|
هناك
حفرة في قلب مخيم جنين؛ حفرة وقف فيها يوما ما أكثر من 400 مسكن
للاجئين. والآن، لازال يُعرف موقع أشرس معركة في عملية الدرع
الدفاعي الإسرائيلية باسم "المنطقة صفر" من قبل أهالي المنطقة، لكن
الأونروا تأمل خلال عام تحويل دونمات عديدة من الطين إلى مجتمع من
المساكن الجديدة لحوالي 2000 شخص.
احتلت معركة مخيم جنين في أبريل/نيسان 2002 عناوين الصحف حول العالم، وشهدت
مقتل 23 جندي إسرائيلي و59 فلسطيني، نصفهم تقريبا من المدنيين. فقد
تحارب الجنود والمسلحون من منزل لمنزل لمدة 12 يوما، ووقع الجرحى
والقتلى فريسة للصراع الدائر بينما عجزت وكالات المعونة في الدخول
إلى المخيم. وفي النهاية، سوت الجرافات العسكرية الإسرائيلية مئات
المنازل بالأرض مما خلف جرحا كبيرا في وسط المخيم.
خلف التدمير حوالي 2000 شخص بلا مأوى وانعدام الأمل في الحصول على مسكن جديد
حتى عرضت جمعية الهلال الأحمر الإماراتي تقديم 27 مليون دولار
أمريكي للأونروا من اجل إعادة بناء المناطق المدمرة في المخيم.
على الرغم
من أن مشروع تأهيل مخيم جنين يعد مشروع إنشائي صغير نسبيا بمقاييس
البناء الدولية، ظلت الصعوبات تكتنف عملية إعادة بناء جنين؛ تلك
المصاعب التي لا توجد عادة في مواقع الإنشاء.
نتيجة للحاجة الماسة إلى المأوى في المخيم، بدأ المشروع في ظل استمرار أعمال
العنف بين الجيش الإسرائيلي والمسلحين في المنطقة. وفي أكتوبر
الماضي عاد الجيش الإسرائيلي للتوغل من جديد في المخيم، مما أدى
إلى توقف جميع الأعمال. وفي توغل آخر في نوفمبر 2002، تعرض مدير
المشروع بريطاني الجنسية إيان هوك للقتل رميا بالرصاص على أيدي
الجنود الإسرائيليين.
واليوم، يتعطل العمل باستمرار من جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية وحظر
التجول المتكرر و الإغلاقات .
تمثل الجزء الأول من المشروع في تطهير الموقع من الركام. واستغرق هذا العمل
الشاق ستة أشهر حيث أزال خبراء اللغم السويديون 4000 لغم حي وشرك
خداعي وقذائف وغير ذلك من الأسلحة الحية، بينما فتشت الأطقم الموقع
بحثا عن الجثث والأشلاء.
يقول مدير تصميم المشروع مايك لوفنجام إنه عندما أنشئ مخيم اللاجئين لأول
مرة عام 1948 عاش السكان في خيام. لكن مع مرور السنين، بنيت أكواخ
كثيرة من الخرسانة لتأوي العائلات كبيرة العدد.
خلال المناقشات التي سبقت تصميم المنازل الجديدة، أقترح البعض إعادة بناء
المنطقة صفر كما كانت. لكنه في النهاية جرى الاتفاق على ضرورة بناء
عدد أقل من المنازل في الموقع وأن يتم بناء بقية المساكن في مكان
آخر.
وسوف يسمح هذا بتحسين الجودة العامة للمساكن على الرغم من أن مالكي المنازل
الواسعة يشعرون بالألم لأن مساكنهم الجديدة لن تكون مثل أملاكهم
القديمة. واضطرت الأونروا إلى أن توضح لهم أن مشروع التأهيل يرتكز
على الحاجة الإنسانية لتوفير المأوى للاجئين. وليست برنامج تعويض
لمن فقدوا منازلهم.
يقول لوفنجام: "تم الاتفاق على تقليل الكثافة السكانية وتحسين جودة المساكن.
وأقنع المانحون بشراء أرض إضافية لبناء المزيد من المساكن، مما
يعني توفر المزيد من الضوء والهواء والطرقات الواسعة بدلا من
الأزقة الضيقة الموجودة من ذي قبل."
على النقيض من معظم المساكن التي نمت بشكل شبه عضوي في مخيمات اللاجئين
بالضفة الغربية وغزة، تم تصميم مشروع جنين تصميما دقيقا. يشرح
لوفنجام ذلك بقوله: "تم التفكير في المحافظة على بعض السمات
الشخصية اللصيقة بالمنطقة السابقة. وحاولنا القيام بذلك، فلم يتم
فرض نموذج الشبكة المتسامتة ، بل حافظنا على بعض تفاصيل الشوارع
القديمة."
ويضيف: "صُممت جميع المساكن على أساس توفير حجرة مستقلة لاستقبال الضيوف.
وسوف يسمح ذلك بالفصل بين الجنسين، الأمر الذي يروق لبعض الأسر
التقليدية. ولدى الأسر الأخرى توجه غربي لا يهتم بذلك."
سيتوفر في جميع المساكن القديمة مكان مفتوح خاص بها، كالفناء أو الحديقة،
يمكن استخدامه لزراعة الخضر والزهور أو البناء فيه مستقبلا.
يقول لوفنجام: "في الماضي لم تلب المشاريع الشبيهة الاحتياجات الخاصة
للاجئين. فقد تغير ذلك في السنين الأخيرة. ويتميز هذا المشروع
بمستوى اشتراك المجتمع في التخطيط للمنازل. فهناك اجتماعات أسبوعية
مستمرة يراجع فيها ممثلو الأهالي أية تغييرات طارئة."
جرى استكمال الكثير من المرحلة الأولية للمشروع أو أوشك على الانتهاء. وتم
إزالة الركام بتكلفة نصف مليون دولار. ويجري العمل في البنية
التحتية، لا سيما المياه وأعمال الصرف الصحي، بتكلفة أربعة ملايين
دولار. ويوشك الانتهاء من إصلاحات رئيسية في 389 مسكنا و30 محلا
بتكلفة 2.5 مليون دولار، وإصلاحات ثانوية في 1723 منزل بتكلفة 1.2
مليون دولار. ومن المقرر استكمال مشروع البناء الرئيسي، حيث يتم
إنشاء 198 مسكنا لإيواء نحو 1903 شخصا، في سبتمبر 2004. وسوف
تستخدم أموال المشروع المتبقية في توفير مدرسة ومركز أهلي ومساعدات
للأسر الأخرى المتضررة من التوغلات الإسرائيلية الإضافية الأخيرة.
لا يمكن الانتهاء من العمل
بسرعة بالنسبة لأولئك الذين صاروا بلا مأوى منذ أبريل/نيسان 2002.
ومنهم محمد توفيق غيباري، 60 عاما، لديه 8 أطفال، وكبير أسرة ممتدة
تبلغ 34 فردا كانت تعيش ذات يوم في أربعة من المنازل المهدمة.
ويتذكر محمد: "أثناء الغزو، كانت أسرتي بالكامل داخل منزلي، ترتجف خوفا.
هاجم الإسرائيليون باستخدام الهليكوبتر والنفاثات والجرافات
والدبابات. ارتطمت ثلاث قذائف بمنزلنا، وأصابت الشظايا سبعة أطفال.
وبعد اليوم الثالث، فررنا من المنزل إلى منزل الجيران. ثم غادرنا
منازلنا نلوح بالرايات البيضاء، وسلمنا أنفسنا للجيش الإسرائيلي.
وتم القبض على جميع الصغار، وأمرنا بالذهاب إلى مدينة جنين."
"بعد مرور 12 يوما على بداية الهجوم، رجعت إلى منزلي فوجدته مهدما بالكامل.
ولم أكد التعرف على ممتلكاتي وممتلكات جيراني، فكل شيء كان في حالة
فوضى."
يشعر غيباري، الذي يعتاد القيام بالعمل بنفسه، بالإحباط من التأخير الذي
يراه في إعادة بناء منازله، لكنه يتطلع إلى استقرار أسرته في
منازلهم من جديد.
تقر نديم نجمي، أحد معماري المشروع، بأنه أحد أصعب المشاريع التي عملت فيها.
وتقول: "علينا الاستجابة لرغبات المانحين، ومطالب الأونروا،
واحتياجات المجتمع والأسر فرادى. وكأنك تعمل لصالح العديد من
العملاء الفرادى."

وفي النهاية، على حد قولها، تحصل الأسر على منازل أفضل، وتهوية ومساحات
خضراء؛ لكن الوضع الأمني الصعب يجعل التقدم بطيئا. وتضيف: "نتعرض
بصورة منتظمة لحظر التجول الذي يضطرنا لوقف العمل بأسره. وتعطل
نقاط التفتيش المقاولين والمواد. وتلك صعوبات جمة تجعلنا نعمل قدر
استطاعتنا في الإطار الزمني الضيق المتاح."
وفي الإجمال، شهد مخيم جنين حظر تجول لمدة 174 يوما منذ بداية المشروع في
يوليو 2001 حتى نهاية سبتمبر 2003. بينما تعرضت مدينة جنين
المجاورة لحظر التجول لمدة 179 يوما.
|