفي شباط/فبراير 1980 أرسل رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر دعا فيها الولايات المتحدة الى وقف المساعدات العسكرية للنظام. وقال مبررا "لقد سئمنا الأسلحة والرصاص".

كسب روميرو، من خلال حملته لحقوق الإنسان في السلفادور، الكثير من المعجبين الوطنيين والدوليين فضلا عن ترشيحه لجائزة نوبل للسلام. إلا أنها خلقت له أعداء أيضا. وفي 24 آذار/مارس 1980، أطلق سفاح النار من أمام باب الكنيسة التي كان روميرو يحتفل فيها بيوم القداس وأرداه قتيلا. وكان رئيس الأساقفة قد توقع خطر الاغتيال وتحدث مرارا عنه، معلنا استعداده لقبول الشهادة إذا كان أمكن لدمه أن يساهم في حل مشاكل البلاد. وأشار "بوصفه مسيحي" في إحدى المناسبات إلى ذلك قائلا: "لا أومن بالموت من دون بعث. فإذا قتلوني، فسأبعث من جديد في الشعب السلفادوري".