سادسا - تجديد الأمم المتحدة

312 - ليس في وسع الأمم المتحدة وحدها أن تتصدى لأي من التحديات التي ذكرتها. فهي تمس المجتمع الدولي بأسره وتتطلب من كل واحد منا أن يقوم بدوره. لكن شعوب العالم ستجد أن مواجهة هذه التحديات بدون منظمة قوية وفعالة مسألة صعبة إلى أبعد الحدود.

313 - والتساؤل عما إذا كانت شعوب العالم تملك تحت تصرفها مثل هذه المنظمة تتوقف الإجابة عليه في نهاية الأمر، الآن وفيما مضى، على التزام حكوماتها إزاء تلك المنظمة. فالدول الأعضاء كانت، ولا تزال، هي الركيزة الأساسية للأمم المتحدة.

314 - وعلينا، ونحن نستعد لعقد قمة الألفية، أن نؤكد من جديد المقاصد التي قامت المنظمة أصلا لتحقيقها. ولكن علينا أيضا أن نفكر في طرق مبدعة تعزز بها الأمم المتحدة بحيث يصبح بإمكانها خدمة الدول والشعوب على وجه أفضل في العهد الجديد.

315 - واليوم، لم تعد الشؤون العالمية حكرا على وزارات الخارجية، كما لم تعد الدول هي المصدر الوحيد لحل المشاكل العديدة التي يواجهها كوكبنا الصغير. فهناك جهات فاعلة كثيرة غير الدول، جهات متنوعة ومتزايدة النفوذ، انضمت إلى صناع القرار الوطنيين لاستنباط أشكال جديدة في إدارة العالم. وكلما ازدادت المشكلة التي نواجهها تعقيدا كلما ازداد احتمال وجود منظمات غير حكومية ومؤسسات تابعة للقطاع الخاص ووكالات متعددة الأطراف تعمل مع الدول ذات السيادة للعثور على حلول تتفق حولها الآراء، سواء كانت المشكلة تتمثل في التفاوض على حظر الألغام الأرضية، أو وضع حدود للانبعاثات التي تسهم في ظاهرة الاحترار العالمي، أو إنشاء محكمة جنائية دولية.

316 - وأعتقد أنه لا بد من استراتيجيتين لتحقيق إمكانيات منظمتنا في السنوات القادمة.

317 - أولا، إن مواردنا الخاصة كمنظمة محدودة جدا، لكن موارد المجتمعات التي نخدمها أكبر بكثير. ومن ثم علينا أن نسعى جاهدين إلى عدم اغتصاب دور الجهات الفاعلة الأخرى على الساحة العالمية، بل أن نقوم بينها بدور أكثر فعالية كحافز على التغيير والتنسيق. فأهم دور حيوي لنا هو حفز العمل الجماعي على الصعيد العالمي.

318 - ثانيا، إن الأمم المتحدة - شأنها شأن جميع المؤسسات الأخرى في العالم اليوم - عليها أن تستغل استغلالا كاملا الوعد العظيم الذي يمثله عصر المعلومات. فالثورة الرقمية قد أطلقت العنان لموجة لم يسبق لها مثيل من التغيير التكنولوجي، وهي قادرة، إذا استخدمت استخداما مسؤولا، على أن تزيد إلى حد كبير فرصنا في القضاء على الفقر وتحقيق أهدافنا الأخرى ذات الأولوية على نحو أفضل. وإذا كان المراد تحقيق هذا فعلينا في الأمم المتحدة أن نُقبل على التكنولوجيات الجديدة بحماس يتجاوز حماسنا لها في الماضي.

ألف - تبيُّن مواطن قوتنا الأساسية

319 - عندما أنشئت الأمم المتحدة منذ أكثر من نصف قرن في جو الفوران الذي أعقب الحرب العالمية فإنها كانت تعبيرا عن أعظم آمال البشرية في إقامة مجتمع يسوده العدل والسلام. وهي لا تزال تجسد ذلك الحلم. فنحن لا نزال المؤسسة العالمية الوحيدة التي تستمد شرعيتها ونطاقها من عضويتها العالمية وتشمل ولايتها التنمية والأمن وحقوق الإنسان والبيئة. والأمم المتحدة بهذا المعنى فريدة من نوعها في الشؤون العالمية.

320 - إننا منظمة لا تملك قدرة عسكرية مستقلة، ومواردها في المجال الاقتصادي متواضعة نسبيا. ومع ذلك، فإن نفوذنا وتأثيرنا في العالم يفوقان بأشواط ما يعتقده كثير من الناس - بل ويفوقان في كثير من الأحيان ما ندركه نحن. وهذا النفوذ غير مستمد من ممارسة أي نوع من السلطة، بل هو مستمد من قوة القيم التي نمثلها؛ من دورنا في المساعدة على وضع المعايير العالمية والمحافظة عليها؛ ومن قدرتنا على إثارة اهتمام العالم وحفزه إلى العمل؛ ومن الثقة التي نتمتع بها لما نقوم به فعلا على أرض الواقع لتحسين حياة الناس.

321 - ومن السهل ألا تقدر أهمية المبادئ والمعايير حق قدرها. ولكن في غضون العقود التي انقضت منذ تأسيس الأمم المتحدة، أثّر التقبل المتزايد للمعايير الجديدة تأثيرا عميقا في حياة ملايين عديدة من البشر. فالحرب التي كانت في وقت من الأوقات أداة عادية من أدوات فن الحكم باتت الآن أداة محظورة على الصعيد العالمي إلا في ظروف محددة جدا. والديمقراطية، التي طالما عارضتها الأنظمة الاستبدادية بذريعة أو بأخرى، لم تنتشر في معظم أرجاء العالم فحسب وإنما أضحت تعتبر الآن أكثر أشكال الحكم شرعية وأكثرها تفضيلا. وحماية حقوق الإنسان الأساسية، التي كانت في وقت من الأوقات تعتبر من اختصاص الدول ذات السيادة وحدها، أضحت الآن شاغلا عالميا يتخطى الحكومات والحدود.

322 - لقد كانت المؤتمرات التي عقدتها الأمم المتحدة في التسعينات تسودها أحيانا المشاحنات. ورغم ذلك فقد أدت دورا أساسيا في تحقيق توافق في الآراء حول المعايير وإيجاد حلول عملية للقضايا الكبيرة المثارة وقت انعقادها. وليس هناك مكان آخر استطاع فيه المجتمع الدولي ككل صوغ استجابات يمكن أن يتفق عليها الجميع أو معظمهم بشأن تحدي العولمة البازغ. وهذه الاستجابات بالذات هي الأساس الذي يحاول هذا التقرير البناء عليه في واقع الأمر.

323 - وشهدت الآونة الأخيرة طفرة في الحملات عبر الوطنية الدائرة حول موضوع واحد والرامية إلى تعزيز المعايير وإقامة النظم القانونية، مثل الحملة التي أفضت إلى عقد اتفاقية حظر الألغام الأرضية، أو الحملة التي أفضت إلى الاتفاق الذي عقد في العام الماضي بشأن زيادة تخفيف عبء الديون عن كاهل البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. وقد ساعدت هذه الحملات، التي جرت في كثير من الأحيان بالتنسيق مع الأمم المتحدة، على زيادة وعي المجتمع الدولي وعلى تغيير سلوك الدول حيال عدد كبير من القضايا العالمية الهامة.

324 - وتقوم الأمم المتحدة بدور لا يقل عن ذلك أهمية، وإن يكن غير معروف عموما، في وضع المعايير العالمية التي بدونها لا تستطيع المجتمعات الحديثة قط أداء وظائفها، وفي المحافظة على تلك المعايير. فمنظمة الصحة العالمية، على سبيل المثال، تضع معايير جودة لصناعة المواد الصيدلانية في سائر أنحاء العالم. ويقوم المكتب العالمي للأرصاد الجوية بجمع البيانات المتعلقة بالطقس من فرادى الدول ويعيد توزيعها عليها، مما يحسن بدوره إمكانية التنبؤ بالطقس العالمي. وتتولى المنظمة العالمية للملكية الفكرية حماية العلاقات التجارية وبراءات الاختراع خارج بلدان منشئها. وتنبع حقوق شركات الطيران التجارية في التحليق عبر الحدود من اتفاقات تفاوضت بشأنها منظمة الطيران المدني الدولي. وتساعد اللجنة الإحصائية بالأمم المتحدة في ضمان اتساق المعايير المحاسبية.

325 - ويستحيل في الواقع تخيل عالمنا المتسم بالعولمة بدون مبادئ وممارسات التعددية التي يقوم عليها. فقد حل اقتصاد عالمي مفتوح محل التنظيم الحكومي الصارم لكل الاقتصاد؛ وتقلصت تدريجيا أهمية الأحلاف العسكرية المتنافسة، في الوقت الذي زادت فيه قدرة مجلس الأمن على التوصل إلى قرارات في أغلب الأحيان؛ وباتت الجمعية العامة أو تجمعات كبيرة من الدول أو من منظمات المجتمع المدني تعالج الهموم المشتركة للإنسانية - تلك هي بعض الأمارات التي تدل، رغم عدم اكتمالها وتعثرها، على وجود نظام متعدد الأطراف لا غنى عنه في حالة حركة.

326 - وإذا ألقينا نظرة طويلة إلى الوراء لوجدنا أن اتساع رقعة سيادة القانون كانت هي الأساس الذي قام عليه معظم التقدم الاجتماعي الذي تحقق خلال الألفية الأخيرة. وبطبيعة الحال فإن هذا المشروع لم يكتمل بعد، وخصوصا على الصعيد الدولي. وما زالت جهودنا الرامية إلى تعميقه مستمرة. ودعم سيادة القانون يعززه توقيع البلدان على المعاهدات والاتفاقيات الدولية وتصديقها عليها. والبعض يمتنع عن ذلك لأسباب تتعلق بالجوهر، لكن عددا أكبر بكثير لا يملك الخبرة والموارد اللازمة، ولا سيما عندما يتطلب الأمر سن تشريع وطني يضفي على الصكوك الدولية قوة القانون.

327 - ومن ثم فإني أطلب إلى جميع كيانات الأمم المتحدة المختصة تقديم ما يلزم من المساعدة التقنية لتمكين كل من يرغب من الدول من المشاركة على نحو تام في النظام القانوني العالمي الناشئ.

328 - وسنقوم بتوفير تسهيلات خاصة في مؤتمر قمة الألفية لرؤساء الدول أو الحكومات لتمكينهم من إضافة توقيعاتهم على أي معاهدة أو اتفاقية مودعة لدى الأمين العام.

329 - وقد صحب تطور المعايير العالمية تطور في المؤسسات أيضا. ففي السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، شهدنا إنشاء محكمتين مخصصتين لرواندا ويوغوسلافيا السابقة، استجابة للقلق المتزايد لدى المجتمع الدولي إزاء ما وقع فيهما من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وتصميما منه على إنهاء "ثقافة الإفلات من العقاب".

330 - وإني أحث بقوة جميع البلدان على أن توقع وتصدق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كي تتوطد وتزدهر المكاسب التي تحققت في مجال تقديم المسؤولين عن اقتراف الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية إلى العدالة.

331 - ولا بد للأمم المتحدة هي الأخرى من أن تكيف نفسها وفقا لتغير العصر. وأحد المجالات البالغة الأهمية في هذا الصدد، وهو مجال سبق أن أشرت إليه، هو إصلاح مجلس الأمن. فالمجلس يجب أن يعمل على نحو فعال، ولكنه يجب أن يتمتع أيضا بشرعية غير مشكوك فيها. وهذان المعياران يحددان المجال الذي يتعين أن يُلتمس الحل في نطاقه. وإني أحث الدول الأعضاء على أن تتصدى لهذا التحدي دون إبطاء.

332 - ونحن بحاجة أيضا إلى تكييف أعمالنا التداولية بحيث تتحقق لها الاستفادة التامة من مساهمات المجتمع المدني. وقد أسهمت منظمات المجتمع المدني بالفعل إسهاما هاما في صوغ المعايير العالمية وفي الدفاع عنها (للاطلاع على عدد المنظمات غير الحكومية أنظر الشكل 13). ومن الواضح أن الأمم المتحدة وشعوب العالم يمكن أن تستفيد فائدة جمة من مواصلة فتح أبواب المنظمة لهذا المصدر الحيوي للطاقات والخبرات، مثلما استفدنا بالفعل من توثيق الروابط المؤسسية وأصر التعاون العملي مع البرلمانات الوطنية.

333 - ولذا أود أن أطلب إلى الجمعية العامة أن تستطلع السبل الممكنة لتحسين هذه العلاقات. وكخطوة أولى على هذا الطريق، يمكن أن يطلب إلى فريق من الخبراء، يضم ممثلين لمنظمات المجتمع المدني، أن يعد دراسة عن "أفضل الممارسات" المبتكرة فيما يتعلق بإسهام تلك المنظمات في أعمال الأمم المتحدة بجميع جوانبه. ويمكن أن تشكل هذه الدراسة أساسا لاعتماد طرق جديدة لإشراك المجتمع المدني على نحو أوفى في مسعانا المشترك.

334 - وقد أصبحت الشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات الخاصة عنصرا بالغ الأهمية أيضا في النجاحات التي حققناها في الآونة الأخيرة، وقد نوهت إلى ذلك في عدة مواضع من هذا التقرير.

باء - التواصل الشبكي من أجل التغيير

335 - إن الإيقاع السريع الذي يتسم به التغير حاليا كثيرا ما يتجاوز قدرة المؤسسات الوطنية والدولية على التكيف معه. والتغير يعتري عديدا من الأشياء في وقت واحد بحيث أصبح من المستحيل على أي منظمة بمفردها أن تلاحق هذه التغيرات كلها، خصوصا وأن التغيرات أصبحت تتخطى الحدود التقليدية التي كانت قائمة بين التخصصات الأكاديمية وميادين الخبرة الفنية.

336 - وقد يكمن جزء من الحل فيما يسمى بـ"شبكات السياسات العالمية" التي بدأت تظهر مؤخرا. وهذه الشبكات، أو فلنقل الائتلافات من أجل التغيير، تجمع ما بين المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات القطاع الخاص والحكومات الوطنية، سعيا إلى تحقيق الأهداف المشتركة.

337 - وأحيانا تكون المنظمات الدولية في صدارة هذه الائتلافات، مثل منظمة الصحة العالمية في حالة الحملة المسماة "رد الملاريا على أعقابها"، أو مكتب الأمين العام في حالة "الميثاق العالمي" مع القطاع الخاص.

338 - وهناك حالات أخرى تكون القوة المحركة فيها حفنة من الحكومات الوطنية والمنظمات غير الحكومية، كما في حالة الحملة الرامية إلى حظر الألغام الأرضية. وفي التحالف العالمي لتوفير اللقاحات والتحصين يضطلع القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية بالأدوار الرئيسية. ولكن في كل حالة من هذه الحالات تعطى هذه الائتلافات الخلاقة المرنة معنى جديدا لعبارة "نحن الشعوب"، بتبيانها أن الحكم العالمي ليس عملية لا طائل منها. فجميع الأطراف في أي شبكة من هذا القبيل تجد أن تأثيرها يزداد بمشاركتها فيها.

339 - والدول، على وجه الخصوص، تستفيد من الانضواء في شبكات السياسات العالمية لأنها تستطيع أن تحقق عن طريق التعاون ما يستحيل عليها تحقيقه منفردة.

340 - وعلى الرغم من أن شبكات السياسات العالمية يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة عديدة، فإنها تشترك في عدد من الخصائص. فهيكلها ليس هرميا ومنابر التعبير فيها مفتوحة أمام المجتمع المدني. وتساعد هذه الشبكات على وضع برامج عالمية، وتحديد إطار للمناقشات، وزيادة الوعي العام. وهي تسهم في تنمية المعارف ونشرها، عن طريق الاستخدام الواسع النطاق للإنترنت، وتيسر بقدر أكبر التفاوض والتوصل إلى توافق في الآراء بشأن المعايير العالمية الجديدة، كما أنها توجد أنواعا جديدة من الآليات لتنفيذ ورصد تلك الاتفاقات.

341 - وضلوعنا مع شبكات السياسات العالمية واسع النطاق بالفعل ولكنه لا يزال غير مخطط إلى حد كبير. ونحن بحاجة إلى اتباع نهج أكثر تركيزا ومنهجية في هذا الصدد. ويلزم أن نحدد أفضل الطرق التي يمكن أن نساعد بها الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص على العمل معا لكفالة نجاح شبكات السياسات في تحقيق أهدافهم وأهدافنا.

جيم - إقامة صلات رقمية

342 - تناولت بالمناقشة في موضع سابق من هذا التقرير مدى الأهمية الحيوية لرأب انقسام العالم من حيث توافر التكنولوجيا الرقمية لديه. وأود أن أعرض هنا للكيفية التي يمكن، ويجب، أن تستفيد بها الأمم المتحدة نفسها من ثورة المعلومات.

343 - منذ عشر سنوات أو نحوها كان الحصول على المعلومات من العالم النامي وتوصيلها إليه عملية مكلفة تستغرق وقتا طويلا. أما اليوم فإن الشبكة العالمية تغير ذلك. فبإمكاننا الآن أن نطالع على الشبكة صحفا من كل ركن من أركان العالم في غضون ثوان من صدورها. ويمكننا بهذه السرعة نفسها أن نجد وأن نستنسخ ما نريده من معلومات لدى الإدارة الحكومية الوطنية والمؤسسات البحثية الرائدة في الخارج ولدى المنظمات غير الحكومية الرئيسية.

344 - ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ أن ازدياد الموصولية على صعيد العالم يعني أيضا أن الكنـز الإلكتروني الهائل من المعلومات المتاح على الموقع الشبكي للأمم المتحدة يصبح في كل عام متاحا بلا أي تكلفة لملايين إضافية من البشر. وموقعنا الشبكي يحظى بشعبية غير عادية، إذ فاق عدد "الزيارات" له في العام الماضي 100 مليون زيارة.

345 - كما أن الإنترنت تتيح لنا عقد المؤتمرات العالمية بطريقة إلكترونية تفاعلية، لا توفر علينا فحسب أجور الطائرات وفواتير الفنادق وتكاليف المؤتمرات، بل تتيح أيضا مشاركة 000 10 شخص في أي مؤتمر بنفس السهولة وقلة التكلفة اللتين تنطوي عليهما مشاركة 10 أشخاص فقط. وداخل الأمانة العامة بإمكاننا أن نستعيض عن كثير من الاجتماعات التي تعقد وجها لوجه بـ"اجتماعات" إلكترونية، مما يزيد إلى حد بعيد من الكفاءة في استخدام وقت الموظفين. وقد أخذ اتباع هذه الممارسة يتزايد حاليا في المنظمات الحديثة التي استوعبت لديها ثورة تكنولوجيا المعلومات.

346 - ويأتي في ختام ذلك أن ثورة المعلومات تحمل في طياتها إمكانية تحسين كفاءة عملياتنا الميدانية تحسينا جذريا. فالاتصالات اللاسلكية تدوم حتى في أسوأ الظروف، بما في ذلك الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ.

347 - ويسرني أن أعلن بدء برنامج جديد للاستجابة لحالات الكوارث، سيوفر للعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية هواتف متنقلة وساتلية وكذلك وسائل للاتصال بالموجات الدقيقة، وسيشمل أيضا صيانة هذه المعدات.

348 - وستتولى قيادة هذه المبادرة شركة Ericcson، بالاشتراك مع كيانات الأمم المتحدة والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (انظر الإطار 11).

349 - وتحسين استخدام التكنولوجيا المتاحة يمكن أن يفيد أيضا التخطيط السوقي والعمليات السوقية في حالات الطوارئ المعقدة. ففي كوسوفو، على سبيل المثال، أنشأت لجنة الإنقاذ الدولية شبكة ساتلية/لاسلكية مشتركة مرتبطة بالإنترنت في بريشتينا. وتكفل هذه الشبكة الاتصال على مدار اليوم بأكمله بين كل وكالات الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وعدة بعثات وطنية وأغلبية المنظمات غير الحكومية.

350 - بيد أن الأمم المتحدة تكاد تكون لم تستفد حتى الآن من الإمكانيات التي تنطوي عليها ثورة المعلومات. فلا تزال تقعدنا عن ذلك ثقافة مقاومة للتغيير، ونقص البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات لدينا، والافتقار إلى التدريب، ويأتي قبل كل ذلك عدم إدراك الفوائد الضخمة التي يمكن أن تدرها تكنولوجيا المعلومات متى استخدمت استخداما خلاقا. ونحن بحاجة إلى تحديث قدرتنا الداخلية في مجال تكنولوجيا المعلومات والارتقاء بمستواها. وهناك مجال هائل لأن تصبح منظومة الأمم المتحدة بأسرها أكثر تكاملا، على صعيد الاتصال الشبكي، وأن توفر لشعوب العالم بذلك المعلومات والبيانات التي تهمها.

351 - وسوف أعمل بكل همة على تحقيق هذه الأهداف، بالتعاون مع الأعضاء الآخرين في أسرة الأمم المتحدة. كما أنني سألتمس المساعدة من صناعة تكنولوجيا المعلومات في إعادة بناء قدرة الأمم المتحدة وبنيتها الأساسية في مجال تكنولوجيا المعلومات.

دال - تعزيز "الثورة الهادئة"

352 - لو أراد المجتمع الدولي أن ينشئ "أمما متحدة" جديدة غدا فإن بنيانها سيكون يقينا مختلفا عن الأمم المتحدة التي لدينا اليوم. فبنياننا في عام 2000 هو انعكاس لولايات ظلت تصدر عن الدول الأعضاء على مدى عدة عقود، وهو انعكاس في بعض الحالات لتركة من الخلافات السياسية العميقة. وفي حين أن الآراء متوافقة على نطاق واسع على ضرورة جعل الأمم المتحدة منظمة أكثر حداثة ومرونة، فإنه ما لم يتوفر لدى الدول الأعضاء الاستعداد للنظر في إجراء إصلاح هيكلي حقيقي، ستظل هناك قيود شديدة تحد مما يمكننا أن نحققه.

353 - وحين يقاس نطاق المسؤوليات التي نضطلع بها وحجم الآمال المعلقة علينا بالنسبة إلى مواردنا، تمثل أمامنا حقيقة صادمة. فالميزانية المخصصة لمهامنا الأساسية، أي عمليات الأمانة العامة في نيويورك وجنيف ونيروبي وفيينا وخمس لجان إقليمية، تبلغ 1.25 بليون دولار فقط في السنة. وهذا يقارب 4 في المائة من الميزانية السنوية لمدينة نيويورك، ويقل بنحو بليون دولار عن التكلفة السنوية لتشغيل إدارة مطافئ طوكيو. ومواردنا هذه لا تتناسب إطلاقا مع المهام العالمية التي نضطلع بها.

354 - ومن المعلوم جيدا ما نجابهه من صعوبات في التكيف مع الظروف الناشئة عن عدم زيادة الميزانيات وعدم دفع المستحقات للأمم المتحدة. بيد أن الأمر غير المدرك بنفس الدرجة هو الإجهادات التي تفرضها علينا الدول الأعضاء بإضافة ولايات جديدة دون إضافة موارد جديدة. ونحن نستطيع أن ننجز المزيد بقدر أقل من الموارد، ولكن هذا له حدود أيضا. وفي هذه الظروف لا بد أن ينال هذا من نوعية عملنا إن آجلا أو عاجلا.

الإطار 11
الأوائل في الميدان: الاتصالات في عمليات الإغاثة في حالات الكوارث

أدت الزيادة المفاجئة في نطاق الكوارث الطبيعية وشدتها على مدى العقود الثلاثة الماضية إلى وجود مطالب متزايدة باستمرار على منظمات الإغاثة في حالات الكوارث. ولتلبية هذه المطالب، أصبحت عمليات الإغاثة في حالات الكوارث أكبر وأكثر تعقيدا، وتقتضي وجود أعداد متزايدة من الأطراف الفاعلة. وقد أدى هذا بدوره إلى زيادة الطلب على الاتصالات الأكثر فعالية في الميدان.

وتلحق بنظم الاتصالات المحلية في معظم الأحيان أضرار بالغة في حالات الكوارث. ومن سوء الحظ أن نظم الاتصالات التي تستخدمها مختلف الوكالات والمنظمات غير الحكومية تختلف اختلافا كبيرا من حيث الجودة وتعاني في معظم الأحوال من مشاكل تتعلق بالتوافق. ويعترف على نطاق واسع بضرورة التحسين، إلا أن اقتناء كثير من الوكالات والمنظمات غير الحكومية لنظم أكثر فعالية هو، ببساطة، أمر باهظ التكاليف.

وقد استجابت شركة ''إريكسون'' (Ericsson) لهذا التحدي فشرعت في برنامج هام للاستجابة لحالات الكوارث سيتولى، ضمن عدد من المبادرات الأخرى، تزويد الوكالات والعاملين المحليين في مجال الإغاثة الإنسانية بهواتف محمولة وأخرى تعمل عن طريق السواتل، كما سيتولى صيانتها. وستساعد الشركة على تركيب وصلات تعمل بالموجات الدقيقة وغير ذلك من التدابير الرامية إلى تحسين شبكات الاتصالات القائمة - أو ستقوم ببناء شبكات جديدة حيث لا يوجد أي منها. وسيعتمد برنامج الاستجابة لحالات الكوارث اعتمادا كبيرا على الدعم المقدم من مكاتب إريكسون في أكثر من 140 بلدا في جميع أنحاء العالم وسيركز على التأهب لحالات الكوارث فضلا عن الاستجابة لها.

وهذه العملية السخية في مجال المواطنة العالمية للشركات والتعاون بين القطاعين العام والخاص ستعود بفوائد جمة على وكالات الأمم المتحدة وشركائها وستساعد على تحسين تقديم الخدمات إلى ضحايا الكوارث في كل مكان.

355 - بيد أن المعوقات ليست مالية فقط. ففي مجالات كثيرة لا نستطيع أداء مهامنا لأن الخلافات فيما بين الدول الأعضاء تحول دون التوصل إلى توافق الآراء اللازم لكي يكون العمل فعالا. وربما كان هذا أوضح ما يكون فيما يتعلق بعمليات السلام، ولكنه يؤثر على مجالات أخرى أيضا. ويضاف إلى ذلك أن النمط المتسم بشدة التدخل والإفراط في التفصيل الذي تمارسه الدول الأعضاء في الإشراف على أنشطتنا البرنامجية يجعل من الصعب علينا جدا أن نصل بالكفاءة أو الفعالية إلى أقصى حد ممكن.

356 - و"الثورة الهادئة" التي بدأتها في عام 1997 تستهدف جعل الأمم المتحدة منظمة أقل حجما وأكثر فعالية. ومنذ ذلك الحين قمنا بترشيد الإجراءات الإدارية، وتحويل الموارد من الشؤون الإدارية إلى الأعمال الإنمائية، وتطبيق أسلوب مجلس الوزراء في الإدارة، وتحسين التنسيق بقدر كبير فيما بين أعضاء أسرة الأمم المتحدة المنتشرين على نطاق بالغ الاتساع.

357 - وعملا على تقليص النـزعة المؤسسية الكامنة إلى القصور الذاتي التي ابتلى بها عملنا، وعلى تيسير إعادة التوزيع الاستراتيجي للموارد، اقترحت وضع "حدود زمنية" أو "أحكام تقضي بإعادة النظر بعد مرور مدة معينة" فيما يتعلق بالمبادرات التي تنطوي على إقامة هياكل تنظيمية جديدة أو على التزامات مالية كبيرة. ولم تقبل الجمعية العامة بعد هذا الاقتراح؛ وإني أحثها على أن تقبله.

358 - ويضاف إلى ذلك أنه لكي تكون الأمم المتحدة أكثر توجها نحو الجمهور، فإنها يجب أن تكون منظمة عمادها الأولي هو النتائج، وذلك في مجالي التوظيف وتخصيص الموارد. ونحن نتقدم تقدما بطيئا نحو جعل نظام الميزنة "معتمدا على النتائج"، بمعنى أن يركز على النواتج لا على المدخلات والعمليات. وسيشجع هذا النظام، بعد تمام تنفيذه، على زيادة الكفاءة والمرونة، وسيزيد في الوقت نفسه من الشفافية ومن إمكانيات مساءلة الأمانة العامة من قِبل الدول الأعضاء. والدعم من جانب الجمعية العامة أمر ضروري هنا أيضا.

359 - وإيجازا لما سبق، أقول إن الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين يجب أن تظل تسترشد بالمبادئ التي تأسست عليها. ويجب أن تظل منظمة مكرسة لتحقيق مصالح الدول الأعضاء فيها ومصالح شعوبها. وأهدافنا لن تتغير، وهي: السلام والرخاء والعدالة الاجتماعية والمستقبل المضمون. ولكن الوسائل التي نستخدمها لبلوغ هذه الأهداف يجب تطويعها حسب تحديات العهد الجديد.

360 - وهذا معناه أن دور الأمم المتحدة يجب أن يصبح بدرجة متزايدة دور العنصر الحفاز للعمل الجماعي، وذلك فيما بين الدول الأعضاء في المنظمة وبينها وبين الكوكبة المفعمة بالحيوية المؤلفة من الأطراف الفاعلة الجديدة غير الحكومية. ومعناه أيضا أننا يجب أن نظل الموقع الذي تصاغ فيه المعايير الجديدة للسلوك الدولي، ويترسخ فيه على نطاق واسع توافق الآراء على هذه المبادئ. ومعناه أننا يجب أن نسخر قوى التكنولوجيا لتحسين أحوال البلدان النامية. ومعناه في النهاية أننا نحن أنفسنا، كمنظمة، يجب أن نكون أكثر فعالية وكفاءة وأيسر منالا بالنسبة لشعوب العالم. وحينما نخفق، يجب أن يكون أشد النقد هو نقدنا نحن لأنفسنا.

361 - فبهذه الوسائل وحدها يمكن أن نصبح مناطا عالميا عاما لثقة جميع الشعوب في العالم.