دائرة الترجمة التحريرية

الواقع أن الدائرة العربية في نيويورك، التي تتبوأ مكانة المركز أو المحور للغة العربية في المنظومة الدولية، حملت على عاتقها عبء الإبحار بسفينة اللغة العربية وتعبيراتها ومصطلحاتها عبر محيط مضطرب من مصطلحات وتعابير المشرق والمغرب من الوطن العربي الكبير حيث الاجتهادات متعددة، والتوجهات الثقافية والمعرفية تمد جذورها في تراث العربية الذي تناهى إلى زماننا سواء عبر عصور النهضة أو عصور الانحطاط، أو في إبداعات العصر الحديث، التي ازدهرت مع الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وتوازت معها حركة الارتقاء بالمعاجم العربية والانشغال بالشأن اللغوي في سوريا ولبنان ومصر. وفي هذا الإطار يتجلى المصدران الرئيسيان اللذان يحيلان إلى التأثير الأوروبي في اللغة وهما الأنجلوفوني في المشرق بالذات والفرانكوفوني في المغرب على وجه الخصوص.

وكان قَدَرُ الدائرة العربية وموظفيها أن يواجهوا سيلا متدفقا، بتواتر يومي أحيانا، من المعارف والتخصصات، ومن ثم المصطلحات التي تتراوح على سبيل المثال بين مصطلحات الأسلحة والعوامل الكيميائية والقانون التجاري الدولي ومصطلحات مرض فيروس نقص المناعة وتعبيرات حالة القحط والجفاف "التصحر" ومصطلحات قانون البحار وأحكام اتفاقيات حفظ الأنواع والأرصدة السمكية ومصطلحات البيئة.

وبقليل من التفصيل، كان هذا المجال الأيكولوجي – البيئي مستجدا بكل معنى الكلمة على معجم المفاهيم العالمي فضلا عن فقر الأدبيات العربية في التعبير عنه. وتجلى التحدي المتمثل في وضع مصطلحاته مع انعقاد أهم مؤتمر في هذا المجال، ألا وهو مؤتمر ريو دي جانيروبشأن البيئة والتنمية في عام 1992. وقد تضافرت جهود فريق البحث من أعضاء الدائرة العربية وقتها، الذين جمعوا بين خبرات لغوية وفيزيائية وكيميائية وإعلامية، وأسفرت تلك الجهود عن إصدار قاموس رائد بأهم المصطلحات البيئية المستخدمة في هذا الميدان الجديد.

ومن تقاليد الدائرة العربية في الأمم المتحدة التواصل مع البعثات الدائمة لدى المنظمة الدولية، في نيويورك أو في المقار الأخرى، للسؤال عما يغمض في متن الوثائق المطلوب ترجمتها من أمور وقضايا محلية يصعب استيعابها على المترجمين – ومن ذلك مثلا أسماء الأماكن المحلية أو الوقائع القومية وما في حكمها، إضافة إلى الحصول على تعقيباتها على ما يقدم لها من خدمات لغوية متنوعة. غير أن الأمر يقتضي نظرة أوسع وإجراءات جذرية أكثر لإنصاف اللغة العربية في أعمال ووثائق المنظومة الدولية. ويقتضي هذا الأمر سلوكا ناجزا وفعالا من جانبين:

أولا - تعزيز جسور التواصل المعرفي الإيجابية بين الدائرة العربية في نيويورك ودوائر الترجمة الأخرى، وبين أهم المجامع والدوائر المعنية باللغة العربية في العالم العربي، إضافة إلى الأطر المعنية باللغة وبالترجمة بشكل خاص، ومنها أقسام الترجمة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العربية.

ثانيا - طرح وتداول وثائق الأمم المتحدة الصادرة بالعربية على أوسع نطاق. وهذه الوثائق أصبحت ميسورة من خلال موقع المنظمة الدولية باللغات الست على شبكة الإنترنت، ومن خلال هذا التداول، تصبح وثائق المنظمة ولغتها ومصطلحاتها وسبكها وصياغتها خاضعة لنظرة نقدية موضوعية رائدها تبادل الرأي وقدح الأفكار.

ويدخل في هذا الإطار تعزيز الصلات مع الجامعات التي تؤهل خريجين قادرين على الالتحاق بالخدمات اللغوية الدولية. وقد لاحت بدايات هذا التعاون المؤسسي بين الدائرة العربية بالأمم المتحدة وبين عدد من المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي.

وتتركز هذه الصلات الوليدة أولا على العنصر البشري متمثلا في إيفاد عناصر مقتدرة من مسئولي الترجمة العربية للقيام بمهام الصقل والتدريب ونقل خبراتهم إلى شباب المترجمين الواعد في العالم العربي، مع العمل في الوقت ذاته على ابتعاث مثل هذه العناصر للتدريب في دوائر الترجمة العربية في المنظمة الدولية.

والهدف الجوهري من هذه الجهود هو إعداد الكوادر القادرة على أن تجتاز بنجاح الامتحانات التنافسية التي تشكل منطلق عبور أكفاء مترجمي العالم العربي للالتحاق بسلك الترجمة الدولية، دعما للثقافة العربية ولغتها.