بعد مرور ستون عاما: التحديات التي تواجهها مخيمات اللاجئين
الفلسطينيين في مجتمعاتها العربية المضيفة
الجامعة الأمريكية في بيروت
12 شباط 2008
الأصدقاء والزملاء وطلبة الجامعة الأمريكية
في بيروت ومعهد عصام فارس ومركز الأبحاث السلوكية:
أشكركم على دعوتي لحضور حفل إطلاق مشروعكم البحثي حول "السياسة العامة
وتحديات الحكمانية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في العالم
العربي". إنني أشكركم على قيامكم بإطلاق هذه المبادرة
لمعالجة موضوع يتطلب رعاية وانتباها في هذا الجزء من
العالم. وفي مواجهة الضغط اليومي لتقديم الخدمات للاجئين،
فإننا في الأونروا نحظى بالقليل من الوقت لنقوم بالاهتمام
بالمسائل الهامة التي تكمن في ثنايا مهامنا اليومية. وعلى
أية حال، فإننا نقدر بالكامل أهمية البحث والاستقصاء
الفكري. وحيث أن مواردنا لا تسمح لنا بعمل الكثير من هذا
الأمر بأنفسنا، فإننا نتشبث بأية فرصة لدعم وتشجيع، بل
وحتى مشاركة نتائج، هذا العمل. لذا فإنني أقدر هذه الفرصة
غير العادية التي أتيحت لي للتحدث حول موضوع مشوق وهام لم
يسبق لي أن تحدثت عنه بشكل مباشر في خطاباتي السابقة.
خلال الأيام القليلة الماضية، قمت بواحدة من زياراتي الاعتيادية التي أقوم
بها لمخيمات الأونروا. حيث قمت بزيارة مخيمي خان يونس ورفح
في قطاع غزة يوم السبت، ثم مخيمي الزرقاء والطالبية في
الأردن يوم أمس. وحيث أنني كنت أعد العد لإلقاء هذه
المحاضرة، وجدت نفسي أفكر مليا بدرجة اتساع وتعقيد القضايا
التي تحيط بمخيمات اللاجئين بشكل عام وبمخيمات اللاجئين
الفلسطينيين على وجه الخصوص.
إن نطاق القضايا ذات الاهتمام الإنساني التي تطرحها في العادة أية مدينة أو
بلدة تنطبق بشكل متساوي على تلك المخيمات. ومثلها مثل أي
تجمع سكاني، فإن مخيمات اللاجئين تتطور هي الأخرى، وتتغير
حدودها ومعالمها بشكل مواز مع النمو السكاني فيها
والتطورات الأخرى المحيطة بها. وحيث أن ثلث اللاجئين
الفلسطينيين فقط يعيشون في المخيمات، فإننا في العادة لا
نتجه لتغيير خططنا أو خدماتنا، باستثناء ما يتعلق في قطاع
البنية التحتية، في داخل المخيم عن مثيلاتها في خارجه،
وهذا يعتبر سببا آخر للترحيب باهتمام المشروع الجديد.
وإضافة إلى القضايا المكانية والديموغرافية، هنالك مجموعة من القضايا
المتعلقة بالبيئة الاجتماعية الاقتصادية والبيئة السياسية
للبلد أو السلطة المضيفة. وحيث أن الصورة المرتبطة بمخيمات
اللاجئين تتأثر بالبلدان والمجتمعات التي توجد فيها تلك
المخيمات، فإن كل إقليم من أقاليم الوكالة (في لبنان
وسورية والأردن والضفة الغربية وغزة) له مميزاته الخاصة،
ومن ضمنها الأمن وبنية الحكمانية التي تؤثر على كل مخيم.
كما أن هنالك أيضا مجموعة من القضايا التي تتقاطع عبر الأقاليم والبلدان
المضيفة كالفقر والبطالة والظروف المعيشية السيئة الناجمة
عن التاريخ الطويل لوجود اللاجئين والذي يمتد من 40-60
سنة، وعن المناخ الاقتصادي الأشمل وعن الدرجة المتاحة أمام
الفلسطينيين للولوج نحو الفرص الاقتصادية.
وينبغي أن أضيف أيضا مجموعة أخرى من القضايا التي ينفرد بها اللاجئون
الفلسطينيون، وهي أن مخيمات اللاجئين تكتسب جزءا أساسيا من
طبيعتها من شخصية الأشخاص الذين يعيشون فيها، أي قدراتهم
ومصادر قوتهم وتطلعاتهم، وأيضا من إمكاناتهم كأشخاص.
وفي الوقت الذي كانت تلك القضايا المتداخلة تجول بخاطري خلال تلك الزيارات
التي قمت بها إلى المخيمات، فإن ما استوقفني بشدة هو أنه
قد يكون حريا بعبارة "بعد ستون عاما" الموجودة في عنوان
خطابي أن يتم استبدالها بعبارة "ستون عاما من التأخير".
فبالنسبة للعدد الذي يزيد عن 4.4 مليون من اللاجئين
الفلسطينيين الذين تقوم الوكالة على خدمتهم، وبشكل مساو
بالنسبة للعديد من الملايين من الفلسطينيين الموزعين في
أنحاء المعمورة، فإن ذكرى ستون عاما على وجودهم في المنفى
لهو أمر لم يكونوا أبدا يحلمون بإحيائه.
لم تكن السنين التي مرت طيبة نحو شعب فلسطين. وسواء أقمنا بقياس الأمر من
ناحية إنسانية أم من ناحية التنمية البشرية أم من زاوية
حقوق الإنسان أو حتى الوضع الاجتماعي الاقتصادي، فإن
السنوات الستون الماضية لا يمكنها أن تعكس رأيا محابيا
تجاه ظروف الفلسطينيين. وعلى الرغم من أن العديد من
الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين قد حققوا نجاحا في
مختلف ضروب الحياة، إلا أن تلك المنجزات تعتبر فردية بشكل
رئيسي. وبالنسبة للفلسطينيين كشعب، فإن ثمار هذه السنوات
كانت مريرة، حيث النزاع المسلح والنزوح المتكرر والانقسام
الداخلي الفلسطيني والثوران الاجتماعي والصعوبات المادية.
كما وتوجب أيضا على الفلسطينيين أن يناضلوا ضد العمليات
السياسية التي كانت محمومة وجامدة في آن واحد والتي كانت
تصاحبها وعود كبيرة متناغمة في العادة مع خيبة الأمل
العميقة التي تخلفها ورائها، إضافة إلى الإحباط والغضب
واليأس الذي يصاحب خيبة الأمل تلك.
وحتى بعد مرور ستون عاما على النكبة، وعلى الرغم من الاحتلال القاسي في
الضفة الغربية وقطاع غزة والسنوات العديدة من الظروف
المزرية التي يعيشونها في أنحاء الشرق الأوسط، إلا أن
اللاجئين الفلسطينيين سيبقون معنا إلى حين التوصل إلى حل
عادل لقضيتهم، حل يكون قادرا على تلبية تطلعاتهم كشعب وليس
كأفراد.
فطالما بقي للاجئين حضور بارز في الشرق الأوسط، فإن القضايا التي هم مرتبطون
بها، وبشكل بارز سعيهم من أجل العيش بحرية دون احتلال
ورغبتهم في تحقيق تقرير مصيرهم والتمتع بالحقوق الأساسية
الأخرى لحقوق الإنسان، ستستمر باستثارة ضمير المجتمع
الدولي. وإلى أن يتم تحقيق حل لوضعهم ضمن إطار تسوية دولية
عادلة ودائمة، فإن الأسئلة العملية التي تطرحها احتياجاتهم
للتنمية البشرية ستبقى محل اهتمام الأونروا والوكالات
الأخرى. إن تلك الأسئلة هي التي تعمل على استثارة القيام
بتحقيق فكري وتوفير حافز لجهودنا من أجل تخفيف حدة الظروف
المعيشية للاجئين الفلسطينيين وتقديم يد المساعدة لهم في
نضالهم من أجل الحصول على كرامتهم الإنسانية.
إنني أصفق للمشروع الذي يتم إطلاقه في هذه الأمسية وأهنئ بحرارة أولئك الذين
حملوا تلك الفكرة واضطلعوا بها لتخرج إلى حيز الضوء. ومن
منظور إنساني، فإنني أقدر قيمة هذا المشروع كجزء من
المشروع الواسع والمستمر والذي تنخرط به وكالتي وأنا شخصيا
والذي يهدف إلى تحقيق الحماية والرعاية للاجئين
الفلسطينيين خلال سنواتهم الطويلة في المنفى.
وإضافة إلى الأصول الفكرية والبحثية التي سيقوم هذا المشروع بتوليدها، فإن
لديه الفرصة للعب دور مزدوج. فمع الأخذ بعين الاعتبار
الجذور العميقة التي تحظى بها في هذا البلد وهذه المدينة
بالذات، فإن الجامعة الأمريكية قادرة على تحقيق فهم
المنظور المجتمعي علاوة على استقلالها التام كمؤسسة غير
حكومية. إن هذه تركيبة قوية ستعمل على توضيح وعلى المساعدة
في صياغة حلول إبداعية للقضايا العملية العديدة التي يجب
معالجتها كتلك المبينة في وصف المشروع.
إن موضوع هذه الأمسية هو محاولة لتناول، ولو بشكل مبدئي، بعض من تلك القضايا
التي تقع في صلب المشروع الجديد.
إنني أعتقد أن التحديات التي تواجهها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ضمن
مجتمعاتها المضيفة تتحدد من خلال اتجاهين مختلفين ولكنهما
في نفس الوقت يعززان بعضهما البعض بشكل تبادلي وهما الحراك
الذي يعمل على الحفاظ على اللاجئين الفلسطينيين كمجموعة
مميزة والمدى الذي يمكن للقانون الدولي وللمارسة العالمية
الأمثل أن تنعكس على التعامل مع وإدارة مخيمات اللاجئين في
هذه المنطقة. إنني أدرك بأن هنالك العديد من الأبعاد
الكثيرة الأخرى للتحديات الموضوعة أمام المجتمعات المضيفة،
إلا أنني على ثقة من أن نقطة الأفضلية لتلك القضيتين قد
تساعد في إلقاء الضوء على مسائل السياسة العامة ذات
الأهمية بالإضافة إلى أنها ستعمل على اقتراح مجالات
استقصاء إضافية ليقوم بها الباحثون والممارسون.
وسأذكر بشكل مختصر بعض الأسباب المعروفة جدا والتي تجعل من العلاقة بين
مخيمات اللاجئين والمجتمعات المضيفة أمرا ذا حساسية، ثم
سأعرض بعض الطرق التي تربط القانون الدولي والتجربة
العالمية للاجئين ببعض تلك القضايا التي أثارتها مسألة
التعامل مع وإدارة مخيمات اللاجئين في هذه المنطقة. وخلال
ذلك، سأعرج على التجربة العالمية للاجئين من أجل توضيح
التماثل.
اللاجئون الفلسطينيون
كمجموعة مميزة
اسمحوا لي أن أبدأ ببعض الملاحظات المتعلقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين
باعتبارهم مجموعة مميزة ضمن مجتمعاتهم المضيفة. إن
ديناميكية العلاقة بين اللاجئين وبين المجتمعات المضيفة
تحددها العديد من العوامل التاريخية والثقافية والعرقية
والزمانية. وبشكل عام، فإن التماسك والتجانس يتعززان بوجود
تقارب في اللغة والثقافة والدين بين مجتمع اللاجئين
والمجتمع المضيف. أيضا، وفي حالة هذه المنطقة، فإنهما
يتعززان أيضا من خلال اعتراف المجتمع المضيف بتطلعات
اللاجئين ودعمه لتلك التطلعات. كما أن فترة الوجود في
المنفى تعتبر متغيرا هاما، حيث أن مسألة الاستيعاب تصبح
محتملة أكثر عندما تطول فترة البقاء في المنفى.
إلا أن التجربة الفلسطينية لا تنطبق تماما في هذا القالب، ففي لبنان وغيره
من بلدان الشرق الأوسط، فإن تلك القوى التي تعمل على
استثارة التمييز عن المجتمعات المضيفة هي التي تهيمن في
الغالب.
وتختلف مخيمات اللاجئين عن مناطق السكن الأخرى وذلك لأن
سكانها يعرفون أنفسهم من خلال الإشارة إلى تجربة طردهم
القسرية من وطنهم. وفي الحالة الفلسطينية، فإن تمييز
الفلسطينيين، والمواقع التي يعيشون فيها تتعزز من خلال
العديد من العوامل.
لقد كانت النزاعات التي حدثت في عامي 1948 و 1967 مدمرة بشكل استثنائي وذلك
لأنه بالإضافة إلى المعاناة الإنسانية التي عايشها
الفلسطينيون نتيجة فقدانهم العنيف لبيوتهم وممتلكاتهم وسبل
معيشتهم، فقد تم أيضا حرمانهم من الدولة التي كانت، ولا
تزال، تعمل على تحديد شخصيتهم الدولية. وفي ظل غياب دولة
فلسطينية، فإن البحث عن إنشاء دولة هو بحد ذاته أساس
التضامن الفلسطيني. ولهذا السبب، فإن مخيمات اللاجئين
تتعدى مسألة كونها أماكن للعيش، بل هي أيضا تمثيل رمزي
للنضال الفلسطيني لإنشاء دولة وإعلان لرفض السماح لمسألة
تردي ظروف اللاجئين من أن تقوم بتحويل أنظارهم لتحقيق
تطلعاتهم بالعودة.
إن هذه المشاعر القوية من الجانب الفلسطيني يتم إعطاؤها دلالة مغايرة من
منظور المجتمعات المضيفة. فغياب الدولة الفلسطينية يعني
عدم وجود أساس متين وواقعي يمكن أن تستند عليه المجتمعات
المضيفة في توقع إنهاء معاناة اللاجئين في المستقبل القريب
أو حتى المنظور (وهذا ما بدا واضحا خلال السنوات الستين
الماضية). وقد يكون إدراك الفلسطينيين بأن النضال المزمن
طويل الأجل من أجل الحصول على موارد محلية ووطنية محدودة
هو أحد المصادر المحتملة لهذا التوتر.
ويصبح التحدي أكبر بصورة ملحوظة في الوقت الذي تبدأ فيه
القضايا الديموغرافية بلعب دورها على المجال الوطني في
الدول المضيفة، وتحديدا عند أولئك الأشخاص الذين يتضمن
واقعهم أصلا مصالح حزبية قوية وإجماع سياسي هش. واستنادا
إلى إحدى الدراسات، فإن الشعب الفلسطيني الذي كان يبلغ
تعداده 1.3 مليون نسمة في عام 1948 قد أصبح الآن يزيد عن
العشرة ملايين نسمة يتوزعون في أرجاء المعمورة. وحيث أن
عدد الفلسطينيين يزداد بمعدلات أكبر من معدلات الزيادة في
المجتمعات التي تستضيفهم، فإن المسائل التي تبقى والتي لها
علاقة بالمنافسة تتعمق من خلال القضايا الحساسة المتعلقة
بالتوازن الديموغرافي والتناسبية وفي بعض الحالات التمثيل
السياسي.
القانون والممارسة في
تجربة اللاجئين العالمية
خلال الدقائق القليلة الماضية، قمت باقتراح بعض من الأسباب الكامنة وراء ميل
الفلسطينيين للاحتفاظ بوضعهم المميز في منفاهم. وقد يكون
من المنصف القول أنه في بعض الحالات ساهم ذلك الميل في نوع
من العزلة وما يرافقها من ميل تجاه معاملة مختلفة من قبل
بعض المجتمعات المضيفة. إن القضايا المثارة في تلك الشواهد
تعمل بشكل جوهري على ربط مسؤولية الدول والسلطات الأخرى،
الأمر الذي يجعلها بذلك تقع في صلب القانون الدولي
وممارساته.
ويعتبر المضمون الدولي وثيق الصلة بالموضوع وذلك لأن اللاجئين يستحقون لنطاق
ما من الحماية بموجب القانون الدولي. إن تلك الاستحقاقات
يتم استثارتها عندما تضيع الحماية التي تتمتع بها البلدان
التي نشأوا منها ساعة فرارهم. إن هذا الاستحقاق يستند إلى
إلزامية المحافظة على الحريات الأساسية وعلى الكرامة
الإنسانية، ويستمد قوته من الطبيعة الحاسمة للمبادئ التي
تتطلب من الدول والكينونات الأخرى أن تقوم بحماية وتعزيز
تلك الكرامة. إن نتيجة تلك المبادئ تكمن في أن اللاجئين
الفلسطينيين، وحيثما كانوا يقطنون سواء داخل المخيمات أو
خارجها، يجب أن تتم معاملتهم وفقا لمبادئ قانون حقوق
الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي بشكل
عام.
وتتحمل الدول المسؤولية الرئيسية في ضمان أن يكون اللاجئون الذين يعيشون في
نطاق سلطانهم تتم معاملتهم بطريقة تتفق مع أحكام القانون
الدولي. وينبع من تلك المسؤولية الواجب الملقى على عاتق
الحكومات المضيفة في ضمان سلامة وأمن مخيمات اللاجئين
وتعزيز دور القانون داخل مجتمعاتهم وحولها. إن دور
الوكالات الإنسانية يعتبر حاسما للغاية في دعم وإكمال
الدور الذي تقوم به الدولة.
كما أن أهمية القانون الدولي تتعزز من خلال العلاقة وثيقة الصلة للتجربة
العالمية في إدارة شؤون المخيمات. إن مخيمات اللاجئين
قديمة كقدم ظاهرة التحركات السكانية الجمعية عبر الحدود.
وعبر عقود عديدة، كانت تلك المخيمات العامل المحفز ونقطة
الاختبار للتطبيق العملي لمبادئ اللجوء وحقوق الإنسان
وحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وجميعها تعتبر حاليا
أركانا أساسية لإطار العمل الحديث للحماية الدولية
للاجئين.
إن قضايا ممارسة الدول والسلطات التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين في
منطقتنا مشابهة، إن لم تكن صورة طبق الأصل، لتلك القضايا
التي واجهتها ولا تزال تواجهها تلك الدول والسلطات التي
تستضيف اللاجئين الآخرين. ومثال ذلك قضية الأمن داخل
مخيمات اللاجئين وارتباطها بأمن الدول المضيفة. وخلال
الحروب التي عصفت بأمريكا الجنوبية في أواخر عقد السبعينات
وفي الثمانينات من القرن الماضي، فإن الذين لجئوا من
السلفادور ونيكاراغوا وجواتيمالا إلى مستوطنات داخل إقليم
القارة الجنوبية قد تم تحديد هويتهم إلى حد بعيد أو قريب،
ارتباطا بالنضال المسلح من أجل تحرير أوطانهم. وقد أدى ذلك
الأمر إلى طرح عدد من التحديات الشائكة أمام البلدان
المضيفة والوكالات الإنسانية. وكانت إحدى المشاكل ذات
الاهتمام الخاص هي مشكلة التقيد بالمبادئ الراسخة التي تنص
على أن أماكن اللجوء يجب أن تكون بالكامل ذات طبيعة
إنسانية وليست مشتركة على الإطلاق في العمليات الحربية.
وكيف يمكن للبلدان المضيفة ولوكالات اللاجئين ضمان أن تكون
المخيمات خالية من العناصر المسلحة الذين يشكل وجودهم خرقا
للمبادئ الإنسانية والذين يعملون أيضا على اجتذاب الهجمات
عبر الحدودية بين المتنازعين في الدول المجاورة؟
وهنالك معضلة أخرى لا تقل إثارة هي الأخرى ظهرت ضمن السياق الجنوب أفريقي
خلال حروب التحرير من الاستعمار خلال عقد الثمانينات التي
كانت فترة عنيفة، حيث عملت حركات النضال من أجل الاستقلال
عن نظام الفصل العنصري والاستعمار وحكم الأقلية على اجتذاب
دعم دولي متفق عليه بالإجماع تجاه اللاجئين من جنوب
أفريقيا وناميبيا وموزامبيق وزيمبابوي. وقد تمت ترجمة هذا
الدعم في أحوال كثيرة عبر المساندة غير المشروطة لقادة
وأعضاء حركات التحرر الذين حافظوا على حضور مهيمن في
مخيمات اللاجئين، ومن بينهم المؤتمر الوطني الأفريقي الذي
قاد النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
بالإضافة إلى نظيره الناميبي منظمة شعوب جنوب غرب أفريقيا.
ومن المثير استذكار أن تلك المنظمات السياسية المسلحة قد عملت غالبا على
مساعدة الوكالات الإنسانية في إدارة شؤون مخيمات اللاجئين
والخدمات الإنسانية داخلها، على الرغم من أن بعضا من
نشاطاتها لم تكن متفقة بالكامل مع الشخصية الإنسانية
لمخيمات اللاجئين.
أما التجربة مع اللاجئين من رواندا والكونغو وبوروندي في إقليم البحيرات
الكبرى في منتصف التسعينات فقد أخذت تلك القضايا تجاه
مستويات أرفع من الخطورة. إن مجرد حجم اللاجئين مقرونا
بحدة النزاع ودرجة العمليات العسكرية كان يعني أن مخيمات
اللاجئين، وحتى وقتنا الحالي، عملت على إضفاء تأثير مانع
للاستقرار عبر المنطقة بأكملها. وهنالك العديد من الأمثلة
المشابهة، كما في حالة مخيمات اللاجئين في جنوب شرق آسيا
وجنوبها، بما في ذلك الباكستان وإيران.
سؤال ؟؟
لقد قمت بالإيحاء بأن اللاجئين الفلسطينيين يشتركون بشدة بهوية مشتركة تمت
صياغتها حول موضوع الاضطهاد والبقاء على قيد الحياة في
المنفى. وقد تحدثت أيضا حول علاقة القانون الدولي والتجربة
العالمية للاجئين بالقضايا التي تثيرها مخيمات اللاجئين
الفلسطينيين. هل للتجربة العالمية للاجئين علاقة بالوضع في
لبنان وغيره من البلدان في الشرق الأوسط؟ إن هذا السؤال
بالفعل يستحق أن يحظى بالنقاش وبالتحقيق المطول، وهو سؤال
أترك أمره لكم بصفتكم باحثين وخبراء لتقوموا ببحثه. وعلى
اية حال، فإن كانت التجربة السابقة يمكن أن تعتبر دليلا
يمكن الاعتماد عليه، فإنني أتوقع أن الإجابة ستتمحور حول
الشخصية الفريدة لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين وحول الظروف
الخاصة لكل دولة وسلطة مضيفة في هذه المنطقة.
ملاحظات ختامية: الوضع
الحالي في لبنان
وقبل أن أختم ملاحظاتي، أود أن أتحدث باختصار عن ظروف اللاجئين الفلسطينيين
في لبنان. ففي العديد من المجالات، فإن التجربة الفلسطينية
في لبنان تمثل الثمار المرة التي أشرت إليها آنفا. إن
الفقر المفرط والمضطرد علاوة على الظروف المعيشية القاتمة
يعتبران واقعا للأغلبية من اللاجئين، بما في ذلك العديد من
أولئك الذين يعيشون خارج المخيمات والذين تبلغ نسبتهم 53%
من مجموع عدد اللاجئين. وتحتل مخيمات اللاجئين نفس المساحة
التي كانت تحتلها في العام 1948، على الرغم من أن عدد
اللاجئين المسجلين قد تضاعف إلى ما يقارب أربعة أضعاف.
إن الصعوبات المادية التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون قد ضاعفتها، وفي بعض
الأحيان تسببت بها، قيود سوق العمالة والقيود الأخرى. وفي
صيف عام 2005، أعلنت الحكومة عن تخفيف تلك القيود على
الرغم من أن أثر ذلك لم يكن ملموسا بشكل كبير.
وفي ظل هذه الظروف، فإن خدمات الأونروا تعتبر حبل السلامة الأساسي للاجئين
الفلسطينيين. فمن خلال الرعاية الصحية والتعليم والدعم
الممنوح للفقراء، فإننا نناضل من أجل الاستجابة لاحتياجات
أولئك الذين يعتبرون الأشد عرضة للمخاطر، على الرغم من
أننا نكافح أيضا على جبهة نقص التبرعات المقدمة لموازنتنا
العامة. إننا لا نزال قلقون للغاية من أن الظروف في
المخيمات تعمل على تقليل الأثر الذي تحدثه خدماتنا للرعاية
الصحية الأساسية وبأن تدني احتمالية التوظيف تعمل على
تثبيط همة الشباب تجاه التحصيل الدراسي، ويظهر ذلك واضحا
في تسرب الأطفال من المدرسة حتى قبل إنهاء تعليمهم
الأساسي.
إن الأونروا ومعها اللاجئون الفلسطينيون الذين تخدمهم الوكالة محظوظون بأن
يكون رئيس الوزراء السيد فؤاد السنيورة وحكومته شركاء
يعملون بسخاء على تحسين أوضاع اللاجئين والآفاق المتاحة
لهم. إننا ممتنون للدعم النشط الذي تستمر الحكومة
اللبنانية بتقديمه لبرنامج تحسين المخيمات لدينا والذي
يجري تنفيذه في كافة أرجاء البلد ولمبادرتها بتوفير وثائق
هوية للفلسطينيين الذين ليس لديهم تلك الوثائق. وإننا
نتطلع نحو شراكة مع الحكومة ومع الهيئات الأخرى في سبيل
جهود إعادة إعمار وإصلاح نهر البارد.
وفي ظل الظروف الحالية، فلن يكون هنالك أمن بشري ولا كرامة إنسانية أو تنمية
بشرية للغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين. إن ظروفا
كتلك تذكرنا بأنه في الوقت الذي تعتبر فيه مسائل القانون
الدولي ومسؤولية الدولة وإدارة شؤون مخيمات اللاجئين أمورا
هامة، إلا أن الأولوية الملحة بالنسبة لنا في لبنان يجب أن
تتمثل في ضمان تأمين ظروف حياة لائقة وسبل معيشة مستدامة
للاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون داخل وخارج المخيمات.
وأخيرا، آمل أن أكون قد زودتكم بالقليل من الغذاء الفكري حول القضايا التي
يجب أن يتم إيلاؤها المزيد من النقاش والتوضيح (حتى من
قبلي أنا وزملائي)، وهذه القضايا التي تعتبر من وجهة النظر
الإنسانية ومنظور التنمية البشرية لدى الوكالة قضايا يمكن
أن تعمل على تحفيز بحثكم والعمل الذي تقومون به في مجال
تنمية السياسات.
وبالنسبة لنا في الأونروا، فليس هنالك من مكافأة أعظم من إحداث اختلاف إيجابي
في حياة اللاجئين الفلسطينيين. وإنني على ثقة من أن
مشروعكم سيساهم في سبيل نفس هذا الهدف.