الصفحة الرئيسية
  الأخبار
  كلمات المفوض
  * رسائل مفتوحة
  * موجز صحفي
  * بيان صحفي
  * مجلة الموظفين
  * مقطفات صحفية
  * أحداث الأقاليم
   
 

خارطة منطقة
عمليات الاونروا

 
 ادعاءات نفندها
 أسئلة تطرح نفسها

 
 
    كلمات وبيانات المفوض العام  

     للاتصال بنا / خارطة الموقع  

الصفحة الرئيسية >  الأخبار  > كلمات وبيانات المفوض العام
 

 كلمة المفوض العام للأونروا
 كارين أبو زيد


في المؤتمر الدولي الستين لمعهد الشرق الأوسط


واشنطن، 13 تشرين الثاني/نوفمبر
2006
 

 

 

  

   أود أن أبدأ كلامي بتوجيه عبارات الشكر الخالص لكم جميعاً ولمعهد الشرق الأوسط. إن في دعوتكم لي لإلقاء كلمة بمناسبة عيد ميلادكم الستين تشريفاً للوكالة التي أمثلها، الأونروا. والأهم من ذلك أن وجودي هنا هذا المساء يعبر عن التقدير والاحترام للاجئي فلسطين البالغ عددهم 4.3 مليون لاجئ تعمل الأونروا على تقديم الخدمات لهم في الأردن ولبنان وسوريا والأرض الفلسطينية المحتلة.

   تركز اهتمام العالم في الأسبوع الفائت على المأساة الموجعة التي تعرضت لها بلدة بيت حانون في شمال غزة. لقد زرت منزلاً قضى فيه نحبهم سبعة أفراد من أسرة واحدة بفعل القصف المدفعي. سألتني الأم: "لماذا؟ نحن فلاحون بسطاء." إن هذه الوفيات، كسائر الوفيات والضحايا بين المدنيين، تبعث على الأسى ولا تحمل أي معنى. بالنظر إلى السياق الذي تعمل فيه الأونروا وطبيعة المسؤوليات الملقاة عليها، تميل تصريحاتي في الفترة الأخيرة لأن تركز على الدمار والفقر والانهيار الاقتصادي الآخذ بالتفاقم في ظل الحصار الدولي المفروض على الأرض الفلسطينية المحتلة. ولكني أود هذا المساء أن أتحدث بمزيد من العمق عن حالة لاجئي فلسطين.

   لقد أضحى لاجئو فلسطين رمزاً متعدد الجوانب بالمعني الحقيقي وعلى عدد من الأصعدة المختلفة سواءً في المنطقة أو العالم. إنهم بمثابة منشور من خلاله يستطيع العالم أن يرى ويحلل وربما يصل إلى فهم أوضح للأبعاد المتداخلة للتوجهات الدولية عموماً والوضع في الشرق الأوسط بشكل خاص. سأوضح أدناه بعض أوضاع لاجئي فلسطين التي تعتبر جزءاً من الوضع العام للاجئين على مستوى العالم. إلا أن ثمة ظروفاً أخرى تشير إلى التناقضات والمعضلات والفرص الضائعة التي أصبحت ترتبط بلاجئي فلسطين على وجه الخصوص. وبودي أن نفكر في هذه الجوانب التي أصبحت تمثلها فلسطين ولاجئوها، وأدعوكم لأن تروا في اللاجئين وأوضاعهم مؤشرات للاتجاهات التي يمكن أن يتخذها السياسيون وصناع السياسات في سعيهم للوصول إلى حل للنزاع في الشرق الأوسط – والعديد منها قد سبق ذكرها اليوم في سياقات أخرى.

   مرت ثمانية وخمسون عاماً على نزوح الفلسطينيين من ديارهم وفقدانهم لمصادر رزقهم وما زال لاجئو فلسطين عالقين في حالة من النفي والاغتراب. وخلال العقود التي انقضت منذ بدايات النزاع عام 1948، كافحت أجيال من اللاجئين في سبيل الانعتاق من فقرها واعتمادها على المساعدات الإنسانية. وكانت الأونروا دائماً معهم و(في الغالب) واكبت تطلعاتهم وإنجازاتهم. لقد فسرنا المسؤولية الملقاة علينا بطرق ديناميكية وسريعة الاستجابة، مما مكننا من القيام بدور في مساعدة مئات الآلاف من اللاجئين على أن يتحولوا إلى الاعتماد على الذات.

   لقد أمسك العديدون بالخيوط التي مددناها لهم – ومنهم طاقم الوكالة الفلسطيني الذي يبلغ تعداده 27.000 شخص. فقد أمكنهم من خلال تصميمهم القوي وعملهم الدؤوب والنزيه أن يحققوا الاعتماد على الذات (96% قبل الانتفاضة الحالية) وأن يصلوا إلى مستوى ملائم من العيش الكريم لأنفسهم وعائلاتهم. وقد نمت عملية التحسين الذاتي بتسارع كبير في الأردن وسوريا بفضل ما وجده لاجئو فلسطين من حسن وفادة وما منح لهم من حقوق وحريات مدنية واقتصادية سخية في هذين البلدين.

   ولكن للأسف هناك آلاف أخرى من الأشخاص الذين لم ينجحوا في الانتقال من الفقر إلى الاعتماد على الذات. كما أن هناك غيرهم ممن نجحوا في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، ولكنهم يجدون أنفسهم الآن ينزلقون من جديد إلى دوامة الفقر والاعتمادية. وقد أصبحت هذه الانتكاسة أكثر شيوعاً في ظل الشلل الذي يعاني منه الاقتصاد في الأرض الفلسطينية المحتلة بسبب النزاع المتواصل منذ العام 2000، وبسبب الجدار في الضفة الغربية وما يرافقه من أنظمة الإغلاق، وبسبب نظام العقوبات المفروض كأمر واقع منذ بداية هذا العام، والذي ساهم في المزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والتراجع الاقتصادي وفقدان الأمان البشري.

   هناك صفة يتشارك فيها جميع لاجئي فلسطين، سواءً الذين ينجحون في صراعهم ضد الفقر أو الذين لا يزالون يكافحون في سبيل الكرامة والاكتفاء الذاتي. وهي صفة عامة لكل اللاجئين في كل مكان، ولكن لاجئي فلسطين أصبحوا يمثلونها بشكل واضح. هذه الخاصية هي الإحساس العميق والثابت بالفقدان، والذي يتولد عندما يجبر المرء على النزوح عن دياره والتخلي عن طريقة حياته بحثاً عن الأمان. يرتبط هذا الإحساس بالفقدان بالأهمية البشرية والاجتماعية الكبيرة التي تقترن بمفهومي الأرض والبيت. هذان المفهومان يتجذران بعمق في العقل البشري لأن امتلاك أرض وبيت يرتبط بالباعث الأولي للكيفية التي نحن كبشر نعرّف بها أنفسنا وعائلاتنا ومجتمعاتنا وهويتنا الوطنية.

   إن الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة لا يسمح لمسألة اللاجئين – ولا حتى حالة اللاجئين – أن تجد الحل أو أن تتلاشى. بل على العكس من ذلك، فالأوضاع القاتمة والبائسة السائدة حالياً تعمل على إبقاء جروح وآلام عامي 1948 و1967 مفتوحة وحية. إنها تعمل على تجديد هذه الجروح ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة. فكل قذيفة تضرب غزة تذكر لاجئي فلسطين بالتباين الشديد بين افتقارهم للأسلحة المعقدة وعدالة قضيتهم. وكل مدني يقتل، سواءً أكان رجلاً أم امرأة أم طفلاً، يصبح فرصة مواتية للعناصر المتطرفة لكي تجتذب مؤيدين جدد وتبرر العنف والصراع على أنهما السبيل للشهادة. وهكذا، ومن جيل إلى جيل، تعمل الوفيات والإصابات بين المدنيين على الجانبين على تعزيز مخزون الكراهية الجامحة واستمرار اشتعال فتيل الصراع.

   من الجدير التأمل في واقع أن الفلسطينيين – لاجئين وغير لاجئين على السواء – يتمتعون بالفطنة والخبرة في مراقبة الوضع على الساحة الدولية. إنهم يعرفون أن النموذج المعياري للجوء لا يعني أن تكون حالة اللجوء دائمة. وهم يعلمون أن أوضاع اللجوء في سياقات أخرى يتم حلها عندما يمارس الضغط الدولي عبر قنوات سياسية بهدف حل الأسباب الجذرية للنزاع. وهم يعلمون أيضاً أن مثل هذا الحل يتيح للاجئين العودة إلى ديارهم الأصلية طواعية وبأمان وكرامة. إن لاجئي فلسطين يعون أن القصد من العملية السلمية أن تؤدي، بشكل مقبول على كل الأطراف، إلى قيام دولة فلسطينية، لتكون موضع الأمان الذي يستطيع الفلسطينيون أن يقولوا أنه لهم، والمكان الذي سيتاح لهم أن ينجزوا فيه عملية البناء الوطني بسلام. كما يعي اللاجئون أيضاً أن غياب الحل لا يجب أن يحول دون حقهم في الحصول على الحماية الدولية. وهم على إيمان بأنه فيما يتم السعي للوصول إلى حل عادل، يظل لهم الحق في الحماية بمقتضى القانون الدولي وفي الإعمال الكامل لحقوقهم في الحرية والكرامة والحياة بمستوى معيشي لائق.

   بإمكان المرء أن يتصور لاجئي فلسطين يصغون ويتابعون الوضع على الساحة الدولية وفي أذهانهم هذه الاعتبارات. لا شك أن موقفهم سيكون مفعماً بالسخرية المريرة وهم يرون تتابع كبار المسؤولين في اعتلاء المنابر السياسية لتقديم وعود متدفقة عن التزامهم بالعملية السلمية وتصميمهم على إحيائها. قد تكون هذه الوعود قائمة على نوايا حسنة. ولكن طالما أن الوقت يمضي والوعود تتراكم دون أن يتم الوفاء بها، فعلينا أن لا نشعر بالمفاجأة إذا أصبح المأزق الحالي يذكرنا أكثر فأكثر بالعجز الدولي الذي كان سائداً وقت نشأة بذور النزاع في العام 1948.

   لقد أصبح وهم السلام الدائم التملص بحد ذاته واحدة من العلامات المسجلة لوضع لاجئي فلسطين. والأمر الواضح بشكل مؤلم لأي مراقب هو السخط الشديد الذي ينظر به الفلسطينيون إلى عملية سلمية ليست جارية عملياً أو خارطة طريق ومبادرات وحلول لم تقدهم إلى أي مكان بغض النظر عن الجهة التي تتولى دفة القيادة.

   والأمر الواضح أيضاً أن الإحباط الشديد الذي يشعر به الفلسطينيون حيال العملية السلمية يخفي عدة طبقات مركبة من الإحباطات الأشد عمقاً. هذه الإحساسات العميقة بخيبة الأمل تتعلق بالمزاج المتضارب والمتناقض الذي يخاطب به المجتمع الدولي القيادة الفلسطينية.

   من المجالات التي تظهر فيها التناقضات على أشدها نظام العقوبات الذي فرض كأمر واقع على السلطة الفلسطينية بعد انتخابات المجلس التشريعي في أواخر شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام. إن تأثيرات هذه العقوبات شاملة للجميع دون تمييز. فقد اتخذت إسرائيل خطوة أحادية الجانب بأن احتجزت منذ شباط/فبراير هذا العام ما بين 50 إلى 55 مليون دولار شهرياً من أموال الضرائب والعوائد الجمركية التي من المفترض أن تحولها للسلطة الفلسطينية. وجمدت البلدان المانحة دعمها لميزانية السلطة الفلسطينية بحيث لم يحصل 165.000 موظف وموظفة على رواتبهم منذ آذار/مارس هذا العام (باستثناء "علاوات" جزئية قدمت من خلال آلية الدعم الدولي المؤقتة بقيادة الاتحاد الأوروبي للعاملين في قطاع الصحة والأسر التي تعيش في فقر مدقع، ومؤخراً للمعلمين والمعلمات). وترفض المصارف التعامل مع السلطة الفلسطينية أو تيسير التحويلات المالية من الأقرباء والمعارف في الخارج، وذك خشية من التعرض لعقوبات من الولايات المتحدة. ومع اضمحلال قطاع التجارة والاستثمار، يجد القطاع المصرفي نفسه غائصاً في أزمات عميقة جنباً إلى جنب مع الاقتصاد الفلسطيني المحتضر.

   وفي الوقت ذاته، من المناسب أن نتذكر أن الفلسطينيين، على الرغم من الأوضاع العصيبة والمتقلبة، قد ضربوا مثالاً يحتذى به في تنظيم عملية انتخابية يشهد الخبراء المستقلون بأنها كانت حرة ونزيهة.
تبرز مشاهدات خبراء الانتخابات مفارقة قاسية تسبب قدراً متماثلاً من الحيرة والأسى. فبدلاً من أن نطري على الفلسطينيين ونكافئهم على التبني الأصيل لهذه الممارسة التي تقع في صميم الحكم الديمقراطي، نسارع إلى فرض إجراءات عقابية على المجتمع بأسره تسبب احتدام الصراع الداخلي وتزيد من المعاناة الإنسانية الشديدة. وفيما نرى العملية السلمية تحتضر بسبب الافتقار إلى القيادة السياسية، يظهر أن المجتمع الدولي لا يجد أية صعوبة في حشد جهوده بسرعة لفرض نظام عقوبات مدمرة على أجد طرفي العملية السلمية، وهي عقوبات تضر بكافة السكان.

   إن التناقضات الملازمة لنظام العقوبات المفروض كأمر واقع تذكرني بالطريقة الغامضة لردود فعل المجتمع الدولي على العنف في النزاع الدائر في الضفة الغربية وغزة. فمطالباتنا بالتخلي عن العنف تكون في الغالب موجهة إلى طرف واحد في النزاع. إلا أنه ينبغي أن يدان العنف في كافة أشكاله بوضوح وحياد، وخاصة عندما يكون في استخدام العنف انتهاك لمبادئ القانون الدولي، كما يحدث في غزة مرة بعد أخرى. إن مصداقية المجتمع السياسي الدولي تنخفض إلى أدنى حد لها في الأرض الفلسطينية المحتلة لعدد متنوع من الأسباب. وعلينا أن لا نعمق التدني الحاصل في هذه الثقة من خلال تبني نهج ملتبس أو منحاز بخصوص التخلي عن العنف أو من خلال توجيه اللوم للضحية.

   علينا أن نذكر جانباً آخر من صورة لاجئي فلسطين، جانباً بسببه حازوا باستحقاق على مكانة رمزية. أنا أشير هنا إلى قدرة الفلسطينيين على البقاء – بل وعلى النماء – في ظل وضع من الحصار المشدد. هذه القدرة موجودة بالفعل، وبشكل أسطوري، وهي تستحق أن يعترف بها ويحتفى بها.

   إني على اقتناع بأن هذه القدرة، وهذه المرونة الصلبة هي جزء وحسب من طاقة النماء البشري الهائلة لدى الفلسطينيين. أستطيع أن أرى، من خلال ما قضيته من سنوات في فلسطين، أن هناك مجموعة من القيم العامة التي يتشارك فيها المجتمع الفلسطيني والثقافة الفلسطينية أو ربما هي متأصلة فيهما. إن أي شخص يعيش ويعمل بين الفلسطينيين يفاجئه مدى انفتاح الشباب على التأثيرات الإيجابية الخارجية، وانجذابهم الغريزي إلى أسلوب حياة يتشارك فيها الجميع بالحقوق والحريات الأساسية، والتقدير والرغبة المتقدة لدى الفلسطينيين بالتحصيل التعليمي واكتساب المهارات المهنية. كما أن تجربتنا تبين لنا أن المجتمع الفلسطيني يستمد قوة كبيرة من الشبكة العائلية وصلات القرابة التي تتسم بالمتانة والتماسك العالي، ويعززها وجود مبادئ أخلاقية ودينية قوية.

   يبدو أن المجتمع الدولي كثيراً ما يخفق في الاعتراف بهذه الطاقة الكامنة. فنحن نخفق في إدراك أن الازدهار الاقتصادي في الأرض المحتلة بإمكانه أن يعزز الاستقرار السياسي ويوفر الأمن الحقيقي لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين. إن هذا الإخفاق في إدراك الطاقات الفلسطينية الكامنة يذكرني بهلاك الأيل في إحدى خرافات إيسوب المفضلة لدي. عاش إيسوب في القرن السادس قبل الميلاد. ولأولئك الذين لا تسمح لهم حداثة سنهم بتذكره، اسمحوا لي أن أوضح هذه النقطة من خلال سرد خرافة "الأيل عند بركة الماء".

   جاء أيل غلبه الحر الشديد إلى نبع ماء ليشرب. وعندما رأى انعكاس صورته في الماء، أعجب كثيراً بحجم قرونه وتشعبها، ولكنه خجل من نفسه لأن لديه مثل هذه الأقدام الضعيفة والنحيلة. وفيما كان يتأمل صورته، ظهر أسد على بركة الماء وتأهب للانقضاض عليه. على الفور أطلق الأيل العنان لأقدامه وجرى بأقصى سرعة في السهل المنبسط والمفتوح حتى وصل بسهولة إلى مسافة آمنة بعيداً عن الأسد. ولكن ما أن دخل الغابة حتى علقت قرونه بالأشجار، ووصل الأسد إليه بسرعة وأمسك به. لام الأيل نفسه بعد أن فات الأوان، مفكراً: "الويل لي! كيف خدعت نفسي! لقد ازدريت هذه الأقدام التي أمكنها أن تنقذني، وتباهيت بهذه القرون التي سببت فنائي".

   العبرة من هذه الخرافة "أننا كثيراً ما نقلل من شأن الأمور التي هي بالفعل أكبر قيمة من سواها". وهنا وجه التشابه مع إخفاقنا في إدراك الطاقة الاقتصادية والاجتماعية لسكان الأرض الفلسطينية المحتلة وفي تطويرها. بل نحن نضاعف هذه الإخفاقات من خلال الغوص في عقلية تركز على الانتماءات السياسية لكل طرف أو تضع ثقتها الكاملة في الحلول العسكرية، تماماً كما وضع الأيل ثقته في قرونه الرائعة. نحن نتغاضى عن تشجيع العناصر الموجودة في المجتمع الفلسطيني بالطريقة ذاتها التي تغاضى فيها الأيل عن تقدير حوافره. ونحن نبحث عن الخلاص في المكان الخطأ، تماماً كما تباهى الأيل بجزء من جسمه جلب له الهلاك.

   لا يقصد من ذلك القول أن الأمور على أحلى وألطف ما تكون في أوساط لاجئي فلسطين. بل على العكس من ذلك، فإن التوترات التي توجد في كل مجتمع بشري تتفاقم في الحالة الفلسطينية إلى حد كبير بسبب المستويات العالية من العنف التي يشهدها المجتمع أو يعيشها مباشرة على أساس يومي. إن أسس التنمية البشرية والسلام موجودة لدى قاعدة عريضة من الفلسطينيين. وهي بحاجة إلى أن تتم تنميتها، إنها قوية بما فيه الكفاية لكي توفر أساساً ثابتاً للتسامح والاعتدال في كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية. ولكن هذه القوى الإيجابية تتعايش مع عناصر ذات طبيعة رجعية كامنة تستمد قوتها من مشاعر السخط والغضب والإحباط والألم الناشئة عن الاحتلال والأوضاع المترتبة عليه التي يعيش الفلسطينيون في ظلها.

   علينا أن لا نتنحى جانباً بلا حراك فيما يتم استنفاد طاقات التنمية البشرية في غزة والضفة الغربية بهذه المأساوية. فعلى الرغم من أفضل جهود الأونروا وغيرها من الهيئات الإنسانية والتنموية الفاعلة، سيتواصل تقلص هذه الطاقات الكامنة ما لم تقم الأطراف السياسية الفاعلة بإحياء العملية السلمية بشكل هادف. إن على الأطراف السياسية الفاعلة أن تتحرك بسرعة للمساعدة على إحياء التزام كلا الجانبين بالوصول إلى حل سلمي لهذا الصراع والاعتراف بأن هناك شركاء على كلا الجانبين. ينبغي أن تتم تعبئة هذا الفراغ في القيادة السياسية من أجل تقديم بديل ملموس لعبثية الأعمال العسكرية. فالأمر واضح بالنسبة لنا ولكل من في المنطقة وضوح ضوء النهار أن القضية الفلسطينية هي قضية سياسية بشكل نموذجي، ولن يتم الوصول إلى حل لها في ساحة المعركة.

   على القادة في المجال السياسي أن يجدوا الشجاعة والإبداع للتخلي عن سياسة العزل والقمع المتبعة حالياً واستبدالها بنهج حيادي قائم على الاحترام المتكافئ لكلا الطرفين ومطالبة كلا الطرفين على حد سواء باحترام مبادئ القانون الدولي والالتزام بها.

   إن أفضل السبل لتحقيق السلام تمر عبر عملية متوازنة وشاملة للتسوية المتبادلة والحاجة للوصول إلى حلول وسط من جانب كل الأطراف. لذلك، فالخطوة الأولى تتطلب تدعيم وتشجيع أي إجراء سياسي يضع حداً للعقوبات القاسية المفروضة على الشعب الفلسطيني.

   لقد أشرت إلى الطاقة الكامنة الهائلة للتنمية البشرية في غزة والضفة الغربية، وأكدت على أن من واجبنا أن لا نسمح بأن يتم هدر هذه الطاقة، بقدر ما هو من واجبنا أن لا نسمح بأن تبقى العملية السلمية في حالة الشلل الحالية. إن الوضع في غزة والضفة الغربية أمر مخجل لنا جميعاً. فهو يفرغ مبادئ حقوق الإنسان والشرعية الدولية من أي مغزى لها. وأسوأ ما في الأمر أن الوضع في الأرض المحتلة يحط من قدر إنسانية الإنسان ويدنس قدسية الحياة البشرية.

   إن من واجب القادة السياسيين المعنيين حول العالم أن يعملوا على تغيير الوضع الراهن. فالدفع بعملية سياسية ذات مصداقية هو الأمر الوحيد الكفيل بوضع حد للمأساة المزمنة وحث كلا الطرفين على استعادة رؤيتهما لدولة فلسطينية مستقرة ومزدهرة تعيش في سلام مع جيرانها وتشغل مكانها المناسب في مجتمع الأمم المتحضرة. عندها فقط يمكننا أن نتوقع حدوث تقدم في آفاق السلام في الشرق الأوسط برمته.
 

ولكم الشكر الجزيل.


--------------------------------------------------------------------------

  كانت المفوض العام للأونروا المتحدث الرئيسي في المؤتمر السنوي الستين لمعهد الشرق الأوسط، والذي يمثل أقدم حلقة للخبراء في واشنطن حول قضايا السياسات التي تؤثر في هذا الإقليم. عقد الاجتماع في نادي الصحافة الوطني في مدينة واشنطن وحضره أكاديميون ودبلوماسيون ومسؤولون في الحكومة الأمريكية وأفراد من العامة.
 

 المفوض العام
 كارين أبو زيد

 
 
 رسائل سابقة للمفوض العام السيدة كارين أبو زيد  
 رسائل المفوض العام السابق بيتر هانسن
 

للأعلى

  صورة الأخبار

 

آخر الأخبار

 
 
 

  لمزيد من المعلومات عن الحياة
 في غزة
 

 
 

أفضل المواضيع لدينا

ملف المخيمات

الشواغر الوظيفية

قصص من النداء العاجل
من الذاكرة

المشاريع الجديدة

 

برامج الأونروا

برامج التعليم
برامج الصحة
برامج الإغاثة
برامج القروض
برامج المشاريع الجديدة