|
الخياطات
في برطعة الشرقية
داخل غرفة
معيشة في حجم صندوق الأحذية احتشد 23 امرأة حول مدفأة كهربية. وهن يثرثرن
في نفس الوقت، ويرجع صدى حديثهن حول جدران المنزل. ويدور حديثهن حول المنزل
والأسرة والأصدقاء الذين تركهن ورائهن في قرية يعبد القريبة جنوب غربي
جنين. وهناك كلمتان تتكرران بكثرة في الحديث: البوابة والتصاريح. ومنذ
سبتمبر 2003، طوق الحاجز والبوابة برطعة مما عزلها عن بقية الضفة الغربية.
وباتت التصاريح الصادرة عن إسرائيل الوسيلة الوحيدة لعبور البوابة في كلا
الاتجاهين.
أصبحت برطعة، وهي قرية غربي مدينة جنين ملاصقة للخط الأخضر، جيبا تحيط به
الأسلاك الشائكة من كل جانب. ولا يمكن لأحد دخوله سوى من يحمل تصريحا وذلك
عبر بوابتين تحرسهما القوات الإسرائيلية.
منذ إقامة البوابة عند مدخل برطعة الشرقية كجزء من الحاجز "الأمني"
الإسرائيلي، تعيش النساء في اضطراب شديد. فلم تحصل واحدة من 23 خياطة في
أحد مصانع الخياطة في برطعة على تصريح عمل. وبات وجودهن في القرية
الفلسطينية "غير قانوني" في أعين السلطات الإسرائيلية، وصار تنقلهن اليومي
بين يعبد وبرطعة مستحيلا. وترى الحكومة الإسرائيلية أن برطعة "منطقة عسكرية
مغلقة" لا يسمح بالعيش والعمل فيها إلا لحاملي تصاريح "إقامة طويلة الأمد".
وغالبا ما يكون حاملو هذه التصاريح من سكان برطعة نفسها. وهم مطالبون
بالتقدم للحصول على تصاريح للعيش في قريتهم. ويحظر دخولها على جميع
"الخارجين" الآخرين من عمال وتجار وزائرين.
الخياطات هن العائلات الوحيدات لأسرهن الممتدة، ولا يستطعن ترك أعمالهن في
برطعة، وهي إحدى قرى الضفة الغربية القليلة التي لا زالت مصانع الخياطة
تعمل فيها. وتوفر هذه المصانع مصدرا رئيسيا للعيش لمئات الفلسطينيات التي
عملت العديدات منهن في برطعة لأكثر من عقد من الزمان. وقد اخترن البقاء في
الجيب دون تصاريح.
وكل شهر ترسل النساء رواتبهن لبيوتهن عبر نفس الوسائل المستخدمة لنقل
الخضروات والأدوية والبضائع والمرضى في سيارات الإسعاف بين قرى الضفة
الغربية. ويقوم شاب من برطعة بأخذ أموال الخياطات ويمررها عبر البوابة لآخر
ينقلها الى يعبد ويوزعها بنفسه على أسرهن.
وكل شهر تنتظر النساء بفارغ الصبر مكالمة من البيت تؤكد على وصول المال
بسلام. ويأملن في استمرار هذا النظام حيث إرسال المال للبيت هو السبب
الوحيد لاختيارهن البقاء في برطعة على حساب ظروفهن الخاصة وبعيدا عن بيوتهن
وأسرهن؟
لم تقم الـ 23 امرأة بزيارة منازلهن لأكثر من شهرين. ويعشن في شقة متواضعة
مكونة من ثلاث غرف نوم على مسافة 50 مترا من المصنع. وتعد حقائبهن
البلاستيكية هي الخزانة الوحيدة حيث يحتفظن بها أسفل الأريكة بغرفة المعيشة
أو خلف الأبواب. وتحتفظ بعضهن بالمكسرات والحلوى في المساحات الصغيرة
المخصصة لهن. وتقول إحداهن: "نجد راحة في الغذاء أكبر من الخصوصية التي لا
نحظى بها على آية حال." وأسرتهن عبارة عن فرشات إسفنج غير سميكة يقمن بصفهن
مقابل الحائط خلال النهار.
أثناء أجازاتهن النادرة يشاهدن التلفزيون أو يرقصن أو يبكين لأن لا شيء آخر
يستطعن القيام به على حد قول إحداهن. وتجمع النساء على أنهن لا يتطلعن الى
أجازاتهن. "فما قيمة الأجازة ما لم تقضها مع أهلنا؟ نشعر بأننا مهاجرون على
كل حال، ولذا نفضل العمل على البقاء بالبيت."

(الخياطات في غرفة نوم مساحتها 4 أمتار مربعة حيث تعيش ست نساء في الغرفة،
وتنام البقية في غرفة المعيشة"
لا تجرؤ النساء حتى على التوجه لإحدى مطاعم برطعة القليلة لخشيتهن القبض
عليهن خلال إحدى حملات حرس الحدود الإسرائيليين المتكررة على العمال "غير
القانونيين" في برطعة. وفي حالة القبض عليهن يتم تغريمهن غرامات كبيرة
ومنعهن من دخول "المنطقة العسكرية المغلقة" مرة ثانية. وتخشى العازبات من
عدم العثور على زوج حال بقائهن في برطعة لفترة طويلة. وتقول إحداهن في
سخرية: "نحتاج لحافلة مليئة بالرجال من يعبد حتى نتزوج جميعا. لكن أنى لهم
عبور البوابة؟"
ويقلن إنهن يكرهن الشقاق الاجتماعي وفقدان الحياة الأسرية أكثر من أي شيء
آخر. واقتصاديا، هن في الغالب أفضل حالا من الرجال في أسرهن، والذين
اعتمدوا على العمل في إسرائيل وهم الآن عاطلون. فلديهن المهارة والوظيفة
والراتب الذي يقبضهن في أيديهن نهاية الشهر. لكنهن معزولات اجتماعيا بسبب
البوابة ونظام التصاريح حيث يعشن حياة السجن خلف الحاجز وخلف الجدران، وفي
المصنع وفي المنزل.
تفتقد كل امرأة أسرتها، وتشتاق لمنزلها، ولدى كل منهن قصة ترويها. |