بقلم كارين أبو زيد ( مجلة صوت أوربا )
4 تموز/يوليو 2003
جاء إعلان الجماعات الفلسطينية المسلحة عن وقف إطلاق
النار بصورة مؤقتة، وانسحاب القوات العسكرية
الإسرائيلية من مناطق معينة في قطاع غزة هذا الأسبوع
بأسباب مبدئية تدعونا، على استحياء، للشعور بالتفاؤل
تجاه ما يحمله المستقبل في الأراضي الفلسطينية
المحتلة.
وازداد هذا التفاؤل قوة عندما أذيعت تقارير عن أموال خصصت لإعادة البناء
و الإعمار في غزة والضفة الغربية. حيث تتناقل وسائل
الإعلام تقارير تتحدث عن أرقام ضخمة تصل إلى مئات
الملايين وحتى المليار من الدولارات سوف تتدفق من
الولايات المتحدة والمانحين الكبار الآخرين من أجل دفع
عملية السلام إلى الأمام.
لا ريب أن هناك حاجة ماسة لتمويل عمليات إعادة البناء و الإعمار. فبعد مرور
حوالي ثلاثة أعوام من أعمال العنف وحظر التجول
و الاغلاقات ، تعرض الاقتصاد الفلسطيني للانهيار التام
حيث دمرت بنيته التحتية واستنفدت طاقات شعبه. ولكن
يصعب على أكبر وكالة دولية تقوم بتوفير المعونات
والتنمية البشرية في الأرض المحتلة ألا تشعر بخيبة
الأمل وهي تقرأ عن هذا الكنز الذي يلوح في الأفق.
إذ أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)
توفر الرعاية لمليون ونصف المليون من الفلسطينيين في
الضفة الغربية وقطاع غزة، أي حوالي نصف تعداد السكان.
فهي توفر المدارس والعيادات والخدمات الاجتماعية منذ
أكثر من نصف قرن، وتأتي في مقدمة وكالات الإغاثة
الرئيسية في المنطقة أثناء الحالات الطارئة.
ومنذ بداية الانتفاضة الثانية توفر الأونروا المعونة الغذائية لحوالي 230000
أسرة تعيش في فقر مدقع بسبب الصراع الدائر - مقارنة
بحوالي 20000 أسرة فقط قبل سبتمبر/أيلول عام 2000. كما
توفر الوكالة آلاف أيام العمل للعمالة الباطلة من خلال
البرنامج الطارئ لتوفير الوظائف، وتقدم الخيام
والأغطية والمساعدات النقدية لأكثر من 12000 لاجئ
صاروا بلا مأوى نتيجة لسياسة تدمير المساكن التي
تنتهجها القوات العسكرية الإسرائيلية. وعلاوة على ذلك،
نقدم فصولا دراسية تعويضية للأطفال الذين لا يتمكنوا
من الوصول إلى قاعاتهم الدراسية لفترات طويلة،
والاستشارات النفسية للصغار الذين يتضررون من تعرضهم
لأعمال العنف.
توجهت الأونروا إلى المجتمع الدولي بسلسلة من المناشدات الطارئة من أجل تمويل
هذه العمليات الطارئة. وفي البداية، تلقت هذه
المناشدات تبرعات سخية. وفي واقع الأمر، تلقت الأونروا
أكثر مما طلبته بالفعل خلال الشهور الستة الأولى عام
2001. ولكن بمرور الوقت، وعندما بدأ المجتمع الدولي
ينشغل بما يجري في أفغانستان والعراق، ويصيبه الملل من
صراع يبدو بلا نهاية، بدأت تبرعات المانحين في
الانخفاض قليلا فقليلا. وفي النصف الأول من عام 2003،
طلبت الأونروا 94 مليون دولار ولم تتلق سوى ثلث هذا
المبلغ.
وما يدعو للانزعاج حقا هو عدم الاستجابة إلى مناشدة الأونروا الأخيرة التي
أطلقتها في بداية يونيو/حزيران واستهدفت تمويل
احتياجات اللاجئين حتى نهاية هذا العام. فحتى الآن لم
يتم التبرع بدولار واحد أو حتى التعهد به لهذه
المناشدة. وفي غياب التبرعات العاجلة سوف تضطر الوكالة
إلى وقف مساعداتها الغذائية في نهاية شهر أغسطس/آب.
وفي الضفة الغربية، تفتقر الوكالة بالفعل إلى الأموال
اللازمة لتوقيع العقود مع العمال الجدد في برامج توفير
الوظائف. كما أن نقص التمويل الشديد خلال النصف الأول
من العام يعني فعليا عدم تنفيذ الأعمال الإنسانية التي
هناك حاجة ماسة إليها، لاسيما إصلاح وإعادة بناء آلاف
المساكن التي طالتها آلة التدمير الإسرائيلية بدعوى
إنشاء مناطق أمنية بالقرب من المنشئات والمستوطنات
الإسرائيلية. وقد تم تخفيض برامج التعليم التعويضي
والتعليم عن بعد، ولم نتمكن من شراء الأدوية الإضافية
التي تحتاجها عياداتنا والفرق الطبية المتحركة.
ولذا، بينما ترحب الأونروا بلا شك بالتقارير التي تشير إلى أن التمويل سوف
يتوفر لأعمال إعادة البناء والإعمار في الأراضي
الفلسطينية، فإنها تشعر بالقلق كذلك لأن المانحين
بينما يتحدثون عن المستقبل يتجاهلون الوقت الحاضر.
فبينما تبلغ معدلات الفقر 70%، ويصيب سوء التغذية 25%
من الأطفال الفلسطينيين، فان هذا ببساطة ليس بالوقت
المناسب لترقب المعونة التنموية. لازالت هناك حالة
طارئة مستمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحتاج
الأونروا الأموال بشدة من أجل التخفيف من آثارها
السيئة.
تشغل كارين أبو زيد منصب نائب
المفوض العام للأونروا