منذ حوالي شهر، تمّ اكتشاف أول حالة إصابة بكوفيد-19 في لبنان. بعد أسبوعين، بدأ العمل بخطة للأزمة وباشر موظفو الأمم المتحدة بالعمل من المنزل. أصبحت الأولويات واضحة لجميع الناس في لبنان: الغذاء ثمّ الصحة فالأسرة، ولكن بالنسبة إلى موظفي الأمم المتحدة يجب ألاّ تتوقّف المساعدات الإنسانية خصوصاً في أوقات الأزمات والطوارئ. لذلك اتّحدت جميع وكالات الأمم المتحدة وبدأوا العمل على هدف واحد وهو مساعدة البلد للتغلّب على تلك الجائحة.

وفي هذا الإطار، قامت هلا حبيب، وهي مستشارة إعلاميّة في منظّمة الصحّة العالميّة في لبنان بتسليط الضوء على الدور الذي تلعبه المنظّمة في هذا الإطار. وأشارت: "أطلقنا مؤخّراً حملة كن جاهزاً ونحن نقوم بإعداد موجزًا يومياً حول الكوفيد-19 ونردّ على استفسارات جميع الناس".

على الصعيد الحكومي، لفتت حبيب إلى أنّ منظّمة الصحّة العالميّة هي أوّل منظمة قامت بتقديم معدات الاختبار والحماية الشخصية لمستشفى رفيق الحريري الحكومي. كما وطلبت الاستعداد للتفشّي المحتمل للمرض وعرضت عليه المساعدة قبل اكتشاف الحالة الأولى في 21 شباط /فبراير.

"أعتقد أنّ منظّمة الصحّة العالميّة تضمّ في طيّاتها العديد من الأبطال. أرى كيف يعملون سبعة أيام في الأسبوع، ليلاَ ونهاراَ وبتفانٍ تام، بالرغم من الخطر المحدق بهم".

وأصبحت الدعوات بالتقيّد بإرشادات منظّمة الصحّة العالميّة، بما في ذلك البقاء في المنزل وعدم الخروج منه ما لم يكن ذلك ضروريّاَ للغاية، أصبحت من أهم واجبات حبيب. فهي تقوم بالتشديد على أهميّة الحجر المنزلي من خلال الترداد على مسامع عائلتها وأصدقائها وزملائها الذين يمكثون في المنزل، عبارة: "لا تحمي نفسك من أجل مصلحتك فحسب، بل من أجل الأشخاص من حولك".

وعلى الرغم من أنّ أزمة فيروس كورونا المستجدّ فرضت حظراً للتجوّل في لبنان وأدّت إلى تأجيل فعاليات الأمم المتحدة، إلاّ أنَ عمل منى فتاح وهي مسؤولة التنمية المستدامة ورئيسة مجلس الموظفين في الإسكوا لم يتوقّف بتاتاً. وجدت هذه الأخيرة نفسها تعمل على جهاز الحاسوب المحمول الخاص بها على مدار الساعة، معتبرةً أنّه في كل مرّة تستخدم فيها الكمبيوتر، تجد نفسها تعمل. واصفةً هذا الأمر بالمثير للقلق.

قالت فتاح: "كنّا على وشك إطلاق صفحة تفاعلية تعليمية تتعلق بأهداف التنمية المستدامة وأجندة 2030 التي تحتوي على الكثير من المواد التعليمية وتتطلّب مراقبة الجودة. إنّني لا أزال أعمل على هذا المشروع، لكنّ الأمر يستغرق الكثير من الوقت من المنزل، ولهذا السبب أتوق إلى العودة إلى المكتب".

وبالرغم من الضغط الذي تتعرّض له، فهي تشعر بالأمان في المنزل. وتساءلت: "ولكن إلى متى سنبقى على هذه الحال؟ خصوصاً أنّ الجوّ العام يسوده الخوف والقلق والضياع؟"

بالنسبة إلى المسؤولة الاعلاميّة في اليونيسف أميرة علم الدين، إنّ العمل على تصحيح المعلومات الخاطئة مهم جدّاً في هذه المرحلة، لذلك هي تقوم بمراقبة الشائعات التي تنتشر بسرعة كبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيق الواتس آب، معتبرةً هذا النشاط اليومي ذات أهميّة جمّة لأنّه يتمتّع بهدف توعوي.

وقالت: "نقوم على مدار الساعة بنفي الأخبار الكاذبة، والمساهمة في تهدئة الأفراد، وتحديد التوجيه الفني المناسب الذي يحتاج إليه الجمهور، وإنتاجه بشكلِ ودّي، وترويجه عبر المنصات اللازمة".

وأضافت: "خلال هذه العملية برمّتها، يكمن خوفي الأكبر في إدراك أنّ حجم حالة الطوارئ هذه أكبر من توقّعاتنا جميعاً".

على الحدود الجنوبية للبلاد، قال المتحدث الرسمي باسم اليونيفيل أندريا تيننتي المتمركز هناك، انّ الوقت غير مناسب الآن للتكهّن أو لزيادة المخاوف، بل للعمل بمسؤولية.

وأضاف: "على الرغم من الوضع الصعب، تواصل اليونيفيل تنفيذ نشاطاتها التشغيلية على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، مع اتخاذ جميع التدابير الاحترازية اللازمة لضمان سلامة الجميع. والتزاماً بمهمّة اليونيفيل في حماية المدنيين، فإنّ أبواب مستشفيات اليونيفيل مفتوحة أمام المدنيين".

واعتبر تيننتي أنّ "الوقت غير مناسب للذعر بل إنّه وقت اليقظة ووقت اتباع جميع الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الفيروس بين أفراد البعثة والأشخاص الذين قمنا بخدمتهم في جنوب لبنان طوال 42 عاماً".

من جهّته، اعتبر حليم نادر، وهو أحد موظّفي الإسكوا في بيروت أنّه مجبر على التواجد في مكتبه نظراً لطبيعة عمله الذي يتمثّل في توفير الدعم الأساسي وخدمات البناء للإسكوا دون أي توقّف.

في الظروف العادية، يتوجّه فريق نادر المكوّن من 10 أعضاء إلى مقرّ العمل لخدمة المنظمة. أمّا خلال حالة الطوارئ الصحيّة هذه، فإنّ حليم طلب من زملائه الموظفين العمل عن بعد في بيئة آمنة لهم. في حين أنّه لا يزال يواصل العمل من المكتب متغلّباً على الضغوط الناتجة عن المهام إضافية الملقاة على عاتقه في ظلّ غياب معظم الموظفين.

أمّا ستيفاني كوري، المسؤولة الرئيسية للشؤون السياسية في مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص للبنان، فأشارت إلى أنّها بدأت التكيّف مع طريقة عمل مختلفة. قالت: "للمكتب مهمّة سياسية خاصة، معظم العمل فيه يتم من خلال عقد اجتماعات شخصية مع محاورين لبنانيين، إلاّ أنّنا بدأنا مؤخّراً اعتماد طريقة جديدة لإجراء تلك المناقشات. لجأنا إلى المقابلات الهاتفيّة في مجتمع يُعتبر أبناؤه قريبين من بعضهم البعض وغالباً ما يتمّ التواصل فيه عن قرب وعلى مستوى شخصي".

بصفتها موظّفة أمميّة تمّ تعيينها في منصب ذات مهام حرجة يلزمها التواجد في المكتب، تحاول كوري جاهدةً أداء دور رئيسة الأركان وتخطي التحديات التي تواجهها. فهي تقوم بالتأكد من أنّ الموظفين على علم دائماً بآخر التطورات ويتمتّعون بمعنويات عالية.

أضافت كوري: "أعتقد أنهم يقومون بعمل جيد في ظلّ الظروف الراهنة. فهم يستمرّون في العمل ويتواصلون مع الآخرين بمعنويّات عالية، لا سيما وأنّنا جميعنا قلقون على عائلاتنا، سواء كانوا مقيمين في لبنان أو في الخارج. علينا أن نتذكر أننا نتعامل جميعاً مع شيء لم نتوقّع أبداً أن يكون له مثل هذا التأثير على مستوى العالم".

وختمت حديثها بالقول: "أحاول أن أبقى متفائلةً، لكنّني لا أزال أتساءل... هل يمكننا القيام بأي شيء آخر للمساعدة في دعم لبنان وموظفي الأمم المتحدة لأنّني أؤمن بأنّنا بحاجة إلى دعم بعضنا البعض بكل الوسائل المتاحة".

من الواضح أن موظفي الأمم المتحدة في لبنان لم يتوقّعوا مواجهة مثل هذه الجائحة، ولكنّهم يعملون بكلّ قواهم لتخطّي الأزمة الرّاهنة. في الوقت عينه، لا يزال اللبنانيون صامدين. بعضهم يقوم بخياطة الكمامات للحدّ من النقص في السوق، في حين أنّ الشركات المحلية تتنافس على إنتاج المعدات واللوازم الطبية الأساسيّة، كما وينظّم بعض الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي حملات لجمع التبرعات لدعم المجتمعات الأكثر فقراً.