الكلمة
الافتتاحية لفيليبو جراندي
نائب المفوض العام للأونروا
الاجتماع الخاص بالأونروا
مقر الأمم المتحدة، نيويورك
3 كانون الأول/ديسمبر 2007
صباح الخير أيتها السيدات
والسادة، وشكراً لحضوركم هنا اليوم للتحدث عن الأونروا
وعملها مع لاجئي فلسطين.
على الرغم من كون الأونروا إحدى أقدم وأكبر وكالات الأمم المتحدة، إلا أنها
ليست الأكثر شهرة، مع أنها كانت دائماً أحد الأطراف
الرئيسية في إقليم لا تزال تتركز عليه الأضواء منذ ما يصل
إلى ستين عاماً. أعتقد أنه من المفيد أن نفتتح الاجتماع
هذا الصباح بأن نذكّر أنفسنا بأن الأونروا تخدم سكاناً
لاجئين تمثل محنتهم إحدى المشكلات الرئيسية التي لا تزال
دون حل في أحد أكثر النزاعات في العالم تعقيداً
واستمراراً. نحن نلتقي اليوم في أعقاب أحدث محاولات
المجتمع الدولي لمعالجة هذه القضايا من جديد في أنابوليس،
في سياق تختلط فيه التوقعات النضرة مع الإدراك القاسي
المتجدد بأن الطريق إلى السلام سيكون محفوفاً بالمصاعب.
تم تأسيس الأونروا من قبل الجمعية العمومية في عام 1949 وبدأت عملها في
أيار/مايو من العام الذي تلاه، لتقدم المساعدات الملحة
لأكثر من 700-800 ألف شخص نزحوا عن ديارهم في الأرض
الفلسطينية التي كانت تخضع سابقاً للانتداب البريطاني. وقد
نما عدد هؤلاء السكان ليصل حالياً إلى قرابة 4.5 مليون شخص
من لاجئي فلسطين، ونما دور الأونروا ومسؤولياتها في تناسب
مع ذلك.
إحدى الرسائل المهمة التي نود أن ننقلها إليكم هذا الصباح أن الأونروا ليست
مجرد منظمة للعون الإنساني، بل هي أيضاً الجهة الرئيسية
التي تقدم الخدمات العامة الأساسية لهؤلاء السكان البالغ
عددهم 4.5 مليون شخص. نحن نواصل عملنا في الأردن وسوريا
ولبنان والضفة الغربية وغزة ونعتمد على مهارات حوالي
28.000 عضو في الطاقم، وغالبيتهم من لاجئي فلسطين أنفسهم.
نحن ندير برامج في مجالات التعليم والرعاية الصحية،
والإغاثة والخدمات الاجتماعية، والقروض البسيطة، وتحسين
البنية التحتية.
تخدم مدارس الأونروا حوالي 500.000 طفل لاجئ. وقد كنا مبادرين إلى تنفيذ
دورات لتعزيز حقوق الإنسان والتسامح والحل السلمي
للنزاعات، كما أننا نقدم برامج التدريب المهني. أما برنامج
الصحة فيقدم الرعاية الصحية الأولية الشمولية إلى جانب
خدمات أخرى. لقد استأصلنا الأمراض المعدية فيما حققنا
سجلاً يقارب 100% في تحصين الأطفال. ويتم توجيه خدمات
الإغاثة لدى الأونروا نحو اللاجئين الأكثر معاناة من
الفقر، بمن فيهم النساء الأرامل والمسنين والمعاقين. نحن
نبني ونرمم المنازل ونقدم خدمات الصحة البيئية في 58
مخيماً للاجئين. ويقدم برنامج القروض البسيطة مساعدات
مالية، إلى جانب التدريب، للاجئين وغيرهم ممن يديرون
مشاريع صغيرة. وفي الأوضاع الطارئة، والتي كثيراً ما تنتج
عن النزاع المسلح، نقدم للاجئين فرص التشغيل المؤقت
والمساعدات النقدية والمعونات الغذائية.
بعبارات أخرى، لولا الأونروا لشبّ مئات الآلاف من الأطفال والشباب اللاجئين
في إحدى أكثر مناطق العالم تقلباً ليصبحوا أناساً بالغين
بشكل مختلف تماماً – دون التعليم المناسب والخدمات الصحية
الموثوقة وتلك الفرص التي تستطيع الأونروا أن تتيحها في
أوضاع يفتقر فيها اللاجئون الشباب إلى فرص التشغيل، والتي
تكون محدودة جداً في بعض الأوضاع – إن لم تكن غائبة على
الإطلاق.
إن النزاع والعنف يفاقمان في المصاعب الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها
اللاجئون. لقد حدث ذلك لمرات عديدة في العقود الستة
الماضية، ويحدث الآن، في الوقت الذي نتحدث فيه، وبخطورة
متجددة. لقد اخترنا مثالين لتوضيح هذا الوضع. سيتحدث جون
جينغ مدير عمليات الأونروا في غزة عن الأثر الشديد للنزاع
على اللاجئين في قطاع غزة. إن الأحداث الأخيرة التي وقعت
هناك، وفي الضفة الغربية أيضاً، تذكرنا بأننا في الأرض
الفلسطينية المحتلة نعمل في بيئة غير مستقرة ومن غير
الممكن التنبؤ بها، فيما يتوقع منا في المقابل أن نقدم
خدمات ثابتة ويمكن التنبؤ بها. يتوقع منا أن ندفع الرواتب
لآلاف المعلمين والمعلمات وطواقم الرعاية الصحية وعمال
الصرف الصحي في وقت تعاني فيه المصارف من نفاد السيولة
النقدية. يتوقع منا أن نوفر بيئة تعلم آمنة لعدة مئات
الآلاف من الأطفال وهم محاطون بالنزاع المسلح. يتوقع منا
أن نصل بالمعونة الإنسانية إلى أماكن حيث تتعرض حرية حركة
طواقم الأمم المتحدة إلى قيود بسبب الحدود المغلقة والعديد
من أنواع الحواجز الداخلية.
وفي لبنان، حيث كانت الأونروا في العامين الماضيين تناقش مع الحكومة –
بطريقة بنّاءة جداً – سبل تحسين الأوضاع في المخيمات
وتحسين حياة اللاجئين، كان على الوكالة أن تتعامل مع أوضاع
طارئة بالغة الصعوبة أثناء الحرب في تموز/يوليو 2006،
ومؤخراً في المنطقة المجاورة لطرابلس، حيث جرت عمليات
عسكرية لاجتثاث مجموعة إرهابية غير مرغوبة تسللت إلى مخيم
للاجئين مما أدى إلى تشريد آلاف اللاجئين والمواطنين
اللبنانيين بشكل مفاجئ. وسيتحدث ريتشارد كوك مدير شؤون
الأونروا في لبنان عن التحديات التي نواجهها في المساعدة
على إعادة بناء حياة 30.000 لاجئ لم تعد منازلهم قائمة.
إذن فالأونروا تتحمل عبئاً ثقيلاً، إلا أن هذا العبء
يتحمله أفراد طاقمنا كل يوم بالمثابرة والفاعلية التي
طالما اتسم بها عملنا مع المحنة الأشد وطأة التي يعيشها
اللاجئون. ولكن التحديات، للأسف، لا تقف عند هذا الحد.
فأحد أكبر التهديدات التي تواجه عمليات الأونروا يتعلق
بالاحتياجات المالية. إن تمويل الأونروا يتم بالكامل
تقريباً من خلال مساهمات طوعية من الدول الأعضاء. ومع أن
هؤلاء المانحين قد واصلوا التزامهم معنا على مدى السنوات
إلى حد كبير، إلا أن النقص المزمن في التمويل قد أصبح
مسألة تثير القلق الشديد. فنحن في هذا العام نعاني من عجز
في الميزانية لبرامجنا الأساسية يقارب 92 مليون دولار.
يعني ذلك، ببسيط القول، أننا نجري هذه الخدمات الحيوية
والأساسية بموارد تقل 20% عن تلك التي نحتاجها، فأية حكومة
يمكن أن تقبل بهذا الوضع بالنسبة لخدماتها التعليمية
والصحية والاجتماعية؟ كما أن نداءنا العاجل لصالح غزة
والضفة الغربية بقيمة 246 مليون دولار لم يتم تمويله إلا
بأكثر من النصف بقليل ونحن في أوائل شهر كانون
الأول/ديسمبر. إن نقص الموارد يعني أننا غير قادرين على
توظيف العدد الكافي من المعلمين والمعلمات وطواقم الرعاية
الصحية والخدمة الاجتماعية لمواكبة النمو الذي يطرأ على
جمهور المنتفعين سواءً في الحجم أو في الاحتياجات. وبهذا
الشكل، يصبح النقص في الميزانية عامل تهديد مباشر لجودة
الخدمات وربما لاستمرارها.
قبل أن أنقل الكلمة لسفير فلسطين رياض منصور، والذي يعطي وجوده هنا اليوم
مزيداً من الأهمية لهذا الاجتماع، إلى جانب وجود كارولين
زيادة نائبة الممثل الدائم للبنان، وريكس براينن من جامعة
ماك-جيل، ودومينيك بوف من اللجنة الدولية للصليب الأحمر
(والذين أرحب بهم جميعاً بحرارة)، اسمحوا لي أن أنهي كلمتي
من حيث بدأت. لا شك أن هذا الوقت تغلب عليه هموم كبيرة،
ولكن يجب أن نأمل في أن يكون وقت الفرصة أيضاً. فكما تكرر
وتؤكد المفوض العام كارن أبو زيد باستمرار، إن النزاع
الإسرائيلي/الفلسطيني يمثل تحدياً دولياً يجب أن تعالجه
الأطراف السياسية الفاعلة، ولكن لا يمكن حله إلا إذا أعطيت
حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي مكانة بارزة في
الحوار السياسي. وبالنظر إلى شبكة المصالح والهموم
المشتركة في المنطقة، فإن الضمانة الأكيدة لأمن الدول
تتأتى من خلال توفير الأمان والاكتفاء الذاتي الاقتصادي
والحماية للجميع، بمن فيهم اللاجئين. ولذلك فإن رسالتنا
واضحة: في الوقت العاجل، ساعدونا على توفير المساعدة
الإنسانية وتعزيز التنمية البشرية للاجئي فلسطين، وفي
الأثناء واصلوا السعي نحو حل عادل لمشكلة اللاجئين، فبدونه
ستواصل التكلفة المالية والسياسية، لا بل والبشرية تلازمنا
على الدوام.
إن العواقب التي قد تنتج عن عدم القيام بالعمل اللازم واضحة. وإلى جانب
تأدية رسالتنا بكل ما يمكننا من تصميم، فلا يتبقى لنا في
الأونروا إلا أن نشير إلى الدروس الصعبة التي علينا أن
نتعلمها جميعنا من الوقائع التي تحدث على الأرض، وأن نناشد
المجتمع الدولي لأن يبدي الشجاعة والقيادة اللازمة – اليوم
أكثر من أي وقت مضى – لتحقيق السلام بشكل نهائي.