بقلم بان كي - مون*
نادرا ما شعرت بالصدمة والحزن بسبب ما رأيته أكثر مما رأيته مؤخرا في شرق الكونغو. وهناك، التقيت بامرأة شابة - فتاة تبلغ حقيقة 18 عاما من العمر فقط. روت لي هذه القصة.
في يوم قرب نهاية العام الماضي، بينما كانت تعمل مع غيرها من النساء في حقل قريب من قرية نياميليما في شمال كيفو، ظهر رجال مسلحون. كانوا من الجنود الذين يرتدون الزي العسكري، وبدأوا بإطلاق النار. حاولت الفتاة الفرار لكن الرجال الأربعة ألقوا عليها القبض. وبذلك أصبحت ضحية لأبشع الجرائم. وقد عثرت عليها مجموعة من النساء وهي في النزع الأخير، وأخذنها إلى عيادة محلية.
وقد التقيت بها في إحدى المستشفيات في غوما، عاصمة المقاطعة الشرقية من الكونغو. وقد أصيبت نتيجة للعنف ضدها، بالناسور - تمزق جدران المهبل والمثانة والمستقيم يجعل الضحية تعاني من سلس البول أو الغائط وعرضة للالتهابات والمرض. وهي صدمة مؤلمة من نوع نادرا ما يشاهد في العالم المتقدم النمو، إلا بالتلازم مع أصعب عمليات الولادة. ولكن في الكونغو، حيث أصبح الاغتصاب من أسلحة الحرب، تكاد تكون شائعة.
ويشاهد أطباؤها في مستشفى منظمة (Heal Africa)، مثل هذه الحالات كل يوم. وفي يوم السبت الذي قمت فيه بزيارة المستشفى، كان من المقرر إجراء 10 عمليات جراحية للناسور. وفي العام الماضي، قدمت العيادة العلاج الطبي لنحو 800 4 من ضحايا العنف الجنسي، كان نصفهم تقريبا من الأطفال. ويشير دينيس مكويغي مدير مستشفى بانزي في جنوب كيفو، الذي التقيت به في نيويورك إلى أن أعداد الضحايا أعلى بكثير.
الشابة التي التقيت بها كانت من بين أسعدهن حظا، إذا كان يصح استخدام هذه الكلمة لوصف مثل هذه الظروف المروعة. فقد ينجح الجراحون في تضميد جراحها. ولكن هل يمكنهم شفاء روحها؟ إنها لا تعاني فقط من الإصابة البدنية. إنها تحمل وصمة عار. فقد تم نبذها من قريتها وأسرتها، وكل ذلك باسم شعور زائف بالعار. إنها تواجه لوحدها مستقبلا صعبا للغاية.
لقد خانتني الكلمات، وأنا أستمع إلى هذه المآسي المروعة. ولكن إذا كان يصعب علي التعبير عن البعد الكامل لمشاعري، فإني لا أتردد في إطلاق العنان لغضبي. وقد أثرت المشكلة بكل قوة مع الرئيس جوزيف كابيلا عندما التقينا في وقت سابق من صباح ذلك اليوم. قلت له إن السلاح الرئيسي في مكافحة العنف الجنسي هو الإرادة السياسية للزعيم.
وبعد زيارتي لمستشفى منظمة (Heal Africa)، تكلمت أيضا بقوة مع قائد القوات الكونغولية في شرق الكونغو، ونقلت له كل ما قد سمعته. وكررت الكلام نفسه للمحافظ، ونائب المحافظ، ورئيس الشرطة ورئيس برلمان المقاطعة، والسلطات المحلية الأخرى. وتحدثت عن ذلك مرة أخرى في اليوم التالي في كيغالي مع الرئيس الرواندي بول كاغامي، الذي أكمل جيشه لتوه عملية عسكرية مشتركة مع الكونغو ضد ميليشيات المتمردين التي تعمل في المنطقة.
الخلاصة، لقد تحدثت عن ذلك لكل من التقيت به - وسأواصل القيام بذلك. العنف الجنسي ضد المرأة هو جريمة ضد الإنسانية. وهو ينتهك كل ما تمثله الأمم المتحدة. وتتجاوز عواقبه النتائج المنظورة والمباشرة. فالموت والجراح والتكاليف الطبية وفقدان فرص العمل ليست سوى ذروة جبل جليدي. وإن تأثير ذلك كله على النساء والفتيات، وأسرهن وأهليهن ومجتمعاتهن من حيث تحطم الحياة وسبل العيش يتجاوز الحسابات.
يقال أحيانا إن الحائكين من النساء والرجال هم في كثير من الأحيان محاربون. فالمرأة تحمل أطفالنا وترعاهم. وفي العديد من بلدان العالم تزرع المحاصيل التي نتغذى بها. وهي التي تحوك نسيج مجتمعاتنا. وهكذا فإن العنف ضد المرأة، هو اعتداء علينا جميعا، بل على أسس الحضارة ذاتها.
وكثيرا ما تمر هذه الجرائم دون عقاب. ويظل الجناة طلقاء. وقد أدى حفاظ السلام التابعون للأمم المتحدة في هذا البلد أداء بطوليا في حماية المدنيين خلال المعارك الأخيرة، بأقصى ما يملكون من قدرات. وبطبيعة الحال، يجب أن يكونوا أنفسهم فوق الشبهات. ونحن أيضا، كانت لدينا حالات من إساءة معاملة المرأة داخل صفوفنا، في الكونغو وغيرها. وفي كل حالة من هذه الحالات، قمنا بإخضاع المسؤولين عنها للمحاسبة.
وقد غادرت غوما يغمرني شعور بالتفاؤل. فالوضع على أرض الواقع في تحسن. وفي وقت سابق من هذا العام، وافقت جماعة متمردة كبيرة على أن تحل نفسها وبدأت تندمج في الجيش الوطني. ونجحت العملية العسكرية المشتركة التي قامت بها الحكومة مع رواندا، والتي أنجزت خلال الزيارة التي قمت بها، في إخراج جماعة متمردة رئيسية أخرى من المراكز المدنية. وتتمثل مهمتنا في المساعدة على توطيد هذه المكاسب. وإذا ما توقف القتال في شرق الكونغو، أو خفت حدته إلى حد كبير، فإن ما يقرب من 1.3 مليون لاجئ سيتمكنون من العودة إلى ديارهم في أمن والشروع، بمساعدة الأمم المتحدة، في إعادة بناء حياتهم. وستصبح أعمال العنف كالتي ارتكبت ضد عدد كبير من النساء أقل تواترا. وربما ستنتهي تماما يوما ما.
هذا ما يجب أن يكون هدفنا. ومن المناسب أن يصادف يوم الأحد المقبل 8 آذار/مارس، اليوم العالمي للمرأة. إنها مناسبة تستحق أن نرفع فيها أصواتنا.
العنف ضد المرأة بأي شكل من الأشكال، وفي أي ظرف من الظروف، لا يمكن السكوت عليه، من أي زعيم سياسي أو أية حكومة. لقد حان الوقت الآن للتغيير. وأود أن تسمع أصواتنا.
* بان - كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة