|
السيدات والسادة الأفاضل:
إنني ممتنة للمركز الدولي لبحوث التنمية لقيامهم
باستضافتي، وأشكر لكم جميعا حضوركم من أجل تبادل وجهات
النظر حول قضية اللاجئين الفلسطينيين في الظروف المعاصرة.
وتتفقون معي بأن موضوع اللاجئين الفلسطينيين اليوم هو
موضوع حاد ومربك تماما كما كان عليه طيلة السنوات التسع
والخمسين الماضية. ومع مرور تلك العقود من الزمن، اشتدت
الحاجة إلى إيجاد حل عادل ودائم لهذه القضية، وتعاظمت
مجالات الارتباط بين المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية
وبين قضية الأمن العالمي. ولم تفلح معاناة العيش تحت
الاحتلال ولا المدة غير الطبيعية في المنفى من إضعاف حماسة
مسعى الفلسطينيين، باختلاف أماكن معيشتهم، نحو دولة
فلسطينية.
وفي المناطق التي تعمل الأونروا فيها، وهي الأردن وسورية ولبنان والأراضي
الفلسطينية المحتلة، وأعني بها الضفة الغربية وقطاع غزة،
يوجد هنالك 4,4 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لديها. وهذا العدد
أكبر بأكثر من خمسة أمثال العدد الذي كانوا عليه عندما تم
تهجيرهم من أوطانهم في العام 1948. وهم يشكلون تقريبا نصف
عدد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن هناك أيضا
عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في الشتات في شتى
أنحاء العالم، ويبلغ عددهم على الأقل نحو أربعة أو خمسة
ملايين بحسب بعض التقديرات. والعديدون منهم، بما فيهم
الموجودون هنا في كندا، قد أصبحوا مواطنين في أوطانهم
الجديدة. ومع ذلك، فإن الجرح النازف والمتمثل في مسألة
هجرتهم القسرية من أراضيهم قبل 60 سنة والتي لم يتم
تسويتها بعد لا يزال مستمرا في التأثير على كل فرد منهم
بطريقة مختلفة، وبصرف النظر عن الكيفية التي دبروا فيها
أمور معيشتهم.
وبالنظر لهذه الأبعاد المخيفة لقضية اللاجئين، وللأهمية
الكبيرة التي يفردها الإعلام العالمي لقضايا الفلسطينيين
ولماذا وكيف تم السماح للأوضاع في الأراضي الفلسطينية
المحتلة للوصول إلى وضعها الراهن؟ وبالنظر إلى الارتباط
الواضح بين هدف الفلسطينيين في إنشاء دولتهم وبين التوصل
إلى حل لقضية اللاجئين، فلماذا تم الإبقاء على تلك القضية
نسبيا تحت التعتيم، أو على الأقل مهمشة، في سياق الحلول
الإقليمية؟
لقد جاء اختياري لموضوع حديثنا هذا اليوم نابعا من الأسئلة
المشابهة ومن قناعتي من أن القيام بعمل مبدئي وديناميكي
جماعي من قبل المجتمع الدولي يمكن أن يشكل فرقا على حياة
وآفاق اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص، والفلسطينيين بشكل
عام. وإنني على ثقة من أن كندا التي تحظى باحترام الجميع
لتعدديتها سوف تلعب دورا بارزا عندما يتم الحديث عن تسوية
لقضية اللاجئين.
وسأبدأ حديثي بتقديم موجز عن برامج الأونروا التي
سأستخدمها لتوضيح قيمة العمل الإنساني المستدام والتنمية
البشرية. وسأتبع تلك المقدمة بوصف مختصر للظروف التي
يعانيها الفلسطينيون في تلك الأجزاء من منطقة الانتداب
البريطاني لفلسطين والتي تصنف من قبل المجتمع الدولي
بمعظمه على أنها مناطق محتلة. ومن بين مناطق عمليات
الوكالة الخمس، فسأختار التركيز على غزة والضفة الغربية
لأن اللاجئين هناك يواجهون أقسى التحديات. إنني أرى أن
الظروف التي يعيشونها هناك تنعكس قليلا على اتجاهات
ومنعطفات العمل الدولي الذي تم اتخاذه في السنوات القليلة
الماضية.
بعد ذلك سأقوم بإلقاء الضوء على بعض المجالات الرئيسة حيث
يمكن أن يقوم توجيه مختلف بتعزيز توفر بيئة تساهم في تعزيز
مصالح كافة القاطنين في المنطقة.
إن العمل الإنساني الذي تقوم به الأونروا وعملها في مجال
التنمية البشرية عبر العقود الماضية يعتبر أمرا ذا أهمية
واضحة. فنحن نعتبر منظمة كبيرة بكافة المقاييس، وذلك بوجود
ما يزيد عن 27,000 موظف يعملون في خمسة مناطق علاوة على
موازنة تبلغ 1.09 مليار دولار للسنتين القادمتين. إن
الانتشار الجغرافي لعملياتنا يقارن بحجم الخدمات التي
نقدمها للاجئين والطبيعة العامة لتلك الخدمات. وفي كل عام،
يقوم حوالي نصف مليون طفل، نصفهم من الإناث، بالذهاب إلى
مدارس الوكالة وذلك حتى سن الرابعة عشر. ويتعلم أولئك
الأطفال مناهج نفس الدولة التي يعيشون فيها في الوقت الذي
يتم تعزيز تلك المناهج بمساقات إجبارية تتعلق بحقوق
الإنسان والتسامح وحل النزاعات تقوم الوكالة بتدريسها لهم.
وفي كل منطقة من مناطق عملياتنا، توجد هناك مدارس مهنية
توفر ما يزيد على 5,600 فرصة تدريبية، مما يساعد على
الاستجابة للطلب على المهارات القابلة للتسويق لدى أفراد
الشباب اللاجئين. وكملاحظة جانبية، فإنني أود أن أضيف أنه
إن توفرت أموال إضافية من المانحين، وفي ضوء الطلب
المتزايد على مقاعد التدريب المهني، فإن الوكالة تستطيع أن
تقوم بزيادة عدد تلك المقاعد بشكل كبير. كما أن مدرسة
التدريب المهني للإناث في الضفة الغربية كانت الأولى من
نوعها في المنطقة.
وتقوم مراكزنا الصحية بخدمة ما يزيد على تسعة ملايين مريض
يقومون بزيارتها سنويا. وللعيادات سجل ناصع في القضاء على
الأمراض السارية إضافة إلى أنها استطاعت تحقيق نسبة 100%
في توفير مطاعيم الأطفال.
ومن خلال نشاطات الإغاثة والعمل المجتمعي، تقوم الأونروا
بتقديم يد المساعدة لمن هم أكثر حاجة وضعفا من بين
اللاجئين، بما في ذلك الذين يعانون من الفقر المدقع
والمعاقين وكبار السن. كما أن برنامجنا للتمويل الصغير
القادر على تمويل نفسه بنفسه يعمل على دعم الأعمال الصغيرة
بهدف توفير سبل معيشة مستدامة.
ويقوم برنامج الأونروا لتحسين المخيمات بانتهاج توجه شامل
لتحسين الظروف المعيشية للاجئين. فمن خلال بناء وإصلاح
البيوت المتهالكة والبنية التحتية الأساسية، فإن البرنامج
يسعى لتعزيز توفر بيئة صحية لحوالي ثلث اللاجئين الذين لا
يزالون يعيشون في المخيمات الثمان والخمسين للاجئين في
مناطق العمليات الخمس.
إن أثر عمل الأونروا على رفاه وصالح اللاجئين الفلسطينيين
لا يمكن المغالاة فيه.
ونحن نضمن أنه في المجالات الرئيسية التي تؤثر على التنمية
البشرية، فإن الحاجات الأساسية للاجئين تتم معالجتها
بطريقة منهجية يعتمد عليها، وتكمل تلك الخدمات التي تقوم
بتوفيرها السلطات المحلية لمواطنيها. ونحن نقوم بتوفير
خدماتنا مباشرة للاجئين معتمدين في ذلك على المهارات
المتوفرة لدى مجتمع اللاجئين أنفسهم.
كما أن اعتمادنا القليل على الشركاء في تنفيذ عملياتنا
يصاحبه تواجد ميداني مكثف في أوساط اللاجئين، الأمر الذي
يجعل الأونروا على معرفة وإطلاع وثيقين باللاجئين
وبالمجتمع الفلسطيني.
وبالإضافة إلى الإنجازات الملموسة في حقول الصحة والتعليم
والقطاعات الأخرى، فإن أهمية دور الأونروا
يجب أن يتم فهمه أيضا من منطلق إعادة تطمين مجتمع اللاجئين
الذي يفرضه وجودها ونشاطاتها وتوجهها العملي تجاه تقديم
الخدمة. إن إعادة التطمين تلك تساعد في التخفيف من إحساس
اللاجئين بالعزلة. ففي غمرة التوتر والنزاع المستمر في
منطقتنا المتوترة، فإن الإحساس بالمواساة والدعم الذي نعمل
على توليده لدى مجتمع اللاجئين يلعب دورا ليس بالقليل في
تعزيز بيئة مستقرة.
وينبغي أن أذكر بأن علاقتنا الوثيقة بالذين نقوم بخدمتهم
لا تكتنفها التحديات. ففي الوقت الذي تحاول الوكالة فيه
جاهدة في المحافظة على برامجها بذات الجودة العالية، فإننا
نجد أنفسنا في بعض الأوقات مقصرين، أو عندما يجبرنا عجز
الموازنة على القيام بالاختصار من مستوى نشاطاتنا التي لا
نعتبرها ضرورية. وفي تلك المناسبات، فإن سهولة وصول
المستفيدين إلى الوكالة يعني بأننا منعزلين قليلا بعيدا عن
سخطهم وعدم رضاهم. وقد سجلت مؤخرا بعض الحالات في الضفة
الغربية وقطاع غزة كانت سلامة موظفينا خلالها عرضة للتهديد
من قبل اللاجئين الذين يطالبون إما بتحسين نوعية الخدمات
أو بإعادتها إلى سابق عهدها.
كما نواجه أيضا نوعا مختلفا من التحديات وذلك عندما يقوم
البعض ممن نتحادث معهم بإساءة فهم تواجدنا العملياتي واسع
النطاق أو يقومون بشكل خاطئ بافتراض وجود ارتباط بيننا
وبين فصيل سياسي أو آخر. ولسوء الحظ، فإن الاختلاف السياسي
الحالي بين أصحاب النفوذ في الضفة الغربية وغزة أضفى نفسه
على تلك التلميحات الخاطئة.
وعلى الرغم من تلك العثرات، فقد استطعنا عبر السنين اكتساب
ثقة ومصداقية اللاجئين بالإضافة إلى قطاع واسع من المجتمع
الفلسطيني.
ولم يكن السبب الوحيد لهذه الثقة هو أننا نعيش وسط
اللاجئين ونعمل على تقديم المساندة الثابتة والمستمرة لهم،
بل تستند أيضا إلى حقيقة أن الخدمات التي نقدمها تبين
بجلاء المبادئ التقليدية للعمل الإنساني ألا وهي عدم
التحيز والحيادية وعدم التفرقة. إن وكالتي وعملها قد
أصبحوا يجسدون حقيقة أن المجتمع الدولي يهتم بشأن
الاحتياجات الإنسانية والبشرية للفلسطينيين وأنه يرغب في
أن يرى أن تلك الاحتياجات تتم الاستجابة لها على الرغم من
البيئة المشبعة بالتحديات السياسية والأمنية.
السيدات والسادة الأفاضل:
اسمحوا لي أن أنتقل لأستعرض بعضا من ملامح حياة
الفلسطينيين تحت الإحتلال الإسرائيلي.
في
الضفة الغربية، فإن الجدار العازل غير القانوني بالإضافة
إلى التنامي القاسي للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية
يعتبران أمثلة ساطعة تبين كيف أن حقوق ومصالح الفلسطينيين
يتم إهمالها بطرق توحي بأن تلك الخروقات قد تصبح أمرا
دائما.
وعلى الرغم من أن الجدار العازل قد أعتبر غير قانوني بشكل
رسمي من قبل محكمة العدل الدولية بموجب رأيها الاستشاري في
العام 2004، إلا أن بناء الجدار لا يزال مستمرا بسرعة.
وبنفس الطريقة التي ينمو فيها هذا الجدار، ينمو معه أيضا
النظام المعقد والقاسي من تقييد حرية الحركة لكل من
الفلسطينيين والبضائع. وفي العديد من الأماكن على طول
الجدار البالغ 408 كيلومترات، فإن الجدار العازل يقوم
فعليا وعمليا بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية. وتقدر
الأمم المتحدة بأن ما يقارب من 640 كيلومترا مربعا من
الأراضي الفلسطينية قد تم بالفعل فقدانها نتيجة لذلك
الجدار، بما في ذلك 5% من الأراضي الزراعية المحروثة.
ومن المؤكد أنه سيتم خسارة المزيد من الأراضي مع استمرار
بناء الجدار. وبهذا الخصوص، تشير مصادر الأمم المتحدة بأن
المستوطنات والنقاط الأمامية والقواعد العسكرية والمناطق
العسكرية المحظورة والطرق المخصصة حصرا للمستوطنين قد عملت
على الاستيلاء على 38% من أراضي الضفة الغربية. كما أن
غالبية مصادر المياه العذبة قد أصبحت عند الجانب
الإسرائيلي من الجدار.
وحتى مع عدم اكتمال الجدار العازل، فإن ما يزيد عن 60,000
شخص ممن يعيشون في المنطقة الواقعة بين الجدار وبين الخط
الأخضر، بالإضافة إلى نصف مليون من الفلسطينيون الذين
يعيشون داخل الضفة الغربية ضمن نطاق كيلومتر واحد من
الجدار، يعانون بالفعل من الآثار المدمرة للجدار على
حياتهم وسبل معيشتهم. ولا يستطيع الفلسطينيون الذهاب بحرية
إلى الأسواق والمدارس والمستشفيات وأماكن العبادة، أو حتى
زيارة أقاربهم. كما أن المزارعين لا يستطيعون الوصول إلى
الأراضي والمياه التي يحتاجون إليها من أجل إعالة أنفسهم.
إن الجدار العازل ونظام الإغلاق والتقييد من حرية الحركة
المرتبط به علاوة على عملية الإنشاء بحد ذاتها يعملون على
إحداث مستويات عالية من التشرد وذلك لأن العائلات
والمجتمعات تقوم بهجر منازلها والانتقال إلى أماكن أخرى
بحثا عن بيئات أقل تعسفا.
وازداد عدد حواجز الطرق ونقاط التفتيش في الضفة الغربية
لتصبح 563 في أيلول من هذا العام مقابل 396 في تشرين
الثاني من عام 2005. وهذا يعني زيادة بنسبة 42% وخلال فترة
شهدت تعهدات عديدة من قبل الجانب الإسرائيلي بتخفيف فرض
العوائق على تحركات الفلسطينيين. وقد حذر البنك الدولي
وغيره من المنظمات بشدة من العواقب الاقتصادية لتلك القيود
الوحشية.
وفي مقابل الزيادة في عدد الحواجز المادية، لم يتم سوى
إنشاء القليل من نقاط العبور للفلسطينيين الراغبين بعبور
الجدار فيما تم تطبيق نظام رقمي صارم لتصاريح العبور علاوة
على إجراءات تعريفية شديدة، وتحديدا لأولئك الفلسطينيين
الذين يسافرون بين الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولربما
يكون أفضل توضيح لأثر ذلك على الحياة الاعتيادية يتمثل في
أنه على مر السنوات القليلة الماضية، فإن صعوبات الحصول
على تصريح لدخول القدس قد نتج عنها انخفاض بنسبة 50% في
عدد المرضى الذين يقومون بزيارة المستشفيات الست التخصصية
في القدس الشرقية.
وبشكل حتمي، فإن نظام الإغلاق يؤثر على عمليات الوكالة في
الضفة الغربية. فقد تضاءلت الإنتاجية حيث أن عملية التوقف
عند نقاط التفتيش والمعابر تستهلك وقتا كبيرا وتساهم في
زيادة الضغط على موظفينا، وأصبح موظفو الوكالة الذين
يعيشون في الضفة الغربية والذين يعملون في القدس والبالغ
عددهم حوالي 350 موظفا يحتاجون إلى وقت أطول للتحرك من
وإلى أماكن عملهم. وفي بعض الحالات، يتم منعهم من العبور
إلى الأماكن التي ينبغي عليهم التواجد فيها لتقديم الخدمات
الأساسية للاجئين.
إن الضغط الذي يفرضه الجدار العازل على الأراضي الفلسطينية
وعلى المساحات التي يمكن العيش بها يفاقمه النمو الذي لا
يتوقف للمستوطنات الإسرائيلية فوق الأرضي الفلسطينية.
إن القانون الإنساني الدولي، والمصنف في اتفاقية جنيف
الرابعة، يمنع صراحة السلطة المحتلة من نقل مواطنيها إلى
الأراضي التي احتلتها. كما أن هذه الإجراءات أيضا تخالف
التعهدات التي تم التعهد بها في سياق عملية السلام
الفلسطينية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من وضوح عدم شرعية نشاطات المستوطنين، فقد كان
ازدياد في تدفق المستوطنين الإسرائيليين إلى الأراضي
الفلسطينية ليصبح حوالي 450,000 في عام 2007 بعد أن كان
يبلغ 126,000 في العام 1993. وبهذه الزيادة، فإن المزيد من
أراضي الفلسطينيين قد تمت مصادرتها لغايات البنية التحتية
المطلوبة لدعم المستوطنات، الأمر الذي يزيد من تقليص
المساحة المتاحة للفلسطينيين ليعيشوا فيها حياتهم
الطبيعية. وعليه فإنه لن يكون مفاجئا سماع أنه على الرغم
من تكيفهم المشهود لهم وصمودهم في وجه الضغوطات، إلا أن
المزيد من الفلسطينيين قد بدأوا بالاستسلام وبمحاولة البحث
عن أماكن أخرى ينتقلون إليها بحيث يكون بمقدورهم وبمقدور
أطفالهم أن يحيوا حياة عادية في المستقبل. إن الشباب
والموهوبين والأكثر مغامرة هم في طليعة هذه الهجرة الصامتة
غير الموثقة.
وبالإضافة إلى انتهاكه للحقوق والحريات الأساسية
للفلسطينيين، فإن جدار الفصل والنشاطات الاستيطانية ونظام
الإغلاق قد عملوا على تقسيم الضفة الغربية إلى حد أصبحت
فيه وحدة مناطقها مهددة. ونتيجة لذلك، فإنه يمكن إضفاء
شكوك هائلة على آفاق قيام وحدة اقتصادية وسياسية واجتماعية
قابلة للحياة في المستقبل.
وعندما نتحول للحديث عن الوضع في غزة، فإننا نواجه صورة من
الحرمان المتطرف لا تقل إيلاما عما يواجهه الفلسطينيون في
الضفة الغربية. فكما هو الحال في الضفة الغربية، فإن حدود
غزة وسمائها يخضعان لسيطرة السلطة المحتلة. إن الفرق
الواضح هو أن الفلسطينيين محصورون داخل المساحة الضيقة
لقطاع غزة ولكنهم يستطيعون الحركة بحرية داخلها بينما حرية
الحركة الداخلية ضمن حدود الضفة الغربية مقيدة بشكل كبير.
إن الصورة في غزة هي صورة مطبوعة بظلمة مخيفة وعزلة غريبة
للغاية. إن الشعب الذي أمضى ما يقارب من ستين عاما في
المنفى كلاجئ يتعرض الآن بشكل متعمد لأن يتم فصله عن باقي
هذا العالم وبموافقة اللاعبين الدوليين الرئيسيين.
إن الاقتصاد في غزة منهك، ويعتمد بالكامل تقريبا على هوى
السلطة المحتلة التي تعمل بدقة على معايرة تدفق اللوازم
الأساسية بحيث تسمح بالدخول فقط لكميات صغيرة في كل مرة.
إن معبري كارني ورفح، وهما المعبرين الرئيسيين لدخول وخروج
البضائع التجارية وحركة الأشخاص على التوالي في غزة،
مغلقين بالكامل منذ حزيران من هذا العام. وحتى قبل حزيران،
فقد كان يتم فتحهما بشكل متقطع وفي أوقات غير متوقعة. ومنذ
التاسع عشر من أيلول، عندما أعلنت إسرائيل غزة "منطقة
معادية"، فإن تزويد غزة بالمستلزمات الطبية والغذاء
والبضائع التجارية والوقود والكهرباء والمواد الضرورية
الأخرى، والذي هو شحيح أصلا، قد قل وأصبح متقلبا. وتفيد
التقارير أنه، وبحسب تلك القيود الجديدة، فإن البضائع التي
يمكن وصفها بأنها "بضائع متعددة الأغراض" قد أصبحت ممنوعة
من دخول غزة. وتشمل تلك البضائع الخشب والبلاستيك والورق.
وما بين الأسابيع الأولى من حزيران وأيلول من هذا العام،
تم السماح بما معدله حمولة 106 شاحنات يوميا إلى غزة
مقارنة مع 248 قبل سنة. ومنذ منتصف أيلول فإن هذا الطريق
الحيوي التجاري والإنساني قد انخفض ليصبح حوالي حمولة 50
شاحنة يوميا. كما وتأثر الفلسطينيون الذين هم بحاجة إلى
رعاية طبية ضرورية في إسرائيل أو في الضفة الغربية. وفي
تموز من هذا العام، تم السماح لما معدله 40 مريضا بمغادرة
غزة يوميا. ومنذ أيلول، وفي الوقت الذي كانت عقوبات الأمر
الواقع قد سلبت مستشفيات غزة مقدرتها على رعاية المرضى، تم
السماح لأقل من خمسة مرضى بمغادرة غزة لتلقي الرعاية
الطبية التي يحتاجونها.
إن العزلة التي تعيشها غزة توقع الدمار والخراب في اقتصاد
وسبل معيشة الفلسطينيين العاديين. ويعاني ثمانية بالمئة من
الغزيين من الفقر، فيما وصل معدل البطالة إلى 44% هذا
العام حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والبضائع المنزلية
الأساسية، وخاصة الزيت النباتي والدقيق واللحم الطازج
والمجمد والأعلاف الحيوانية، لتصبح بعيدة عن متناول حتى
أولئك الذين لا يزالون يتقاضون رواتب مقبولة.
ولن يكون مفاجئا القول بأن عدم الأمن الغذائي قد ارتفع
ليصل إلى 77% في شمال غزة حيث أدى إتلاف المحاصيل والأراضي
القابلة للزراعة خلال الاجتياحات الإسرائيلية إلى آثار
مدمرة على سبل المعيشة. ويتلقى ثمانون بالمئة من سكان غزة
شكلا من أشكال المساعدة من الأمم المتحدة من أجل البقاء
على قيد الحياة. ومن المحتم ارتفاع هذه النسبة أكثر فيما
إذا استمرت عملية خنق الاقتصاد الغزي وإذا ما استمر أيضا
خنق حركة تدفق البضائع التجارية.
كما أن إغلاق معبر كارني يؤثر أيضا على العمليات
الإنسانية، حيث تم تعطيل مشروعات توظيف وبنية تحتية تبلغ
قيمتها حوالي 213 مليون دولار، كانت حصة مشاريع الأونروا
منها 93 مليون دولار. لقد كان الهدف من تلك المشاريع هو
بناء المدارس ومشاريع البنية التحتية الأخرى إضافة توفير
فرص العمالة والمساعدة في رفع المستويات المعيشية.
وفيما كانت آثار الحصار على غزة بادية العيان على الجميع،
فإنه من الحتمي والمتوقع أن يحمل المرضى والأشخاص الأكثر
عرضة للخطر العبء الأكبر لهذه المستويات الجديدة من
الصعوبات. ولعل أحد الأمثلة البسيطة على ذلك هي مدرسة الصم
التي لا يستطيع الأطفال فيها أن يستخدموا المعينات السمعية
بسبب عدم السماح باستيراد البطاريات لها.
إن الأشخاص الذين يعيشون أو يزورون غزة قد خضعوا منذ فترة
طويلة لنظام تعسفي من التقييدات على المغادرة. ومنذ حزيران
من هذا العام، فقد ازدادت تلك التقييدات بشكل ملموس مما
أدى إلى عواقب وخيمة على العديد من الفلسطينيين الذين
حضروا إلى غزة لزيارة عائلاتهم هذا الصيف. ويشمل ذلك
الآباء والأبناء الذين عليهم أن يعانوا ولفترات غير معلومة
من الإبعاد الإجباري عن أحبائهم وعن المدارس التي عليهم أن
يلتحقوا بها في الخارج.
وهنالك حوالي 4,000 إلى 5,000 طالب فلسطيني ممن هم مسجلون
في المدارس والجامعات في مختلف أنحاء العالم عالقون حاليا
في غزة، الأمر الذي يعرضهم لخطر الانقطاع عن مواصلة
برامجهم الأكاديمية وتحقيق تطلعاتهم المستقبلية. ومنذ
منتصف آب وحتى بداية أيلول، قامت سلطات الاحتلال بالسماح
لستمائة طالب فقط بالمغادرة عبر معبر إيريز إلى الحدود
المصرية الإسرائيلية. ولم يتم السماح بأي عملية مغادرة بعد
ذلك الوقت.
وفي الضفة الغربية وغزة، فإن ما وراء كواليس نظام الإغلاق
وبيئة القمع هو نزاع مسلح ممتد متقطع الحدة يتخلله حملات
تفتيش واعتقال وتدمير منازل.
وهكذا تستمر الأمور: نزاع مسلح يعتبر مصدر دمار لحياة
الفلسطينيين حيث القتال الضاري بين كلا الفريقين لا يزال
مستمرا كما هو منذ سنين عدة، بل وحتى أنه يحظى بمباركة
المجتمع الدولي بإيماءة القبول وكأن الأمر لا يستوجب تدخلا
فوريا من وسطاء محايدين.
وإن كانت هذه الآثار الملموسة والقابلة للقياس لسياسة عزل
وحصار فلسطين، فإنه يمكنكم بسهولة تصور ما قد يكون عليه
الأثر النفسي. إن أقل ما يمكن أن نتوقعه هو شعور بالإحباط
والغضب يرافقه سخط شديد يتنامى مع كل لسعة من لسعات هذه
العقوبات. وعلاوة على ذلك، فإن الفلسطينيون يسودهم شعور
بالارتباك وبفقدان العدالة لدى محاولتهم فهم المنطق من
وراء السياسات التي تهدف بجلاء إلى معاقبة وإفقار شعب
بأكمله وبدون محاولة التمييز بين الفئات المستهدفة وبين
مئات الألوف من غيرهم.
وهنالك أيضا العديد من الأشخاص في غزة والضفة الغربية
الذين يستغلون هذا الشعور من فقدان العدالة ليعملوا على
زيادة أعداد المتطرفين والمقاتلين. وقد شهدنا مؤشرات تبين
أن هذه العناصر تلقى بعض النجاح؛ وهي تدلل على أن العقوبات
غير المميزة والعزلة المفروضة على غزة هي دليل على أن،
وبعيدا عن تأسيس دولة فلسطينية، عدم العنف ومفاوضات السلام
لن تثمر عن شيء سوى سحق حقوق الفلسطينيين والمزيد من
المعاناة.
السيدات والسادة الأفاضل،
إن ما ذكرته ليس سوى صورة بسيطة عن حالة الفلسطينيين تحت
الاحتلال. وقد قمت ببيانها لكم مدركة بأن الكلمات تقف
عاجزة عن إيصال درجة معاناة شعب بأكمله.
ومع ذلك، فلا زلت آمل أنني قد قلت ما فيه الكفاية لإقناعكم
بأن الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة كفيل بأن
تندى له جباهنا جميعا. وهو يطرح أسئلة حول مدى التزامنا
بإعلانات حقوق الإنسان وبالحريات الأساسية. كما أنه يلقي
بغيمة من الشك فوق ولائنا المعلن لسيادة القانون الدولي
ولمبادئ التسامح والعدالة والشمولية والحل السلمي
للنزاعات. كما أنه يطرح أيضا سؤالا جوهريا هاما هو: كيف
يمكن أن يكون من مصلحة أحد من الناس إبقاء الفلسطينيين في
هذه الحالة من العبودية؟
إن النقطة التي تستحق أن يتم التركيز عليها هي أنه ومنذ
انطلاقة الانتفاضة الثانية في أواخر العام 2000 فإن العمل
الإنساني الذي قامت به الوكالة والوكالات الأخرى الممولة
من قبل المانحين، وبشكل رئيسي إن لم يكن حصريا من قبل
الآلية الدولية المؤقتة للاتحاد الأوروبي منذ عام 2006،
كان هو العمل الذي كان له دلالة حقيقية على اهتمام المجتمع
الدولي بالشعب الفلسطيني. لقد أثبت العمل الإنساني والعمل
في مجال التنمية البشرية أنه ضروري وحيوي لبقاء وصالح
اللاجئين. ومن منظور مختلف، فقد كان العمل الذي قمنا به هو
العمل الوحيد المستمر الذي كان لمصلحة الفلسطينيين
العاديين.
وعلى أية حال، فإننا نشعر ببالغ القلق من أن جهودنا على
الصعيد الإنساني تتعارض مع السياسة الدولية الحالية تجاه
الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففيما نحن نناضل من أجل
الاستجابة للاحتياجات الإنسانية ولتقديم الرعاية للأشد
عرضة للخطر وحماية الكرامة الإنسانية وتعزيز قدرات الشعب
على تحقيق اعتمادهم الذاتي على أنفسهم، فإن زخم التوجه
الدولي قد أصبح مؤخرا يغاير هذا التوجه ويتجه نحو العزلة
والإجراءات العقابية التي تنذر عواقبها بمعاناة إنسانية
على نطاق أكبر وبنزاع أكثر.
إن الظروف في الضفة الغربية وقطاع غزة تعتبر انعكاسا
سيئا لهذا التنافر بين العمل الإنساني الدولي والعمل
السياسي الدولي. فبدلا من أن نرى تقدما ملموسا على صعيد
القضايا السياسية، نشاهد نشاطا دبلوماسيا متقطعا موشحا
ببيانات متكلفة للنية. وبدلا من الوقفة القوية لجعل
الأطراف تلتزم بتعهداتها وفق القانون الإنساني الدولي
وقانون حقوق الإنسان، نشأ فراغ قانوني وخواء وقائي تم
استغلاله من قبل كلا الطرفين واستخدم كرخصة من أجل أعمال
عنف متكررة.
إن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لهو شهادة على عبثية
البحث عن حل الاختلافات السياسية المعقدة والعميقة بقوة
السلاح. وهو نزاع يمكن توقع أن يكون توجه المجتمع الدولي
بشأنه مستندا إلى الرفض بالإجماع لاستخدام القوة من قبل
كافة الأطراف وتوجها ذا التزام حقيقي بالحلول المبنية على
التفاوض.
وعلى العكس، وبدلا من وجود توجه شامل يستند بقوة إلى
الأساليب السلمية، شاهدنا استثناء اللاعبين المعنيين من
عملية التفاوض، وكان ذلك الاستثناء مصحوبا بمساندة جوهرية
للعمل العسكري ذاتي التدمير. وكنتيجة لذلك، فإن تضافر غياب
التقدم السياسي وأجواء الحصانة تجاه انتهاكات حقوق
الفلسطينيين وحرياتهم وعزلة غزة يثبت أنه مزيجا مدمرا، ليس
فقط للفلسطينيين وحدهم، بل وأيضا للدولة الفلسطينية
القابلة للحياة.
إنني أدعو إلى عمل دولي يكون منسجما أكثر مع المثل
والمقاييس المعيارية التي قام المجتمع الدولي بتأسيسها
بمشقة وتعب عبر ما يزيد على نصف قرن، وهي المعايير التي
ساندتها كندا على الدوام. إن تقرير المصير وحقوق الإنسان
والحريات الأساسية للجميع والتحرر من الفقر والحل السلمي
للنزاعات ليست أوهاما، وهي قابلة لأن تتحقق للفلسطينيين
(اللاجئين منهم وغير اللاجئين) كما هي بالنسبة لأي شعب
آخر.
ما هو مطلوب اليوم وبشكل ملح هو عمل يلزم الأطراف جميعها
أن تأخذ بعين الاعتبار لانتهاكات التي تجري لأحكام القانون
الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين؛ عمل يؤدي
إلى وضع نهاية لاحتلال الضفة الغربية وغزة ويؤدي إلى
انتصار السلام عبر وسائل سلمية؛ عمل يتمم الجهود الإنسانية
وجهود التنمية البشرية ويعنى بالأسس الاقتصادية والسياسية
لدولة فلسطينية قابلة للحياة.
واستعدادا لاجتماع أنابوليس والبحث عن الدولة الفلسطينية
القابلة للحياة، فإن ما نحتاجه هو عمل يقوم بإعادة مصداقية
المجتمع الدولي ليصبح شريكا موثوقا بالنسبة للشعب
الفلسطيني.
السيدات والسادة الأفاضل:
إنه لأمر بديهي أن نعترف بوجود روابط بين معالجة النزاع
الفلسطيني الإسرائيلي وبين حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين
وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما أنه من الواضح
للغاية بأن حلا عادلا ودائما لتلك المسائل مرتبط بشكل وثيق
وغير قابل للفصل بتحقيق السلام الإقليمي والأمن العالمي.
إن الظروف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبشكل عام
القضية الفلسطينية، تبدو، وكما تصفه الاستعارة الشهيرة،
بأنها "حقائق مزعجة".
ونحن نتجاهل تلك الحقائق على حساب تعرضنا جميعا
للمخاطر.
باحترام وإخلاص،
كارين أبو زيد/ المفوض العام
|