|
شكراً، سعادة السفير، على تقديمكم اللطيف. إنكم بدعوتكم
لي للانضمام إليكم في حفل التخرج هذا، لستم تعبرون عن
تقديركم للأونروا ولي وحسب، بل والأهم من ذلك تقديركم
للاجئي فلسطين الذين نخدمهم. فلكم جزيل الشكر على منحنا
هذا الشرف.
يجب أن أقول كلمة تهنئة قلبية لكل من الخريجين الفخورين
بإنجازهم هذه الدورة. لا أحتاج لأن أذكركم بأن الأمن
العالمي حسب تعريفه عمل غير منتهي ويضع تحديات لا نهاية
لها أمام الحكومات والمؤسسات حول العالم. أنا واثقة من أن
المعرفة والأفكار التي اكتسبتموها من مركز جنيف للسياسة
الأمنية ستكون خير مرشد ومعين لكم في الأعوام القادمة.
أولاً – ملاحظات تمهيدية:
أود أن أبدأ بملاحظتين تمهيديتين تتعلقان بموضوعنا هذا
المساء "اللاجئون باعتبارهم الحلقة المفقودة في الأمن
العالمي". الأولى هي أنه فيما تحمل الدورة التي تخرجتم
منها عنوان "قضايا جديدة في الأمن العالمي"، فلا يمكن
اعتبار قضية لاجئي فلسطين "جديدة" بأي شكل من الأشكال. فقد
أصبحوا لاجئين بعد أن أجبروا على النزوح عن منازلهم لتجنب
تأثيرات نزاع مسلح كبير في العام 1948. وهذا ما يجعل لاجئي
فلسطين الفئة ذات أطول سجل من الشتات منذ الحرب العالمية
الثانية.
إن المدة الاستثنائية للشتات الفلسطيني ليست بحد ذاتها
القضية التي يجدر التركيز عليها، بل ما يجدر إبرازه واقع
أن النزاع الذي سبب النزوح الفلسطيني قبل تسعة وخمسين
عاماً لا يزال مستمراً، ولا يزال الحل العادل والدائم
لمحنة اللاجئين يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.
والنقطة الثانية التي ينبغي التأكيد عليها هي أن لاجئي
فلسطين، في حالة الشتات الممتدة التي يعيشونها، لا يزالون
يقفون في وجه العاصفة. فهم لم ينعموا بأوضاع الهدوء
والأمان كلاجئين، بل تحملوا عبر السنين وطأة النزاع المسلح
في غزة والضفة الغربية ولبنان. إن تجربة لاجئي فلسطين،
بالنظر إلى مواجهتهم المتكررة لتأثيرات النزاع المسلح و
الاضطرابات ، تقدم عبراُ ذات صلة مباشرة بعالمنا الراهن.
ثمة ملاحظة أخرى تتعلق بواقع أنه كثيراً ما يتم تطبيق
مفهوم "العبر المستفادة" على الوقائع بعد انقضائها. فنحن
نتفحص الأحداث ونتفكر فيها بعد أن تقع ويسكن غبارها، وفي
منظورنا أن نتعلم كيف نتجنب أخطاء الماضي فيما نسعى لتحسين
أدائنا المستقبلي. إن الظرف الفلسطيني لا يتماشى مع هذه
الرؤية لسبب واضح هو أن الأحداث لا تزال جارية على مستوى
من الخطورة والشدة بما يستحق أن يحظى بمختلف أشكال
الاهتمام الدولي. وبالنظر إلى أن المسألة الفلسطينية لا
تزال ملحة وتأتي في جوهر العديد من المواقف والمبادرات
السياسية، فأنا أقترح أن نحدد بعض المجالات حيث فشلت
المساعي الراهنة في تحقيق نتائج إيجابية. وبالتالي فبدلاً
من أن أشير فقط إلى "العبر المستفادة" حول قضية لا تزال
حية، سأوضح كيف أن الحكاية الفلسطينية تتحدى قيمة المساعي
الراهنة وفعاليتها. سأركز على رسالتين أساسيتين: أهمية
حقوق الإنسان لأي مفهوم للأمن، والحدود الملازمة لقانون
النزاع المسلح.
ثانياً – لا أمن بدون حقوق
الإنسان:
يذكرنا لاجئو فلسطين بأن الأمن أمر مركّب وغير قابل
للقسمة ويعتمد في المحصلة على احترام حقوق الإنسان للجميع.
فميثاق الأمم المتحدة والأدوات الدولية ذات الصلة تؤكد أن
لكل إنسان كرامته وقيمته المتأصلة. ومن شأن احترام حقوق
الأفراد وضمان أن يتم إعمال هذه الحقوق وتجسيدها بشكل
ملموس أن يساهم في الأمن الفردي، والذي بدوره يعد المنبر
الذي ينطلق منه بنو البشر بطاقاتهم الكاملة نحو تحقيق
التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية ويدعمون تقدم
مجتمعاتهم. وبالتالي فإن أمن دولة ما يعد المحصلة لأمن
الأفراد في نطاق تلك الدولة. وكلما كان السكان أكثر شعوراً
بالأمن والحماية، تكون الدولة أكثر أمناً.
يشكل لاجئو فلسطين جزءاً ملموساً من سكان الأرض
الفلسطينية المحتلة. وبموجب وضعهم كلاجئين، وكأشخاص محميين
في ظل القانون الدولي وكبشر، فهم مخولون بأشكال مختلفة من
الحماية بمقتضى القانون الدولي. إلا أن واقع التجربة
الفلسطينية يؤكد غياب هذه الحماية إلى درجة مقلقة. ولنأخذ
عدة أمثلة على الحقوق التي تتعرض لأوضح قدر من الانتهاك.
إن الحق في الحياة يصبح مثار تساؤل في ضوء ما يسببه
الاقتتال الفصائلي الداخلي والنزاع مع إسرائيل من خسائر في
الأرواح بين الفلسطينيين. كما أن احتجاز أكثر من 10.000
شخص في المعتقلات الإسرائيلية، ومن ضمنهم 116 امرأة و380
طفلاً، يثير التساؤلات حول مدى احترام الحظر على
الاعتقالات التعسفية.
من حقوق الإنسان الأخرى التي تتعرض للانتهاك في الأرض
الفلسطينية المحتلة حق كل فرد بالتمتع بمستوى معيشي مناسب
لضمان صحته ورفاهه. ولا شك أنكم تذكرون أن أول بند على
قائمة الأهداف الإنمائية للألفية هو القضاء على الفقر
المدقع والجوع، حيث يقضي الهدف المحدد بالعمل على خفض عدد
الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم إلى
النصف بحلول العام 2015. في غزة بالتحديد، تصبح هذه
الأهداف السامية دون أي مغزى بفعل الأوضاع
الاجتماعية-الاقتصادية المتردية، حيث يعيش 66% من
الفلسطينيين في فقر، بزيادة تصل إلى 30% عن العام 2005.
كما تضاعف معدل البطالة منذ العام 1999. وفي غزة أيضاً،
يعتمد 80% من السكان على المعونات الغذائية التي تقدمها
الأمم المتحدة، فيما يعيش 88% من اللاجئين تحت خط الفقر
المطلق.[1]
هذه الأوضاع العصيبة تعود بشكل كبير إلى العقوبات
الفعلية التي تفرضها إسرائيل والمجتمع الدولي منذ أوائل
العام 2006، والتي تم بموجبها، حتى وقت قريب، تعليق دعم
المانحين للسلطة الفلسطينية، وتجميد دفع المستحقات
الجمركية والضريبية من جانب السلطات الإسرائيلية. كثيراً
ما يتم إغفال أن هذه الأموال تخص الفلسطينيين في واقع
الأمر وتجمعها السلطات الإسرائيلية بالنيابة عنهم. وربما
يكون أشد مظاهر العقوبات وضوحاً أن 165 ألف موظف في السلطة
الفلسطينية لم يتلقوا سوى نصف رواتبهم في العام 2006.[2]
ومع ذلك، فالإحصاءات لا تروي القصة الكاملة للمعاناة
الإنسانية والكفاح اليومي لمواجهتها. فالقصة الفعلية
ترويها وقائع مثل لجوء البعض إلى الاستقراض من الغير الذين
لديهم القليل مما يمكنهم أن يعطوه أو إلى مقايضة ممتلكاتهم
المتواضعة عندما لا يتبقى لديهم المال. القصة ترويها تضحية
الأهالي بطعامهم ورعايتهم الصحية من أجل توفير الطعام
والرعاية الصحية لأطفالهم، وذهاب الأطفال إلى المدارس حفاة
أو دون الشواكل القليلة التي يحتاجونها لشراء بعض الطعام
أو أقلام الرصاص. نحن نرى أثر العقوبات في ارتفاع الطلب
على خدمات الأونروا في مجال الصحة والتعليم والإغاثة
والخدمات الطارئة، إذ أن بعض اللاجئين الذين كان بمقدورهم
أن يتجهوا في السابق إلى مصادر خدمات بديلة اضطرتهم
الضائقة للتحول إلى خدماتنا. وفي حالات عديدة، بدأ بعض
اللاجئين بطلب المساعدة للمرة الأولى بعد عقود من الزمان
سعوا فيها للاعتماد على أنفسهم. ينبغي القول أن هناك
تناقضاً حاداً بين الالتزام العالمي بالقضاء على الفقر
والقرار بفرض عقوبات على الفلسطينيين بقدر من الشدة يكفل
انتشار الفقر على أوسع نطاق. وهذا التناقض لا يمكن تجاهل
أثره على الفلسطينيين.
تستحق الضفة الغربية المحتلة ذكراً خاصاً هنا. فهناك
طيف واسع من حقوق الفلسطينيين التي يتم انتهاكها بشكل خطير
وبانتظام بسبب أثر النزاع المسلح على المدنيين والسياسات
التي تفرضها دولة الاحتلال. ففي ظل الحواجز والعوائق
العسكرية التي يصل عددها إلى 549 حاجزاً – بزيادة بنسبة
44% عن العام الماضي، ونظام التصاريح المطبق بشكل متشدد،
والنظام الجائر الذي يقسم المنطقة إلى كانتونات،
والاستمرار في بناء الجدار الضخم، يصبح الفلسطينيون في
الضفة الغربية، ببساطة القول، محرومين من الحق في حرية
الحركة، ومحرومين كذلك من الكرامة التي تعد مواثيق حقوق
الإنسان بكفالتها لكل بني البشر.
يصف تقرير صدر عن البنك الدولي في أيار/مايو هذا العام
ما لحق بسبل المعيشة للفلسطينيين من تدمير جراء الجدار
والنظام المصاحب له.[3]
ويشير التقرير إلى أنه فيما تشكل العقبات المادية بحد
ذاتها عائقاً شديداً، تعد العقبات الإدارية الوسيلة
الرئيسية التي تسبب أكبر قدر من الضرر بحياة الفلسطينيين.
ويستعرض التقرير بعض التفاصيل بخصوص كيف تستخدم سلطة
الاحتلال سجل السكان الفلسطينيين لتحدد مكان سكن كل
الفلسطينيين الذين يزيد عمرهم عن 16 عاماً وتفرض سيطرة
صارمة على حركتهم. كما يصف التقرير نمو المستوطنات، بما
فيها العديدة التي بنيت على أراض تعود ملكيتها الخاصة
للفلسطينيين، وزيادة عدد المستوطنين من 126 ألف في عام
1993 إلى المستوى الراهن الذي يقارب 250 ألفاً. كما يورد
التقرير ذكر العنف الذي يرتكبه المستوطنون باعتباره "مصدر
قلق متزايد".
هذه كلها أمثلة على انتهاكات حقوق لاجئي فلسطين وحقوق
الفلسطينيين بموجب القانون الدولي. ولا يمكنني هنا أن أغفل
عن ذكر حق آخر للفلسطينيين كشعب، وهو حق تقرير المصير،
والذي يخول الفلسطينيين، على نحو ما يؤكده ميثاق الأمم
المتحدة والعهود الدولية، بأن يكونوا "أحراراً في تقرير
مركزهم السياسي وأحراراً في السعي لتحقيق نمائهم الاقتصادي
والاجتماعي والثقافي".[4]
هذه هي الدعامة القانونية للمناداة بقيام "دولة فلسطين".
في الواقع هذا هو الحق الذي يطمح إليه الفلسطينيون في
المحصلة، وخاصة أنه يعتبر – بما في ذلك ضمن إطار اتفاقيات
أوسلو – شرطاً أساسياً لحل مشكلة الشتات المتواصلة للاجئي
فلسطين. وواقع أن عدم تمكن الفلسطينيين من إنجاز هذا الحق
يعد سبباً للإحباط الشديد. فهذا هو مصدر الإحساس الدائم
بالفقد والظلم الذي يسود في أوساط العديد من الفلسطينيين
وكذلك في مختلف أنحاء الإقليم – وهو إحساس يقدم مبرراً
جاهزاً لسيادة النزعة العسكرية.
قمت بوصف بيئة الانتهاكات الخطيرة للحقوق، حيث يعيش
الفلسطينيون، بهدف تأكيد رسالة مفادها أن التجربة
الفلسطينية تساهم في صياغة فهمنا للأمن. هناك جانبان لهذه
الرسالة. الأول هو أن بيئة تنحدر إلى هذه الانتهاكات
الخطيرة للحقوق لا يمكنها أن تتماشى مع مفهوم الأمن. ففي
وضع تتعرض فيه حقوق قطاعات كبيرة من السكان إلى انتهاكات
فاضحة، لا يمكن للمنتهكين أو المنتهكة حقوقهم أن يشعروا
بالأمن. إن أمن الدولة ليس بالحجة الكافية لتبرير انتهاكات
حقوق الإنسان. وليس بإمكان أية دولة تنتهك حقوق الإنسان
بشكل معتاد أن تشعر بالأمن مطلقاً. ومن المنطلق ذاته، لا
يمكن لأية دولة أن تحقق الأمن في عزلة عن الغير. بل على
النقيض من ذلك، إن أمن كل دولة مرتبط بشكل عضوي بسلامة
وحماية من هم في نطاقها وحولها.
الجانب الآخر هو أن كل ما تحققه الأونروا والوكالات
الأخرى من خلال المساعدات الإنسانية لا يمثل إلا جزءاً من
الكل، ولن يكون قادراً بمفرده على ملء فراغ الأمن الإنساني
ولا يعفي السياسيين من مسؤوليتهم في معالجة القضايا
الاقتصادية والسياسية الحرجة. ولن تكون التدخلات الإنسانية
وتدخلات التنمية البشرية ملموسة ومستدامة إلا عندما تأتي
في تكامل مع العمل السياسي الهادف إلى حل النزاع.
ثالثاً – قصور آليات الكبح في
النزاع المسلح:
منذ أن بدأت الانتفاضة الحالية سنة 2000، ظلت الأرض
الفلسطينية المحتلة مسرحاً لنزاع مسلح متواصل بين إسرائيل
والجماعات الفلسطينية المسلحة. وأضافت الانتخابات
البرلمانية في أوائل سنة 2006 بعداً دولياً لهذه المعركة.
يتسم النزاع بالتقلب في درجة شدته، سواءً في جانبه الداخلي
أو الخارجي، فيشهد فترات من الهدوء النسبي تقطعها معارك
ضارية. وبغض النظر عن مستوى الشدة التي وصل إليها هذا
النزاع الداخلي والدولي في وقت واحد، فقد ترك أثره على
أرواح المدنيين إلى درجة مقلقة للغاية.
ومن المحزن الإشارة إلى أن الفصائل الفلسطينية، في خضم
صراعها الداخلي الذي وقع في غزة في الأسابيع الأخيرة، لم
تول اهتماماً خاصاً بحماية أرواح المدنيين. فثمة تقرير
يشير إلى أن الاقتتال قد أودى بحياة 146 فلسطينياً، منهم
36 مدنياً، بمن فيهم خمسة أطفال وثماني نساء.[5]
عند النظر في الأثر الذي يتركه النزاع المسلح على أرواح
الفلسطينيين، يكون من الصعب على المرء أن لا يثير التساؤل
حول مدى كفاءة الحماية التي يقدمها القانون الدولي
الإنساني.
إن القانون الدولي، حسب فهمي له، يقدم مجالات مختلفة من
الحماية لحياة المدنيين وسبل زقهم وممتلكاتهم في أوضاع
النزاع المسلح كما هو الأمر في ظل الاحتلال. ومن الطبيعي
أن تأتي هذه الحماية من الالتزام بمبادئ محددة ومعروفة
جيداً، تعود أصولها جزئياً إلى المفاهيم التاريخية القديمة
للشرف والبسالة وأخلاق الفرسان والإقدام. فعلى المقاتلين
أن يمارسوا الضبط في قيامهم بالنزاع المسلح وفي اختيار
الوسائل لتنفيذ النزاع. وينبغي أن يضمنوا أن تكون تأثيرات
الحرب محدودة إلى أقصى حد ممكن بالمجموعات التي تشارك في
القتال وأن لا تطال المدنيين وغير المقاتلين. ويتوقع من
المقاتلين عند الحكم على التناسب والضرورة العسكرية أن
يعطوا الأولوية لتجنب قتل المدنيين وغير المقاتلين أو
إصابتهم أو الإضرار بأملاكهم.
إن التجربة التي تشهدها الأرض الفلسطينية المحتلة تمثل
اعتداءً على القانون الإنساني الدولي والمبادئ التي يقوم
عليها. فلا يبدو أن أياً من الأطراف قادر على الإقرار
بضرورة وضع اعتبارات الإنسانية على مستوى متكافئ مع
الغايات الأمنية والعسكرية. فكل الأطراف تنغمس بانفعال في
إثبات أحقية قضيتها بحيث تصبح عاجزة عن ممارسة الضبط على
ساحة المعركة وغير قادرة على الحكم بشكل موضوعي على
المسائل الحيوية التي تقوم عليها فعالية القانون الدولي،
وهي تحديداً الضرورة والتناسب والاعتدال في اختيار الوسائل
العسكرية، بما يشمل النزاعات الداخلية.
في ضوء هذه الاعتبارات الجدية، تضعنا التجربة
الفلسطينية أمام تحدٍّ في أن نحدد بصرامة أشد ونعلن بصورة
أوسع عن وسائل وأساليب القتال التي يمكن السماح بها في
الأرض الفلسطينية المحتلة.
إذا أبقينا في ذهننا أن غزة والضفة الغربية من بين
المناطق السكانية الأكثر اكتظاظاً في العالم، فيمكن أن
نثير التساؤل حول مشروعية استخدام القصف المدفعي وغيره من
الأسلحة ذات العيار الثقيل وغير دقيقة التصويب في هذه
الأماكن. أليس الوقت مناسباً، ربما، لفرض حظر عاجل على
استعمال هذه الأسلحة في سياق الأرض المحتلة؟ يمكن أن تتمثل
إحدى الحجج القوية لصالح مثل هذه الخطوة في أن استخدام
الأسلحة ذات العيار الثقيل وغير دقيقة التصويب في الظرف
المحدد في غزة والضفة الغربية لا يمكن أن يتوافق مع مبادئ
التناسب واحترام أرواح المدنيين. أنا أقر بأنه سيتطلب
الأمر تجاوز عقبات سياسية وقانونية هائلة إذا شنا لحظر
كهذا أن يملك أية فرصة للخروج إلى النور. ولكن النفع الذي
يمكن تحقيقه من ناحية حماية الأرواح يستحق أن نقبل بهذا
التحدي.
رابعاً – الخلاصة: دور الأطراف
الدولية الفاعلة
فيما سبق، تطرقت إلى اثنتين من العبر العديدة التي يمكن
استخلاصها من التجربة الفلسطينية. لقد أشرت إلى أن الوضع
في غزة والضفة الغربية يوضح حقيقة أن احترام حقوق الإنسان
للجميع يقع في صميم أي مفهوم معقول للأمن بالنسبة لكل من
الإسرائيليين والفلسطينيين. وحاججت أيضاً في أن حجم
الضحايا المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة يشير إلى
وجود أزمة خطيرة في مدى الالتزام بقواعد القانون الإنساني
الدولي وأن ذلك يدعونا إلى التفكير بشكل مختلف وبجرأة حول
الكيفية التي يمكن أن تتم بها حماية المدنيين بفاعلية
أكبر.
في الختام، أود أن أذكر رسالة أخرى مفادها أن وضع لاجئي
فلسطين يقدم عبرة قوية للمجتمع الدولي، وخاصة للدول التي
تمثل الأطراف الرئيسية الفاعلة فيه. إن النزاع في الأرض
الفلسطينية المحتلة يمثل أحد أخطر الاختبارات التي يتعرض
لها الأمن الإقليمي والعالمي. فهو يعد وضعاً شاذاً في عالم
يسوده اتفاق عام على تعزيز حقوق الإنسان والعدالة والفرصة
الاقتصادية للجميع وعلى تقييد الأعمال الحربية ضمن حدود
إنسانية. يجب أن تصبح هذه المثل العليا في صميم أسلوبنا في
التعامل مع القضايا التي يثيرها هذا النزاع. وعلى الأطراف
الدولية الفاعلة أن تبني قراراتها وخطواتها العملية على
أسمى مُثـُل الإنسانية التي يصونها القانون الدولي. وعليها
أن تضع هذه المُثل السامية على مستوى واحد مع الاعتبارات
العسكرية والأمنية والسياسية وأن تسترشد بها في العمل مع
كافة الأطراف لبلوغ حل عادل ودائم لمحنة اللاجئين. وما لم
يتم التوصل إلى حل عادل يمكّن الفلسطينيين من الإحساس
بالأمان والحماية، فلن يتمكن لا الفلسطينيون ولا
الإسرائيليون من تحقيق السلام الذي ينشدون.
اسمحوا لي الآن بأن أختتم باقتباس يعبر بشكل بارع عن
الرسائل والإشارات التي يطلقها وضع لاجئي فلسطين. هذا
الاقتباس مأخوذ عن مسودة متقدمة لتقرير البعثة العليا
لتقصي الحقائق التي شكلها مجلس الأمن للتحقيق في أحداث
العام الماضي التي جرت في بيت حانون.[6]
لا شك أن العديدين منكم يذكرون أن البعثة التي قادها
الأسقف ديزموند توتو قد أعدت تقريرها على الرغم من أنها
منعت من دخول قطاع غزة. وقد جاء في الفقرة قبل الأخيرة من
تقرير البعثة ما يلي:
" لن نبلغ الأمن والأمان من خلال العزل أو الاستثناء.
إن أمننا وحريتنا الشخصية مرتبطان بشكل وثيق مع احترام كل
منا للآخر. لقد أظهرت تجربتنا أن الأمن لا يأتي من فوهة
بندقية. بل يأتي عندما نقر بحقوق الإنسان للجميع ونحترمها
."
هذه هي العبرة الأمنية الرئيسية التي تقدمها لنا تجربة
لاجئي فلسطين، وهي عبرة آمل أن تأخذوا بها عندما ترجعون
إلى بلادكم وتقدمون مساهمات ملموسة في السياسة الأمنية في
بلدانكم ومؤسساتكم.
المفوض العام
كارين أبو زيد |