الحق في الماء


الماء عنصر أساسي لحياة الإنسان – سواء كان ذلك للصحة الأساسية والبقاء، أم لإنتاج الأغذية والأنشطة الاقتصادية. ومع ذلك نحن نواجه الآن حالة طارئة عالمية يفتقر فيها أكثر من بليون من البشر إلى الإمداد الأساسي بالمياه النظيفة ويفتقر فيها أكثر من بليونين من البشر إلى المرافق الصحية الكافية، وهو ما يمثل السبب الرئيسي للأمراض المرتبطة بالمياه. وقد جادل كثيرون في المنتديات الدولية بأن الإقرار بكون الماء حق من حقوق الإنسان قد يكون الخطوة الأهم في مواجهة التحدي المتمثل في تزويد الناس بهذا العنصر الأساسي للغاية من عناصر الحياة.

ويتمثل موضوع يتكرر وروده في المناقشات بشأن المياه بوصفها حقا من حقوق الإنسان في الإقرار بأن المياه شرط مسبق لحقوق الإنسان كافة. وقد حاجَّ البعض بأنه بدون الحصول المنصف على المتطلب الأدنى المتمثل في المياه النظيفة، لا يتسنى بلوغ الحقوق الراسخة الأخرى مثل الحق في مستوى من المعيشة ملائم للصحة والرفاه، فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية. ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأن العبارات التي صيغ بها الإعلان الأصلي لحقوق الإنسان والتي شكلت اللبنات الأولى للإعلانات اللاحقة، لم يقصد منها أن تكون شاملة، وإنما هدفت بدلا من ذلك إلى الإعراب عن العناصر المكونة لمستوى ملائم من المعيشة. وعدم التطرق صراحة للمياه بوصفها حقا يرجع أكثر إلى طبيعتها؛ ذلك أنها، مثل الهواء، كانت تعتبر حقا أساسيا بحيث أن إدراجها صراحة اعتبر غير ضروري.

ودعا العديد من مقرري السياسات ومؤيدي الحق في الماء إلى الإقرار بأن الماء حق من حقوق الإنسان كخطوة أساسية لكفالة اتخاذ إجراءات باسم من يعانون من عدم الحصول على إمدادات المياه النظيفة. ويرى أولئك المناصرون أن الالتزام القانوني النابع عن هذا الإقرار بالحق في الماء من شأنه أن يحفز كل من حكومات البلدان النامية والمانحة على إجراء تغييرات فعالة في السياسات المحلية وسياسات العون وتخصيص الموارد ومنح مجموعات المواطنين أرضية أكثر صلابة لتستند إليها في ممارسة الضغط على الحكومات. وعلاوة على ذلك، يرى بعض منتقدي خصخصة خدمات الإمداد بالمياه على نطاق العالم أن الإقرار بالحق في الماء من شأنه أن يعزز حججهم من أجل منح القطاع العام دورا أكبر بدلا عن الشركات المدفوعة بعامل الربح في تلبية هذه الحاجة الحاسمة الأهمية (انظر ورقة المعلومات الأساسية – "الإمداد بالمياه وتكلفته").


قرار الأمم المتحدة

في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، أكدت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحصول على كميات كافية من المياه للاستخدام الشخصي والمنـزلي حق أساسي من حقوق الإنسان مكفول للجميع. وفي التعليق العام رقم 15 للجنة بشأن تنفيذ المادتين 11 و12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، لاحظت اللجنة أن "حق الإنسان في الماء لا غنى عنه من أجل حياة تليق بكرامة الإنسان. وهو يمثل متطلبا أساسيا لإعمال حقوق الإنسان الأخرى." ورغم أن التعليق العام ليس ملزما قانونا للدول الـ 146 التي صدقت على العهد الدولي، فهو يهدف إلى تعزيز تنفيذ العهد وله بالفعل وزن وتأثير "القانون غير الملزم".

ويشدد التعليق أيضا على أن الأطراف في العهد الدولي واجب أن تقوم تدريجيا بإعمال الحق في الماء الذي يكفل لكل فرد الماء الكافي، والزهيد التكلفة، والذي يسهل الحصول عليه فعليا، والمأمون والمقبول للأغراض الشخصية والمنـزلية. وينبغي لإعمال هذا الحق أن يكون قابلا للتنفيذ وعمليا، وفقا لما جاء في النص، بالنظر إلى أن جميع الدول تمارس السيطرة على نطاق واسع من الموارد، بما فيها الماء، والتكنولوجيا، والموارد المالية، والمساعدة الدولية، على غرار جميع الحقوق الأخرى في العهد.

ويوضح القرار أيضا أن كفاية توفر المياه لا ينبغي أن تفسر تفسيرا ضيقا، بحيث تعني فقط الحجم والتكنولوجيات. إذ ينبغي معاملة المياه كسلعة اجتماعية وثقافية، وليس كسلعة اقتصادية بصفة رئيسية. ويطرح ذلك وجهة نظر مختلفة عما جاء في القرار المتخذ في عدة محافل دولية خلال التسعينات، والذي اعتبرت فيه المياه سلعة اقتصادية، مما ينم عن تحول صوب السياسات ذات الأساس السوقي التي تبين التكلفة الحقيقية للمياه، وتخفض الدعم، وتنطوي على إمكانية إشراك القطاع الخاص في خدمات الإمداد بالمياه.

وقد قال السيد سيرجيو فييرا دي ميلو، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في خطابه أمام اللجنة عند اتخاذ القرار، إن المبادرة لوضع تعليق عام بشأن المياه سيكون مساهمة مفيدة في المنتدى العالمي للمياه المقرر عقده في آذار/مارس 2003. وقال إن الماء "عنصر أساسي في الحق في مستوى ملائم من المعيشة، بل وفي الحق في الحياة".


الإجراءات السابقة

ورغم أن الحصول على المياه النظيفة متطلب أساسي للعديد من الحقوق المدرجة في الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان المعتمدة في السابق، لا يرد ذكر المياه فعليا إلا في اتفاقية حقوق الطفل. وتنص الاتفاقية على مياه الشرب النظيفة بوصفها عنصرا من عناصر الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة.

وبدءا من السبعينات، تناولت مجموعة من المؤتمرات الدولية المعنية بالبيئة أو المياه مسألة الحصول على الموارد الأساسية والحق في الماء. واتفق المؤتمر الرائد والمعني بالمياه الذي عقدته الأمم المتحدة في مار ديل بلاتا في عام 1977 على أن للجميع الحق في الحصول على المياه الصالحة للشرب لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ويشتمل إعلان عام 1986 بشأن الحق في التنمية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، على التزام بأن تكفل جميع الدول فرصا متساوية للجميع في الحصول على الموارد الأساسية. وينص الإعلان ضمنا على المياه بوصفها من الموارد الأساسية في نصه على أن ظروف التخلف المتفشية التي يحرم فيها الملايين من البشر "من الحصول على كفايتهم من متطلبات أساسية مثل الغذاء، والماء، والملابس، والإسكان، والدواء" تمثل "انتهاكا جماعيا لحقوق الإنسان".

وتعزز مفهوم تلبية الاحتياجات الأساسية من المياه أكثر خلال مؤتمر قمة الأرض الذي عقد في ريو دي جانيرو عام 1992 وتم توسيعه ليشمل الاحتياجات الإيكولوجية، حيث ورد النص على: "وجوب إعطاء أولوية إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للنظم الإيكولوجية وحمايتها، في إطار تنمية الموارد المائية واستخدامها. بيد أنه ينبغي، إلى جانب تلبية تلك الاحتياجات، تحميل المستهلكين تكلفة الماء المناسبة."

وعلى نحو مماثل، تعهدت الحكومات، في خطة التنفيذ المعتمدة في مؤتمر قمة جوهانسبيرغ لعام 2002، "باستخدام كافة أنواع أدوات السياسة العامة، بما في ذلك وضع الأنظمة، والرصد ... واسترداد تكاليف خدمات توفير المياه، بدون أن تصبح أهداف استرداد التكاليف حاجزا يحول دون إمكانات حصول الفقراء على المياه المأمونة ...".

وبالتالي، في حين أقر قادة العالم بأن الحصول على مياه الشرب حق أساسي من حقوق الإنسان، فقد أقروا أيضا بأن مبدأ استرداد التكاليف ينبغي أن يطبق على استخدام المياه بما يتجاوز تلك الاحتياجات. ولن تصبح الأنظمة مستدامة ما لم يحدث استثمار لصون الأنظمة وتوسيعها لتلبية احتياجات التنمية وتزايد عدد السكان.

من منشورات إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة – تشرين الثاني/نوفمبر 2004

إعداد قسم خدمات الشبكة العالمية بالأمم المتحدة - إدارة شؤون الإعلام - جميع الحقوق محفوظة © الأمم المتحدة 2006
تصوير : اليونيسيف (جياكومو بيروزي، رواندا وزامبيا/ وجوناثان شديد ، بوركينا فاصو)
برنامج الأمم المتحدة للبيئة (هلاينغ ثنتينت/ريتر/جيندا ثايبانوماس/مازانسكي/بابلو الفريدو دي لوكا) ، صور الأمم المتحدة