مياه بلا حدود


مع تدهور نوعية المياه أو مع اشتداد الطلب على الكميات المتوافرة من المياه مع مرور الزمن، تشتد المنافسة فيما بين مستخدمي المياه. وتشتد حدة هذه المنافسة أكثر ما تشتد في أحواض الأنهار التي تعبر الحدود السياسية. بيد أن التجربة تدل على أنه في العديد من الحالات، يمكن للحاجة إلى تقاسم المياه أن تؤدي إلى تعاون غير متوقع، بدلا من أن تتسبب في إشعال الصراعات.

والظروف مهيأة للتعاون في واقع الأمر. فهناك 263 حوضا دوليا من الأحواض التي تعبر الحدود السياسية لبلدين أو أكثر. وتغطي هذه الأحواض، التي يعيش فيها تقريبا 40 في المائة من سكان العالم، قرابة نصف مساحة الأرض وهي مصدر لما يقدر بـ 60 في المائة من تدفق المياه العذبة في العالم. وهناك ما مجموعه 145 دولة تشمل أقاليم داخل الأحواض الدولية، و121 بلدا تقع كلية داخل الأحواض الدولية.(1)

وإمدادات المياه العذبة التي استُنفدت وتدهورت نوعيتها نتيجة للنمو السكاني السريع والتنمية سيئة الإدارة تخلق بالفعل توترات خطيرة فيما بين الجهات الرئيسية المستخدمة للمياه – كالمزارعين، وقطاع الصناعة، والمستهلكين الحضريين – في العديد من البلدان. بل أن المياه التي تعبر حدودا وطنية تكتسب أهمية أكثر تعقيدا واستراتيجية.

ولدى فرادى البلدان دوافع بينة لتخزين المياه واستخدامها قبل أن تخرج من نطاق سيطرتها السياسية. وليس هناك دافع مباشر لصون إمدادات المياه أو حمايتها لمصلحة مستخدميها فيما يتجاوز الحدود الوطنية. ويرجع ذلك جزئيا أيضا لأن الأنهار أو البحيرات تمثل في العديد من الأماكن عاملا رئيسيا في تحديد هوية الدولة، تعتبر ملكية المجاري المائية أو السيطرة عليها أمرا حيوي الأهمية للمصالح الوطنية.

وإلى جانب القلق إزاء التلوث، فإن أكبر شواغل البلدان الواقعة قرب مصبات الأنهار تتمثل في التخوف من أن تتسبب السدود الكبيرة أو قنوات التحويل – التي تقام لأغراض الإمداد بالمياه، أو الري، أو توليد الطاقة المائية، أو التحكم في الفيضان – في إنقاص كمية المياه التي تصلها والتي تصل إلى البحر، مما يضر بالنظم الإيكولوجية القائمة على المسار. ونتيجة لجهود الإدارة الرامية إلى تلبية جميع المطالب، لم تعد أنهار مثل نهر الغانج أو نهر كولورادو تصل إلى البحر في أوقات معينة من السنة. ويتم تجميع واستخدام كامل مياه نهر كولورادو تقريبا، مما يخلف عواقب بيئية خطيرة على الأرض ويحرم البحر من المغذيات، ويتسبب في انخفاض في كمية الأسماك.


تعلم المشاركة

رغم تعقد المشاكل، تظهر السجلات أن المنازعات بشأن المياه يمكن أن تعالج دبلوماسيا. ولم تشهد السنوات الـ 50 الأخيرة منازعات حادة اتسمت بالعنف سوى 37 مرة، مقارنة بالحالات التي انتهت بالتوقيع على 150 معاهدة. وتضفي الدول قيمة على هذه الاتفاقات لأنها تجعل العلاقات الدولية بشأن المياه أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ. وفي الواقع، يرجع تاريخ المعاهدات الدولية بشأن المياه إلى عام 2500 قبل الميلاد، حينما قامت الدويلتان المدينتان السومريتان لاكاش وأوما بصياغة اتفاق أنهى نزاعا بشأن المياه على طول نهر دجلة – وهو ما يشار إليه كثيرا بأنه أول معاهدة على الإطلاق. ومنذ ذلك الحين، نشأ الكثير من معاهدات المياه. ووفقا لما أوردته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، منذ عام 805 بعد الميلاد تمت صياغة أكثر من 3600 معاهدة متعلقة بالموارد المائية الدولية. وتعنى غالبية هذه المعاهدات بالملاحة وترسيم الحدود. وتحول مجال تركيز المفاوضات ووضع المعاهدات في القرن الماضي عن الملاحة إلى استخدام الموارد المائية وتنميتها وحمايتها وصونها.

والتفاوض بشأن الترتيبات القانونية المتعلقة بالمياه تم حتى بين ألد الأعداء ولم ينقطع حتى مع استمرار الصراعات بشأن هذه المسألة. وتمكنت كمبوديا ولاوس وتايلند وفييت نام، بدعم من الولايات المتحدة، من التعاون منذ عام 1957 في إطار لجنة نهر الميكونغ التي كانت تعرف في السابق بلجنة الميكونغ، واتصلت التبادلات التقنية فيما بينها طوال فترة حرب فييت نام. ومنذ عام 1955 أجرت إسرائيل والأردن، بمشاركة من الولايات المتحدة، محادثات منتظمة بشأن تقاسم مياه نهر الأردن، رغم أن الدولتين كانتا في حالة حرب رسميا إلى عهد قريب. وحافظت لجنة نهر السند، المنشأة بدعم من البنك الدولي، على وجودها خلال حربين بين الهند وباكستان. وفي شباط/فبراير 1999، تم الاتفاق على إطار لحوض نهر النيل، وهو الحوض الذي يضم 160 مليونا من البشر وتتقاسمه 10 بلدان، وذلك بغية محاربة الفقر ودفع التنمية الاقتصادية في المنطقة بتعزيز الإنصاف في استخدام الموارد المائية المشتركة والانتفاع منها. وتمثل هذه المبادرة، المدعومة من قبل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ترتيبا انتقاليا إلى حين التوصل إلى إطار دائم. واتفقت بلدان حوض نهر النيجر التسعة على إطار لإقامة شراكة مماثلة.

وتنم هذه الحالات عن عنصرين هامين في التعاون في مجال الموارد المائية الدولية، هما: ضرورة وجود مؤسسة للوضع الفعال لعملية مشاركة طويلة الأجل؛ ووجود دعم جيد التمويل من طرف ثالث يحظى بثقة جميع الأطراف. وكثيرا ما تستغرق عملية المناقشة وقتا طويلا – فقد استغرق إبرام اتفاق نهر السند 10 سنوات؛ واستغرق اتفاق نهر الغانج 30 سنة؛ واستغرق اتفاق نهر الأردن 40 سنة – نظرا للحاجة إلى بناء الثقة وإحساس بالملكية إزاء العملية لدى البلدان المعنية. وبما أن العملية كثيرا ما تكون مطولة، يكتسي الدعم المالي أهمية حاسمة. ورغم أهمية هذه المسألة، لا يسهم المانحون إلا بنسبة ضئيلة من مجموع العون المقدم للإدارة المشتركة للأحواض المائية.


ضرورة القيام بالمزيد

رغم أن الاتفاقات والمعاهدات الـ 3600 التي وقعت تمثل إنجازا في حد ذاتها، يدل النظر الفاحص لها على وجود أوجه ضعف لا يستهان بها فيها. والأمر الذي يُحتاج إليه هو أحكام للرصد تكون قابلة للتطبيق، وآليات إنفاذ، وأحكام محددة لتخصيص المياه تعالج الاختلافات في تدفق المياه والاحتياجات المتغيرة.

واتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 هي أحد الصكوك الدولية التي تركز تحديدا على مسألة الموارد المائية المشتركة. وأرست الاتفاقية مبدأين رئيسيين لتوجيه الدول بشأن الموارد المائية المشتركة، هما: "الانتفاع المنصف والمعقول"، و"الالتزام بعدم التسبب بضرر ذي شأن" للدول المجاورة. ومع ذلك يتعين على البلدان أنفسها أن تحدد بدقة ما تعنيه هذه العبارات في مستجمعات المياه التابعة لها. ولم يصدق سوى 12 بلدا على الاتفاقية، علما بأنها تحتاج إلى 35 تصديقا لتدخل حيز النفاذ.

وهناك توافق في الآراء بين الخبراء على أن الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمجاري المائية الدولية ينبغي أن تتسم بطابع ملموس أكثر، وأن تحدد تدابير إنفاذ المعاهدات التي يتم التوصل إليها، وتتضمن آليات مفصلة لتسوية النـزاعات في حالة نشوبها. كذلك يتطلب تحسين التعاون تحديد ترتيبات واضحة ومرنة في الوقت نفسه لتخصيص المياه ومعايير لنوعية المياه، مع مراعاة الظواهر الهيدرولوجية، وديناميات الأحواض المتغيرة، والقيم الاجتماعية. وأخيرا، قد تقتضي تنمية المجاري المائية الدولية إنشاء بعض آليات التعويض، مثل الدفع لقاء تحويل حقوق المياه.

من منشورات إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة – تشرين الثاني/نوفمبر 2004

إعداد قسم خدمات الشبكة العالمية بالأمم المتحدة - إدارة شؤون الإعلام - جميع الحقوق محفوظة © الأمم المتحدة 2006
تصوير : اليونيسيف (جياكومو بيروزي، رواندا وزامبيا/ وجوناثان شديد ، بوركينا فاصو)
برنامج الأمم المتحدة للبيئة (هلاينغ ثنتينت/ريتر/جيندا ثايبانوماس/مازانسكي/بابلو الفريدو دي لوكا) ، صور الأمم المتحدة