موجز
تختلف الأمم المتحدة في يومنا هذا اختلافا كبيرا عن
المنظمة التي انبثقت عن مؤتمر سان فرانسيسكو منذ أكثر من
60 عاما. وتظل جهودها لوضع القواعد والمعايير هامة وجوهرية
دائما. بيد أنها شهدت خلال العقد الماضي توسعا هائلا في
عملياتها في مجموعة كبيرة من الميادين، من حقوق الإنسان
إلى التنمية. ويلاحظ بوجه خاص زيادة عمليات حفظ السلام
أربعة أضعاف ما كانت عليه. فالأمم المتحدة تتبعها اليوم
مجموعة كبيرة من البعثات الجديدة ولديها ميزانية لحفظ
السلام مقدارها 5 بلايين دولار. ويتبعها من أفراد حفظ
السلام في الميدان 000 80 فرد، من بينهم عدد من الموظفين
المدنيين يزيد عن ضعف عدد الموظفين المدنيين العاملين
بالمقر في نيويورك. وباختصار، لم تعد الأمم المتحدة منظمة
لخدمة المؤتمرات موجودة في بضعة مقار. فقد أصبحت منظمة على
درجة عالية من التنوع تعمل في جميع أنحاء العالم على تحسين
حياة الناس الذين هم بحاجة إلى المساعدة.
وأي مجموعة من الأنشطة بهذا الاتساع الجذري تستدعي إصلاحا
جذريا للأمانة العامة للأمم المتحدة - لقواعدها وهيكلها
ونظمها والثقافة السائدة فيها. وهذا الإصلاح لم يحصل لغاية
الآن. أما موظفو المنظمة - وهم أثمن ما لديها من الموارد -
فتلقى على كواهلهم باستمرار أعباء متزايدة. ونُظمنا
الإدارية لا توفر لهم ما يستحقونه من التقدير.
وجهود الإصلاح التي بُذلت في السابق، رغم أنها حققت بعض
التحسينات الملحوظة، عالجت أحيانا أعراض مواطن الضعف في
المنظمة عوضا عن معالجة أسبابها وأخفقت في التصدي
للاحتياجات والمتطلبات الجديدة على نحو كاف. وفي هذا
التقرير المقدم عملا بالطلب الذي وجهه إليَّ قادة جميع
الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الذين حضروا مؤتمر القمة
العالمي المعقود في أيلول/سبتمبر 2005، أقترح جملة من
التدابير اللازمة لتمكين الأمناء العامين في المستقبل من
الاضطلاع بمسؤولياتهم الإدارية على نحو فعال، فضلا عن
التدابير اللازمة لتمكين المنظمة ككل من استخدام مواردها
البشرية والإدارية على نحو أفضل. وهذه فرصة قد لا تحدث مرة
أخرى حتى انقضاء جيل آخر، فرصة لتغيير الأمم المتحدة
بجعلها تواكب التحديات الضخمة التي تواجهها في القرن
الحادي والعشرين وتزويدها بالوسائل اللازمة لذلك. وهي فرصة
لتزويد الدول الأعضاء بالأدوات التي يحتاجونها لتقديم
التوجيه الاستراتيجي اللازم ومساءلة الأمانة العامة بصورة
كاملة عن أدائها.
وتحقيقا لهذا الهدف، يتعين على الأمانة العامة للأمم
المتحدة والدول الأعضاء أن تضيف إلى الاستعراضات الحالية
لنظم الرقابة والنظام الداخلي لإقامة العدل - ويعد
النظامان كلاهما ركنا أساسيا في بناء أمم متحدة أقوى وأكثر
دينامية وأكثر شفافية ولكنهما يوجدان حاليا على مسارين
منفصلين - إصلاحات كبرى في ستة مجالات واسعة أخرى مرتبطة
ببعضها البعض بعرى وثيقة. ويقدم هذا التقرير مقترحات مفصلة
للإصلاح في هذه المجالات الستة وكذلك في مجال إدارة
التغيير ذاته؛ ويرد أدناه موجز لهذه المقترحات وعددها
ثلاثة وعشرون مقترحا.
أولا - الأفراد
مهارات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة اليوم لا تواكب
الاحتياجات الحالية. ولا نستطيع دائما اجتذاب أفضل العناصر
إضافة إلى أننا نفتقر إلى الأموال اللازمة لمساعدة الأشخاص
الذين نعينهم، ولا سيما في الميدان، على التقدم في حياتهم
الوظيفية. ولدينا عدد قليل جدا من المديرين المَهَرة ونظام
لا يسمح بإدماج الموظفين الميدانيين فيه حتى وإن كانت
مهاراتهم وخبراتهم هي ما تحتاجه الأمم المتحدة بصورة
متزايدة. وبغية معالجة ذلك:
1 - ينبغي أن يكون التوظيف استباقيا ومحدد الهدف وأسرع
وتيرة.
2 - ينبغي من خلال الحراك الوظيفي إدماج موظفي المقار
والميدان؛ وينبغي أن يكون ذلك شرطا من شروط الخدمة ومتطلبا
أساسيا من متطلبات الترقي؛ وينبغي إعادة توكيد وتوسيع نطاق
سلطة الأمين العام فيما يتعلق بإجراء التنقلات الأفقية
للموظفين.
3 - ينبغي تعزيز إمكانات التطوير الوظيفي عن طريق التدريب
الموجه وتحديد اشتراطات إلزامية للتقدم الوظيفي وانتهاج
مسارات وظيفية متنوعة.
4 - ينبغي تبسيط العقود ومواءمة شروط الخدمة.
ثانيا - القيادة
هيكل الإدارة العليا في الأمانة العامة غير مهيأ حاليا
بشكل جيد لإدارة عمليات كبيرة معقدة، ويتزاحم على وقت
الأمين العام حاليا، بصفته المسؤول الإداري الأول، عدد
كبير للغاية من الأشخاص المسؤولين أمامه مباشرة. وبغية
معالجة ذلك:
5 - ينبغي للأمين العام أن يعيد تحديد الدور الذي يقوم به
نائب الأمين العام بحيث يفوضه بالسلطة والمسؤولية الرسمية
عن إدارة أعمال الأمانة العامة والإشراف العام عليها.
6 - ينبغي إعادة تنظيم الإدارات الخمس والعشرين والكيانات
الأخرى التي تقدم تقاريرها إلى الأمين العام مباشرة بغية
الحد من التقارير بدرجة كبيرة.
7 - يتعين وضع خطة رئيسية جديدة لتنمية القيادات، تشمل
التوظيف والتدريب والتطوير الوظيفي لتكوين قدرات إدارية
على المستوى المتوسط والمستويات العليا.
ثالثا - تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
على الرغم من إدخال عدد من التحسينات على البنية الأساسية
لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأمم المتحدة في
السنوات الأخيرة، لا يزال النظام بوجه عام مجزأ عتيقا ناقص
التمويل بالمقارنة مع منظمات كبيرة معقدة مماثلة. وإن عدم
وجود أي نظام متكامل لتخزين المعلومات المتوافرة لدى الأمم
المتحدة والبحث فيها واسترجاعها إنما يعيق إمكانية التقدم
في العديد من المجالات الأخرى. وبغية معالجة ذلك:
8 - ينبغي إنشاء منصب لرئيس لتكنولوجيا المعلومات برتبة
أمين عام مساعد ليتولى الإشراف على إعداد وتطبيق
استراتيجية فعالة لإدارة المعلومات.
9-10 ينبغي الاضطلاع على سبيل الاستعجال بتحديث نظم
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جميع أقسام الأمانة
العامة.
رابعا - تقديم الخدمات
إذا ما قورنت الأمانة العامة بالمنظمات الأخرى، بما فيها
العديد من الأمانات داخل أسرة الأمم المتحدة، في مجال
السعي لاكتشاف سبل جديدة لتقديم الخدمات، مثل تغيير أماكن
تأدية العمل والاستعانة بمصادر خارجية، لوجدنا أنها تسير
بوتيرة بطيئة. وفي حين يستشف من طابع الأمم المتحدة
وحساسية بعض المهام المنوطة بها ضرورة وجود مجموعة من
المهام الأساسية التي ينبغي أن تضطلع بها دائما مجموعة
أساسية مكرسة لها من بين موظفي الخدمة المدنية الدولية في
المقر، هناك من ناحية أخرى مهام غير أساسية ينبغي جديا
دراسة خيارات أخرى بشأنها. وبغية معالجة ذلك:
11 - ينبغي للجمعية العامة تعديل توجيهاتها السابقة
والسماح للأمانة العامة بالنظر في جميع الخيارات المتعلقة
ببدائل تقديم الخدمات، بما فيها تبيان إمكانية تغيير مكان
تأدية العمل والاستعانة بمصادر خارجية.
12 - ينبغي إجراء تحليلات منهجية لتكاليف وفوائد تطبيق هذه
الخيارات على خدمات إدارية مختارة والانتهاء من ذلك في
فترة الإثني عشر شهرا المقبلة.
13-15 سيتم تنفيذ مجموعة متنوعة من التدابير الرامية إلى
تحسين وضبط الإجراءات المتعلقة بمشتريات الأمم المتحدة من
السلع والخدمات.
خامسا - الميزانية والشؤون المالية
تعاني الأمم المتحدة حاليا في عملية الميزنة من كثرة
التفاصيل وشدة القيود وغياب البعد الاستراتيجي إلى حد
كبير، يضاف إلى ذلك ما يزيد عن 150 صندوقا استئمانيا
مستقلا و 37 حسابا منفصلا لحفظ السلام، لكل منها تكاليف
وترتيبات الدعم الخاصة به. وتنفذ العملية الإدارية المالية
يدويا إلى حد كبير إضافة إلى أنها مجزأة بشدة. فالسلطة لا
تُفوض بالدرجة الكافية ويؤدي ذلك من جانبه إلى عدم تقييم
الأداء الإداري بما فيه الكفاية. وبغية معالجة ذلك:
16 - ينبغي تقصير مدة دورة استعراض الميزانية وإقرارها،
ودمج اعتمادات الميزانية في 13 جزءا عوضا عن الأبواب
الخمسة والثلاثين الحالية؛ وينبغي أن يتمتع الأمين العام
بسلطة موسعة تمكنه من إعادة توزيع الوظائف عند الضرورة
واستخدام الوفورات الناتجة عن شغور الوظائف.
17 - ينبغي دمج حسابات حفظ السلام وتبسيط إدارة الصناديق
الاستئمانية؛ وينبغي زيادة مستوى رأس المال المتداول ورفع
الحد الأعلى لسلطة الالتزام التي تمنحها الجمعية العامة؛
وينبغي إعادة تشكيل العمليات المالية للمنظمة على نحو يتيح
إمكانية تفويض السلطة بدرجة كبيرة داخل إطار من المساءلة.
18 - ينبغي ربط الميزانية والعملية التخطيطية ربطا صريحا
بالنتائج وبالأداء الإداري، كجزء من إطار أشد صرامة للرصد
والتقييم.
سادسا - الحكم
وراء أي إدارة سلسة للأمم المتحدة يجب أن يكون هناك نظام
لتوجيه الحكم يعطي الدول الأعضاء المعلومات والأدوات التي
تحتاجها لتقديم توجيهات سديدة إلى الأمانة العامة
ولمساءلتها عن الوفاء بالولايات المنوطة بها ورعاية موارد
الدول. وكثيرا ما تفتقر عملية الميزانية وصنع القرار حاليا
إلى الوضوح والشفافية وينقطع في بعض الأحيان التعامل بين
الأمانة العامة ولجان الجمعية العامة. وبغية معالجة ذلك:
19 - ينبغي تحسين آليات الإبلاغ المستخدمة في الأمانة
العامة بوسائل منها تقديم تقرير سنوي وحيد شامل ودمج
التقارير الثلاثين الحالية المتعلقة بالإدارة في ستة
تقارير.
20 - ينبغي إعمال مبادئ جديدة لتوجيه التعامل بين الأمانة
العامة والجمعية العامة بشأن مسائل الإدارة والميزانية
بغية جعل التعامل بينهما أكثر تركيزا واستراتيجية وتوجها
نحو النتائج.
21 - والجمعية العامة مدعوة للنظر في سبل إصلاح تعاملها مع
الأمانة العامة بشأن مسائل الإدارة والميزانية.
سابعا - المضي قدما: الاستثمار في التغيير
بغية المساعدة على دفع وتنفيذ مجمل عمليات الإصلاح الإداري
في جميع هذه المجالات، ينبغي إنشاء مكتب مخصص لإدارة
التغيير ذي اختصاصات واضحة وإطار زمني محدد للعمل مع رؤساء
الإدارات وسائر القادة الرئيسيين في الأمانة العامة من أجل
تخطيط عملية تنفيذ الإصلاحات وتنسيقها. ومن المتوخى من
الناحية المثالية أن يظل هذا المكتب على اتصال وثيق أيضا
مع مجموعة من الدول الأعضاء صغيرة ولكنها ممثِّلة. وهذه
العملية الواسعة النطاق، على نحو ما دعت إليه نتائج مؤتمر
القمة العالمي لعام 2005، يجب أن تستند إلى خطة مدروسة
جيدا لتعويض الموظفين عن ترك الخدمة إذا ما أريد تنشيط
القوة العاملة في الأمم المتحدة. وبغية معالجة ذلك:
22 - ينبغي اعتماد موارد خاصة لعملية إدارة التغيير؛
وسيلزم على وجه الخصوص اعتماد موارد في مرحلة مبكرة من أجل
إنشاء مكتب إدارة التغيير وتعويض الموظفين عن ترك الخدمة.
23 - ينبغي إنشاء آلية حكومية دولية مناسبة للعمل مع مكتب
إدارة التغيير.
* * *
إن جهدا بهذا الحجم - إصلاح إداري واسع بقدر عمقه - إنما
هو السبيل الوحيد أمامنا لتهيئة الأمانة العامة للأمم
المتحدة تهيئة تامة لتنفيذ جميع ولاياتها فتستخدم موارد
دولها الأعضاء بحكمة وتتحمل المسؤولية الكاملة عنها وتحوز
ثقة المجتمع العالمي بنطاقه الأوسع. وفي عصر يشهد اطرادا
متزايدا في المشاكل التي تواجه الإنسانية وتحولها إلى
مشاكل عالمية، بما يزيد كثيرا من حاجة العالم إلى مؤسسة
عالمية يستطع من خلالها صوغ وتنفيذ استراتيجيات عالمية،
يغدو من اللازم أكثر من أي وقت مضى أن تفي الأمم المتحدة
بالوعد الذي قطعته على نفسها في ميثاقها وأن تفي في المقام
الأول بمطالب وآمال الأجيال الحالية والمقبلة.
|