مع أن الرحلة من
غزة إلى القدس لا تحتاج لأكثر من ساعتين، إلا أنها
بالنسبة لي وللكثيرين من الفلسطينيين في غزة تستمر
عمراً بأكمله – كنافذة فتحت فجأة لكي تسمح بدخول
الهواء النقي. إحساس ربما لن تتاح لي الفرصة
لاختباره مرة أخرى.
تأتي الأمور بالنسبة للبعض بكل سهولة، فيما لا يملك آخرون إلا أن يحلموا
أحلاماً لا تتحقق بسهولة – وهذا كان حالي. في
أثناء بحثي عن سبب عدم تقديمي طلباً للحصول على
إذن لمغادرة غزة من قبل، بقيت الإجابة المباشرة
تراوغني. وكل ما يمكن أن أقوله أن الحياة في غزة
تخنق المرء أحياناً إلى حد أنها تستنزف منه كل
إحساس بأنه حي يرزق، وكل رغبة بتذوق واختبار أي
مصدر للمتعة، فلم المحاولة إذن يا ترى!
التقيت في القدس بزميلاتي وزملائي الذين لم يسبق أن التقيت بهم من قبل وكنت
أعرفهم من خلال الاتصالات الهاتفية والبريد
الإلكتروني فقط. وقد اصطحبوني في جولة سريعة في
المحيط. وشعرت بإحساس غامر بالإثارة والتلهف. رفضت
أن آخذ أية فترة راحة. من المدهش أنني لم أشعر
بالإحساس ذاته بالتعب الذي أحسه في غزة وأنا في
شهري الثامن من الحمل. وكأنما الهواء خارج غزة
منعش ومنشط، ويزود المرء بطاقة لا تنتهي.
سرنا في السيارة حول القدس الشرقية. خرجت من السيارة والتفت حولي،
ففاجأني مشهد للقدس يأخذ الأنفاس. كانت هذه
التجربة شديدة الوقع عليّ لدرجة أني انخرطت
بالبكاء. وشعرت أني أخيراً أحس بمعنى السلام
الداخلي.
هناك، أمام ناظريّ، تراءى منظر طبيعي بديع إلى أقصى حد – منظر الأشجار
الجميلة، وخلفها تبدّى هناك صرح أثير وجميل، قديم
ومتجدد، يوحي بالفخامة والتواضع – إنه قبة الصخرة.
"هل أنا أحلم؟" هكذا تساءلت في داخلي. فلأول مرة
أتمكن من رؤية هذا المكان المقدس بأم عيني، وليس
من خلال أحاديث الآخرين وصورهم.
غمرت قدسية المشهد كياني، وأسرت جسمي وروحي وجعلتني أحس بالضعف والهشاشة. كم
أبهجتني رؤية قبة الصخرة بكل ما يكتنفها من غموض
وأسرار – تقف أمام العالم كله معلماً شامخاً
وأعجوبة فريدة في العمارة والتصميم.
كانت القبة المذهبة تلمع في ضوء الشمس، وكأنها تتحدى كل من يعتدي عليها
وتدعو إليها الزوار.
كم غريب هو هذا الشعور الذي يأسر المرء فيقف ساكناً
بلا حراك كلما رنت عيناه إلى صرح قدسي وأثري ومهيب
بهذا الشكل. سيطرت قدسية المكان على أحاسيسي،
فوددت أن أظل أتطلع إليه بلا نهاية. لقد شعرت
بانتماء شديد له ولم أرغب في أن أتركه.
وددت لو أطير فوق الحرم وأشاهد كل زاوية فيه، وألمس كل حجر، وأصغي إلى كل
همسة من جدرانه وأزقته وحجارته. ولكني كنت أعرف
أني ربما سأحتاج العمر كله لكي أصل إلى فهم لغز
هذا المكان المقدس.
بدأ قلبي ينبض بشدة عندما فكرت بخوف أنه قد تكون هذه هي المرة الأولى
والأخيرة لي هنا. وشعرت وكأني بحاجة إلى أن أسجل
كل التفاصيل بدقة مهما صغرت.
ولكن في الوقت ذاته كنت بالكاد قادرة على أن أضبط في داخلي مشاعر الإثارة
التي تنتظرني يوم الجمعة، عندما سأتمكن من أن أذهب
إلى قبة الصخرة وأصلي في هذا المكان القدسي
النفيس.
نجوى
الشيخ[i] غزة،
7 / 7 /2008 نجوى
الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات
مع زوجها وأطفالها الثلاثة. وهذه هي إحدى رواياتها
الشخصية.