خطاب الأمين العام أمام مجلس حقوق الإنسان
الإثنين 19 حزيران/يونيه 2006


 
 
 

جنيف،

السيد الرئيس [ لويس ألفونسو دو ألبا]، دعني أولا أهنئك - أو بالأحرى دعني أهنئ المجلس على اختياره لك كأول رئيس له.

إن هذا الاختيار حقا لبشير خير لما ستكون عليه أعمال المجلس القادمة. فنحن في مقر الأمم المتحدة في نيويورك نعرفك جيد المعرفة منذ كنت في البعثة الدائمة للمكسيك فيها. ونعرف أنك واحد من أكثر الدبلوماسيين حنكةً، وأنك مدافع عنيد عن حقوق الإنسان - بل أنك في الواقع وبدون أدنى ريب الشخص المناسب لتولي هذه المهمة الحيوية.

أصحاب السعادة،

سيداتي، سادتي،

ليس في الأمر من مغالاة لو قيل إن أنظار العالم - لا سيما أنظار من حرم من ممارسة حقوقه كإنسان أو من تعرضت حقوقه هذه للتهديد أو للانتهاك - تتجه صوب هذه القاعة وهذا المجلس.

فقد بذلت الدول الأعضاء والمجتمع المدني في العالم أجمع جهدا جبارا لكي نبلغ هذه المرحلة.

وينبلج عهد جديد للعمل الذي تضطلع به الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان.

وإني على ثقة بأن جميع الدول الأعضاء في المجلس تدرك تمام الإدراك الآمال المعلقة عليها، وبأنها لن تخيب تلك الآمال.

ولا بد وأن تدرك أنها، بسعيها إلى أن تُنتخب كأعضاء في هذا المجلس، قد تعهدت باحترام حقوق الإنسان في الداخل وبالتمسك بها في الخارج. إلى ذلك، فقد اشترطت عليها الجمعية العامة تطبيق أعلى المعايير في مجال تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، والتعاون مع المجلس تعاونا تاما، وإخضاع نفسها لآلية الاستعراض الدوري الشامل أثناء فترة عضويتها في المجلس.

إن شعوبها - وشعوب العالم - ستبقي عيونها مفتوحة لترى ما إذا كانت هذه المعايير تطبَّق بالفعل.

أصدقائي الأعزاء،

دعونا نتذكر الدرب الذي سلكناه وأوصلنا إلى ما وصلنا إليه هنا. في العام الماضي، شددت في تقريري المعنون ”في جو من الحرية أفسح“ على أن حقوق الإنسان تشكل الركن الثالث من الأركان الثلاثة، مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسلام والأمن، التي يجب على الأمم المتحدة أن ترتكز عليها في عملها.

وذكرت أن هذه الأركان الثلاثة مترابطة ويعزز أحدها الآخر، وأنها تشكل شروطا مسبقة لا بد منها لمصلحتنا الجماعية. فما من مجتمع يمكن أن يتطور ما لم ينعم بالسلام والأمن. وما من دولة يمكن أن تضمن أمن شعبها إذا ما كان محكومـا على شعبها بــأن يعيـشُ فقيرا دون أي أمل. وما من أمة يمكنها البقاء آمنة أو مزدهرة ما لم تكن حقوق مواطنيها الأساسية محمية.

باختصار، إن عدم احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية يشكل السبب الرئيسي الكامن وراء تزعزع السلام إلى هذا الحد في العالم اليوم، ووراء التفاوت الحاد في الرخاء الاقتصادي.

ويسرني القول إن قادة العالم أيدوا هذه الرؤية في مؤتمر القمة الذي عقدوه في شهر أيلول/سبتمبر الماضي.

إذ أعربوا عن تصميمهم على إدماج تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها في صلب سياساتهم الوطنية، وعلى تقديم دعمهم للمضي في جعل منظور حقوق الإنسان جزءا من أعمال منظومة الأمم المتحدة ككل.

وقبلوا اقتراحي بأنه، بغية ترسيخ مسألة حقوق الإنسان على المستوى الذي تستحقه داخل المنظومة، يتعين عليهم إنشاء هذا المجلس عبر قيام الجمعية العامة بانتخاب أعضائه مباشرة، وذلك ليعمل بالتعاون مع مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

كما صمموا على تعزيز مكتب المفوضة السامية، وقررت الجمعية العامة منذئذ أنه ينبغي لهذا المجلس أن يتولى الدور والمسؤوليات ذات الصلة بعمل هذا المكتب، والتي كانت تقع سابقا على عاتق لجنة حقوق الإنسان. وأود أيضا أن أشكر المفوضة السامية على ما تظهره من قيادة بارزة لتوسيع نطاق العمل الذي نؤديه في مجال حقوق الإنسان وتغيير طريقة الاضطلاع به. وإني أحث جميع أعضاء المجلس على منحها أقصى دعمهم.

دعوني أهنئ كذلك رئيس الجمعية العامة على البراعة التي أدار بها المفاوضات التي أفضت إلى إنشاء هذا المجلس الذي سيبقى في الذاكرة كإنجاز تاريخي، وهذا أمر أنا على يقين منه.

إن هذا المجلس في الوقت الحاضر جهاز فرعي تابع للجمعية. غير أن الجمعية ستستعرض وضعه في غضون خمس سنوات. وسأسمح لنفسي بالأمل - وأعتقد أنه ينبغي لهذا الأمر أن يكون مطمحكم - بأن يكون عملكم قد أدى بعد خمس سنوات إلى ترسيخ سلطة مجلس حقوق الإنسان ترسيخا شديد الوضوح لدرجة تبلور إرادة عامة بتعديل الميثاق ورفع مكانة المجلس لجعله جهازا رئيسيا من أجهزة الأمم المتحدة.

وإن قُيض لهذا المطمح أن يتحقق، لا بد لعمل المجلس أن يقطع الصلة بالماضي. ويجب أن يتجسد هذا الأمر في الطريقة التي تستحدثون فيها آلية الاستعراض الدورية الشاملة وتطبقونها؛ وفي استعدادكم لمواجهة المسائل الشائكة والدخول في مناقشات عسيرة عندما يقتضيها الأمر لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان - أو حتى، وهذا أفضل، الحيلولة دونها؛ وفي استعدادكم لاستغلال قدراتكم بصورة إيجابية بحيث تعقدون اجتماعات أكثر تواترا من الاجتماعات التي كانت تعقدها اللجنة، وللدعوة إل عقد جلسات خاصة.

وما يجب أن يتبدى أكثر من أي شيء آخر هو التغيير في الثقافة. فيجب أن نرى، بدلا من ثقافة المواجهة وانعدام الثقة التي سادت اللجنة في سنواتها الأخيرة، ثقافة من التعاون والالتزام تستمد الإلهام من قيادة ناضجة - لا يجوز أن تقع مسؤوليتها على كاهل رئيسكم وحده، بل عليها أن تكون قيادة جماعية. وقد قدمت لكم الجمعية العامة مجموعة من القواعد لتنطلقوا منها، غير أن ما سيحدد نجاحكم أو فشلكم في نهاية المطاف هو طرائق عملكم والتطلعات والمواقف التي تستند إليها هذه الطرائق.

بيد أن اللجنة، حتى رغم إخفاقاتها الأخيرة، تمكنت من تشكيل العديد من الآليات المفيدة التي ينبغي الاحتفاظ بها، بل وتعزيزها.

وأشير على نحو خاص إلى نظام الإجراءات الخاصة الذي استخدمته اللجنة لتجعل من نفسها جهازا لم تقتصر أعماله على تعزيز حقوق الإنسان فحسب، بل شملت أيضا حمايتها. واشتمل نظام الإجراءات الخاصة هذه على الخبراء المستقلين والمقررين الخاصين وممثليَّ الخاصين وممثلي المفوضة السامية الخاصين، وبالطبع الأفرقة العاملة.

إن هذه الآليات - التي تتخذ بمعظمها شكل أفراد اختيروا لخبراتهم وعملهم بدون مقابل - تشكل مجتمعةً القوات الأمامية التي نتطلع إليها لتتولى حماية حقوق الإنسان وإنذارنا بشكل مبكر بانتهاكاتها. وإنها، بدقها ناقوس الخطر ثم إجراء التحقيقات، تبقي اهتمام العالم منصبا على العديد من أكثر ما نواجهه من المعضلات إلحاحا في مجال حقوق الإنسان.

وهي هذه الآليات صوت الذين لا صوت لهم من ضحايا الاعتداءات، وتوفر تقاريرها نقطة انطلاق لمناقشة التدابير الملموسة التي ينبغي للحكومات اتخاذها لوضع حد للانتهاكات ولضمان حماية حقوق الإنسان في المستقبل.

كما أنشأت اللجنة ولأول مرة في تاريخ منظومة الأمم المتحدة آلية لتلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان - الآلية السرية، التي تدعى ”الإجراء 1503“، التي تتيح تلقي الشكاوى من المنظمات غير الحكومية وغيرها من المجموعات، وحتى من الأفراد.

وإني آمل بأن يتم الاحتفاظ بهذا الإجراء أو أي إجراء سري مثيل لتلقي الشكاوى، وذلك لكفالة عدم إغفالكم الادعاءات بحصول انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق في أي بلد من البلدان. وآمل بأن تتمكنوا أيضا من التوصل إلى اتفاق بشأن اعتماد بروتوكول إضافي يحدد مسارات تقديم الشكاوى بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتؤدي المنظمات غير الحكومية دورا هاما في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها على الصعد الوطني والإقليمي والدولي. وهذا ما حدا بالجمعية العامة إلى الإفادة من ممارسات اللجنة لضمان إتاحة المجال أمام المنظمات غير الحكومية للمساهمة في عملكم بأكثر الطرق فعالية، وذلك إلى جانب الدول غير الأعضاء في المجلس، والوكالات المختصة، والمنظمات الحكومية الدولية الأخرى، والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان.

كما أنكم ورثتم من اللجنة وثيقتين شديدتي الأهمية وهما - مشروع الاتفاقيـة المتعلقة بالاختفاء القسري ومشروع الإعلان المتعلق بحقوق الشعوب الأصلية. ويتيح لكم النظر في هذين الصكين وإقرارهما في أقرب فرصة ممكنة المجال لبدء عملكم بتحقيق إنجاز ملموس - إنجاز يبث الأمل في نفوس شرائح واسعة من الناس الذين عاشوا في ظلال قاتمة من الرعب.

وورثتم مهام ملحة أخرى - أبرزها مهمة الاتفاق على المسائل التي لم يتسنى للجنة التوصل إلى اتفاق للآراء بشأنها، مثل جعل مفهوم ”الحق في التنمية“ مفهوما واضحا ومحددا لدرجة التمكن من إنفاذه والتمسك به على نحو فعال.

أصدقائي الأعزاء،

كما تعلمون، كانت المفاوضات التي أدت إلى إنشاء هذا المجلس شاقة. فلم تحصل كل الوفود على كل ما ابتغت. وكان لا بد من الاتفاق على حلول وسط، ولكن لم تتم التضحية بالمبادئ النهائية.

ولا ينبغي أن تفاجئنا هذه الخلافات والصعوبات. فلو لم تكن هناك خلافات حول حقوق الإنسان، لما كنا بحاجة لهذا المجلس.

فحقوق الإنسان موضوع بحكم طبيعته موضوع حساس بالفعل. غير أن هذا لا يعني أنها بحكم طبيعتها هذه تنطوي على التدخل في مصالحَ الدول أو تتعارض معها. كما لا يتعين علينا قبول النظرية التي يتم تردادها تلقائيا على نطاق واسع، والتي تفيد بأن بين الحرية والأمن علاقةً متأصلةً من التوتر، أو أنه لا بد من المقايضة بينهما.

بل على العكس من ذلك، فإن أقوى الدول هي الدول الأشد حزما في الدفاع عن حقوق الإنسان لجميع مواطنيها. ولن ينعم الإنسان بالأمن الحقيقي ما لم تتم حماية حقوقه وحريته من الاعتداء، سواء كان من قام به أعداء الدولة أو من ينوبون عنها.

وهذا يعني أن على من سعوا إلى الفوز بالانتخابات إلى عضوية المجلس وفازوا فيها تهيئة أنفسهم للنقاش والاختلاف، لكن عليهم أيضا أن يكون متحدين في عزمهم على التمسك بحقوق الإنسان وتفعيلها دون خوف أو محاباة. وعليهم أن يدركوا، على غرار ما فعلته الجمعية العامة حينما أنشأت هذا المجلس، مدى أهمية مبدأي العالمية والموضوعية، وضرورة القضاء على ازدواجية المعايير.

أصحاب السعادة، أصدقائي الأعزاء:

أمامكم عمل شاق. ففي الأسابيع والأشهر القادمة التي ستقومون خلالها بالغوص في التفاصيل ومواجهة المسائل التي تتمحور حولها ولاية المجلس، أحثكم على ألا تغيبن البتة عن بالكم الأهداف النبيلة التي جاءت بكم إلى هنا.

لا تسمحوا قط بأن يصبح هذا المجلس أسيرا لتسجيل نقاط سياسية أو للقيام بمناورات صغيرة. فكروا دوما بمن يُحرمون من ممارسة حقوقهم - سواء كانت هذه الحقوق مدنية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية وثقافية؛ وسواء كان هؤلاء الأشخاص يقضون بسبب المعاملة الوحشية التي يلقونها على أيدي حكامهم الاستبداديين أو بسبب الجهل أو الجوع والمرض.

والحقيقة أن حالات الحرمان هذه تصحب إحداها الأخرى. فأولئك الذين يسعون إلى تحسين أوضاع جماعاتهم المعيشية غالبا ما يصبحون هم ضحايا القمع؛ كما أن انعدام الحرية والضمانات القانونية هو الذي يعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويمثل المجلس، على هاتين الجبهتين الأساسيتين، فرصة جديدة كبيرة للأمم المتحدة والبشرية لتجديد النضال دفاعا عن حقوق الإنسان. وأناشدكم عدم تضييع هذه الفرصة.

ولكم جزيل الشكر.