|
قطاع غزة – كانون الثاني 2009

جنازة
الذين لقوا حتفهم بالقرب من مدرسة الفاخورة في
6 كانون الثاني 2009
يسرى
راغب التلي، 43 سنة ( أم لثمانية أطفال، أكبرهم 16 سنة
و أصغرهم 15 شهر )
( كيف تريد أن يشعر
أطفالي، أو أي طفل بعمر الأربع سنوات حين يري منزله
مدمر و محترق تماما )
بصوت متعب بالكاد يمكن سماعه بدت السيدة يسري تسرد تجربتها المفزعة و التي
فقدت فيها منزلها تقول السيدة يسري بصوت أتعبته
الأحزان "يقع
منزلي في منطقة العطاطرة في بيت لاهيا، كنت في المنزل
مع أطفالي حين بدأ صوت الرصاص و القذائف من الدبابات
كثيفاً و مخيفا جدا، كانت الساعة السادسة مساءأ، شعرت
بالخوف الشديد، كان أطفالي يرتجفون من الخوف، و بدأنا
بالتنقل من غرفة إلي أخري هرباً من الرصاص المتطاير
حولنا، أنتهي بنا المطاف في الحمام الذي لا تتعدي
مساحته المتر و نصف المتر، بقينا في الحمام حتى صبا ح
اليوم التالي. فجأة تم استهداف المنزل المجاور لنا
بطائرات الاف 16 ، انهار منزلنا و سقطت أسطح الاسبست
علي رؤوسنا، شعرنا بالموت في كل لحظة و لم نستطع
الهرب، كنا جميعاً نصرخ إلي أن جاء بعض الجيران و
أخرجونا، ذهبا إلي بيت الجيران حيث بقينا هناك لثلاث
أيام، لم يكن هناك طعام يكفي للجميع فكنا نقسم أرغفة
الخبز علي الأطفال فقط حاولنا الاتصال بالصليب الأحمر
ليخرجنا من هناك، و لكنهم أخبرونا أن الجيش الإسرائيلي
لم يسمح لهم بذلك، ثم أخبرونا بأن نحمل رايات بيضاء و
أن نحاول الخروج"
و تستكمل السيدة يسري حديثها بصعوبة قائلة "
قررت جميع العائلات في المنزل بمحاولة الخروج، حملنا
جميعنا رايات بيضاء، حتي ابنتي ذات 15 شهر حملت راية
بيضاء، لقد كانت تصرخ طوال الطريق خائفة، حين وصلنا
الدبابات الإسرائيلية وقعت، لم أستطيع الاستمرار، وقعت
ابنتي الصغيرة أيضا، لم أستطيع أن احملها مرة أخري،
كانت الطريق مدمرة، و من الصعب أن تمشي فيها بثبات،
شعرت بالضعف الشديد، كاد أن يُغمي علي، ساعدتني جاراتي
بالوقوف، و حملن طفلتي التي كانت تبكي بشكل هستيري"
"كنا طوال الطريق نشعر
بالخوف الشديد، لم تتوقف الدبابات عن أطلاق النار
علينا، حتى وصلنا الدوار الغربي، أنا مصابة بضغط الدم،
حالتي تدهورت جدا، كما أن حماتي مرضت جدا، جئنا إلي
مدرسة الفاخورة للاحتماء من القصف العنيف الذي استهدف
منازلنا"
"يبدو انه لا مكان
للاحتماء، كنا أعد السندوتشات لأطفالي حين تم قصف
المدرسة، شعر الأطفال بالرعب، و كانوا يصرخون، احتضنت
أطفالي و بدأت بالبكاء، شعرت كما لو أن القصف تجدد مرة
أخري، نظرت من الشباك و رأيت أجساد ملقاة في الشارع"
و عن شعورها حينما رأت بيتها المدمر تماماً تقول السيدة يسري "
حين أعلن وقف
إطلاق النار ذهبت لأري منزلي، لم يعد هناك، احترق
بالكامل، شعرت بأنني تلقيت صفعة شديدة من هول الصدمة،
لم يتركوا لي أي شيء، أحرقوه ...."
أما عن تأثير هذه التجربة علي أطفالها فتعلق قائلة "
لم يعودوا أطفالي طبيعيين، فهم يفزعون من أي صوت
يسمعونه، لقد أثرت عليهم هذه التجربة المخيفة، يشعرون
بالشوق لوالدهم، كما يفتقدون منزلهم، غرفهم، كتبهم،
يفتقدون حياتهم السابقة، لقد تركنا منزلنا بدون أن
نستطيع أخذ أي شيء، و من حينها و أطفالي يرتدون نفس
الملابس، إلي أن تبرع لنا ذوي القلوب الرحيمة ببعض
الملابس"
"أرسلت جميع أطفالي إلي
منزل جدهم حتى يلعبوا مع الأطفال الآخرين، أطفالنا لم
يعيشوا حياة طبيعية سابقا و الآن كل ما تبقي لهم هو
ذكريات أليمة عن الحرب، و صور منزلهم المدمر. إنهم
أطفال، لا يستحقون العيش بهذه الطريقة، لم يعودوا
أطفال، حين ذهب أولادي لرؤية المنزل كانوا يتوقعون
إحضار بعض من كتبهم، ملابسهم، و لكنهم صدموا من حجم
الدمار الهائل، لم يتبقى لهم أي شيء، و لم يقولوا شيء
منذ ذلك الحين"
.
كيف تريد أن يشعر أطفالي، أو أي طفل بعمر الأربع سنوات حين يري منزله مدمر و
محترق تماما"
عبدالله
النجار ابن الثمانية أعوام .
( لماذا فعلوا بنا هذا، أريد أن أدافع عن منزلي )
بدا عبدالله النجار ابن الثمانية أعوام حائرا حين
قابلته في الممر بين الصفوف و هو يلعب حافي القدمين،
بنظراته الزائغة عبر عبد لله عما مر به قائلا :
" دُمر منزلنا كاملا، لقد دمره الاسرائليون ، لم نفعل شيئا، فقد كنا في
منزلنا و كانت أمي تعد لنا العشاء، هربنا بأرواحنا ،
حفاة ، كنا نصرخ، فيما بعد ذهبت لأري منزلي، لكنه لم
يعد هناك، لن أنسي هذه التجربة، شعرت بالحزن الشديد،
تمنيت لو أمكنني أن آخذ ملابس، ألعابي، فراشي، أغطيتي،
كتبي، حذائي، كل شيء، نحن نعيش في المدرسة، أصدقائي
أيضا فقدوا منازلهم، لماذا فعلوا بنا هذا، أريد أن
أدافع عن منزلي" .
ياسر محمد النجار، 37
عامأ ( أب لأحد عشر فردا، و مسجل من ذوي الحالات
العسرة لدي وكالة الغوث )
( لن أوجه أي كلمة نداء لكل من المجتمع العربي و الدولي، فهم يرون ما يحدث
لنا )
" كان اليوم الثاني من العملية البرية، دمر منزلنا كلياً بصاروخ من طائرات
الاف 16، هربنا بأرواحنا، فقدنا كل شيء، و احتمينا
بالمدرسة، مدرسة الفاخورة ، تم توزيعنا علي الصفوف، مع
عائلات أخري ممن أحتمت بالمدرسة، كنا 115 فردا في غرفة
واحدة، اعتاد الرجال علي ترك الغرفة، و قضاء الليل
الخارج لإفساح المجال للنساء و الأطفال" .
"اعتقدنا بأننا سنكون بأمان، و لكن علي ما يبدوا ليس هناك مكان للاختباء،
استهدفت المدرسة بثلاثة صواريخ، كان أطفالي يلعبون
حينها بساحة المدرسة، لا أتذكر جيدا، من الصعب استرجاع
هذه التجربة، حتى بالنسبة لنا نحن الكبار، فهروبنا تحت
إطلاق القذائف، و رؤية أجساد القتلى في الشوارع، كانت
تجربة مريعة، حتى أنني أتحدث إليك و ما زلت غير مصدق
بأنني حي. حين سمعنا صوت الإنفجارات في المدرسة، أسرعت
إلي الساحة للبحث عن أطفالي، كنت أنظر إلي الأجساد
الملقاة علي الأرض محاولا التعرف علي أطفالي، نظرت إلي
الأجزاء المقطعة و إلي الأجساد المحترقة الملقاة علي
الأرض لعلي أتعرف على واحد من أطفالي" .
" تأثر أطفالي جدا بما حدث، فطفلي ذو العامين يصرخ طوال النهار، كما يجب أن
أراقبه جيدا، حيث يحاول دائما بأن يؤذي نفسه، يعاني
أطفالي الآخرين من الكوابيس و يستيقظون و هم يصرخون
بينما يعان ابني ذو 12 عاما من التبول اللاإرادي، و
زوجتي فقدت جنينها حيث كانت حامل بشهرها الثالث" .
"ما يدعيه الاسرائليون بأنهم يحاربون مسلحون هو محض افتراء، فهم يستهدفوننا
نحن الأبرياء، المواطنون العزل في منازلهم. من الصعب
جدا بأن ننسي ما مر بنا بسهولة" .
"لن أوجه أي كلمة نداء لكل من المجتمع العربي و الدولي، فهم يرون ما يحدث
لنا، بدون أن يحاولوا إيقاف هذه الحرب ضدنا نحن
الأبرياء" .
أحمد ياسر النجار، 10
أعوام ( في الصف الثالث ) ( أتمني أن أري منزلي، و كتبي، و دُبي مرة ثانية )
يقول أحمد بصوت خجول "
أصبت حين تم استهداف المدرسة التي لجئنا إليها بعد
تدمير منزلنا، دخلت شظايا صغيرة في قدمي، شعرت بالخوف
الشديد، فلقد رأيت أجساد القتلى حولي، لن انسى هذا
المنظر، ما زلت أراهم بأحلامي، بات المنظر محفورا
برأسي، أريد أن أقول لاطفال العالم بألا يذهبوا عند
اليهود، أتمني أن أري منزلي، و كتبي، و دُبي مرة
ثانية"
|