مقدمة
أظهر مجلس الأمن في عام 2004، من خلال سلسلة من المناقشات والإجراءات
الشاملة رمت إلى التصدي لما يتعرض له السلام والأمن الدوليان من تهديدات جديدة
ومتواصلة، عزمه الوطيد على معالجة التحديات المستعصية مثل قمع التهديدات
الإرهابية العالمية؛ وحماية المدنيين أثناء الصراعات المسلحة؛ وبناء صرح
السلام في المجتمعات التي مزّقتها الحروب، بما في ذلك نزع سلاح المتحاربين
السابقين؛ والقضاء على تقاليد الإفلات من العقاب في فترات ما بعد الحروب؛
وتقديم المساعدة في إجراء الانتخابات.
وعقد المجلس 189 اجتماعا رسميا اتخذ فيها 59 قرارا وأصدر 48 بيانا رئاسيا.
واستُخدم حق النقض (الفيتو) ثلاث مرّات، مرة من جانب الاتحاد الروسي بشأن
مسألة قبرص، ومرتين من جانب الولايات المتحدة بخصوص الشرق الأوسط.
وترأست الأزمات في الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق، واندلاع القتال في
جمهورية الكونغو الديمقراطية وكوت ديفوار ودارفور، وكذلك جيوب المقاومة
العديدة في أفغانستان، وتجدد التوترات العرقية في كوسوفو، بنود جدول أعمال
المجلس فيما سعى جاهدا إلى تعزيز دوره المركزي في العصر المضطرب الحالي،
فاستجاب للزيادة الضخمة في الطلب على حفظ السلام فيما كانت نيران الصراعات
الداخلية العنيفة المستعرة تغلّف ملايين المدنيين، وتجتذب البلدان المجاورة،
وتشكل تهديدات متزايدة الاتساع للسلام والأمن الدوليين.
ورفع مجلس الأمن، بمنحه الإذن بإنشاء بعثات في بوروندي وهايتي وكوت ديفوار
والسودان، مجموع عدد عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مختلف أرجاء العالم
إلى 16 عملية. وحرصا من المجلس على معالجة المشاكل التي تواجه دولا فاشلة أو
في طريقها إلى الفشل والحيلولة دون عودتها إلى الصراع من جديد، أوجد بعثات ذات
طابع متعدد الأبعاد لتعالج كل جوانب حفظ السلام وبناء الدول، من إنفاذ وقف
إطلاق النار ونزع سلاح المتحاربين السابقين، إلى إعادة بناء الاقتصاد واستعادة
سيادة القانون.
وكانت قضية الشرق الأوسط، وهي أكثر التحديات الدبلوماسية في نصف القرن الماضي
استعصاء على الحل، الشغل الشاغل للمجلس بصورة خاصة. ولم يطرأ أي تغيير على
تقييمات الحالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من شهر إلى آخر، وظل الرأي
السائد الذي أعرب عنه كبار المسؤولين في الأمانة العامة إلى المجلس يتمثل في
أن كلا من الجانبين لا يبذل من جهته أي جهد لوضع حد لسفك الدماء وحث الخطى على
الدرب المؤدي إلى السلام. وطغى اعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي في كانون
الأول/ديسمبر 2003 عن سحب العسكريين والمستوطنات من قطاع غزة على جلسات
الإحاطة الإعلامية لأعضاء المجلس، مثله مثل وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
في تشرين الثاني/نوفمبر. ومع اقتراب نهاية العام، حفز ما سمي عهد ما بعد عرفات
والانتخابات المرتقبة في شهر كانون الثاني/يناير 2005 لاختيار رئيس جديد
للسلطة الفلسطينية، إجراء تحليل جديد للحالة.
وشكّل الاضطراب المتنامي في العراق والزيادة الكبيرة المفاجئة في الهجمات
المتزايدة الوحشية في بغداد والمدن الأخرى في بداية شهر نيسان/أبريل خلفية
صعبة لبعض التطورات السياسية، بما في ذلك إنشاء حكومة مؤقتة وتشكيل لجنة
انتخابية وطنية مستقلة وكذلك تسليم السيادة في 30 حزيران/يونيه للحكومة
العراقية المؤقتة. وبعد مضي سنة واحدة على إنشاء بعثة الأمم المتحدة للمساعدة
في العراق، مدّد مجلس الأمن ولايتها في آب/أغسطس، في أعقاب توصية من الأمين
العام بأن تنفذ البعثة هذه الولاية ”حسبما تسمح به الظروف“.
وشدّد الأمين العام في تقاريره إلى المجلس على أن أمن الموظفين يظل العامل
الغلاّب الذي يقيد كل أنشطة الأمم المتحدة في العراق، وعلى أن المنظمة ستظل،
في المستقبل المنظور، هدفا ثمينا للغاية لهجوم يكون له وقع مؤثر. وبما أن حالة
الأمن لم تتحسن منذ كانون الأول/ديسمبر 2003، فقد تم نشر البعثة مؤقتا في
الأردن وقبرص والكويت. ومع ذلك، ظلت الأمم المتحدة مشتركة اشتراكا نشطا في
العملية السياسية الانتقالية هناك. وفي نهاية السنة، وقبل عدة أسابيع فقط من
إجراء الانتخابات، أعلن الأمين العام عن نيّته المضي في إجراء مزيد من التوسع
في وجود عملية الأمم المتحدة في العراق تنفيذا للولاية الممنوحة من المجلس في
القرار 1546 (2004) المؤرخ 8 حزيران/يونيه.
وكرّس المجلس أكثر من ثلث اجتماعاته للحالات الناشئة في أفريقيا، وعمل جاهدا
على مجاراة الطابع الدائم التطور للصراعات الدائرة في القارة والتخفيف من
آثارها. فقد اندلع تمرد مسلّح في دارفور في غرب السودان أدى رد الحكومة عليه
إلى إغراق تلك المنطقة في أزمة شاملة بحلول فصل الربيع تطلبت الاهتمام الكامل
من المجلس طيلة ما تبقى من العام. وقام المجلس، وقد أحبطت محاولاته المبدئية
للحد من الفظائع التي ترتكبها القوات الموالية للحكومة ضد المدنيين، باتخاذ
القرار 1556 (2004) في 30 تموز/يوليه، الذي طالب الحكومة بأن تفي بالتزاماتها
بتجريد ميليشيات الجانجويد من سلاحها وتقديم المسؤولين عن ارتكاب هذه الفظائع
إلى المحاكمة.
وفي أيلول/سبتمبر، أعرب المجلس عن قلقه إزاء عدم قيام الحكومة بالوفاء التام
بالتزاماتها بحماية المدنيين في دارفور، وقال إنه سوف يدرس إمكانية فرض عقوبات
على قطاع النفط السوداني. وطلب أيضا من الأمين العام أن يحقق فورا في التقارير
عن انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وأن يبت فيما إذا كانت أعمال إبادة جماعية
قد جدت هناك. وعيّن الأمين العام لجنة مؤلفة من خمسة أعضاء لهذه الغاية وطلب
إليها أن تقدم إليه تقريرا في غضون 90 يوما من بدء أعمالها (وصلت إلى السودان
في 8 تشرين الثاني/نوفمبر) أي في أوائل عام 2005.
وأخذ المجلس علما أثناء نظره في الحالة في أفغانستان بإجراء أول انتخابات
رئاسية من نوعها في ذلك البلد في 9 تشرين الأول/أكتوبر. ومقابل خلفية من
التهديدات من المتطرفين وصعوبة ووعورة طبيعة الأرض، وحالة الطقس المعاكسة،
انتُخب حميد كرزائي رئيسا للبلد. وقد اعتبر المجلس أن لهذا الانتخاب أهمية
تاريخية. وبعد ذلك بأيام قليلة قدم المجلس تهانيه لملايين الناخبين الأفغانيين
الذين أظهروا التزامهم بالديمقراطية باشتراكهم في أول عملية انتخابية شعبية
لرئيس دولتهم. وقد تقرر أن تُجرى الانتخابات البرلمانية في نيسان/أبريل 2005.
وفي أعقاب عدد من الهجمات الإرهابية، أبرزها في العاصمة الإسبانية مدريد في
آذار/مارس وفي بسلان بالاتحاد الروسي في أيلول/سبتمبر، اتخذ المجلس بالإجماع
القرار 1566 (2004) في 8 تشرين الأول/أكتوبر، أدان فيه بأقوى العبارات كل
الأعمال الإرهابية بوصفها من أخطر التهديدات للسلام. ورأى المجلس أنه ليس هناك
ما يمكن أن يبرر هذه الأعمال الإجرامية - سواء كان دافعها سياسيا أو فلسفيا أو
عقائديا أو عنصريا أو عرقيا أو دينيا في طابعه - وشكّل فريقا عاملا لوضع
تدابير عملية تُفرض على أي شخص يشترك في أنشطة إرهابية أو تكون له رابطة بها،
خلاف الأشخاص الذين تسميهم لجنة العقوبات المعنية بتنظيم القاعدة وحركة
الطالبان والتي تعرف اختصارا باسم لجنة 1267.
وقدم فريق الرصد الذي يوجه عمل لجنة 1267 - وتعرف رسميا باسم لجنة مجلس الأمن
المنشأة عملا بالقرار 1267 (1999) بشأن تنظيم القاعدة وحركة الطالبان ومَن
يرتبط بهما من أفراد وكيانات - أول تقرير له في أيلول/سبتمبر، بعد أن خلص إلى
أن التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة الذي أضحى شبكة عالمية من المجموعات غير
المقيدة بأي هيكل تنظيمي ولكن تربطها مجموعة من الأهداف المتداخلة ”لا يزال
ماثلا في أضخم صوره“. وأوصى الفريق، ملمحا إلى أن عقوبات المجلس الرامية إلى
وقف إرهاب حركة الطالبان وتنظيم القاعدة حققت ”أقل مما كان يؤمل منها“، بأن
يحسّن المجلس تلك التدابير بمعالجة الطابع المتغير للتهديد. واجتمع المجلس في
كانون الأول/ديسمبر للاستماع إلى خطة عمل اللجنة. كما فتح الباب لإجراء مناقشة
واسعة تناولت مختلف أوجه التهديد الذي يشكله الإرهاب العالمي.
وتحتل لجنة مكافحة الإرهاب التابعة للمجلس مكان الصدارة في جهود المنظمة
الرامية إلى دحر الإرهاب الدولي وهزيمته وقد تم تعزيزها بإنشاء المديرية
التوجيهية للجنة مكافحة الإرهاب. وتسعى هذه المديرية التنفيذية، منذ بدأت
أعمالها في حزيران/يونيه، إلى مضاعفة الجهود للمساعدة في تزويد الدول الأعضاء
بالأدوات القانونية والإدارية اللازمة لمجابهة التهديد الماثل في الإرهاب.
وعُقدت مناقشة مفتوحة في 19 تشرين الأول/أكتوبر، شارك فيها 40 متحدثا، أدت إلى
تلاوة بيان للمجلس يشجع لجنة مكافحة الإرهاب المنشطة على مواصلة عملها الجاري
ويؤكد من جديد أن أعمال الإرهاب هي أعمال إجرامية لا يمكن تبريرها، بغض النظر
عن الدافع إليها، وأينما ارتُكبت وأيّا كان مرتكبها.
وفيما يلي ملخصات للأنشطة الرئيسية للمجلس في عام 2004.
|