شاتام هاوس، لندن، لماذا الأمم المتحدة هامة اليوم وغدا؟ شكرا لكم اللورد هورد على العبارات اللطيفة. ويشرفني ويسعدني أن أكون حاضرا هنا اليوم. كانت درجة الحرارة في بروكسل اليوم لدى مغادرتي لها 12 درجة مئوية وكان البّرد يتساقط. أما هنا فدرجة الحرارة 25 درجة والشمس ساطعة. وبالكلام عن اختلاف المناخ إنما أردت أن أقول إنني لا أفهم لماذا أنتم أيها البريطانيون دائمي التذمر من الطقس. وأعترف أني أشعر بشيء من الرهبة بأن أعطي الكلمة من طرف مدير للنقاش من طراز رجل الدولة المحنك اللورد هورد. وعندما قبلت في البداية هذه الدعوة الكريمة لألقي كلمة في هذا المعهد، تحمست لإمكانية التكلم مقيدا بقاعدة شاتام هاوس. ومرادي بذلك أن هذه القاعدة تعني أن الجمهور حر في استخدام المعلومات التي يتلقاها في الاجتماع ولكن لا يمكنه أن يكشف عن هوية المتكلم أو الجهة التي ينتسب إليها. وحدثتني نفسي أن هناك الآن قاعدة ينبغي أن نطبقها من حين إلى آخر في الأمم المتحدة. فباستطاعتي تبليغ رسالتي وأظل في الوقت نفسه في الظل. وعلى العكس من ذلك سيحرم محِبيّ الشهرة من فرصة أخرى للظهور. غير أن ذلك سوف لا يتحقق. فقد علمت أن هذا الحدث مسجل ولذلك سيتعين علي الانتظار فرصة أخرى لأعيش تجربة قاعدة شاتام هاوس بصورة مباشرة. حضرة اللورد هورد، إنك تعلم منذ أن كنت وزيرا للخارجية ما يساورني من شعور. لذلك أرجو أن تعذرني بصفتك ميسرا إذا كنت أبدو معتدلا شيئا ما. السيد نبلت، مدير شاتام هاوس، أصحاب السعادة، السيدات والسادة، إنه لمن دواعي الفخر حقا أن أنضم إلى هذا الفريق البارز من الخبراء والعلماء والدبلوماسيين وصناع الرأي والسياسيين وكذلك ممثلي المجتمع المدني - شركاء الأمم المتحدة الرئيسيين في وضع السياسة والممارسة. ويقال إن الأمم المتحدة أسيرة محبيها اللذين لا ينتقدونها ومنتقديها اللذين لا يحبونها. أما هنا في شاتام هاوس، فإني أشعر أني محاط بأصدقائنا الحقيقيين - أولئك اللذين أفضل ما يقال عنهم أنهم المنتقدون المحبون وربما المحبون المنتقدون: الحلفاء الملمين بشؤون الأمم المتحدة، المؤيدون الثابتون ولكن ليسوا مؤيدين تأييدا أعمى بأية حال من الأحوال. وهذا بطبيعة الحال أمر متوقع من جميع البلدان في هذا الصدد. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة ما فتئت المملكة المتحدة تشكل حجر الزاوية في قاعدة دعم الأمم المتحدة ولئن كان ميثاق الأمم المتحدة قد وقع في سان فرانسيسكو في عام 1945، فإن شمس الأمم المتحدة كمنظمة عاملة أشرقت لأول مرة هنا في لندن في السنة التالية لذلك. وفي الجانب الآخر من حديقة سانت جيمس، في القاعة المركزية في وستمنستر، انعقدت الجمعية العامة لأول مرة. وفي الجانب المقابل من الشارع، في تشرش هاوس، ظهر مجلس الأمن للوجود. وفي وستمنستر عندما كانت مدينة لندن تنفض غبار الحرب العالمية الثانية تم تنصيب سلفي الأول تريغفي لي أمينا عاما للأمم المتحدة. فقد حل محل الأمين العام بالنيابة الذي لم يكن سوى دبلوماسي المملكة المتحدة البارز السير غلادوين جيب. وفي الخمسينات، ميز السيد غالدوين - الذي كان آنذاك قد أصبح سفير المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة - بما لديه من حصافة بين المحبين غير المنتقدين والمنتقدين غير المحبين. وقد اقتبس ذلك من الرسوم الكاريكاتورية الصادرة في صحيفة ذلك اليوم. وصورت الأمم المتحدة في طرف من الرسوم الكاريكاتورية كشخص ملائكي ولكن لا تظهر عليه علامات الذكاء المفرط. وكانت أحيانا تسمى ”السلام“، وتتعرض عادة للاعتداء على أيدي شخص متوحش مرتديا بزة. وفي الطرف الآخر من الصورة تبدو الأمم المتحدة في شكل رجل أصلع متوسط العمر ذي مظهر مريب وأجنبي بشكل واضح، على رأسه قبعة وعليه معطف طويل، وهو يتآمر مع شخص آخر ذو هيئة مماثلة وهما جالسان إلى طاولة عليها كساء أخضر. وهكذا صور الكاريكاتور الأول الأمم المتحدة كسلطة دولية مثالية يعمل السياسيون دوما على إحباط مشاريعها من خلال مؤامراتهم الشريرة وصورها الآخر كمؤامرة دولية خبيثة ضد السيادة الوطنية. واليوم، عندما ينظر الناس إلى تلك السنوات الأول من عمر الأمم المتحدة، تتبادر إلى أذهانهم الوعود التي تحملها هذه المنظمة. ويفكرون في المثل العليا والوحدة التي ألهمت مؤتمر سان فرانسيسكو، وتوقيع الميثاق. ويفكرون في وضع الوثائق الرئيسية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويفكرون في الرواد الشجعان الذين انضموا إلى المنظمة وحددوا شكلها في سنوات نشأتها. وفي بلدي أيضا، كانت تلك السنوات الأولى ترتبط بإيمان راسخ بالأمم المتحدة. وعندما كنت شابا ناشئا في كوريا التي مزقتها الحرب وتركتها في فقر مدقع، وقفت الأمم المتحدة إلى جانب شعب كوريا في أحلك ساعات عمره. فقد أمدتنا الأمم المتحدة بالأمل والقوت. وكانت راية الأمم المتحدة نبراسا على الطريق نحو أيام أفضل. وفي أثناء حياتي في كوريا، تمكنت جمهورية كوريا، بمساعدة الأمم المتحدة من إعادة بناء نفسها، من بلد مزقته الحرب لا اقتصاد له، إلى قوة اقتصادية إقليمية ومساهم كبير في الأمم المتحدة. فقد ساعدني ذلك الدعم على الوصول إلى هذا المنبر الذي أقف عليه اليوم. لذلك فإني أعرب عن شكري العميق لهذه المنظمة. ومنذ ذلك الوقت أخذت الأمم المتحدة - والعالم ككل - تبدو في شكل أكثر تعقيدا. وكذلك الشأن بالنسبة للتحديات التي تواجهها منظمتنا. ولم تعد النظرة إليها واضحة تمام الوضوح بل أصبح يعتريها غموض متفاوت الدرجات. ولكنك إذا كنت متفائلا مثلي فإنك ستصور الأمم المتحدة بألوان زاهية. وإنكم لتعلمون أن عالمنا هذا، عالم التحديات المعقدة والعالمية هو بالفعل البيئة التي تنمو فيها الأمم المتحدة - لأن هذه التحديات لا يمكن أن يواجهها بلد بمفرده. إنه عالم يمكن، بل ويجب أن تنمو فيه الأمم المتحدة وتضطلع بأدوار جديدة وتتطور وتنفذ برامج في مجالات جديدة. واسمحوا لي أن أبين بإيجاز بعض أكثر الأولويات إلحاحا التي نواجهها اليوم. إنها لتحديات ضخمة فعلا في كل جزئياتها، مهما كانت ضئيلة، وهي على نفس الدرجة من الأهمية التاريخية التي عليها التحديات التي واجهها مؤسسو الأمم المتحدة. ولننظر إلى برنامجنا في مجال السلم والأمن: أولا يجب أن نضاعف عملنا من أجل مواجهة مأساة دارفور. فالخسائر البشرية الناشئة عن الأزمة الراهنة مدمرة ولم يعد بوسع العالم قبول المزيد من التأخير في عملية السلام. فقد طال أمد دورة العنف المأسوية أكثر مما يجب. ويعود الفضل الكبير إلى الاتحاد الأفريقي الذي تدخل في هذا الصراع في الوقت الذي لم يكن لأحد غيره أن يتدخل فيه. ولقد كان لبعثة الاتحاد الأفريقي في السودان تأثير كبير في الميدان. غير أنها تفتقر إلى القدرة على حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار. ومما يثلج صدري قبول حكومة السودان بعملية مشتركة، أو هجينة، تضم قوات من الاتحاد الأفريقي ومن الأمم المتحدة. وإذا ما تم نشر هذه العملية الصعبة فإن ذلك سيشكل محاولة غير مسبوقة. لكنه يتعين علينا في الوقت نفسه أن نسعى إلى حل الصراع ونحن الآن بصدد تكثيف العملية السياسية ونأمل في بدء جولة جديدة حاسمة من المفاوضات في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تكمل ذلك جهود إنمائية جادة في المنطقة تشمل العمل على كفالة إمكانية الوصول إلى موارد المياه. وبالنسبة للسودان ككل ينبغي لنا أن نمضي قدما في تنفيذ اتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب. وثانيا، ينبغي أن نبذل جهودا كبيرة من أجل تحقيق تقدم في الشرق الأوسط. وهذا ما يتطلب العمل على جبهات عريضة كثيرة. ولا يزال الصراع العربي الإسرائيلي، الذي محوره القضية الفلسطينية، لا يزال يشكل مصدر قلق عميق في جميع أنحاء المنطقة وفي العالم ككل. ومع ذلك فإن بعض التطورات الأخيرة تبعث على الأمل. فقد برهنت المجموعة الرباعية على التزامها بالبحث عن مخرج من الأزمة. وأكدت الجامعة العربية التزامها بالسلام مع إسرائيل مشددة على أن مبادرة السلام العربية لا تزال هامة ففي إطارها سيقوم مبعوثان من مصر والأردن بزيارة إسرائيل. وسأواصل تشجيع التقدم نحو الهدف المشترك الذي تنشده جميع الأطراف، هدف السلام العادل والدائم والشامل. وفي الميدان، في غزة تضطلع الأمم المتحدة بمسؤوليات إنسانية جسام، فلا تزال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى الجهة الأولى الموفرة للعمالة المقدمة للإغاثة الإنسانية بعد السلطة الفلسطينية. وأولويتنا الآن هي كفالة إعادة فتح معابر غزة بصورة دائمة وموثوقة من أجل السماح بوصول المزيد من الإمدادات التجارية والإنسانية. وفي لبنان، تعمل الأمم المتحدة من أجل دعم البلد في جميع المجالات بدءا بإعادة البناء المادي ووصولا إلى بناء مستقبل سلمي وديمقراطي والاستقلال الكامل. واليوم، يعمل قرابة 000 14 من حفظة السلام التابعين للأمم المتحدة كقوة عازلة في الجنوب اللبناني. وهي قوة نشطة وفعالة ومتوازنة ساعدت بالفعل على تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية. غير أن هذه القوة لا يمكن أن تظل هناك إلى ما لا نهاية. وكما يذكرنا الهجوم القاتل الذي تعرض له حفظة السلام مؤخرا فإن الأمل الوحيد في تحقيق الاستقرار الدائم يكمن في المصالحة بين الطوائف داخل البلد. وبالإضافة إلى قيام حكومة وحدة وطنية، ينبغي أن يتوصل لبنان إلى إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الحريري والجرائم الأخرى ذات الصلة. ويجب وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب على مثل هذه الأعمال. ووفقا لأحكام قرار مجلس الأمن 1757, فإني بصدد اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنشاء هذه المحكمة. أما العراق فهو مشكلة العالم بأسره. فباستطاعة الأمم المتحدة أن تساعد في بناء عملية سياسية شاملة لدعم المصالحة الوطنية. وباستطاعتها أن تساعد على تهيئة بيئة إقليمية تدعم الانتقال إلى الاستقرار. وباستطاعتها كذلك أن تواصل إعادة البناء والتنمية من خلال الاتفاق الدولي - المبادرة التي اشتركت مع رئيس الوزراء العراقي في رئاستها من أجل شراكة جديدة مع المجتمع الدولي. وإني أعتزم مواصلة الضغط من أجل المتابعة والتنفيذ الحقيقيين لهذه المبادرة. وتساعد كذلك الأمم المتحدة في تنسيق الجهود الإنسانية لعدد متزايد من اللاجئين العراقيين والمشردين في الداخل. وثالثا، إننا نحتاج إلى تعزيز الجهود المبذولة في مجالي نزع السلاح وعدم الانتشار. وفيما يتعلق بكوريا الشمالية، سأبذل ما بوسعي لتيسير سلاسة عملية الأطراف الستة ولتشجيع العمل من أجل نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية. وفيما يتعلق بالتحديات المحددة الخاصة بكوريا الشمالية وإيران، فقد تصرف مجلس الأمن باعتماده قرارات هامة. لذلك فلتأخذ الدول الأعضاء على المستوى العالمي على عاتقها الالتزام نفسه. وما علينا إلا أن نبذل المزيد من الجهود المتضافرة للخروج من حالة الجمود الراهنة في مجال عدم الانتشار ونزع السلاح. وإننا نواجه تحديا مماثلا في مجال الإرهاب، الذي يشكل أحد الشواغل الخطيرة التي يواجهها هذا البلد في الوقت الحاضر. فكيف نعمل لمنع آفة الإرهاب المستشرية في العالم من أن تصبح خطرا على مصير البشرية؟ لقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيلول/سبتمبر الماضي خطوة تاريخية إلى الأمام باعتمادها استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب. ولأول مرة، قررت الدول الأعضاء على المستوى العالمي اتخاذ تدابير ملموسة سياسية وتنفيذية وقانونية لمكافحة الإرهاب بأسلوب منسق. وقد تعهّدت بتعزيز قدرات الدول والأمم المتحدة على القيام بذلك. واتفقت على أنه يتعين علينا التصدي للظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب. ومن الأهمية بمكان أن اتفقت الدول على أن حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون يشكلان أساس مكافحة الإرهاب. ويكمن التحدي الذي يواجهنا الآن في تنفيذ هذه الوثيقة التاريخية، شكلا ومضمونا. السيدات والسادة، إن هذه المسائل المتعلقة بالسلم والأمن مسائل شاقة. لكن يجب ألا ندعها تغلب على التحديات الجسيمة التي نواجهها في مجالات أخرى. إن برنامج عملنا المتعلق بالتنمية ليس أقل أهمية. يوافق هذا العام منتصف المسافة الزمنية التي أخذنا على عاتقنا أن نحقق فيها الأهداف الإنمائية للألفية التي وافقت عليها جميع حكومات العالم، بوصفها خارطة طريق إلى عالم أفضل بحلول عام 2015. فدعونا نفي بالعهد. وحتى نكون في الموعد المحدد، علينا أن نتخذ إجراءات متسقة الآن. ويتعين علينا إحراز تقدم حقيقي في مسألة أرى أنها تؤثر في مستقبلنا الجماعي أكثر من أي مسألة أخرى، ألا وهي: تغير المناخ. أصدقائي، إني على قناعة أن هذا التحدي وما نقوم به من عمل لمواجهته سيؤثر في وجودنا وفي عصرنا وفي تراثنا العالمي في نهاية المطاف. وقد آن الأوان لنخرج بأفكار جديدة. فعلى القادة أن يقبلوا مسؤولياتهم التاريخية، ولكن يلزمهم أن يركزوا بدرجة أقل على مسؤولياتهم التاريخية تجاه أسلافهم ويزيدوا من تركيزهم على مسؤولياتهم التاريخية تجاه أحفادهم. فهل ستتساءل الأجيال المقبلة عن سبب إخفاقنا في فعل ما هو صواب وتركها تتحمل نتائج أعمالنا؟ وسأعمل من أجل أن تؤدي الأمم المتحدة دورها بالكامل. وقد اتفقت مجموعة الثمانية في الشهر الماضي على أن العملية المناخية للأمم المتحدة هي المحفل المناسب للتفاوض بشأن العمل العالمي في المستقبل. وللاستفادة من الزخم الحالي، سأدعو إلى عقد اجتماع رفيع المستوى بشأن تغير المناخ في نيويورك في أيلول/سبتمبر، في بداية الجمعية العامة. وآمل أن يطلق القادة الرسالة التالية مدوية وواضحة، وهم يتطلعون إلى المفاوضات بشأن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في كانون الأول/ديسمبر: استمرار العمل على النحو المعتاد لم يعد خيارا، وعلينا التوصل إلى اتفاقات ملموسة. وإني أعلم أنكم في شاتام هاوس تقومون بدوركم، بما في ذلك من خلال مشروعكم البحثي المستقل الجديد المتعلق بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي والصين في مجال تغير المناخ وأمن الطاقة. السيدات والسادة، إن الأمن والتنمية دعامتان من دعائم عمل الأمم المتحدة، وعلينا أن نجعل من حقوق الإنسان دعامتنا الثالثة، ليس نظريا فحسب، بل وواقعيا كذلك، على أرض الواقع. وسيقتضي ذلك تكريس الاهتمام بمجلس حقوق الإنسان حتى يفي بوعده ويسلط الضوء على أشد الأماكن ظلمة في العالم. كما سيقتضي ذلك ترجمة المسؤولية عن الحماية من القول إلى الفعل. وعلينا التوصل إلى توافق في الآراء بين الدول الأعضاء بشأن الكيفية التي يمكن أن نجعل بها هذا المفهوم قابلا للتنفيذ عندما يُهدد شعب ما بالإبادة أوالتطهير العرقي أو تُرتكب بحقه جرائم ضد الإنسانية وتخفق السلطات الوطنية في اتخاذ ما يناسب من إجراءات. وسوف أعين مستشارا خاصا لدفع هذه العملية قدما. وقد عينت بالفعل مستشارا خاصا متفرغا يعنى بمنع الإبادة والفظائع الجماعية. السيدات والسادة، إذا كان لا بد لنا أن نتصدى للتحديات القائمة أمامنا، علينا أن نرقب شؤوننا الداخلية. وإني أعكف حاليا على اتخاذ مجموعة من التدابير لتعزيز قدراتنا وتغيير ثقافة عملنا. إن حفظ السلام يرزح تحت وطأة تصاعد الطلبات. فالأمم المتحدة تشارك، بشكل ما، في 18 عملية لحفظ السلام في أشد الأماكن صعوبة في العالم. وقد بلغ عدد موظفينا في الميدان مستوى تاريخيا يناهز 000 100 موظف. والآن نحن مطالبون بدور أكبر تضطلع به الأمم المتحدة في أماكن أخرى، بما في ذلك على وجه الخصوص منطقة دارفور. وقد أثلج صدري أن الجمعية العامة وافقت الآن على اقتراحاتي الرامية إلى إعادة هيكلة الأمانة العامة للتمكّن من تعزيز قدراتنا على إدارة عمليات السلام والمحافظة عليها. وإننا نسعى جاهدين أيضا إلى تحقيق أداء أفضل في مجالات التنمية والمساعدة الإنسانية والبيئة. ونتابع التوصيات البعيدة الأثر الصادرة عن الفريق الرفيع المستوى المتعلقة بالاتساق على نطاق المنظومة الذي كان غوردون براون عضوا رئيسيا فيه بينما كان وزيرا للمالية. وآمل أن نتمكن من التوصل إلى توافق في الآراء بين الدول الأعضاء لتنفيذ كثير من المقترحات. وينطبق ذلك بوجه خاص على التوصية الرامية إلى تعزيز صورتنا في المجال الجنساني حتى نستطيع تمكين المرأة في جميع أنحاء العالم وحماية حقوقها على نحو أفضل. وفي عملنا الإنساني، فإننا نبذل جهودا إضافية لاستباق الكوارث، سواء الطبيعية منها أم التي هي من صنع الإنسان، حتى نتمكن من مواجهتها قبل أن تتحول أي مشكلة ناشئة إلى أزمة مستشرية. وإننا نعمل على ضمان ما يكفي وما يمكن التنبؤ به من التمويل وعلى تحقيق الريادة في مجال الشؤون الإنسانية في الميدان. ويتولى السير جون هولمز من المملكة المتحدة، بوصفه وكيلنا الجديد للأمين العام المعني بالشؤون الإنسانية، القيادة الدينامية اللازمة للمضي قدما على جميع هذه الجبهات. وفي جميع أجهزة المنظمة، فإن تعزيز القدرات لا يكفي بمفرده. فلا بد أيضا من تغيير ثقافة العمل نفسها. ويعني ذلك تكوين موظفين يتميزون حقا بالقدرة على الحركة وأداء مهام متعددة والخضوع للمساءلة مع التركيز أكثر على التطوير الوظيفي والتدريب. ويعني ذلك أيضا الارتقاء بجميع موظفي الأمم المتحدة إلى أعلى مستويات النزاهة والسلوك الأخلاقي في المقر والميدان على حد سواء. السيدات والسادة، إن المملكة المتحدة تؤدي دورا فريدا في دفع عملنا إلى الأمام. ويحتل هذا البلد موقع الصدارة العالمية في كثير من المسائل التي أشرت إليها. وفيما يتعلق بدارفور، فإننا نتطلع إلى قيام المملكة المتحدة بدور قيادي في كفالة إصدار مجلس الأمن لقرار يأذن بنشر قوة مختلطة في العام المقبل - والمساعدة على كفالة المساهمة فيها لدى إنشائها. وحتى ذلك الحين، فإننا نعتمد على المملكة المتحدة وعلى جهات مانحة رئيسية فيها أخرى لمواصلة دعم قوة الاتحاد الأفريقي. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، فإننا نعرب عن تقديرنا لكم، سعادة رئيس الوزراء، لما قدمتموه سابقا من قروض لمساعدة فلسطين على بناء أسس دولتها. لكننا نحتاج أيضا إلى الدعم والقيادة النشطين من حكومة صاحبة الجلالة الجديدة. وفيما يتعلق بالأهداف الإنمائية للألفية، إني أعلم أن رئيس الوزراء سيمضي قدما في الالتزام النادر الذي أبداه منذ أمد طويل، عندما كان وزيرا، والمتعلق بالمعونة والتجارة وتخفيف عبء الدين. أما فيما يتعلق بتغير المناخ، فإني أعلم كذلك أنه سوف لا يبخل علينا بذلك النوع من الحنكة السياسية التي نحتاجها. وقد عرّف بحق تغير المناخ بأنه مسألة تهم وزارتي المالية والاقتصاد بقدر ما تهم وزارتي الطاقة والبيئة. وهو يطرح بالفعل إقامة شراكات عالمية جديدة على أساس الاتفاق الدولي لخفض انبعاثات غاز الدفيئة لما بعد عام 2012. وأعلم أن بإمكاننا الاعتماد على القيادة المستمرة لرئيس الوزراء داخل الاتحاد الأوروبي ومجموعة الثمانية وخارجهما. وفيما يتعلق بالأمم المتحدة، فسيساعده باقتدار مارك مالوك براون الذي يملك بالتأكيد من الخبرة في مجال الأمم المتحدة ما لا يملكه أي وزير حكومي من أي مكان. السيدات والسادة، إن الأمم المتحدة، على الرغم من انتشارها العالمي، فإنه لا يمكنها أن تكون حاضرة في جميع الأماكن ولا أن تقدم الحل لكل التحديات. غير أنه بإمكاننا، بل وينبغي لنا، أن نتيح محفلا نقرر فيه برنامجا عالميا وتوافقا في الآراء. ويمكننا كذلك، بل وينبغي لنا، إذا ما توفر العزم السياسي الضروري، أن ننفذ إرادة المجتمع الدولي المحددة بوضوح. كما يمكننا، بل وينبغي لنا، أن نكون ذوي بصيرة نافذة واستباقيين. ونحتاج في ذلك إلى إقامة الحوار والتحلي بالصبر وإلى الموارد والإصلاحات اللازمة - حتى نتمكن من خدمة الصالح العام ونتزود بما يلزم لإنجاز عملنا على أفضل وجه - من حفظ السلام إلى التنمية ومن العمل الإنساني إلى حقوق الإنسان. ونحتاج أيضا إلى الدعم المتواصل من المملكة المتحدة، ومنكم جميعا، أنتم منتقدونا المحبون ومؤيدونا المتشككون. وإني متأكد أن هذا الوصف ينطبق عليكم. ودعوني الآن أحاول الإجابة على أسئلتكم. ولكم جزيل الشكر.
|