|
الأعضاء
المبجلون لجمعية الأمم المتحدة في ألمانيا؛ الضيوف الكرام
:
إنه لشرف لي أن أحظى بالفرصة لأشاطركم بعض الأفكار حول عمل
الأونروا ووضع اللاجئين الفلسطينيين الذين تقوم وكالتي على
خدمتهم.
اسمحوا
لي في البداية بأن أقدم كلمة تقدير لجمعية الأمم المتحدة
في ألمانيا. إنني أرى في دعوتكم لي انعكاسا لاهتمامكم
باللاجئين الفلسطينيين الذين هم تحت ولاية الأونروا،
ومؤشرا على رغبتكم في الحصول على فهم أكبر لتعقيدات وضع
اللاجئين في الشرق الأوسط. وقد لاحظت أن رسالتكم في
الجمعية تؤكد على تصميمكم على إعلام الرأي العام الألماني،
وبطريقة متجردة وحاسمة، بأهداف ومؤسسات ونشاطات الأمم
المتحدة وعلى تشجيع الحوار حول تلك القضايا.
وإنني
لأرجو أن تعمل النقاشات التي ستتم هذه الليلة على تزويدكم
بالمعلومات وبالرؤية التي تساهم في تحقيق أهداف الجمعية.
إن
الأونروا تعمل في بيئة مليئة بالتحديات. وخلال الستين عاما
الماضية، تشكلت الجغرافيا البشرية والطبيعية في الشرق
الأوسط جراء سلسلة من الأزمات والنزاعات التي عملت على
اختبار شدة تحمل كل من الشعوب وحدود سلطة القانون الدولي.
وسأتطرق
لموضوع حديثنا هذا اليوم من خلال أربعة محاور؛ حيث سأتحدث
بإيجاز عن عمل الأونروا وأقدم وصفا للظروف التي يواجهها
اللاجئون الفلسطينيون في مناطق عملياتنا، مع التركيز على
المناطق الفلسطينية المحتلة. ثم سأقوم بعرض بعض من
التحديات التي نواجهها على صعيد العمليات لأختم حديثي ببعض
الأفكار المتعلقة بالمجالات الرئيسة التي ينبغي على
المجتمع الدولي أن يقدم المزيد بشأنها من أجل ضمان حماية
اللاجئين الفلسطينيين.
لقد
تأسست الأونروا في عام 1949 بهدف الاستجابة لاحتياجات
حوالي 750,000 من الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم ومورد
رزقهم خلال نزاع عام 1948. واليوم، فإن الوكالة تعمل على
خدمة 4,5 مليون من اللاجئين المسجلين لديها في غزة والضفة
الغربية والأردن ولبنان وسورية. إن أولئك اللاجئين يتمتعون
بحق الانتفاع من خدمات الوكالة. وعندما يجد اللاجئون
الفلسطينيون أنفسهم خارج مناطق عمليات الوكالة، فإن
المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والتابعة للأمم المتحدة هي
التي تضطلع بمسؤولية حمايتهم. إن هذا لهو مثال على التوزيع
الدولي للأدوار والذي يعتبر السمة المميزة لنظام الأمم
المتحدة. وفي الحقيقة، فإنه لا يوجد وكالة أو هيئة تابعة
للأمم المتحدة تعمل لوحدها. وتحديدا في عالم حماية
اللاجئين والحماية الإنسانية، فإن التعاون والتنسيق بين
الوكالات يعتبر أمرا لا غنى عنه.
إن
الأونروا هي وكالة تعنى بالتنمية البشرية والإنسانية.
وتتمثل رسالتنا في تزويد اللاجئين بالخدمات استنادا
للمعايير الدولية، بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية،
ويتضمن دورنا كذلك العمل على كسب التأييد لحقوق وكرامة
اللاجئين.
ونحن
نسعى إلى ضمان أن يصبح، أو أن يظل، كل لاجئ مشاركا فاعلا
ومنتجا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
لمجتمعه وأن يكون مطمئنا بأن حقوقه مدافع عنها ومحمية
ومصونة. إن كلا من وجود الأونروا وعملها يعتبران رموزا
مادية وحقيقة على اهتمام المجتمع الدولي باللاجئين
الفلسطينيين.
وتماشيا
مع الأهداف الإنمائية للألفية، وتحديدا تلك المتعلقة
بالقضاء على الفقر المدقع والمجاعة، وتحقيق تعليم أساسي
عالمي أو تحسين صحة الأمومة وفي نفس الوقت التقليل من
معدلات وفيات الأطفال، فإن التزام الأونروا يتركز على
تقديم المساعدة لأولئك الاشخاص الأكثر عرضة للمخاطر بسبب
الفقر أو التهميش الاجتماعي. إن كلا من التعليم الأساسي
والرعاية الصحية الأولية الشاملة والخدمات الاجتماعية
والإغاثة الطارئة والتدخلات الاجتماعية والتمويل الصغير
وتحسين المخيمات ودعم البنية التحتية تعتبر البرامج التي
تدور خدمات الوكالة في فلكها.
وتعمل
الوكالة على إدارة ما مجموعه 668 مدرسة ابتدائية وإعدادية
تضم ما يقارب من نصف مليون طفل في مناطق عملياتها الخمس،
كما وتدير الوكالة أيضا 127 مركزا صحيا تستقبل سنويا ما
يقارب من تسعة ملايين زيارة، كما أننا نقدم لما يزيد عن
250,000 من أفقر اللاجئين مساعدات مادية ونقدية.
ويعمل
على تقديم خدمات الوكالة حوالي 29,000 موظف معظمهم من
اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم. وأود أن أنتهز هذه الفرصة
للتعبير عن عميق شكري وامتناني لتفانيهم في خدمة الوكالة.
إن موظفي الوكالة الذين يعيشون ويعملون في الأراضي
الفلسطينية المحتلة يستحقون ثناء خاصا بسبب مرونتهم
وشجاعتهم في مواجهة ظروف عمل صعبة للغاية، وخطيرة في
الغالب.
واسمحوا
لي الآن أن أعرض لكم بعض التفصيلات حول تلك الظروف التي
تواجه اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية
المحتلة.
إن
كلا من غزة والضفة الغربية تتصدران عناوين الأخبار لدواعي
مأساوية وخاطئة. وتنحو وسائل الإعلام في الغالب على
التركيز على مجريات عملية المفاوضات أو على الحوادث
الدراماتيكية للنزاع المسلح وللعنف، والتي تنطوي في العادة
على حدوث خسائر في الأرواح. وعلى الرغم من أن تلك الجوانب
هامة، إلا أن هنالك العديد من الأبعاد الأخرى لمعاناة
الفلسطينيين والتي تكمن بعيدا عن أنظار رادار الاهتمام
لوكالات الأنباء العالمية. وإنني أوجه حديثي الآن إلى تلك
الوكالات.
بالنسبة
للغالبية من سكان قطاع غزة، فإن الوضع الإنساني والذي ما
يزال مستمرا في التدهور منذ العام 2000 قد تدهور بشكل أكثر
حدة عندما فازت حماس في الانتحابات التشريعية في بداية
العام 2006، ومرة أخرى عندما أدت الأحداث في حزيران 2007
إلى حدوث انقسام بين الضفة الغربية وغزة. إن التدهور
العنيف في الظروف المعيشية هو النتيجة المباشرة للإغلاق
القاسي ونظام العقوبات المفروضة على كامل سكان قطاع غزة.
إن
حوالي 90% من النشاط الصناعي قد توقف وخسر ما يقارب من
75,000 موظف يعملون في القطاع الصناعي وظائفهم. وقد أصبحت
الوكالة غير قادرة على التعامل مع حجم الطلب على برنامجها
لاستحداث الوظائف في غزة. وبحلول نهاية العام 2007، كان
هنالك 130,000 طلب مستوفية الشروط لإشغال 7,000 وظيفة
مؤقتة فقط (عدد الوظائف يحدده تمويل الطوارئ المتوفر).
واليوم،
فإن 80% من السكان، والذين يعيش معظمهم تحت خط الفقر،
يعتمدون على المساعدات الغذائية والمساعدات الإنسانية. ومع
ذلك، فإن الطعام الذي توفره الأونروا لا يغطي سوى 61% من
الاحتياجات اليومية للسعرات الحرارية. ونظرا للظروف
الاجتماعية الاقتصادية الصعبة والفقر المستشري، فإن
اللاجئين يفتقرون إلى السبل التي تمكنهم من استكمال
مساعدات الأونروا الغذائية بالمنتجات المحلية. إن الفاكهة
المتعفنة والعربات الفارغة والمليئة بالأتربة والغبار
تتجمع في المزارع وفي الأسواق بسبب إغلاق معبر كارني، الذي
يعتبر نقطة العبور التجارية الرئيسة، أمام حركة العبور
قاطبة باستثناء حركة عبور الحبوب التي تمر عبر الأحزمة
الناقلة.
إن
المعابر العسكرية التي تستخدم حاليا لعبور المساعدات
الإنسانية، وهي معبري صوفا وكرم شالوم، تفتح بشكل متقطع
وتغلق في بعض الأوقات حيث أنها مستهدفة من قبل المسلحين
الفلسطينيين، وهذا يؤدي إلى عواقب وخيمة على صحة الشعب
الفلسطيني، اللاجئين منهم وغير اللاجئين على حد سواء. ولا
يعتبر الغذاء المنتج الوحيد النادر، بل وأيضا فإن الأدوية
والملابس ولوازم المدرسة وحتى الماء، أو كل شيء تحتاجون
إليه أو أحتاج أنا إليه لنعيش حياة عادية إما غير متوفرة
أو أنها موجودة وبكميات ضئيلة في غزة.
وحيث
أن مواد البناء ممنوعة من دخول غزة، فقد اضطرت الأونروا
ووكالات الأمم المتحدة الأخرى إلى إيقاف مشروعات بقيمة 137
مليون يورو، حصة الأونروا لوحدها منها 60 مليون يورو. ولا
يمكن بناء وتشديد المدارس والعيادات علاوة على أن أعمال
الصيانة قد توقفت.
ومنذ
أن تم الإعلان عن غزة "كيانا معاديا" من قبل السلطة
المحتلة إسرائيل، حدث نقص حاد في الوقود والكهرباء أثر
سلبا على صالح الفلسطينيين؛ حيث أصبحت المستشفيات غير
قادرة على القيام بوظائفها علاوة على انهيار نظام المجاري
والصرف الصحي ومرافق البنية التحتية الأخرى الضرورية للصحة
العامة. وقد ازدادت أزمة الوقود عمقا عندما تم قتل ثلاثة
إسرائيليين، إثنان منهم من المدنيين، في هجوم على نقطة
عبور مخصصة للوقود بتاريخ 9 نيسان، الأمر الذي أدى إلى
إغلاق المعبر لعدة أيام. ومنذ أن تمت إعادة فتح ذلك
المعبر، لم يتم السماح بعبور سوى كميات محدودة من الوقود
الصناعي لمحطة توليد الطاقة وغاز الطهي.
وبسبب
الظروف البائسة، فإن نضال العديد من الأشخاص من أجل
البقاء، وحقيقة أن العديد من كماليات الحياة الحديثة ليست
متوفرة أو متوفرة وغير عاملة، فإن غزة تبدو وكأنها تعيش في
أجواء ما قبل العصر الصناعي. وقد أصبحت العربات التي تجرها
الحمير والجياد البديل الوحيد لنقل البضائع بدلا عن عربات
المحركات. كما أن العشرات من قوارب صيد السمك قد أصبحت
رابضة في أحواضها وغير قادرة على دخول البحر بسبب نقص
الوقود. أما الوالدين، فهم يقومون بالتضحية بلقمة العيش
الخاصة بهم من أجل إطعام أطفالهم. وقد أظهر استطلاع أخير
للرأي بأن 41% من سكان قطاع غزة يرغبون بمغادرة القطاع
"فورا". إن قول ذلك أسهل بكثير من عمله، حيث أن القليل جدا
من الفلسطينيين يحملون تصاريح تمكنهم من مغادرة القطاع.
كما
أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يعانون أيضا من سلسلة من
أشكال الحرمان الحاد على يد السلطة المحتلة؛ وتستمر مشاكل
توزيع الغذاء وسط مطالب متزايدة بالحصول على الخدمة من
مجتمع اللاجئين الذين تضاعفوا أكثر من أربع مرات منذ تأسيس
الأونروا. إن القيام بتقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية
عبر ما يزيد عن 500 نقطة تفتيش تعتبر أمرا مثبطا للهمم.
كما أن العوائق الموضوعة أمام حرية الفلسطينيين في التنقل
لا تزال مستمرة في الاشتداد بأشكال عدة من الطرق. إن هذا
يؤكد حقيقة أن التصريحات الخاصة بحصول تقدم وحدوث تنازلات
والتي يطلقها اللاعبون الدوليون لا ترتبط إلا قليلا
بالواقع المؤلم الذي يعيشه الفلسطينيون على أرض الواقع.
وهنالك
شبكة من البوابات ونقاط التفتيش والمعابر المنتشرة عبر
الضفة الغربية والتي تعمل على تجزئة جغرافية المجتمع
الفلسطيني ونسيجه الاجتماعي، كما أنها تعمل على منع أفراد
العائلة من زيارة بعضهم البعض، ومنع المزارعين من الوصول
إلى أراضيهم أو حتى منع تجمعات بأكملها من الوصول إلى
مرافق خدمات الصحة الأساسية. إن هذه التقييدات تؤثر على
موظفي الأونروا بالإضافة إلى أنها تعيق مقدرتنا على غيصال
الخدمة للاجئين المحتاجين لها.
كما أن هنالك مصادرة نظامية للأراضي تصاحبها إجراءات تعمل
على تقسيم وتجزئة الأرض وفي الوقت نفسه منع حرية التنقل
للفلسطينيين. إن الأرض الفلسطينية تتم مصادرتها بشكل منهجي
وتعسفي من قبل السلطات الإسرائيلية. إن هذا التوجه يبدو
آخذا في الازدياد وبشكل متواز مع عمليات البناء المتسارعة
للمستوطنات الإسرائيلية فوق الأراضي الفلسطينية. كما أن
قطعا كبيرة من الأراضي التي لم تتم مصادرتها على أرض
الواقع يتم استبقاؤها لغايات الاستعمال الحصري للمستوطنين
الإسرائيليين أو لغايات دعم أمن البنية التحتية. إن حوالي
38% من أراضي الضفة الغربية قد تمت مصادرتها أو أصبح
الوصول إليها غير ممكن للفلسطينيين. إن تلك الأراضي، بموجب
الاتفاقيات الدولية، مخصصة من أجل تأسيس دولة فلسطينية.
كما
أن جدار الفصل غير القانوني يعتبر واحدا من المساهمين
الرئيسيين في عزلة ومعاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وقد استمر بناء الجدار خلافا للرأي القانوني الصادر عام
2004 عن محكمة العدل الدولية، وقد أصبح طوله الآن يزيد عن
57% من الطول المخطط له والبالغ 723 كيلومترا. وعند
الانتهاء من بناء الجدار، فإنه سيكون قد استغل، أو أدى إلى
تعطيل، ما مجموعه 10% من أراضي الضفة الغربية، وسيجد حوالي
ربع مليون فلسطيني أنفسهم وقد تضرروا منه حيث أنه سيمنع
حوالي ربع الفلسطينيين الموجودين في القدس الشرقية من دخول
المدينة.
وإضافة
إلى القيود الحادة المفروضة على حريتهم في التحرك، فإن
الفلسطينيين في الضفة الغربية يعانون من نزوح قسري وتدمير
لمنازلهم. إن موظفي الأونروا ووكالات الأمم المتحدة الأخرى
والذين يراقبون هذا الوضع عن كثب يؤكدون أن 198 تجمع
يواجهون حاليا خطر النزوح القسري بسبب قربهم من المستوطنات
أو بسبب وقوعهم ضمن ما يسمى المناطق العسكرية. إن هذا يشمل
81 تجمعا للبدو الرحل وللآخرين الذين يعيشون بين الجدار
العازل وبين خط هدنة 1948 والمعروف بالخط الأخضر.
إن
تلك الظروف في الضفة الغربية تشكل العديد من التحديات
لمهمة الأونروا الإنسانية. وإلى حد ما، فإن نفس الشيء
ينطبق على غزة، وتحديدا فيما يتعلق بدخول مواد البناء
واللوازم الإنسانية. إن العديد من موظفينا الفلسطينيين
يمنعون من الحصول على تصريح لمغادرة غزة للمشاركة في
نشاطات تعقدها الأونروا، في الوقت الذي لا يتمكن فيه بعض
الموظفين الدوليين من الدخول إلى غزة أو يتمكنون من ذلك
بعد بذل الكثير من الجهد والعناء. إن هذه القيود المفروضة
على التحرك تقلل من فعالية عملياتنا وتعمل على زيادة
نفقاتها.
واسمحوا
لي أن أتحدث بسرعة عن الأمرين الآخرين اللذين يشغلان بالنا
على الصعيد العملياتي، ألا وهما أمن وسلامة موظفينا وعجز
الموازنة في ظل تزايد الطلب على خدماتنا.
ونظرا
لتواتر النزاع المسلح في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن
موظفينا في العادة يكونون معرضين لتحديات الإصابة بجروح
خطيرة أو أسوأ وذلك خلال قيامهم بأداء عملهم. وهنالك بعض
المناسبات التي لم يكن ممكنا خلالها القيام بأداء العمليات
بسبب اندلاع أعمال العنف. وعلى الرغم من أننا نولي أهمية
استثنائية لسلامة موظفينا، إلا أن عدد الموظفين
الفلسطينيين الذين يعملون لدينا وحقيقة أنهم أنفسهم جزء من
مجتمع اللاجئين يجعل من المستحيل علينا أن نضمن سلامتهم.
وفي عام 2007، قتل إثنين من موظفي الأونروا في غزة خلال
قيامهم بأداء مهام عملهم لينضموا إلى الضحايا البريئين
الذين سقطوا نتيجة العنف الناتج عن النزاع بين الفصائل.
وفيما
يتعلق بمطالب اللاجئين، فقد تضافرت عدة عوامل على زيادة
الضغط على خدمات الوكالة؛ وأحد تلك العوامل هو العنصر
الديموغرافي، وتحديدا الزيادة الطبيعة لعدد اللاجئين.
وهنالك أيضا التدهور الاجتماعي الاقتصادي الحاد الذي عمل
على تقليل أو إزالة توفر مزودي خدمة بديلين. إن آلافا عدة
من اللاجئين الذين كانوا لفترة قريبة قادرين على الاعتماد
على أنفسهم قد أصبحوا يتحولون إلى الأونروا بوصفها المصدر
الوحيد القادر على إغاثتهم من المصاعب التي أنتجها النظام
الصارم للإغلاق والعقوبات. وفي وقت تتصاعد فيه احتياجات
اللاجئين، فإن الأونروا تواجه عجزا خطيرا في التمويل. وكما
تعلمون جميعا، فإن الوكالة تعتمد بالكامل على المساعدات
الطوعية لتمويل ميزانيتها العامة، وتأتي غالبية تلك
المساعدات من الحكومات المانحة التي هي نفسها تعاني من
اكماش اقتصادي عالمي وتعاني أيضا، كما نعاني نحن، من
التزايد المتسارع في أسعار الوقود والغذاء.
السيدات
والسادة الأفاضل
:
إن
قيمة عمل الأونروا تجاه صالح وخير اللاجئين الفلسطينيين قد
أضحى معروفا للغاية. إن التداخلات الإنسانية وتداخلات
التنمية البشرية هي أكثر من مجرد تقديم المساعدات
والخدمات، بل هي توفير الأشخاص المحاصرين والذين هم عرضة
للمخاطر بالقوة التي تمكنهم من اجتياز الأزمات وإيصالهم
لبر الأمان نحو غد أفضل.
إنني
وزملائي نعي علاقة الثقة التي نتبادلها مع مجتمع اللاجئين.
وقد استطعنا اكتساب ثقتهم عبر العقود بفضل التقديم المستمر
للخدمة التي سنبقى مستمرين على تقديمها. وبغض النظر عن
الظروف غير المواتية للخدمة في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، إلا أن الأونروا ستبقى محافظة على وعدها للاجئين
الفلسطينيين.
إنه
من الواضح لي بأنه وفي ظل بيئة كتلك المتفشية في قطاع غزة
والضفة الغربية، فإن مدى وأثر العمل الإنساني سيبقى
محدودا. إن آثار عدم الاستقرار السياسي والنزاع المسلح
المتواصل والقيود الحادة تتمثل في أن أهداف التنمية
البشرية ستبقى عمليا غير قابلة للتحقق، الأمر الذي يعمل
على الحد من آفاقنا تجاه تحقيق الأهداف قصيرة المدى للحد
من معاناة اللاجئين الفلسطينيين. وينبثق من هذه القيود
إيحائين يعتبران واقعين ضمن العمل الإنساني في غزة والضفة
الغربية، وهما يشكلان جوهر الرسالة التي آمل أنكم ستقومون
بإيصالها خلال عملكم.
أول
تلك الإيحاءات هي أنه في الوقت الذي يجب أن تستمر فيه
التداخلات الإنسانية، إلا أنها يجب أن تكون مدعومة من قبل
عمل دولي قوي للتقليل من وعكس اتجاه الانتهاكات الخطيرة
التي يتم ارتكابها ضد الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.
إن انتهاكات كتلك لا يوجد لها مكان في عالم ينادي بالولاء
لميثاق الأمم المتحدة ويطالب أيضا "بالحقوق الاساسية
للإنسان وبكرامة وقيمة الشخص".
إننا
نحتفل هذا العام بالذكرى السنوية الستين للإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والذي يعتبر المقياس المعياري لالتزام
الإنسانية باحترام وحماية حقوق الكل. فمنذ ستة عقود نادت
الأمم والشعوب بإيمانها بجوهر الكرامة الإنسانية وأازمت
نفسها بالدفاع عن حقوق الإنسان. ومنذ ستين عاما، فإن
الفلسطينيون يتساءلون عن السبب الذي لم يتم احترام هذه
الحقوق فيما يتعلق بقضيتهم.
وفي
غزة، فإن المطلوب هو عمل دولي لتحديد الطرق الكفيلة بتجنب
إنزال إجراءات عقابية بحق كامل السكان الفلسطينيين هناك.
إن التوجه الحالي والذي فشل في التمييز بين الفلسطينيين
العاديين من أولئك المستهدفين حقا قد تسبب في إحداث
مستويات فاضحة من المعاناة الإنسانية. كما أن العمل الدولي
مطلوب أيضا لمعالجة الانتهاكات الخطيرة للحقوق والحريات
والتي تعتبر شيئا مألوفا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إن تلك الانتهاكات تحدث بدرجة ينبغي معها لفت اهتمام (بل
وأجرؤ على قول، تحذير) المجتمع الدولي بأكمله. إن
المسؤولين والمتنازعين من كلا الطرفين والذين يعتبرون
المسؤولين عن عن انتهاكات القانون الدولي يمكن، ويجب، أن
يتم تحديدهم ووضعهم موضع مساءلة.
والرسالة
الثانية تتعلق بالحاجة إلى دعم ومساندة النشاطات الإنسانية
أو إلى استبدالها برغبة قوية صلبة لحل النزاع ولخلق ظروف
من أجل تحقيق حل عادل ودائم. ولو تم منحهم حقوقهم السياسية
وحريتهم، وتحديدا حرية حركة البضائع والأشخاص، فإن
الفلسطينيين لن يكونوا بحاجة إلى تداخلات إنسانية،
وسيكونون قادرين على تحقيق تطلعاتهم الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية في سياق دولة مستقلة لهم، هي دولة فلسطين
الآمنة والمزدهرة والتي تعيش بوئام وسلام مع جيرانها.
إن
وجهات النظر تلك تعتبر حيوية لمنفعة اللاجئين، ومن الملح
أن تنعكس في عملية المفاوضات التي انطلقت في اجتماع
أنابوليس.
وإلى
أن يتحقق إنشاء دولة فلسطين، فإن المساهمات التي يقدمها
العمل الإنساني، على الرغم من أهميتها، لا يمكن أن تخدم
سوى كونها بديلا لحل سياسي ضروري. ومن أجل تحقيق هذه
الجائزة الجوهرية، فإن عملية البحث عن حل تفاوضي يجب أن
تكون متشربة بالاستقامة واحترام مبادئ العدل والمساواة
والمشاركة الشاملة.
والأهم
من ذلك كله، فإن تلك العملية يجب أن تضع في صلبها المصلحة
الأفضل للفلسطينيين العاديين وللاجئين الفلسطينيين؛ فهم
أولئك الذين سيعانون من مخاض تلك الأوقات الصعبة، وهم
الذين يجب أن يتم تأسيس الدولة الفلسطينية باسمهم وباسم
إنسانيتهم وآمالهم وقدراتهم.
|