الأمين العام أصدقائي الأعزاء، لنبدأ بتقديم الشكر إلى الأسر والأصدقاء الذين قطعوا المسافة ليكونوا معنا اليوم، ونتوجه بالدعاء لأولئك الذين لم يستطيعوا أن يكونوا هنا. أيها الأزواج والأمهات والآباء والأطفال والإخوان والأخوات وغيرهم من الذين فقدوا أحبائهم – إننا معكم جميعا بقلوبنا. وأنا أتحدث على الأرجح باسم معظمنا، عندما أقول إن الشهر الماضي كان من أطول الشهور وأحلكها في حياتنا. فاليوم، نتقاسم صدمتنا وحزننا على فقد أناس نحبهم. ونلتقي لنجمّع أسرهم مع أسرة الأمم المتحدة. ونتضرع من أجل أولئك الذين أصيبوا في هذه المأساة، من أجل قوتهم وشفائهم. ونتضرع من أجل أولئك الذين بقوا على قيد الحياة، ولكن عليهم أن يتحملوا صدمة لا نستطيع نحن أن نتخيلها. وإننا نلتقي لنعرب جميعا عما لا يستطيع أحدنا أن يتحمله بمفرده. وحتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم خبرة في التعامل مع الخسائر والمعاناة البشرية على نطاق واسع، فهذه المأساة تختلف، لأنها تخصنا. وعندما علمنا بأسماء الأشخاص الذين فقدناهم في 19 آب/أغسطس 2003، فإن الفقدان في حد ذاته أصبح، فجأة وبشدة، فقدانا شخصيا. كثيرون منا يعرفون عن قرب واحدا أو أكثر من الذين لقوا حتفهم. وحتى إن لم نكن نعرف نحن أنفسنا واحدا منهم، فإننا نعرف شخصا آخر يعرفهم. ولذلك، نحن نشعر وكأننا عرفناهم جميعا. ولذلك، وبعد شهر، نرى أن عبارة “أسرة الأمم المتحدة” صار لها معنى أعمق. ولو ود الناس الاطلاع على مثال أفضل أفراد أسرتنا، أسرة الأمم المتحدة، وأكثرهم إشراقا والتزاما وشجاعة، عليهم أن ينظروا إلى الرجال والنساء الذين قضوا نحبهم في فندق القناة. كثيرون منهم كانوا في أوج مسارهم المهني. وآخرون كانوا قد بدأوا لتوهم، ولم يكونوا قد تركوا بصمتهم الكاملة بعد، عندما تطوعوا للعمل في العراق. وجميعهم في أوجه الحياة. وجميعهم تركوا فراغا ضخما. فهم مجموعة من الأبطال ستغبطهم كل أمة. ولا يسعفني الخيال البشري عن أن أتحدث باسم أولئك الذين وهبوا حياتهم. فذلك التاريخ غير المكتوب لا يمكن إثراؤه إلا بحب الأسرة والأصدقاء والزملاء المقربين. فهو أبلغ تاريخ على الإطلاق. أستطيع أن أتحدث ببساطة كواحد يشارك في موجة الحزن والتاثر والاحترام التي تلت رحيلهم. بهذه الروح، دعوني أحاول أن أتحدث لكل منهم اليوم. • أولا، إلى موظفينا الوطنيين – رياض ولين وإحسان وعماد وباسم – أقول: إن ما قمتم به لم يكن دورا لا يقدر بثمن فحسب في إنجاز عملنا في العراق، كما أنكم لم تكونوا فقط أفرادا أعزاء من فريق الأمم المتحدة هناك، بل كنتم جسرا إنسانيا غاليا بيننا وبين الشعب العراقي. كثيرون منكم قد عملوا لحساب الأمم المتحدة لسنوات عديدة، في ظل ظروف صعبة، بما في ذلك، في الأوقات التي لم نتمكن فيها من الإبقاء على تواجد دولي في العراق. ولن نستطيع أبدا أن نوفيكم حقكم لشجاعتكم. • إلى زملائنا الدوليين، سأحدثكم واحدا، واحدا: • رهام، كنت في ريعان الشباب، ومع ذلك حققت فعلا الكثير. ولم يكن هناك حد لما كان يمكن أن تفعليه بحياتك. لقد اخترت أن تعملي لحساب الأمم المتحدة لأنك أردت أن تنفعي الآخرين. لقد ذهبتِ إلى العراق لتساهمي في حياة اخوانك وأخواتك العرب. فكنت خسارة لهم وبنفس القدر خسارة لنا، أنك حُرمت من فرصة لتحقيق ذلك. • رانيلو، كنت هادئا مجتهدا، مراع لحقوق ومشاعر الآخرين، ومستعدا للعمل كل الساعات التي أنعم بها الله عليك. وقد كنت سخيا مع كل من حولك. وكنت إبنا وأخا مخلصا لأسرتك في بلدك. ولم تسمح أبدا للمسافة بينك وبين وطنك أو السنوات التي قضيتها بعيدا أن تحول بينك وبين من تحبهم. • ريك، بوصفك مستعربا متحمسا، فقد دفعك التزام عميق بنفس القدر إلى السلام والعدل وحقوق الإنسان. فقد بهرت الناس بذكائك وعلمك، ولكنك أيضا كسبت أصدقاء على مدى الحياة بفضل لطفك وحكمتك اللذين تجاوزا سنوات عمرك. ولقد كرست معظم مسارك المهني – ومعظم ساعات اليقظة في كثير من أيامك – لاستكشاف سبل لمساعدة الناس في الشرق الأوسط والعالم العربي. والآن، فقدت حياتك وأنت في مهمة أحببتها إلى حد بعيد. لقد فقد سكان المنطقة بطلا فريدا موهوبا؛ وفقدنا نحن صديقا محبوبا للغاية. • رضا، لم تنأى في كامل عملك المكرس لتخفيف محنة اللاجئين، عن مواجهة التحديات أو المهام الصعبة أبدا. ولم تكف عن كسب حب الناس من خلال دفء مشاعرك، وحسن دعابتك وموهبتك في طبخ الطعام الجيد. وقد كان قلبك كبيرا كابتسامتك. وكان ذلك أكبر من كل شيء. • جون – سليم، أينما ذهبت شنيت حرب ضد اللامبالاة باستخدامك سلاحا قويا: عزمك على ترجمة أفكارك إلى عمل، والبحث عن طرق عملية لمساعدة الآخرين. مواطن حقيقي من مواطني العالم، فقد كنت دليلا حيا على الانتماء إلى أسرة الأمم المتحدة. ونحن حزينون مع زوجتك، لورا، التي هي أيضا زميلتنا. ونتوجه بالدعاء لابنك، ماثيا – سليم. • كريستوفر، لقد بعثت الحياة في عملنا من أجل الأطفال أينما ذهبت، من إثيوبيا إلى كوسوفو إلى العراق. وبالرغم أنك كنت لا تزال شابا، إلا أنك كنت مدافعا موهوبا عن حق الشباب في الصحة والتعليم وبناء مستقبل أفضل. فقد كنت دائما مصدرا للقوة والدعم بالنسبة لموظفيك. وقد تركت أروع تراث ممكن – تركت الأمل في قلوب الأطفال الذين خدمتهم. • مارتا، لقد جمعت بشدة بين التمسك بالمثل الإنسانية والواقعية السليمة. وكنت محترفة، ولست مدعية، مرحة ومثابرة، وأفضل زميلة يتمنى أي شخص العمل معها، في أي بعثة من بعثات الأمم المتحدة من أجل محاربة الجوع والفاقة. وقد ساعدت خصالك القيادية في بناء وحدة الفريق في أحلك الظروف. ولقد كنت جيدة فيما فعلت، لأن إيمانك بذلك كان متقدا. • فيونا: لقد أخذتك موهبتك من بلدك الأم اسكتلندا إلى البلقان، ومن نيويورك إلى بغداد. وخلال تلك الرحلة، كان صفاء فكرك المنقطع النظير، ومبادئك الراسخة، وغريزتك التي لا تخطئ، هي التي توجهك وترشدك إلى الطريق السليم. وكان منهجك الجاد يقابله قدر مواز من الدفء والعطف. وعندما اُنتشلت منا، كنت قد حملت على كتفيك القليلي الخبرة الكثير من المسؤوليات. ومما لا شك فيه، فقد تحملا ذلك العبء بقوة وتوازن ورباطة جأش. • نادية: كانت بديهيتك الحاضرة وجرأتك وضحكتك ترفع معنوياتنا عالياً. ولم يكن فيك شيء متكلف، وكان الصدق الخاصية التي تتسمين بها. وقد وضعت المعايير للارتقاء فوق المشاكل من خلال الثقة والروح المرحة. وفي أكثر من ثلاثين عاماً أمضيتيها في الأمم المتحدة، ألهمت أجيالاً عديدة من الشابات – والرجال - عندما كنت تثبتين أنه ليس هناك حدود لما يمكن أن ينجزه شخص يتمتع بالموهبة والشجاعة. وقد ألهمتينا جميعا، في جميع الأعمار، عندما أظهرت لنا أنه يمكن للمرء أن يكون ذا مبادئ دون أن يكون مغروراً. نادية، عندما نشعر بالتوتر بدون مبرر، سنتذكر صوتك وهو يقول لنا “تماسكوا”، وعندما نجد أنفسنا مدفوعين لأن نكون جديين أكثر من اللازم، سنتذكر صوت ضحكتك. • وأخيرا، يا سيرجيو، يا صديقي العزيز، منذ أن أُبعدت عنا، وسيل من الثناء يتدفق علينا تكريما لإنجازاتك ومآثرك ومواهبك. ولكن لكي لا ننسى، فقد كنت أولا وأخيرا إنسانا. إنسان محب بدرجة استثنائية، إنسان يتمتع بإحساس قوي للتمييز بين الصواب والخطأ على نحو خارق، وتدفعك حاجة ماسة إلى الانطلاق وتصحيح أخطاء هذا العالم. • سيرجيو، إن كنت قد تحليت بثقة عظيمة في جميع الأوقات، فذلك لأن لديك الكثير مما تثق به. لماذا لم تكن تبدو عليك علامات التعب، حتى عندما كنت تعمل 18 ساعة في اليوم؟ لماذا لم يكن يبدو عليك الإرهاق، حتى بعد 18 ساعة من الطيران؟ لماذا لم تكن تمرض أبدا؟ لماذا لم تكن كثير التذمر أبداً؟ وكنت المسؤول الكبير الوحيد في منظومة الأمم المتحدة الذي يعرفه الجميع باسمه الأول. حتى بالنسبة لأؤلئك الذين لم يعرفوك شخصيا. لقد كنت دائما “سيرجيو” فقط. • والآن وقد غبت عنا، يا صديقي العزيز، يجب أن نكتفي بذكراك وتراثك، وهما اللذان ينبعث منهما بريق مشع وسيظلان كذلك دائما. فأمثالك لا يتعبون البتة ولا يشعرون بالإرهاق ولا يعرفون الكلل. شكرا لك يا سيرجيو، لأنك أضأت بنورك حياتنا. أصدقائي، نشيد اليوم أيضا بذكرى أفراد مخلصين من أسرتنا الواسعة من خارج منظمة الأمم المتحدة - سعد وعمر وخضر، وجميعهم من المواطنين العراقيين؛ ومانويل الذي كان يقوم بتنسيق أعمال سلطة التحالف المؤقتة مع أعمال وكالات الأمم المتحدة؛ وجيليان، الذي كان يعمل بدون كلل لحماية الأطفال في حالات الأزمات؛ وآرثر، الذي كرس حياته للدفاع عن حقوق المشردين قسرا؛ وعلياء، التي كانت إحدى أكثر مترجماتنا تفانيا وخبرة في بغداد. أصدقائي الأعزاء، لم يكن زملاؤنا في الأمم المتحدة مدفوعين في عملهم سوى بالرغبة في مساعدة الشعب العراقي لبناء مستقبل أفضل. وعندما فقدناهم، تعرضت منظمتنا كذلك إلى خسارة أخرى، خسارة من نوع مختلف، فقد كان هذا الحادث بمثابة فقدان البراءة بالنسبة للأمم المتحدة. نحن الذين كنا نعتقد أن مهمتنا لمساعدة الآخرين كانت في حد ذاتها مصدر حمايتنا، نجد اليوم أنفسنا مهددين ومعرضين للخطر. نحن الذين حاولنا منذ البداية أن نخدم الذين كانوا مستهدفين بالعنف والدمار، قد أصبحنا أنفسنا هدفا. وهذا يعني أنه يجب علينا أن نكيف أسلوب عملنا مع بيئتنا الجديدة. يجب علينا أن نتعلم أن نوازن بين مهمتنا باسم أناس آخرين مع الحاجة إلى حماية أنفسنا. غير أن التزامنا - تعهدنا باسم “نحن الشعوب” - يجب ألا يتغير أبدا. واليوم لنجدد ذلك الالتزام باسم أصدقائنا الذين لا يمكن تعويضهم، أو محاكاتهم أو نسيانهم. لنعمل على مداواة هذه الجراح التي لا سبيل إلى شفائها، وذلك بالعمل كل يوم لكي نرتقي إلى المستوى الذي حددوه لنا. أطلب منكم الآن أن تنضموا إليّ في الوقوف دقيقة صمت. شكرا جزيلا.
|