|
التف
الزبائن في محل خالد حدحود الصغير للحلاقة بمخيم
النيرب للاجئين حول التلفاز في احد الليالي
القريبة لمتابعة مباراة كرة القدم بين مصر
والسنغال. وفي هذه الليلة، انصب الانتباه بالكامل
حول المباراة. لكن الحديث في محل الحلاقة دار
مؤخرا حول احد مشروعات الأونروا الكبيرة لنقل آلاف
كثيرة من اللاجئين الفلسطينيين من الثكنات
العسكرية للجيش أثناء الحرب العالمية الثانية إلى
سكن مناسب وذلك بعد مرور أكثر من 50 عاما على وصول
أول وفوج اللاجئين. كانت الإثارة حول العمل الذي
بدأ للتو في المرحلة الأولى من المشروع، وهي
المساكن الجديدة المبنية في مخيم "غير رسمي" قريب
للحد من الازدحام في النيرب.
يقول خليل البالغ 50 عاما: " أنهم لا يسأمون الحديث عن هذا المشروع." و
بينما يتجاذب مع زبائنه أطراف الحديث يقوم بقص
شعرهم أو حلاقته في المحل الذي ورثه عن أبيه
اللاجئ من قرية شعب شمالي فلسطين. ويضيف خليل:
"يقول البعض إنه مشروع عظيم سيقوم بحل المشكلة.
لكن الآخرين الذين لديهم مساكن جيدة تؤويهم هنا لا
يرغبون في الذهاب."
يعد مخيم النيرب، الذي يقع على بعد 13 كيلومترا شرقي مدينة حلب بشمال سوريا،
أكبر مخيم لاجئين رسمي في سوريا. وباتت كرة القدم
الوسيلة الأولى للترفيه في خضم البطالة والفقر
وغياب المسكن الدائم. وأنشأ المخيم عام 1948
لتوفير المأوى في النيرب للاجئين الذين فروا من
شمال فلسطين وهم لا يحملون معهم سوى الوسادات
والأوراق الشخصية حيث اعتقد الكثيرون منهم أن هذا
رحيلا مؤقتا عن مسكنهم.
استقر اللاجئون في الثكنات التي أنشأتها القوات المتحالفة أثناء الحرب
العالمية الثانية. وقاموا بعمل حواجز فاصلة من
المفارش والصخور لتوفير بعض الخصوصية لأسرهم
المتنامية. واليوم، بعد مرور أكثر من 50 عاما على
استقرار أول فوج من اللاجئين، لا زالت أسر مؤلفة
من عشرة أفراد تعيش معا في مساحة لا تزيد عن
الغرفة الواحدة تفتقر إلى التهوية أو الضوء.
يقول عوض محمود فاعور الذي يجلس على فراش أرضي إن: "المأوى غير صحي،" بينما
يتحدث إلى زائر في إحدى الليالي داخل مأوى ضيق من
غرفتين في الثكنات يعيش فيه مع زوجته وأطفاله
الخمسة. ويضيف: "أثناء الصيف، تنتشر الحشرات،"
مشيرا إلى شقوق وفتحات صغيرة في السقف، والى
أطفاله الذين عانوا من انتشار العدوى.
تعيش الأسرة، التي تؤهلها حالة الصعوبة الخاصة للحصول على المساعدات
الغذائية من الأونروا، في هذا المكان منذ زواج عوض
البالغ الآن 46 عاما من هالة منذ 23 عاما. ويحقق
عوض دخلا متواضعا من بيع الحلوى والعلكة للأطفال
في الشوارع.

ففي
اليوم الجيد يكسب حوالي 3 دولارات، وهو مبلغ ضئيل
جدا بالنسبة لاحتياجاته لإجراء إصلاحات منزلية
بسيطة، ناهيك عن شراء مسكن جديد بعيدا عن المخيم.
في حين أن الأونروا تمكنت من إجراء تحسينات وأعمال
صيانة ضرورية في الثكنات، فإن الوضع السكني في
النيرب لازال مأساويا. إذ أن حوالي 6000 فردا،
حوالي ثلثي سكان المخيم، لازالوا يعيشون في
الثكنات. وهناك مشكلات خطيرة تتمثل في تسرب المياه
وانتشار القوارض وانعدام الخصوصية. كما أن شوارع
المخيم التي لا يزيد عرضها عن ذراع طفل هي المكان
الوحيد للعب الأطفال .
تتسم مساكن كثيرة بأنها أكثر المساكن غير الصحية وغير الآمنة بين مخيمات
اللاجئين في سوريا. ويسفر التشييد الرديء للثكنات
عن استعار حرارتها صيفا واشتداد برودتها شتاءا.
ويقول عوض: "في الشتاء، ننام ملتصقين ببعضنا بل
نكاد أن نرقد فوق بعضنا."
وعليه، تتمثل أولوية الأونروا المطلقة في المخيم في توفير المسكن الأفضل.
وتسعى الوكالة حاليا لتوفير التمويل لتشييد
الوحدات المنزلية في مخيم عين التل القريب غير
الرسمي لحوالي 300 أسرة من النيرب. وستسفر العملية
بدورها عن توفير مساحة في النيرب لتطوير مساكن
أفضل لآلاف اللاجئين. كما سيعني ذلك إمكانية زراعة
الأشجار وإنشاء الملاعب الجماعية، وهي مرافق
يفتقدها أطفال المخيم.
يقول عماد جاديبة مسئول الإغاثة والخدمات الاجتماعية بالمنطقة: "إن المشكلة
الرئيسية في المخيم هي الإقامة." ويضيف السيد عماد
الذي يقضي معظم وقته في زيارة اللاجئين والتحدث
إليهم : "أحيانا نجد عشرة أفراد يعيشون في غرفة
واحدة."
تزداد حدة التوتر أيضا في منطقة الثكنات حيث تستعر درجة الحرارة وتحتد
الأمزجة. فالجيران يسمعون بعضهم من خلال الحوائط
الفاصلة المهلهلة. وعلى الرغم من أن الترابط
الاجتماعي قوي بين أسر اللاجئين، فالنزاعات
والمناقشات الساخنة تندلع في أغلب الحالات. ويعلق
عماد على ذلك بقوله: "هناك مشكلات اجتماعية
كثيرة."
وهناك كذلك عواقب صحية ونفسية وخيمة. يقول الدكتور ناصر هيليس طبيب الأونروا
بالمخيم: "يكتظ مخيم النيرب بالسكان، ولذلك تنتشر
به الأمراض المرتبطة بالتفاقم السكاني. ونجد أن
معظم الأسر تتألف من سبعة إلى ثمانية أفراد وتعيش
في مساحة غرفتين غير صحيتين."
أجرت الأونروا دراسة جدوى لمشروع الإعمار بتمويل من الوكالة السويسرية
للتنمية والتعاون. وتوصلت الدراسة إلى أن الحل
الأمثل هو إعادة توطين بعض عائلات اللاجئين في
مخيم عين التل الذي يبعد مسافة 12 كيلومترا عن حلب
حيث يقل ازدحاما بالسكان وفيه مساحات مفتوحة
ومرافق مدرسية وصحية جيدة للأونروا. وتوصل مسح
طبوغرافي أجرته الوكالة بتمويل من الحكومة
السويسرية أيضا إلى أن المخيم يستطيع بسهولة
استيعاب 300 أسرة لاجئة أخرى.
تتمثل المرحلة التالية من دراسة الجدوى في إجراء مسح لتقدير مواقف اللاجئين
تجاه هذا المشروع ومعرفة عدد المهتمين بالانتقال
إلى عين التل. أبدى حوالي 21% رغبتهم المبدئية كما
أن المزيد من ساكني النيرب يعبرون الآن عن رغبتهم
في الانتقال. وافتتح مؤخرا في النيرب مركز معلومات
لإطلاع اللاجئين على الخطة والتشاور معهم بشأنها.

وسوف يتضمن المشروع، الذي يعد أكبر خطة تأهيل تنفذها الأونروا في سوريا،
تطوير طرق وممرات جديدة وشبكات مياه وصرف صحي في
عين التل وحدائق عامة في كلا المخيمين.
توفر الحكومة السورية الدعم للمشروع. ويقول السيد
علي مصطفى مدير عام الهيئة العامة للاجئين
الفلسطينيين العرب: "بوصفنا البلد المضيف نحن
نوافق على أي مشروع يهدف إلى مساعدة اللاجئين
الفلسطينيين حتى يتمكنوا من العودة إلى موطنهم."
يحلم زبائن محل الحلاقة وبقية مجتمع اللاجئين بيوم يستطيعون فيه تشييد مساكن
دائمة. وتأمل الأونروا، دون المساس بمستقبل أية
تسوية سياسية، أن تحصل على دعم المجتمع الدولي في
القريب العاجل مما سيجعل من الممكن على أقل تقدير
قيام اللاجئين الفلسطينيين في النيرب بتحقيق تحسن
هم في أمس الحاجة إليه في ظروفهم المعيشية
الحالية. |