|
الضيوف
الكرام وأصدقاء الأونروا
:
شكرا لكم جميعا على حضوركم. وأوجه شكرا خاصا لمعهد الشرق
الأوسط لاستضافته هذا الحدث، وأوجه الشكر أيضا لشركائنا في
رعاية هذه الأمسية: مؤسسة السلام في الشرق الأوسط ، وجمعية
أصدقاء الأونروا.
في مجال العالم الإنساني وحماية اللاجئين، فإن عبارة
"ماذا بعد ذلك؟" هي السؤال الذي تصاحبه مجموعة من الدلالات
المحتملة. وخلال الأعوام التسعة عشرة والتي أمضيتها مع
المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة قبل
انضمامي للأونروا، شاهدت اللاجئين من كل قارة يعانون من ما
يشار إليه غالبا باسم "دورة اللاجئين". لقد كانت كل واحدة
من تلك الفئات من اللاجئين تعاني من الاضطهاد أو الخوف منه
وكانت تعيش صدمة الفرار واليأس الناجم عن البحث عن مكان
آمن للجوء وتجربة اللجوء تحت حماية القانون الدولي.
ومع ذلك، وفي نهاية المطاف، فإن غالبية اللاجئين قد وجدوا
الإغاثة والفرح المتمثل في في إيجاد حل دائم لمحنتهم.
والملايين منهم عادوا إلى بلدانهم الأصلية، حتى ولو لم تكن
عودتهم إلى بيوتهم الأصلية، لكي يبدأوا باستعادة ما فقدوه
ولكي يعيدوا بناء حياتهم بكرامة. ولأولئك اللاجئين، وعلى
الرغم مما قد مروا به خلال رحلة فرارهم ولجوئهم، إلا أنه
قد حانت لهم لحظة كان فيها سؤال: "ماذا بعد ذلك؟" مطروحا
بترقب شديد؛ وتوقع بأن الصراع الذي هو أساس وضعهم كلاجئين
قد كان على وشك أن يحل سلميا مما يسمح بتفشي روح من
التوافق والمصالحة والعيش المشترك لتضميد جراح الحرب
وللسماح بسيادة نظرة إيجابية للمستقبل.
وهنالك العديد من الجوانب التي تبتعد فيها تجربة اللاجئين
الفلسطينيين بشكل حاد عن معيار "دورة اللاجئين" التي تشير
إليها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. إن الفلسطينيين
يتحملون الاختلاف غير المرغوب فيه بالعيش في حالة معلقة من
النفي لمدة أطول من أي مجموعة واحدة من اللاجئين. وبالنسبة
لهم، ولذريتهم من بعدهم، فإن وضعهم كلاجئين يدخل الآن عامه
الستين. إن مدة بقائهم في المنفى هي فقط واحدة من السمات
المميزة. وهناك، إضافة إلى ذلك، الشخصية المشحونة لحالة
اللاجئ الفلسطيني والذي يتلخص بالمحنة غير العادية لحياة
الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي غزة، وبدرجة أقل في
لبنان.
وعلى خلفية هذه السمات، أي فترة الإهمال الفريدة التي
عانوا منها والصدمات المتكررة في حياتهم كلاجئين، فإن
سؤالا مثل "ماذا بعد؟" في السياق الفلسطيني يفترض نغمات
تختلف عن تلك التي يتم إطلاقها لغيرهم من اللاجئين في جميع
أنحاء العالم. والعرض الذي سأقدمه هذا الصباح سوف يعمل
بإيجاز على استكشاف جوانب قليلة من حالة اللاجئين
الفلسطينيين التي برزت بشكل حاد في عنواننا.
وكنقطة انطلاق، سوف أبدأ بلمحة مختصرة لأولئك الذين لهم
اهتمام فوري، إن لم يكن حصري، بسؤال "ماذا بعد للاجئين
الفلسطينيين"، وهم اللاجئون الفلسطينيون والأونروا. وسوف
أبين الوضع الذي يواجه الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين
في قطاع غزة والضفة الغربية، وسأشير إلى بعض الأسباب التي
تفرض أهمية وإلحاح سؤال "ماذا بعد". وسأختتم حديثي ببعض
الأفكار حول الشكوك التي تكتنف الفلسطينيين وبعض الإجراءات
التي يمكن أن يتخذها المجتمع الدولي لمعالجة ذلك.
وهنالك ما يقارب من
4,6 مليون
فلسطيني في الأردن وسورية ولبنان والأراضي الفلسطينية
المحتلة مسجلون لدى الأونروا كلاجئين الفلسطينيين. وبعض
الفلسطينيين الذين عاشوا خلال صراع عام
1948
لا يزالون موجودين بيننا. إلا أنه وكما يمكن للمرء أن
يتوقع، فإن نسبة كبيرة منهم تتألف من أحفاد أولئك
اللاجئين. وهم، على غرار آبائهم، لا يزالون لاجئين طالما
أن الحل الدائم لمحنتهم لا يزال بعيد المنال.
وعلى عكس ما يعتقد البعض، فإن استمرار وضع اللاجئين من
كبار السن إلى الأجيال الشابة ليس نظاما خاصا ممنوحا
للفلسطينيين. بل إنه تطبيق شرعي لمبدأ وحدة الأسرة، والذي
هي مبدأ راسخ في القانون الدولي للاجئين والممارسات
المتعلقة به علاوة على أنه سمة معيارية لحماية اللاجئين في
أنحاء العالم.
وحيث أن الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين قد ازدادو
عددا، فكذلك الأمر أيضا بالنسبة لعدد الأطفال والشباب. إن
حوالي
45,8%
من السكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة هم دون الخامسة
عشرة من العمر. وإلى جانب هذه النسبة المرتفعة من الأطفال
والشباب، فهنالك سمة أخرى بارزة لمجتمع اللاجئين هذا إلا
وهي ارتفاع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة لديهم والتي
تقدر بحوالي
92,4%.
كما أن هناك مؤشر آخر يدعو للاهتمام وهو نسبة الالتحاق
الإجمالي بالتعليم الابتدائي والثانوي والتعليم العالي.
فبالنسبة للأراضي الفلسطينية المحتلة فإن الرقم هو
82.4% [برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي: تقرير التنمية البشرية لعام
2008،
الأرقام لعام
2005].
إن مجموع هذه الخصائص تدل على مجتمع لاجئين على قيد
الحياة مع إمكانيات مشرقة ومكامن غير مستغلة. إن اللاجئين
الفلسطينيين يعكسون الشغف بالتعليم والفخر بالاعتماد على
الذات والتقدير العالي للإنجاز الفردي والمعترف بها على
نطاق واسع باعتبارها صفات للفلسطينيين في كل مكان. إن
الأسس المنطقية لبرامج الأونروا تكمن في اغتنام الفرص
للبناء على هذه الصفات المجتمعية الديناميكية للفلسطينيين
والاستفادة منها. وهي تكمن أيضا في ضرورة الحفاظ على تلك
الصفات في مواجهة التجارب القاسية التي فرضتها العقود
الطويلة من المنفى والوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة
بشكل خاص.
وبناء على ذلك، فإن عمل الأونروا يطلب ويحافظ على المساحة
الإنسانية التي تمكن اللاجئين من الحصول على الحماية
والرعاية التي يحتاجونها وعلى آثار الاحتلال والنزاعات
المسلحة والقيود المفروضة على حرية الحركة والتي يمكن
التخفيف منها.
ولا تقوم الأونروا ببذل قصارى جهدها لمعالجة احتياجات
اللاجئين فحسب، بل وأيضا للمحافظة على وزيادة مستوى
الخدمات التي تقدمها والتي تشمل التعليم الابتدائي
والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية وتحسين
المساكن والبنية التحتية والمشاريع الصغيرة وبرامج
الطوارئ.
وفي الوقت نفسه، فإننا نعي القيود الكامنة في مهمتنا. إن
جهودنا يجب أن تبقى في إطار مجال المساعدة الإنسانية
والتنمية البشرية. وهذا يعني أنه عندما يطرح سؤال: "ماذا
بعد؟" من قبل اللاجئين الفلسطينيين، فإن استجابة الأونروا
لا يمكن أن تكون إلا استجابة جزئية تعالج متطلباتهم
المحددة للخدمات العامة والاحتياجات الطارئة.
ولكن، ما هو الشيء الأكثر شمولا والأكثر عمقا من
الاحتياجات البشرية والتي يتقاسمها اللاجئون الفلسطينيون
في كل مكان؟ وماذا عن الحاجة الفلسطينية لأن تتم معاملتهم
معاملة كريمة، أو حقهم في تقرير المصير، فضلا عن حقوقهم
الإنسانية الأساسية وحرياتهم والحماية الأكبر للقانون
الدولي؟ إن عبارة "ماذا بعد بالنسبة للاجئين الفلسطينيين؟"
يتردد في أصدائها أسئلة لم تتم الإجابة عنها بعد وتتعلق
بالحريات غير المتحققة والحقوق والمصالح غير الممنوحة أو
المتجاهلة أو التي تم التغاضي عنها.
ولم تكن تلك الأسئلة أكثر وضوحا مما كان عليه الحال في
الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث شهدت سنوات الانتفاضة
الثانية تدهورا تدريجيا أكثر خطورة في نوعية حياة
الفلسطينيين.
الضيوف
الكرام:
إن
"ماذا بعد بالنسبة للاجئين الفلسطينيين؟" هو سؤال المطروح
على خلفية معاناة بشرية بالغة الشدة واحتلال عسكري وحدود
مغلقة واقتصاد يحتضر وأراض ممزقة تقوم المناطق الامنية
والمستوطنات غير الشرعية باقتناصها تدريجيا علاوة على صراع
داخلي وتهديد مستمر بصراع مسلح. وهو سؤال يتضمن في داخله
شكوكا لا تعد ولا تحصى ومترابطة حيال ما يخبئه المستقبل.
ومن الشكوك السائدة تلك المتعلقة بآفاق التوصل إلى تسوية
عن طريق التفاوض تعمل على توفير دولة فلسطينية قابلة
للحياة، دولة يكون عنوانها أن قضية اللاجئين يمكن حلها
بشكل عادل وأن الفلسطينيين يمكنهم من استعادة كرامتهم
بوصفهم أشخاصا.
ولدى قيامنا بالتأمل في ماهية تلك الاحتمالات وفي عملية
إدارة أعيننا للوراء للنظر في العوامل التي أثرت على مسار
العملية السلمية، فإن ملاحظتين يتبادران إلى الذهن جنبا
إلى جنب مع العناصر العديدة من عدم اليقين.
والملاحظة الأولى تتعلق بالتشكيلة المتنوعة من الاتفاقيات
والخطط والمؤتمرات والمبادرات التي تميز الطريق الشائك
للبحث عن السلام في الفترة من عام
1991
وحتى الآن. وقد أصبحت أسماء تلك الأحداث ذات صدى مألوف:
كمدريد وأوسلو واتفاقيات جنيف واتفاق الخليل واتفاق واي
ريفر وكامب ديفيد وقمة بيروت ومبادرة السلام العربية
وخارطة الطريق وأنابوليس.
إن كل واحدة من تلك المناسبات قد حظيت بيومها الخاص بها
وتعكس الحكمة التي كانت سائدة في سياق معين وتوفر مزيجها
الخاص من الانتهازية السياسية وصيغ الأراضي والوصفات لسلوك
أطراف النزاع واستعداد مزعوم لمعالجة القضايا الأساسية
بصورة شاملة. وهي مجتمعة تمثل قائمة بالأنواع التي يمكن
للمعلقين والاكاديميين والجهات السياسية الفاعلة أن
يختاروا منها البنود وحسب تفضيلهم وفقا لجدول أعمالهم أو
أولويات الوقت الحاضر. والمثل الذي يحضر على هذه النقطة هو
التقرير الذي صدر الأسبوع الماضي حول زيارة الرئيس
الإسرائيلي بيريز لمصر والذي أعلن فيها عن تفضيله لمبادرة
السلام العربية، وهو تفضيل ردده في ذلك الوقت وزير الدفاع
الإسرائيلي.
ومن المحزن التأمل في مدى ضعف ما قدمته هذه الوثائق
والقمم من نتائج ملموسة ودائمة للفلسطينيين العاديين. ومما
لا شك فيه أنه نظرا لعمق الحاجة إلى السلام، فإن لحظات
التوقيع تلك وتعاقب القمم قد كانت أوقات أمل مرتفع لجميع
الفلسطينيين. وعلى نفس المنوال، كانت خيبة الأمل هي حصتهم
وهم يشاهدون كل بند على تلك القائمة يذهب ويأتي تاركا
وراءه الاحتلال العسكري الذي لا يزال مستمرا في التعزيز
والأراضي التي لا تزال تتقلص.
والملاحظة الثانية تتعلق بالكيانات التي تقود عملية البحث
عن السلام. ففي السنوات الأخيرة، وخاصة منذ عام
2006،
شهدنا العديد من الدول الأوروبية والإقليمية التي كانت على
استعداد للعب دور أكثر صراحة في هذه العملية. والأمثلة
معروفة جيدا. ففي شباط
2007 قامت المملكة
العربية السعودية بوساطة لإنجاز اتفاق مكة قصير الأجل
والذي نتج عنه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وفي
حزيران من هذا العام، عملت وساطة قطر على جمع الأحزاب
السياسية في لبنان. أما الاتحاد الأوروبي، وفي ظل الرئاسة
الفرنسية، وجنبا إلى جنب مع تركيا، فقد عمل مؤخرا على
تحفيز التقارب بين سورية ولبنان، كما أننا نشهد ثمار
التدخلات المصرية في ضمان اتفاق بين فتح وحماس.
إن هذه التطورات إيجابية، لا سيما فيما يتعلق بمشاركة
الأطراف الفاعلة الإقليمية والتي تمتلك الموارد فضلا عن
التقارب الثقافي مع الفلسطينيين. فهذا صراع، وقبل كل شيء،
له مضامين إقليمية ودولية، وهو واحد، في عالم متعدد
الأطراف، يمكن للعديد من الكيانات التي تعمل بتناسق أن
تساعد على حشد الدعم من أجل موقف متوازن وشجاع لما فيه
مصلحة جميع الأطراف.
وسأتحدث الآن بإيجاز إلى تيارات الغموض التي تلف الجهود
من أجل التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وهي تسوية رئيسة
تتعلق بالتحولات المتوقعة في القيادة السياسية الإقليمية
والدولية خلال الأشهر المقبلة واحتمال تغيير السياسات التي
يمكن، أو لا يمكن، أن تبشر بالخير من أجل تسوية ذات معنى
متفاوض عليها. ونحن في الأونروا عادة ما نخطئ في الوقوف
بجانب جهة التفاؤل. ويحدونا الأمل في أن التقارير الأخيرة
حيال التقدم في الجهود المبذولة للتوفيق بين حماس وفتح
ستثبت أنه قائم على أسس متينة وعلى أن وقف إطلاق النار
سيستمر. ونحن على ثقة من أن الجمع بين هذين الحدثين سيوفر
الكفاية الصلبة والأساس المنطقي لتحولات سياسية في اتجاه
إيجابي تلبي مصالح الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
وفي الوقت الذي لا يزال هذا هو أملنا، فإن التفاؤل [حتى
ولو كان من نوع الأونروا الصعب،] لا يمكن أن يتجاهل الدروس
المستفادة من التجربة الطويلة. ولذلك فلا بد للمرء من
الالتفات إلى تيار آخر من عدم اليقين والمخاطرة، ألا وهو
شبح التطرف الذي يخيم على الأراضي الفلسطينية المحتلة
وأجزاء أخرى من المنطقة.
إن الوجود العسكري الإسرائيلي الغازي في الأراضي
الفلسطينية لا يزال على حيا وقويا وآثاره المدمرة بشريا
واجتماعيا واقتصاديا توفر ذريعة جاهزة لتبرير ردود فعل
عسكرية متشددة. وفي غزة، فإن المعاناة التي لا تميز والتي
يسببها إغلاق حدودها وغياب، بالرغم من وقف إطلاق النار، أي
تخفيف جوهري للحصار، يخدمان بمثابة صرخة تحث أولئك الذين
يرفضون التوصل لتسوية عبر التفاوض. كما أن قمع الفلسطينيين
في الضفة الغربية واستمرار إغلاق حدود قطاع غزة أمران لا
يمكن أن يتم التوفيق بينهما مع الاعتبارات "الانسانية".
ولهذا السبب وحده، فإنهما يتعارضان مع مصالح التسوية
السلمية حيث أنهما يغذيان الشعور بظلم تاريخي، والذي بدوره
يشجع على اللجوء إلى السلاح وعلى رفض أي اتفاق ينتج عن
طريق التفاوض.
إن استمرار الاحتلال وغياب الحل يحملان في طياتهما العديد
من المخاطر الأخرى لدولة فلسطينية في المستقبل. ويسود
الفقر والبطالة مع كل ما يترتب عليهما من مهانة إنسانية.
وكلما طالت مدة إغللاق الحدود وتقييد الحركة، كلما أصبح من
الأعمق والأأصعب القيام بعكس الأضرار التي لحقت بالصناعة
والتجارة والزراعة والخدمات العامة. ومن الناحيتين البشرية
والاقتصادية، فإن التكاليف الكاملة لهذه التدابير لا تحصى.
وأيضا، فإن تلك الآثار التي قد يخلفها ذلك النظام الموجود
في الضفة الغربية من أجل قابلية حياة أي دولة فلسطينية في
المستقبل هي عميقة وبعيدة المدى. فكيف يمكن لذلك الكيان
المكسور والضعيف اقتصاديا أن يخدم بوصفه الأساس لدولة
فلسطين؟ ولدى أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، ينبغي ألا
يفاجأ أحد بأن مفهوم حل "الدولة الواحدة" يثار باهتمام
متزايد بل وحتى ملح.
واسمحوا لي أن أشير إلى عنصر آخر من عناصر عدم التيقن
التي أتيحت لي الفرصة للتحدث بشأنها في مكان آخر. وذلك
العنصر هو المخاطر المرتبطة بالفشل في ضمان توفير قناة
للاجئين الفلسطينيين ليبثوا من خلالها مخاوفهم ومصالحهم في
مرحلة التفاوض. إن قضية اللاجئين قد تم تحديدها على أنها
واحدة من قضايا "الوضع النهائي" والتي يجب على الأطراف
معالجتها ضمن إطار اتفاق سلام شامل.
إن صوت اللاجئين، إن لم يكن وجودهم، على طاولة المفاوضات
يعتبر أمرا لازما إذا كان لا بد لأي اتفاق من هذا النوع أن
يكون عادلا ودائما ومقبولا لأولئك الذين يتم التوقيع
باسمهم. وأتحدث مرة أخرى تجربتي قبل الفلسطينية عندما أقول
أن أي اتفاق حقيقي على حلول لأوضاع اللاجئين ينبغي أن يشمل
الموافقة الواعية للاجئين أنفسهم. إن العملية بالنسبة
للاجئين الفلسطينيين ينبغي أن لا تكون مختلفة. وإن إهمال
شمول اللاجئين في رسم مسار مستقبلهم سيكون خطرا كبيرا.
وبالتحالف مع المشاركة والموافقة الواعية، فإن هناك حرية
الاختيار والتي هي مطلب ضروري لأي نوع من التوزيع الذي
يؤدي إلى تسوية عادلة ودائمة للاجئين الفلسطينيين. وفي بعض
الأوساط فإن الحديث عن حلول يميل إلى الإسهاب المفرط على
المبدأ حول هوية دولة واحدة أو أخرى، أو حول الافتراضات
التأملية بشأن العوامل الديموغرافية ومسارات العمل التي من
المفترض للاجئين اختيارها. إن تلك التوجهات تفشل في
التنوير ولا تعطي دورا لأولئك الذين لهم الحق في التقرير،
وأعني اللاجئين أنفسهم. وأتحدث مرة أخرى من تجربة سابقة،
وأود أن أقول أننا عندما نتيح لهم حرية الاختيار، فإن
اللاجئين غالبا يذهلوننا بالحكمة التي تتجلي في قراراتهم.
الضيوف
الكرام:
"ماذا بعد بالنسبة للاجئين الفلسطينيين؟" هي مسألة ليست
على شفاه اللاجئين الفلسطينيين فحسب، وإنما أيضا في أذهان
كافة الذين يعتقدون أن الصراع المسلح والظلم والمعاناة
الإنسانية لا مكان لها في عالم اليوم.
لقد أشارت ملاحظاتي الافتتاحية إلى كيفية أن، في وقت ما
في تجربة لاجئين آخرين، إثارة السؤال في العنوان يطرح مع
إحساس بتوقع إيجابي. وفي الوضع الفلسطيني، فإن سؤال: "ماذا
بعد ذلك؟" يكتسب نغمات مختلطة؛ واللمحات العابرة من
الإنجازات الممكنة تكون مثقلة بعدم اليقين والقلق، وربما
بقدر من الرهبة المنهكة بسبب خيبة أمل أخرى.
إن الصدى العالمي للقضية الفلسطينية هو ذلك الصدى الذي
جمع كل واحد اليوم ممن لديه مصلحة في المساهمة في تحقيق
مستقبل أفضل لهذا المجتمع المحاصر. إن الشكوك والمخاطر
التي ذكرتها حقيقية وشاقة، إلا أنها لا تزال ضمن سلطتنا
كمجتمع دولي لنتصدى لها، كل يلعب دوره الخاص.
والوكالة على استعداد للقيام بدورها. إننا سنكون أوفياء
للاجئين الفلسطينيين وهم يواجهون مستقبلا مفعما بالمخاطر.
ولا نزال نكرس أنفسنا للبحث عن الحماية والرفاه من خلال
برامجنا وسنسعى، من خلال الإصلاحات، للحفاظ على جودة
عملنا. ونحن ندعو الجهات المانحة لنا للاحتفاظ بثقتها
بالوكالة ولتضمن لنا أن سخائها يتماشى مع الاحتياجات
المتزايدة للاجئين. كما ونطلب منهم أيضا أن يضعوا في
اعتبارهم المساهمة التي يقدمها عملنا الإنساني في تعزيز
مناخ التسوية والاعتدال.
كما ويجب على المجتمع الدولي أن يقوم بدوره لتعزيز
المصالحة بين الأطراف الفلسطينية الرئيسية وعلى أن يقوم
سلميا وبطريقة متوازنة على حل النزاعات السياسية
والإقليمية الكامنة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إن
الهدوء السائد حاليا يتيح فرصة نادرة لإنهاء عقود من سفك
الدماء ووعود السلام. دعونا لا نفرط بهذه الفرصة لنحرير
الفلسطينيين من الحريات التي لم يتم استيفاؤها لهم والتي
تعمل على كبح إمكاناتهم. ودعونا نفعل كل ما في وسعنا
لإعطاء الفلسطينيين ما لدى اللاجئين الآخرين، وأعني بذلك
آفاقا واقعية لحياة كريمة خالية من الخوف وعدم اليقين
كمواطنين في دولة خاصة بهم.
|