وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى  
                               
 
الصفحة الرئيسية >الأخبار > بيانات ومقالات المفوض العام >  
   
   
     




خطاب المفوض العام للأونروا كارين كونينج أبوزيد
دور الأونروا في سياق متغير
جامعة كولومبيا، 25 أيلول 2009
 

  أصحاب المعالي والسعادة، الضيوف الكرام، أصدقاء الأونروا،

  أشكركم جميعا على الانضمام إلينا في هذه المناسبة الخاصة. في نهاية هذا العام، سأتقاعد من الأونروا للانضمام إلى ثلة من المفوضين العامين السابقين. إنني أذكر هذه الحقيقة لأضع موضع المقارنة قدرتي على القيام بذلك مقابل الحقيقة المحزنة بأنه وفي ظل غياب حل سياسي فإن الشعوب التي تم إبعادها بالقوة من أراضي وبيوت أجدادها ليس لديها خيار "التقاعد" من صفة اللاجئ. ومهما طالت المسيرة الزمنية في أعقاب الأحداث التي تسببت بالفرار، وبغض النظر عن الكيفية التي طال بها أمد المنفى، إلا أن اللاجئين يظلون في حالة من الطرد والإبعاد القسري ويتم منعهم في الغالب من الوصول إلى كامل إمكاناتهم. وبالنسبة للاجئين في فلسطين كما هو الحال في أماكن أخر، فإن الأمن والسلام الحقيقيين سيتدفقان فقط من خلال حل عادل ودائم للأسباب التي أدت إلى فرارهم.

  إن هذه الأفكار تضفي صفة حزينة على إحياء الذكرى الستين لتأسيس الأونروا، وذلك في أعقاب عام واحد من الذكرى السنوية الستين للنكبة التي تسببت بإحداث النفي الفلسطيني. وفي الوقت الذي نحيي فيه حدثنا هذا، فإن الواقع المؤلم لتوقعات اللاجئين من أجل السلام والعدالة، والتي لطالما لم يتم الوفاء بها، يجب أن يظل يحتل الصدارة في أذهاننا.

  إلا أنه يجب علينا القيام بإحياء ذكرانا السنوية، إن تأسيس الأونروا، والتطور التدريجي لمهمتها على مر السنين وثقل وجودها في الشرق الأوسط يؤكدون على القيم الإنسانية التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة والذي يعد من عناصره الأساسية هدف ضمان توفير المساعدة والحماية لأولئك الذين هم في حاجة لها. إن الذكرى السنوية الستين للأونروا هي فرصة مناسبة للنظر في تطور شخصية وكالتنا ووظائفها على مر السنين وللتفكير في القيمة الدائمة لعملها.

  ومنذ عام 1948، تضافرت عدة عوامل على إعطاء الأونروا السمات المؤسسية التي تعرف بها والتي تميزها عن غيرها من الوكالات. إن إحدى تلك العوامل هي قابلية التكيف والمرونة في عملياتها، والمقدرة على إصلاح البرامج والنشاطات استجابة للاحتياجات الناشئة للاجئين، وبالتالي توفير القوة الدافعة للابتكار وحل المشاكل.

  وهناك جانب رئيسي آخر لنهج الأونروا يتمثل في تعاوننا المتناغم مع شركائنا الخارجيين، وهم البلدان المضيفة والجهات المانحة وشركائنا في الأمم المتحدة. فالتعاون مع الحكومات المحلية والمنصوص عليه صراحة في القرار المؤسس للأونروا قد ثبت أنه لا غنى عنه من أجل فعالية الوكالة على مر الأعوام. إن هذا التعاون، مقرونا بالتزامنا بالمبدأ، قد مكن الأونروا من الريادة في تحقيق التكافؤ بين الجنسين في معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية في عقد الخمسينات. وعلى أية حال، وفي مجال الاستحقاق لتلقي المساعدة، فقد استغرقنا ذلك حتى العام 2006 لإحراز تقدم في ضمان تقديم فرص متساوية لللمرأة اللاجئة المتزوجة من غير اللاجئ ولذريتهما.

  أما فيما يتعلق بالعلاقات مع شركائنا، فلطالما كانت اللجنة الاستشارية للأونروا هي المنتدى الذي يؤطر علاقة الوكالة بالبلدان المضيفة والسلطة الفلسطينية ومجتمع المانحين. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أعطي دور اللجنة "بتقديم النصح والمساعدة" للمفوض العام زخما جديدا. لقد قمنا بتعزيز توفير مناخ للمناقشة مفتوح ونابض بالحياة، الأمر الذي عمل على إيجاد فرص للجنة ولأعضائها للانخراط في القضايا الحساسة ذات البعد السياساتي والإداري، وفي نفس الوقت أداء مجموعة من وظائف الرقابة القيمة. وتعمل اللجنة على تقييم الإدارة المالية والبرامجية والإصلاحات وتطوير السياسات علاوة على الإشراف عليها، الأمر الذي يعمل على تعزيز جهود الأونروا لتصبح أكثر كفاءة وأكثر فعالية.

  كما أن علاقة الأونروا مع المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة الشقيقة، وعلى الأخص اليونسكو ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، تتمتع بجذور عميقة منذ سنواتها المبكرة. إن استراتيجتنا المتوسطة الأجل للسنوات الست القادمة مبنية على هذا التقليد وذلك من خلال إدماج موضوع تعزيز الشراكات القائمة وتشجيع شراكات جديدة. إن الأونروا الآن أكثر تصميما من أي وقت مضى لقبول التعاون مع الوكالات الأخرى كوسيلة من أجل تحقيق هدف خدمة اللاجئين على نحو أفضل.

  ولدى النظر في العوامل التي ساعدت على تشكيل الملف العملياتي للأونروا، لا بد لنا أن نشير إلى البيئة المضطربة في الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص الضغوط الناجمة عن الاستجابة لآثار النزاعات المسلحة المتكررة. إن الدرجة غير العادية من القلاقل والاضطرابات في عمليات الأونروا والأثر الذي تحدثه على اللاجئين الذين نقوم على خدمتهم قد تم صياغتها ببلاغة في فقرة مقتبسة من الجزء الختامي لدراسة منشورة تحمل عنوان "الأونروا: تاريخ موجز 1950-1982". وتلك الوثيقة هي دراسة داخلية تم إعدادها بناء على طلب من المفوض العام للأونروا في حينه السيد أولوف ريدبك. وأقتبس:

  إن وقائع ما سبق من أحداث سوف تبرهن بوضوح على المشاكل التي تواجهها هذه الهيئة الدولية التي تبلغ الثانية والثلاثين من عمرها. ومن أصل تلك السنوات جميعها، فإن ما لا يقل عن 23 سنة منها قد انطوت على أحداث عنيفة للاجئين، وبالتالي للأونروا التي تعد المصدر الرئيسي لتقديم المساعدة والإغاثة، فيها العنف والهجمات العسكرية والاضطرابات الكبيرة. والسنوات التسع الباقية تبقى سنوات غير مسالمة حسب المفهوم السائد لدى المجتمعات الأكثر حظا، والقليل من تلك السنوات، إن وجد اصلا، كانت تخلو من التهديد أو التنمر أو الاضطرابات المدنية أو وجود غرباء مهيمنون أو مهمات لا متناهية من إعادة البناء. ولم تمر أي من تلك السنوات، سواء للاجئ في مخيمه أو مأواه، بدون التعرض للخوف.

  إننا نميل للنظر فيما ينبغي على هيئة كالأونروا أن تقوم به في السنوات العادية، إلا أن التعليق المحزن هو أن الأونروا ليست عملا عاديا، وأنه لم يحدث حتى الآن أن مرت أي سنة عادية. فالحرمان الجسدي وإعادة الهجرة المتواصلة وعدم اليقين السياسي، وبشكل رئيسي، غياب هيمنة مرحب بها على حياة اللاجئين الفلسطينيين، هي تلك العوامل الثابتة التي يتحتم على الأونروا مواجهتها والتخفيف منها.

  أصحاب المعالي والسعادة، الزملاء الكرام،
  كانت تلك هي الأيام التي لم يسلم أي إقليم فيها من ويلات عدم الاستقرار والصراع. واليوم، فإن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية محظوظون بالإقامة في دول آمنة ومستقرة سياسيا. أما بالنسبة للاجئين ولعمليات الأونروا في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن هذا الوصف الممتد لسبعة وعشرين عاما لا يزال حقيقيا.

  إن معرفة الوكالة الوثيقة بسياق الطوارئ يختبر، وغالبا ما يثبت، قدرتنا على الاستجابة بفعالية لاحتياجات اللاجئين في ظروف قاسية. إن الدور الإقليمي للأونروا مؤكد عليه بوصفه خط الدفاع الأخير لحماية المدنيين من اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك في أوقات النزاع المسلح. إن النهج العملي للعمليات والتي ذكرتها سابقا لهو أيضا دليل في حالات الطوارئ.

  وعلاوة على ذلك، فإن الطوارئ تعد مناسبات للبرهان على تفاني وشجاعة موظفي الأونروا، وغالبيتهم العظمى من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم، ولإلقاء الضوء على البعد الإنساني للأونروا وللمساهمة في الصبغة العالمية للأمم المتحدة.

  إن بيئة الصراع المستمر وتأثيرها على المدنيين، وخاصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قد أدت إلى وضع دور الحماية للأونروا موضع الصدارة. ومنذ مؤتمر جنيف في العام 2004، قمنا بتبني موقف أكثر وضوحا حيال قضايا الحماية، وكان مرشدنا في ذلك مسألة واجب تعزيز احترام حقوق الإنسان للاجئين الفلسطينيين والذي هو أصلا متضمن في ولاية الأونروا.

  وتشمل مسؤوليات الحماية للأونروا ايضا دورا في كسب التأييد الدولي. إن هذا يتطلب تسليط الضوء للعموم، وعلى انفراد مع من نحاورهم، على حقوق اللاجئين الفلسطينيين وعلى استحقاقاتهم بمقتضى القانون الدولي. وهو ينطوي على تجميع المعلومات الحالية عن ظروف اللاجئين الفلسطينيين ومشاركة هذه المعلومات بطرق مسؤولة. كما أنه يتطلب اقتناص كافة الفرص الملائمة لتذكير الدول والجهات السياسية العاملة بالتزاماتها القانونية الدولية تجاه الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك ما تقتضيه صكوك حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

  إن البيئة العملياتية للأونروا مشحونة سياسيا بدرجة لا يماشيها سوى القليل من البيئات الأخرى. إن هذا الأمر يفاقم من العقبات والمخاطر المتأصلة عادة في تقديم الحماية ووظائف كسب التأييد الدولي. وتبين التجربة أن كافة الأطراف تحمل عدم مبالاة للقيود والحدود التي يفرضها القانون الدولي على القيام بالصراعات المسلحة. وفي كثير من الأحيان، فإنهم يرون أن اعتبارات الرحمة والتزامات حقوق الإنسان ليست ملائمة لكي يتم إخضاعها للسعي وراء الأمن والأهداف العسكرية. والنتيجة هنا هي عدم تحمل مزمن للتقريع. إن صوت الأونروا نيابة عن اللاجئين الفلسطينيين قد كان في بعض المناسبات يلقى دعوات من أجل صمتنا وبحجة أننا ننحرف عن الولاية الممنوحة لنا.
   
  وعلى العكس من ذلك، فإن الأونروا لطالما كانت، وستبقى، واعية لحدود دورها في المجال الإنساني وفي مجال التنمية البشرية. إننا نعي أن البقاء داخل تلك الحدود هو أمر مقيد وملزم لنا بموجب مبادئ الحياد والنزاهة للأمم المتحدة والتي لا غنى عنها من أجل المحافظة على المصداقية والثقة التي تتمتع بها الأونروا مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية والبلدان المضيفة والمجتمع الدولي ومع اللاجئين. إن هذا الإجماع العالمي على الثقة بالأونروا هو مفتاح قدرتنا على العمل.

  إن النقاش حول عمل الأونروا على مر الأعوام ينبغي أن يعالج الاتجاهات الراهنة بشأن الحل التفاوضي لهذا النزاع. إننا نعيش في زمن حيث إمكانيات جديدة متولدة عن إشارات إيجابية من الرئيس الأمريكي والآخرين تبدو في متناول إيدينا. إن الأونروا ترحب بجو الأمل المتجدد، وتؤمن أن الزخم الحالي ستتم المحافظة عليه والقيام به وصولا إلى حل عادل يحظى بالقبول من كافة الجوانب.

  وفي نفس الوقت، فإننا ندعو اهتمام الجهات السياسية الفاعلة باللاجئين أمرا محتما ومركزيا لأية عملية ناجحة لحل النزاع. إن على المجتمع الدولي أن يعترف بأن اللاجئين الفلسطينيين هم جمهور هائل ومتميز داخل الجسم السياسي الفلسطيني، وليس فقط من الناحية العددية بل وأيضا من حيث الوزن الذي تحظى به وجهة نظرهم وقوة رهانهم في حل تفاوضي تكون نتيجته عادلة ودائمة.

  ولهذه الأسباب، فإن صوت اللاجئ يجب أن يسمع. ويجب علينا أن نبحث عن وجهات نظر اللاجئين، والتأكد من مصالحهم واهتماماتهم، وأن نهيء إقامة لائقة لخياراتهم تنعكس في أي نظام ناشئ. وفي هذه المهمات وغيرها من المهام ذات الصلة، فإن الأونروا تقف على أهبة الاستعداد للقيام بدورها بنفس التفاني في أداء الواجب والذي ميز عملنا على مدى السنوات الستين الماضية.

  أيها الحضور الكرام، أصدقاء للأونروا،

  على الرغم من عبء ستة عقود في المنفى، وعلى الرغم من الظروف البائسة التي لا يزال اللاجئون الفلسطينيون واللاجئين الفلسطينيين يعانون منها، فلا يزال هنالك أمل عنيد ومصمم على قيد الحياة. وذلك الأمل مستند إلى مشروعية قضية اللاجئين وإلى البحث عن دولة فلسطين. وهو أمل يستمد قوته من مشروعية حق اللاجئين في حل لا يقدم لهم نهاية دائمة لمحنتهم فحسب، بل وأيضا الكرامة الإنسانية والعدالة والتي لطالما تم حرمانهم منها.

  وحتى تتحقق هذه التطلعات، ستواصل الأونروا بالوقوف مع اللاجئين الفلسطينيين الذين نقوم على خدمتهم، وبالصمود في تفانينا للدور الذي نلعبه بالنيابة عنهم ولما فيه مصلحة للمجتمع الدولي.