جاء يدوي صوت الحرب بصورة يومية في غزة ، الجرافات
الإسرائيلية تتحرك للأمام، وهدير المعدات الثقيلة
تسابق بعضها البعض. يرتفع أمامها صوت البؤس واليأس
وصوت تدمير منزل آخر من المنازل التي تأوي أسر آمنة ؛
إنها أصوات الحرب اليومية الدائرة في قطاع غزة.
ومن سوء طالع الكثير
من الفلسطينيين أن هدم منازلهم تحت دوي الجرافات
العسكرية الإسرائيلية أو عبوات التفجير القوية بات
أمرا مألوفا لدرجة أنه لم يعد يتصدر عناوين الصحف.
فالأمر الذي يتكرر كل يوم، وفي العادة أكثر من مرة في
اليوم، يصير في نهاية المطاف خبرا غير جدير بالسبق
الصحفي ولا يتصدر الصفحات الأولى. ومع هذا يبقى إجراءا
قاسيا يثير الخوف والفزع.
ومع نهاية شهر أيار
عام 2003 تعرض أكثر من 1134 منزلا للتدمير على أيدي
القوات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، مما أسفر عن
تشريد عشرة آلاف شخصا صاروا بلا مأوى.
خلال العامين الأولين
من الانتفاضة، بلغ متوسط عدد المنازل المهدمة في غزة
32 منزلا شهريا، وهو" كرقم" يبعث على الاكتئاب
والاستهجان في آن واحد. ومنذ بداية عام 2003، قفز هذا
المعدل إلى 72 منزلا. ومن المحزن في هذا الأمر أن
سياسة هدم المنازل مستمرة ولم يكن لنشر "خريطة طريق"
السلام أي أثر يذكر في أضعاف هذا الإجراء القاسي.
قلة قليلة جدا من
أعمال الهدم اليومي هذه تستهدف أسر منفذي العمليات
الفدائية أو المطلوبين في إسرائيل. وعوضا عن ذلك هناك
ضحايا، وغالبا ما يكونوا أشخاصا تواجدوا في المكان
الخطأ في الوقت الخطأ. وقد كان من سوء حظ أولئك الذين
يعيشون بالقرب من الحدود المصرية في رفح جنوبي غزة
مثلا، أنهم يتواجدون في مكان تشعر إسرائيل فيه بالحاجة
إلى توسيع منطقتها الأمنية على الحدود. مئات المنازل،
وعشرات المحلات الصغيرة، والمساجد والتجمعات السكانية
التي كانت تموج بالناس عند الحدود تحولت إلى حطام
وأطلال بسبب هذه الحاجة الإسرائيلية.
وفي خان يونس، تعرضت
للهدم منازل قاطني مخيم اللاجئين هناك والذي يطل، من
سوء حظهم، على مجمع مستوطنة جوش قطيف. فالدبابات
والجرافات الإسرائيلية تنقض على بيوت المخيم ليلا،
وتصل إلى مسامع أهله تعليمات الإخلاء من خلال مكبرات
الصوت، وعندها تخطف الأسر ما تقع عليه أيديهم من
ممتلكات بسيطة قبل أن يتحول عالمهم إلى رماد. ويتكرر
هذا المشهد مرارا وتكرارا، ليلة بعد ليلة، بصورة
منتظمة تثير الذعر.
تحاول وكالة الأمم
المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إصلاح
ما يمكن إصلاحه بعد عمليات الهدم. إذ تقدم على الفور
الخيم والأغطية والغذاء ومياه الشرب لمن صاروا بلا
مأوى بوصفها الوكالة المسؤولة عن تلبية الاحتياجات
الإنسانية لأكثر من 75% من أهل غزة. وإذا توفرت لها
الأموال الكافية، فإنها تسهم في تكاليف الإيجار
للاجئين الذين لا يملك معظمهم الدخل الكافي لتغطية
تكاليف إقامتهم الجديدة.
كما تحاول الأونروا
إصلاح ما يمكن إصلاحه بوسائل أخرى أيضا. فمدارسها في
غزة تتعامل مع أعداد كبيرة من الأطفال الذين تأذوا
نفسيا عندما أيقظ هدير الجرافات الكثير منهم أو جافى
النوم عيونهم خشية أن يكون التدمير صار من نصيب
منازلهم، حيث توفر الأونروا الاستشارات النفسية لضحايا
الانتفاضة الأبرياء في جميع مدارسها والبالغة 169
مدرسة في قطاع غزة لوحدها.
تعهدت الأونروا على
المدى الطويل بتوفير مأوى جديد لكل من فقدوا منازلهم.
وستكون تكاليف الوفاء بهذا العهد هائلة. فهناك حاجة
لتوفير 21 مليون دولار لمجرد تقديم المساعدة لمن
تضرروا بالفعل والذين يتزايدون يوما بعد يوم. علاوة
على ذلك، تعد غزة من أكثر البقع المزدحمة بالسكان في
العالم . وهناك مساحة ضيقة جدا من أرض البناء، كما
يصعب توفير الأماكن التي قد تطالها يد الهدم في
المستقبل، وأمام الكم الهائل من المنازل التي هدمت ،
تمكنت الوكالة حتى الآن من تشييد 120 منزلا جديدا فقط،
وهناك 185 منزلا قيد الإنشاء.
أطلقت الأونروا هذا
الشهر مناشدة إلى المجتمع الدولي تطلب فيها توفير
الأموال التي ستدعم عملياتها الطارئة في غزة والضفة
الغربية. وتتضمن هذه المناشدة طلبا لتوفير 21مليون
دولار لتتمكن الوكالة من إصلاح وإعادة بناء مآوي
اللاجئين التي تضررت أو تحطمت في مخيمات غزة. وهناك
حاجة لتوفير أكثر من مليون دولار للضفة الغربية للغرض
ذاته.
على الرغم من ضرورة
توفير الأموال لتشييد المنازل الجديدة، فالمال ليس هو
الحل الوحيد. فإسرائيل تساورها مخاوف أمنية شرعية، لكن
هذه المخاوف لا تخدمها السياسة التي تثير الغضب واليأس
من جديد كل يوم. إن ما يحتاجه أطفال غزة هو سلام عادل
ودائم كي يتمكنوا من النوم الهادئ من جديد في سكون
الليل.
بيتر هانسن، المفوض العام
للأونروا. نائب للأمين العام للأمم المتحدة
المسؤول المفوض لشؤون أمن موظفي الأمم المتحدة في
الأراضي الفلسطينية وإسرائيل
نشرت المقاله في صحيفة الحياة اللندنية وصحيفة القدس
العربي
بتاريخ 22 حزيران/يونيه 2003