الصفحة الرئيسية
  الأخبار
  كلمات المفوض
  * رسائل مفتوحة
  * موجز صحفي
  * بيان صحفي
  * مجلة الموظفين
  * مقطفات صحفية
  * أحداث الأقاليم
   
 

خارطة منطقة
عمليات الاونروا

 
 ادعاءات نفندها
 أسئلة تطرح نفسها

 
 
    كلمات وبيانات المفوض العام  

     للاتصال بنا / خارطة الموقع  

الصفحة الرئيسية >  الأخبار  > كلمات وبيانات المفوض العام  > 2008
 

خطاب المفوض العام للأونروا
المعهد البلجيكي للعلاقات الدولية ، بروكسل


اللاجئون الفلسطينيون: السياق والآفاق
 

 05  آذار  / مارس 2008
 

 

 

 
  السادة الأفاضل أعضاء وضيوف المعهد الملكي البلجيكي للعلاقات الدولية:
  إنه ليشرفني أن أحظى بفرصة الالتقاء بكم لأشاطركم بعضا من الوقت في تبادل الرأي، وأقدر دعوتكم لي والتي تعبر عن اهتمامكم بصالح الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين، كما وأتفهم أن وجودي بينكم في هذه الأمسية يعتبر إشارة على اهتمامكم بالأونروا وبمهمتها المتمثلة في خدمة اللاجئين الفلسطينيين.

  نحيي هذا العام الذكرى السنوية الستون لنزاع عام 1948، وهو حدث كانت آثاره تفوق الآثار التي أحدثها أي نزاع آخر في العصر الحديث. إن ذلك النزاع، والذي يسميه الفلسطينيون بالنكبة، قد أدى إلى ولادة دولة إسرائيل، وفي غضون ذلك عمل على تقوية الروايات المتبادلة العميقة والمتضاربة والتي تعتبر أساس، ووقود، النزاع إلى يومنا هذا. فالجانب الإسرائيلي يتحدث عن الحقوق الإلهية الممنوحة له علاوة على صراع البقاء وسط بيئة معادية، فيما يتحدث الجانب الفلسطيني عن طرده من أراضيه والاضطهاد المستمر الذي يتعرض له وغياب العدالة والرفض الثابت للخضوع للاحتلال والاضطهاد.

  إن الهجرة الجماعية التي قام بها ما يقارب من 800 ألف شخص من فلسطين التي كانت وقتها خاضعة للانتداب البريطاني تعتبر أحد العواقب الإنسانية الواضحة لنزاع عام 1948. وقد كان تأسيس الأونروا في العام 1949 هو الاستجابة الرئيسية للأمم المتحدة. وقد فوضت الأونروا لتوفير الإغاثة والمساعدة للاجئي فلسطين وللأشخاص الذين ينحدرون من صلبهم في الأماكن التي نطلق عليها اليوم مناطق عملياتنا وهي الأردن وسورية ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. إن اللاجئين المسجلين في تلك المناطق قد أصبح عددهم اليوم يفوق الأربعة ملايين ونصف.

  وعلى أية حال، فهنالك بعد عالمي لوجود اللاجئين الفلسطينيين يتعدى أولئك الذين يستفيدون من خدمات الوكالة في مناطق عملياتها. إن القضايا التي تتعلق بالفلسطينيين وباللاجئين الفلسطينيين تتجاوز على الأغلب المساحة القليلة نسبيا التي يعيشون فيها. ومنذ ستة عقود وحتى يومنا هذا، فإن تلك القضايا تعمل على استحضار العديد من المبادئ والقواعد التي تعتبر الأساس الذي بنيت عليه العلاقات الدولية في فترة ما بعد عام 1945.

  إن الاحتلال العسكري لغزة والضفة الغربية والمستمر منذ عقود طويلة، علاوة على البحث عن إنشاء دولة فلسطينية والذي لم يتحقق، لا يتفقان مع الأولوية في منح حق تقرير المصير في القانون الدولي. فمن حيث استمراريته، فإن التصعيد المتكرر للنزاع المسلح في الأراضي المحتلة وأثره المدمر على حياة المدنيين وممتلكاتهم يثير العديد من الاسئلة حول تعهدات المعاهدات الدولية فيما يتعلق بتقليل استخدام القوة المفرطة وبإنفاذ القانون الدولي الإنساني بشكل عام. إن المبدأ الذي ينص على أن الكرامة تعتبر أمرا متأصلا في كل نفس بشرية، وهو أمر مدرك حسيا بشكل غير قابل للجدل وتنبع منه الاستحقات العالمية لحقوق الإنسان وحرياته، يتم وضعه موضع اختبار من خلال الحرمان المدقع الذي يواجهه العديد من الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين. كما أن غياب مخرجات ملموسة ومتينة بعد سنوات من النشاط الدولي المتقطع يقف متحديا بمواجهة فعالية بعض الوسائل الدبلوماسية المعينة التي تم وضعها محل التنفيذ في الشرق الأوسط، إن لم يكن يتحدى أصلا مقدرة المجتمع الدولي على تحقيق حل للنزاع تم التفاوض بشأنه.

  إن هذه الخصائص توضح السياق العملياتي المعقد والاستثنائي الذي تقوم الأونروا في ظله بأداء وظائفها المتعلقة بالتنمية البشرية والإنسانية. وهي قضايا سأعود للتحدث عنها في استنتاجاتي، إلا أنني أعرضها في هذه المرحلة لتكون خلفية للوصف الذي أقدمه تاليا لعمل الوكالة في مجالات التعليم الأساسي والرعاية الصحية الأولية وشبكة الأمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية والتمويل الصغير.

  ويعتبر التعليم الأساسي البرنامج الأكبر الذي تديره الأونروا، وهو يسيحوذ على ما يزيد عن 50% من ميزانية الوكالة وأكثر من ثلاثة أرباع العاملين فيها. إن مدارسنا التي يبلغ عددها 668 مدرسة ابتدائية وإعدادية والتي توفر التعليم اما يقارب من نصف مليون طفل من أطفال اللاجئين تعتبر الأولى في الشرق الأوسط من حيث توفير الفرص التعليمية المتساوية للأولاد والبنات، فقد حققت الأونروا مساواة في التعليم قبل سنوات عديدة من إطلاق الأهداف الإنمائية للألفية. علاوة على ذلك، فهنالك معاهد تدريب للمعلمين تعلم على إتمام برنامج التعليم الأساسي. أيضا، وتماشيا مع تركيزنا على تعزيز الآفاق الوظيفية للشباب من اللاجئين، فنحن نقدم تدريبا مهنيا وحرفيا علاوة على تقديم النصح والمشورة بخصوص إحلال العمالة والتوظيف. وتدرك الأونروا أنه على الرغم من التزامها وتحقيقها لمعايير عالية خلال سنوات عملها، إلا أن مستوى التحصيل الحالي للطلبة وخصوصا في مناطق النزاع كالأراضي الفلسطينية المحتلة يجعل أمامها العديد من الأمور التي ينبغي العمل عليها. إن تحقيق هذه المعايير قد دفع الأونروا لإطلاق سلسلة من المبادرات العلاجية. إن العمل على هذه المبادرات قد بلغ مراحل متقدمة في غزة حيث يتم العمل، وبتعاون وثيق مع المجتمع المحلي بأكمله، على تنفيذ برنامج "مدارس التميز" والذي يهدف إلى رفع سوية المعايير في كافة مناحي التعليم الأساسي.

  وفي مجال الرعاية الصحية الأولية، فقد دأبت الأونروا ومنذ تأسيسها على أن تكون المزود الرئيسي للاجئين الفلسطينيين. وتستقبل عيادات الوكالة التي يبلغ عددها 127 عيادة حوالي تسعة ملايين مراجع سنويا، فيما تقوم شبكة أخصائيي الصحة البيئية وبالتعاون مع البلديات المحلية على ضمان استفادة 1.3 مليون لاجئ فلسطينين يعيشون في المخيمات من الانتفاع من خدمات ضبط النفايات الصلبة والوصول إلى مياه الشرب الآمنة. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن المرأة والطفل يشكلون حوالي ثلاثة أرباع مجتمع اللاجئين، فإن الوكالة تخصص موارد هامة من أجل رعاية الأمومة والطفولة.

  وقد أثمر عمل الوكالة في أن تصبح معايير الوكالة للرعاية الصحية الأساسية مماثلة إن لم تكن أفضل من تلك الموجودة في المنطقة. فلقد تم تسجيل نسبة تطعيم ضد الأمراض تقارب المئة بالمئة فيما انخفض معدل وفيات الأطفال من 160 حالة وفاة لكل 1000 طفل في عقد الستيانت من القرن الماضي لتصبح 22 حالة وفاة في عام 2006، وهو وضع صحي يتفوق على الهدف الذي وضعته منظمة الصحة العالمية للبلدان ذات الدخل المتوسط.

  وعلى أية حال، فهنالك تحديات جديدة يتم فرضها على الجوانب الصحية للاجئين الفلسطينيين وذلك بسبب ارتفاع نسبة تفشي الأمراض غير السارية بما فيها ارتفاع ضغط طالدم والسكري والسرطان. إن التدهور في الوضع الاجتماعي الاقتصادي إضافة إلى الفقر في غزة والضفة الغربية قد أديا أيضا إلى زيادة حادة في نسبة الولادات منخفضة الوزن وتأخر النمو وفقر الدم وسوء التغذية وظهور الأمراض السارية كالتهابات المعدة والأمعاء والتهاب الكبد الفيروسي.

  أما فيما يتعلق بالإغاثة والخدمات الاجتماعية، فإن التركيز في عمل الوكالة ينصب على حوالي 250 ألف من اللاجئين المصنفين ضمن فئة "حالات العسر الشديد". إن الخدمات المقدمة لأولئك اللاجئين وللعائلات الأخرى التي تعيش في حالة من الفقر تشمل المساعدات الغذائية وإصلاح المساكن، علاوة على مساعدات نقدية تعطى للبعض في حالات الطوارئ ومعاملة تفضيلية في التسجيل في مراكز التدريب المهني ومخصصات أكبر لنفقات الاستشفاء والعديد من الخدمات الاجتماعية ذات الطابع المجتمعي. كما أن عمليات تسجيل اللاجئين وحالات الولادة والزواج وتغيير مكان الإقامة واستحقاق خدمات الأونروا هي من ضمن الخدمات التي تقع ضمن نطاق دائرة الخدمات الاجتماعية التي تدير أيضا مشروعا رئيسا يهدف إلى تحديث والمحافظة على قرابة 16 مليون سجل تاريخي للاجئين يعود تاريخها إلى عام 1948 وإلى حوسبتها بصيغة رقمية.

  وخلال السنتين القادمتين، تهدف الوكالة لتحسين معايير اختيار وخدمة الذين يعيشون في فقر مدقع من خلال تبني توجه جديد تم التوصية به من قبل البنك الدولي. وللمرة الأولى، فإن درجة الأهلية لتلقي الخدمة سيتم قياسها وفقا لخطوط محددة للفقر (أي أنها ستكون مستندة للاحتياجات بدلا من استنادها للحالة نفسها) وذلك من أجل ضمان أن يحصل على خدماتنا أولئك الذين هم بالفعل بأمس الحاجة لها.

  ويعمل برنامج الإقراض البسيط في الأونروا على تمويل نفسه بنفسه. وقد تأسس هذا البرنامج في عام 1991 في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف تحسين نوعية حياة أصحاب الأعمال الصغيرة والمقاولين الصغار، وقد نجح في دعم قطاع الأعمال الصغيرة وغير الرسمية، وبالتالي التقليل من نسب البطالة والفقر. كما أن البرنامج يعمل على تمكين المرأة من خلال قروض مصممة خصيصا لهن. ومنذ تأسيسه، قام البرنامج باستثمار ما مجموعه 97.8 مليون يورو لتمويل 141,000 مؤسسة ومستهلك وقروض إسكانية للعملاء في الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على الأردن وسورية لاحقا.

  إن النجاح الذي حققه برنامج القروض البسيطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد تأثر بشكل كبير بأحداث السنوات الأخيرة. وفي حال استمرت الظروف الحالية، فإن الوكالة ستضطر للتقليص من عملياتها في غزة، الأمر الذي سيؤدي إلى حرمان مجتمع الأعمال الصغيرة الذي هو أصلا في حال سيئة من واحد من سبل المعيشة الاقتصادية الباقية.

  أما برنامج البنية التحتية وتطوير المخيمات، فقد تأسس من أجل توفير توجه أكثر تركيزا وتكاملا وتشاركية في معالجة متطلبات الإسكان والبنية التحتية للاجئين الذين يعيشون في المخيمات، والذين يعيش العديد منهم منذ أوائل الخمسينات في القرن الماضي. ففي العديد من مخيمات اللاجئين، فإن أوضاع المساكن مروعة ونحن ملتزمون بمسح احتياجات اللاجئين والأصول المتوفرة لديهم كخطوة أولى نحو تحسين تلك المعايير بصورة نظامية.

  إن مخيمات اللاجئين في لبنان والتي يبلغ عددها 12 مخيما تمثل اختبارا حقيقيا لهذا الالتزام. وقد أدت النزاعات المتعاقبة التي عصفت خلال الصيفين الماضيين إلى تعطيل خطة شاملة بكلفة 33 مليون يورو تهدف إلى إنقاذ الأوضاع في المخيمات اللبنانية. ونحن نعمل الآن على إعادة إحياء تنفيذ تلك الخطة جنبا إلى جنب خطة رئيسية بكلفة 115 مليون يورو من أجل إعادة بناء مخيم نهر البارد في شمال لبنان بعد تعرضه للدمار الشامل في الصيف الماضي. وسيشكل هذا التزاما هائلا طويل الأمد يتطلب تضافر كافة المهارات التي يمكن حشدها من داخل الأونروا ومن الحكومات والشركاء الآخرون من منظمة الأمم المتحدة الذين نتمتع بعلاقة وثيقة معهم في لبنان.

  إنني والوكالة مدركون بأننا نحتاج إلى أكثر من مساعدات مالية من أجل ضمان إعادة بناء نهر البارد والمجتمعات المحيطة به والعودة الآمنة للاجئين إلى بيوتهم الجديدة. إن لبنان تعد مثالا على البيئة التي يكون تحقيق أهداف التنمية الإنسانية والبشرية فيها تحت رحمة عوامل تتعدى العالم الإنساني كانعدام الأمن نتيجة النزاعات المسلحة والاستقرار السياسي المزمن وخطر إعادة تهجير اللاجئين.

  إن المثال الآخر الصارخ هو، بطبيعة الحال، الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو مثال قد أصبح أكثر مأساوية في غزة خلال الأسبوع الماضي.

  إن الأثر المترتب على الأرواح وعلى الكرامة الإنسانية نتيجة القيود المتزايدة منذ كانون الثاني من عام 2006 لا يمكن وصفه.

  إن العديد منا يدركون أن الكهرباء والوقود تعتبر أمورا أساسية لحياة الناس العادية، وعلى وجه الخصوص من أجل توفير مياه نظيفة وخدمات صحية وبيئية، وأن التقليل المتعمد لتلك الأساسيات يعني التسبب المتعمد بصعوبات حادة – وفي بعض الحالات الوفاة – ليس فقط للأطفال والمرضى والعجزة بل وأيضا لمجتمع غزة بأكمله. إن الكارثة الاقتصادية لهي أمر محتم في ظل وضع يكون فيه 35% من سكان غزة يعيشون على أقل من دور يوميا وتصل معدلات البطالة فيه إلى حوالي 50% فيما يتلقى 80% من الغزيين بعض أشكال المساعدة الإنسانية في ظل محدودية دخول الغذاء والبضائع الأخرى إلى غزة ومنع تصدير الإنتاج التجاري مما يؤدي إلى انهيار القطاع الخاص. إلا أنه ولغايات الفهم الكامل لما نستطيع تقديمه على المستوى العقلي، فإن الكلمات لا تستطيع أن تقدم وصفا كاملا للأحاسيس المادية بالحرمان الجماعي عدا عن المهانة العميقة التي يسببها ذلك الحرمان بالنسبة لسكان غزة.

  وقد لا تكون مسألة محدودية مقدرتنا على المعاناة مع سكان غزة أو مشاركتهم الإحساس بالذل المفرط الناجم عن الفقر والمصاعب والخطر الدائم المفروضة بالقوة أمرا مهما. إلا أن المهم فعلا، وبعيدا عن الاعتراف والاعتناق، هي مسؤولية المجتمع الدولي تجاه وضع محنة الغزيين في صلب القانون الدولي وتجاه إلزام كلا الطرفين، وإلزام نفسه أيضا، بالخضوع للمساءلة لذلك القانون. وفي سياق يكون فيه مناصرو القضية منغمسون عاطفيا بمسألة أحقيتهم المحدودة بقضاياهم، فإن ذلك يؤدي إلى استمرار الغياب الطويل لحكم دولي حيادي تكمن سلطته في أن العمل على إنفاذ الالتزامات الدولية بشكل متعادل. وفي حالة الصراع الذي يتضمن احتمالية عالية لأن تؤدي كل قذيفة أو صاروخ أو قنبلة أو رصاصة التسبب بإصابة خطيرة أو بوفاة، فإن المحافظة على قدسية الأرواح البشرية (للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء) يجب أن تكون حافزا كافيا لتدخل أكثر قوة من قبل المجتمع الدولي.

  وينبغي على اللاعبين الدوليين الأساسيين أن يضطلعوا بمهمة الوصاية على إنفاذ القانون الدولي وبشكل عادل وفعال على كلا الطرفين. إن سلسلة العنف المتصاعد خلال الأيام العشرة الماضية تذكرنا بالمخاطر الجمة التي تقبع في وجه الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة بشكل عام في حال استمرارنا بتجاهل ذلك الدور لصالح دعم وتشجيع الحلول العسكرية.

  إنني أشعر بالأسى العميق جراء تصعيد النزاع في الأسابيع الماضية. فخلال الأيام العشرة الماضية، لقي 118 فلسطينيا مصرعهم وكان نصفهم من المدنيين و28 منهم من الأطفال، بما في ذلك طفل رضيع واحد. كما أن ما يزيد عن 250 فلسطينيا قد تعرضوا للإصابة بجراح مختلفة. وفي المقابل، توفي ثلاثة إسرائيليين، جنديين ومدني واحد، فيما جرح 18 آخرون. ومن واقع الدراسات التي أجريت مؤخرا ومشاهداتي شخصيا باعتباري من سكان مدينة غزة، فإنه يمكنني أن أشهد بأن المعاناة على المستوى النفسي هي نفسها على المستوى البدني. وقد يتم الإدعاء بأن غارة جوية كانت دقيقة في هدفها المميت، إلا أنه لا يوجد هنالك شيء دقيق في التدمير المصاحب لها، وهو شيء يكاد يكون مؤكدا في مكان يعاني من هذه الكثافة السكانية العالية كمدينة غزة. إن مدى الرعب الذي يخلفه هذا النزاع يطال الجميع في غزة؛ حيث يخبرني الموظفون الذين يعملون لدي في غزة، والذين يبلغ عددهم تسعة آلاف موظف، كل صباح أنهم أمضوا ليلتهم جاثمين مع أطفالهم وحريصين على أن يبقوهم بجانبهم لأنهم لا يعملمون إن كانوا سيصبحون في اليوم التالي وهم بجانبهم أم لا. كما أنهم يجهاهدون كثيرا لدى الإجابة عن السؤال الذي أصبح يتردد على ألسنة الأطفال بشكل متكرر "لماذا يحدث هذا لنا؟" وعلى الرغم من أن صواريخ القسام لا تقارن بقوة الترسانة العسكرية الإسرائيلية، إلا أنني أعتقد أن الآباء والأطفال في سديروت يختبرون نفس تلك الأحساسيس ويختبرون نفس الصعوبة لدى الإجابة عن السؤال نفسه.

  إن النزاع المتصاعد في غزة يسبب دمارا من نوع آخر، فهو يشتت الانتباه تجاه أية نواح تدعو للقلق في الأوضاع في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الانقسام بين فتح وحماس. وهنالك أمر آخر وهو الإغلاق الحاد لحدود غزة والأثر الإنساني القاسي لذلك على الفلسطينيين العاديين. وعلى الرغم من أن القيود كانت مستمرة بالتسارع منذ آذار من عام 2006، وبشكل أكبر منذ حزيران 2007، إلا أن إسرائيل قد اتخذت القرار في أيلول ومرة أخرى في كانون الثاني من هذا العام بالتقليل أكثر من إمدادات الوقود والكهرباء لغزة. وقد أدى ذلك الأمر إلى إطلاق نداءات عديدة مرحب بها من قبل العديد من اللاعبين الدوليين لوقف ذلك الأمر وذلك بعد قيام الأمم المتحدة بإبداء اعتراضاتها. وعلى أية حال، ومنذ ذلك الوقت فقد راوحت تلك القيود مكانها فيما خفتت الأصوات التي تعرب عن قلقها ورفضها.

  كما أن الأحداث التي تدور في غزة تعمل على تحويل الانتباه عن الوضع في الضفة الغربية. ففي ذلك الجزء من الأراضي المحتلة، فإن الحدة التي يتم بها انتهاك حقوق الفلسطينيين وحرياتهم في غياب الاهتمام الدولي أمر محير. إن جدار الفصل غير القانوني يعتبر في مركز الإجراءات المعقدة التي تعمل على الحد من أو منع حركة الأشخاص والبضائع والتي تسبب معاناة استثنائية للفلسطينيين. وتحديا للرأي الاستشاري الذي صدر عام 2004 عن محكمة العدل الدولية، فإن بناء الجدار لا يزال مستمرا مما يعمل على زيادة آثاره المدمرة على حياة الفلسطينيين. إن جدار الفصل وما يرتبط به من أنظمة تتعلق بالتصاريح والحواجز الأمنية والأبراج والخنادق والأسوار الالكترونية يعملون على ترسيخ تقسيم وعزل المجتمعات وعلى تدمير سبل المعيشة وحرمان المئات من الآلاف من الفلسطينيين من حرية العبور الاعتيادية للذهاب لأماكن عملهم أو زيارة عائلاتهم أو ارتياد الأسواق والمدارس والمستشفيات.

  إن القيود القاسية على حياة الفلسطينيين وعلى تحركهم تغاير بشكل صارخ الحريات الممنوحة للمستوطنين الإسرائيليين للتعدي على ومصادرة الأرض الفلسطينية. وعلاوة على القيود الصارمة على حركتهم وعلى خسارتهم أراضيهم، فإن المجتمعات الفلسطينية تناضل ضد غارات عسكرية متكررة تقوم بها السلطة المحتلة تصاحبها عادة حملة اعتقالات جارفة.

  وعلى الرغم من ضآلة الإعلان، فإن تدمير بيوت الفلسطينيين، بما في ذلك بيوت اللاجئين، يعتبر أحد الأبعاد القاسية للوضع في الضفة الغربية. وتتم عملية التدمير إما في سياق العمليات العسكرية أو تنفيذا لأوامر إدارية تقضي بهدم البيوت المقامة دون الحصول على رخص بناء. وبغض النظر عن السياق أو عن التبرير الرسمي، فإن هذه العملية تتم في أغلب الأحيان مصحوبة باستعراض للقوة من قبل السلطة المحتلة، أو ما يشبه عملية عسكرية مصغرة. إن ما ينتج عن ذلك هو عائلات فلسطينية مذلولة يتم تشريدها بقسوة ومصادرة بيوتها وسبل عيشها ومتعلقاتها الشخصية. كما أن المجتمعات البدوية والرعوية، والتي هي أصلا فقيرة وتعتمد بشكل كبير على الأرض، تعاني في أغلب الأحيان أيضا.

  وفي حين أن عدم وجود تصريح للبناء هو التبرير الذي يتم تقديمه للعديد من حالات التدمير، إلا أنه قد تمت ملاحظة أنه نادرا ما ينجح الفلسطينيون في الحصول على تلك التصاريح. كما تمت الملاحظة ايضا أنه ضمن دائرة القدس الشرقية المحتلة وضواحيها فإن الزيادة الكبيرة في المستوطنات الإسرائيلية التي تقام على أراض فلسطينية تنضم إلى عمليات تدمير المنازل لتشكل منطقة لا يقطنها الفلسطينيون.

  إن موظفي الأونروا الذين يراقبون الوضع عن كثب قد أكدوا تلك الزيادة المضطردة في عمليات تدمير المنازل منذ كانون الثاني من هذا العام. ففي ذلك الشهر لوحده، كان مجموع البيوت التي تم تدميرها يبلغ 30 منزلا من أصل 68 مبنى تم تدميره، الأمر الذي أدى إلى تشريد 200 فلسطيني وجعلهم بلا مأوى، منهم 148 لاجئا فلسطينيا. وبالنسبة للعديد من مجتمعات الضفة الغربية والذين تم إصدار أوامر إزالة بحق منازلهم، فإن نظرتهم المستقبلية وهم يجلسون في انتظار قدرهم هي نظرة قاتمة كتلك التي لدى مواطنيهم في غزة.

  الضيوف الأكارم،
  لا أرغب بأن تكون ملاحظاتي الختامية ملاحظات محبطة، وفي نفس الوقت فإن الواقع الصارخ الذي يواجه الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين يفرض علي القيام بذلك. وفي الأونروا، فإن تفسير التفويض الممنوح لنا من وجهة نظر إنسانية وتنموية بشرية يعني جزئيا أن تكون حماية ورعاية الفرد اللاجئ في قلب الجهود التي نقوم ببذلها. وتسعى برامجنا إلى تحقيق التنمية البشرية للاجئين الفلسطينيين بهدف توسيع خيارات الحياة المتاحة لهم وتعزيز قدراتهم للمساهمة بشكل إيجابي في بناء المجتمع الفلسطيني واقتصاده وصولا في نهاية المطاف إلى بناء الأمة الفلسطينية.

  إن جهودنا في المعترك الإنساني يتم إضعافها، بل وحتى تعريضها للخطر، من قبل الصراع الدائر في وبين غزة والضفة الغربية ومن قبل غياب أي تقدم في تحقيق تسوية تفاوضية. وفي الوقت الذي يعتبر ذلك الأمر مقلقا للغاية، إلا أن الأمور التي ربما تعتبر أشد خطورة وأكثر قلقا على المستوى العالمي هي تلك التي أشرت إليها في بدايات حديثي، وأعني بذلك حقيقة أن درجة تكرار وحدة الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعمل على تحدي القواعد الأساسية للقانون الدولي وتدعو إلى طرح الأسئلة حول فعالية تلك القواعد.

  لماذا يتطلب هذا الأمر اهتمام المجتمع الدولي؟ إن السبب يعود إلى أن العديد من المبادئ والالتزامات التي يتم الاستهزاء بها أو عدم الأخذ بها أو تجاهلها بطريقة معتادة في غزة والضفة الغربية تعتبر ضمن نواة قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي بشكل عام. إن قائمة من تلك المبادئ ستشمل أولوية حقوق الإنسان والحريات الأساسية ووضعها المعياري المتزايد قياسا بمسائل الأمن القومي المدركة؛ والالتزام بإنهاء الفقر والروابط بين الفقر وانتهاكات الحقوق والأسئلة المتعلقة بالسلام والأمن؛ والتوقف عن استخدام القوة كوسيلة لحل النزاعات الدولية ومبدأ استخدام القوة المسلحة فقط كملاذ أخير؛ ومبدأ الكبح والتناسبية في إدارة الحروب وفي أهمية اعتبار حماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم؛ ومنع القيام بأعمال عقابية غير مميزة؛ والحق في تقرير المصير والفهم غير المشروط لاحترام الكرامة الإنسانية. إن هذه هي المبادئ والالتزامات التي يستند عليها ميثاق الأمم المتحدة والتي نتشارك نحن في الالتزام بحمايتها، وخصوصا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

  وربما كانت عبارة "الحماية" تشير إلى ما يلوح في الأمام بالقدر نفسه الذي تدل فيه ليس على مجرد المحافظة على القواعد الدولية فحسب بل وأيضا الدفاع عنها وإنفاذها. وعبر العقود الستة الماضية، كانت مسألة إنفاذ قواعد القانون الدولي واحدة من الأجزاء المفقودة في طريقة فهم الوضع في غزة وفي الضفة الغربية. وقد ساهم ذلك بشكل كبير في خلق مناخ من الإفلات من العقوبة والتي استغله كلا الطرفين كرخصة للمزيد من الانتهاكات السافرة.

  إنني أطلب أن نقوم، باعتبارنا المجتمع الدولي، بتخصيص المزيد من الفكر والعمل من أجل وضع الأطراف موضع مساءلة، سواء بشكل فردي أو جماعي، حيال القانون الدولي بشكل عام، وخصوصا حيال مقاييس القواعد الراسخة للقانون الدولي الإنساني.

  إن القيام بتحقيق حق تقرير المصير من خلال تأسيس دولة فلسطينية يكمن في صلب سعي الفلسطينيين لتحقيق العدل. إن العدالة بالنسبة للفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين تشمل أيضا التعويض العادل عن الأخطاء التي ارتكبت بحقهم تحت ظل الاحتلال. إن الدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية وعواقبها المباشرة تؤكد على أن المساءلة وفقا للقانون الدولي تعتبر مقدمة منطقية للعلاقات الدولية التي تم إرساؤها بعد عام 1945. كما يؤكد التاريخ أيضا على أن تحمل المسؤولية تجاه انتهاكات القانون الدولي يعتبر متطلبا أساسيا من متطلبات العدالة. وإذا ما أريد لبناء العلاقات الدولية ذلك أن يستمر ليخدمنا بشكل جيد في الأراضي الفلسطينية المحتلة وغيرها، فإنه من الضروري للغاية أن نقوم بتقديم المزيد من أجل تمكين القانون الدولي.
 

 
 
 رسائل سابقة للمفوض العام السيدة كارين أبو زيد
 رسائل المفوض العام السابق بيتر هانسن
 

للأعلى

  صورة الأخبار

 

آخر الأخبار

 
 
 

  لمزيد من المعلومات عن الحياة
 في غزة
 

 
 

أفضل المواضيع لدينا

ملف المخيمات

الشواغر الوظيفية

قصص من النداء العاجل
من الذاكرة

المشاريع الجديدة

 

برامج الأونروا

برامج التعليم
برامج الصحة
برامج الإغاثة
برامج القروض
برامج المشاريع الجديدة