فخامة الرئيس بوتفليقة، السادة رؤساء الدول والحكومات الأفاضل، السيد الأمين العام عمرو موسى، حضرات السيدات والسادة، أود أن أوجه شكري للرئيس بوتفليقة على قيادته وعلى استضافة هذا الاجتماع في مثل هذا الظرف الحاسم بالنسبة للعالم العربي وللأمم المتحدة. وأود أيضا الإعراب عن تقديري لعمرو موسى، على ما انفك يتحلى به من روح القيادة بوصفه الأمين العام لجامعة الدول العربية وعلى دوره الهام بوصفه عضوا بارزا في الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير، الذي قدم مؤخرا تقريرا يتضمن توصيات هامة بالنسبة لنا جميعا. وإنه لشرف لي أن أحُلَّ بين ظهرانيكم. ووجودي في الجزائر يحيي في ذهني ذكريات الفترة التي قضيتها عضوا في منظمة الطلبة الأفارقة. وقد تأثرنا جميعا بكفاح الجزائر من أجل التحرير. ولكن سروري اليوم راجع بالأخص إلى وجودي بينكم لأهنئكم جميعا بمناسبة حلول الذكرى الستين لإنشاء هذه المنظمة. وأنا أعلم أنكم تستغلون هذه المناسبة لمناقشة موضوع إنشاء برلمان عربي وتحسينات أخرى. وتعم الأمم المتحدة روح مماثلة تأتي في إطار الإصلاح والتجديد، حيث أننا نحتفل أيضا في هذا العام بذكرانا الستين. وكما تعلمون، فقد قدمت، يوم الاثنين، تقريرا إلى الجمعية العامة يتضمن مقترحات لتكييف منظومتنا الدولية، والأمم المتحدة ذاتها، مع التهديدات والتحديات التي تواجهها البشرية اليوم. وينقسم هذا التقرير المعنون ”في جو من الحرية أفسح“ - وهي عبارة مستمدة من ميثاق الأمم المتحدة - إلى أربعة فروع رئيسية هي: التنمية والأمن وحقوق الإنسان والمؤسسات العالمية، مع التركيز ضمن هذا الفرع الأخير على الأمم المتحدة تحديدا. ويعرض التقرير القرارات الرئيسية التي أعتقد أنه يتعين عليكم وعلى زملائكم من رؤساء الدول والحكومات في أرجاء العالم الأخرى أن تتخذوها عندما ستجتمعون في نيويورك في شهر أيلول/سبتمبر المقبل لاستعراض تنفيذ إعلان الألفية. والفكرة الرئيسية في التقرير هي أن القضايا الكبرى في عصرنا مترابطة، ويجب التصدي لها جميعا باعتبارها مصلحة ذاتية خالصة. ويشدد التقرير على أن الاقتراحات الواردة فيه تمثل مجموعة واحدة - وهي استراتيجية شاملة تولي قدرا متساويا من الأهمية لجميع مقاصد الأمم المتحدة قاطبة ولجميع اهتمامات دولها الأعضاء. ويدعو التقرير إلى اتخاذ إجراءات متضافرة لتعزيز التنمية. ويتبادل العالم بشأن هذه المسألة رؤية واحدة، مثلما تجسد ذلك في الأهداف الإنمائية للألفية. لكن التنفيذ هو المجال الذي تعثَّر فيه العديد من الدول الأعضاء. ونحن نقول دائما إن البشرية لن تنعم بالأمن في معزل عن التنمية والعدالة الاجتماعية. غير أننا لا نتصرف دائما على النحو الذي يثبت أننا نؤمن إيمانا صادقا بحقيقة تلك العلاقة. أما فيما يتعلق بالأمن، فيبدو أحيانا أننا نفتقر إلى التوافق في الرأي حتى بشأن الجوانب الأكثر جوهرية. والحالات الخاصة يمكن أن تقود إلى خلافات عميقة، كما شاهدنا في السنوات الأخيرة، ولا سيما بشأن العراق. أما اليوم، وقد ازداد الشعور بالخطر والضعف، فإننا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى نظام للأمن الجماعي يرعى احتياجات الجميع. فالأمن ليس المهمة الأولى التي تقع على كاهل الحكومة فحسب، وإنما هو أيضا شرط لازم وأساسي للتنمية. ومن ثم فإن علينا أن نعزز عملنا في مجال نزع السلاح ونظمنا الدولية لمراقبة انتشار أسلحة الدمار الشامل. ونحتاج إلى تحسين قدراتنا الجماعية في مجال بناء السلام وحفظ السلام. ونحتاج أيضا إلى تعزيز مصداقية آليتنا في ميدان حقوق الإنسان. ونحتاج إلى توسيع نطاق التمثيل في مجلس الأمن، بما يكفل لقراراته أن تُقبَل عالميا بوصفها قرارات تتمتع بمقدار أكبر من المشروعية والسلطة الأخلاقية. ويجب علينا أن نتعاون من أجل مكافحة الإرهاب. وينبغي أن تكون الحاجة إلى اتخاذ موقف موحد من هذه المسألة واضحة بشكل خاص لنا جميعا هنا في الجزائر هذا البلد الذي اضطر إلى مواجهة الإرهاب والتطرف سنوات طويلة، مع ما كلفه ذلك من خسائر بشرية فاقت 000 100 شخص. لقد أدى عدم وجود اتفاقية شاملة بشأن الإرهاب، تستند إلى تعريف واضح ومتفق عليه، إلى إضعاف الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لمواجهة هذه الظاهرة الشنيعة لمدة طويلة جدا. وإنني ممتن للفريق الرفيع المستوى على السبيل الذي فتحه أمامنا للمضي إلى الأمام. وقد استنتج أننا لسنا بحاجة إلى الجدال حول ما إذا كان من الممكن أن تُدان الدول بالإرهاب، لأن الاستخدام المتعمد للقوة ضد المدنيين من قبل الدول يحظره القانون الدولي ويدينه بشكل واضح. وذكر الفريق بوضوح أن الحق في مقاومة الاحتلال لا يمكن أن يشتمل على الحق في قتل المدنيين وتشويههم عمدا. فلا يمكن نصرة القضايا المشروعة بالوسائل غير المشروعة. وقد أهبت بقادة العالم إلى تأييد مقترح الفريق من أجل وضع تعريف للإرهاب، والانتهاء من إعداد اتفاقية شاملة بشأن الإرهاب قبل نهاية الدورة الستين للجمعية العامة. وأحثكم على الاستفادة من خبرتكم وأخذ زمام المبادرة في إطار هذا الجهد. ويتعين علينا طبعا، عندما توجد مظالم حقيقية تشجع الناس على دعم الإرهاب أو التعاطف معه أن نجد سبلا سلمية لمعالجة تلك المظالم، وإقناع السكان بأن الإرهاب ليس السبيل إلى رفعها. ولا يوجد في أي مكان مثال أوضح لذلك من الأرض الفلسطينية المحتلة التي زرتها الأسبوع الماضي. وقد اطلعتُ مرة أخرى على المصاعب اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، ومخاوفهم من استمرار الأعمال الأحادية الجانب المتمثلة في ما تقوم به إسرائيل من نشاط استيطاني ومصادرة الأراضي، وغضبهم من الحاجز أو الجدار العازل في الضفة الغربية، وتوقهم إلى أن يتم إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. لكنني لمست أيضا وجود أجواء تفاؤل وأمل جديدة بعد فترة طويلة ومريرة من إراقة الدماء واليأس. وأود أن أهنئ مصر والأردن على جهودهما القيادية التي مكّنت من عقد لقاء ضم الرئيس عباس ورئيس الوزراء شارون في شرم الشيخ. وقد خطا الجانبان خطوات إيجابية باتجاه الوفاء بالتعهدات التي قطعاها خلال تلك القمة. والمهمة التي تواجهنا اليوم هي تحويل الفرص إلى إنجازات. والأمم المتحدة، بوصفها عضوا من أعضاء اللجنة الرباعية، ستواصل حض الجانبين على التنفيذ التام لالتزاماتهما بموجب خريطة الطريق ولقرارات مجلس الأمن 242 و 338 و 1397 و 1515. وهذا يعني بطبيعة الحال التشجيع على التوصل إلى سلام عادل ودائم وشامل على جميع المسارات، بما فيها المساران السوري - الإسرائيلي واللبناني - الإسرائيلي. وفي لبنان، شكلت جريمة الاغتيال الآثمة التي ذهب ضحيتها رئيس الوزراء السابق، الحريري، ضربة قاصمة. فقد كان وطنيا لبنانيا غيورا ورجل دولة متميزا وكان له حضور حيوي في المجتمع الدولي. وفي غضون الأيام القليلة القادمة، من المنتظر أن أنشر تقرير لجنة التحقيق التي أنشأتُها في أعقاب عملية الاغتيال. ولربما سيقتضي الأمر إجراء تحقيق أشمل. وعلى جميع الأطراف الآن العمل سويا من أجل صون استقرار لبنان ووحدته الوطنية. وكان من بواعث ارتياحي التعهد الذي قطعه الرئيس الأسد على نفسه لمبعوثي الخاص بأن سورية ستنفذ قرار مجلس الأمن 1559 تنفيذا تاما وكاملا. وأتوقع أن تنسحب بشكل تام كل القوات السورية، بما فيها أجهزة الاستخبارات والمعدات العسكرية، قبل إجراء الانتخابات البرلمانية اللبنانية. ويجب أن تكون تلك الانتخابات حرة ونزيهة وأن تُجرى في موعدها المقرر. والأمم المتحدة مستعدة لتقديم يد العون عند الاقتضاء. وسيعود مبعوثي الخاص إلى المنطقة في الأسبوع الأول من نيسان/أبريل لمواصلة مباحثاته، وأنا على استعداد لإعانة الطرفين على تنفيذ هذا القرار. والأمم المتحدة ملتزمة أيضا بمساعدة العراق في مرحلته الانتقالية. فالآن وقد أُجريت الانتخابات، يتوقع العراقيون جني ثمار ملموسة. ومن شأن أعمال صياغة دستور وطني أن تساعد على تحسين الأوضاع الأمنية، بشرط أن تكون عملية جامعة وشفافة. وبالتوازي مع عملنا لضمان استعادة العراق كامل سيادته واستقلاله، يتعين علينا أيضا تعزيز تطبيع علاقات العراق مع جيرانه ومع المجتمع الدولي. وأشكر هنا الجامعة العربية على ما قدمته لنا من مساعدة ثمينة لإنجاز هذه المهمة. ومن بواعث ارتياحنا جميعا إبرام اتفاق السلام في جنوب السودان الذي طال انتظاره. وعلى الأمم المتحدة أن تقوم بدور حيوي للمساعدة على تنفيذه. غير أن الحالة المروعة في دارفور تلقي بظلال قاتمة على ما أُنجز في نَيْفاشا. وقد بُذلت جهود شجاعة في الجانب الإنساني وبذل الاتحاد الأفريقي مثلها في الجانب الأمني. ومن الضروري أيضا محاكمة المسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، على نحو ما اقترحته لجنة التحقيق. والآن يجب علينا جميعا أن نحث الأطراف على التفاوض بنية طيبة وبروح التراضي. وهذا هو الأمل الوحيد في إحلال سلام دائم. ونحن في حاجة أيضا إلى كمية هامة من الأموال الإضافية لعملياتنا الإنسانية في دارفور، وفي الجنوب وفي أنحاء أخرى من البلد، وإلا فسيتعين إنهاؤها وسيكون لدعم الدول العربية - بما في ذلك دعمكم المالي العاجل - أهمية حيوية إذا ما أردنا التحرك بوتيرة أسرع والتوصل إلى استجابة تلبي متطلبات الحالة السائدة. أصدقائي الأعزاء ، إننا نعيش في عالم معقد ومتقلب. وإننا جميعا نشعر بعميق الحزن من جراء الظلم المتجذر والمعاناة التي طال أمدها بدون داع؛ والجراح التي يسببانها تساعد على إملاء المزاج السائد لدى عامة الناس. لكن حتى لو أنها ظلت دون حل، فإنها لا ينبغي، بل لا يجب، أن تعيق العمل الهادف إلى إرواء التعطش الشديد إلى التغيير، ولا سيما إلى مزيد من المشاركة الشعبية، في مجتمعاتنا. ويجب أن يستمر بذل هذا الجهد بشكل مواز. وخلال الأشهر القليلة الماضية، أبان العراقيون والفلسطينيون واللبنانيون عن شوق شديد إلى إيجاد حلول ديمقراطية لمشاكلهم. وفي أماكن أخرى، حيث يسود شعور جلي بالتوق إلى مشاركة أوسع، غدت النظم السياسية تظهر مزيدا من الانفتاح. وأصبح العرب، رجالا ونساء، أكثر تصميما على إسماع مختلف أصواتهم. وفي العالم العربي، على غرار أماكن أخرى، ليست الديمقراطية حلا في حد ذاته. بل هي أفضل وسيلة لدينا لحل المشاكل وإحلال السلام ودعم التنمية وإقامة مجتمعات شاملة ومتناسقة، قوامها سيادة القانون. وستواصل الأمم المتحدة، شريكتكم حقا بأشكال متعددة، العمل معكم في سبيل تحقيق هذه الأهداف أيضا. أصحاب السعادة، في الختام، أود أن أذكّركم بأن تقريري، ”في جو من الحرية أفسح“، معروض عليكم الآن، إلى جانب تقريري الفريق الرفيع المستوى ومشروع الألفية. وأعتقد أن مؤتمر القمة الذي سينعقد في أيلول/سبتمبر سيتيح لنا فرصة سانحة لترجمة لحظة عدم اليقين الحالية إلى نقطة تحول في مسعانا نحو إحلال السلام وتحقيق الازدهار واحترام حقوق الإنسان. والعالم العربي، شأنه في ذلك شأن أي رقعة من العالم، سيكون لا محالة من المستفيدين لو أُقر جدول الأعمال هذا ونُفذ. ولذلك فإنني آمل أن أراكم جميعا في مؤتمر القمة ذاك، حيث سيتعين اتخاذ قرارات هامة. ولكم جزيل الشكر.
|