رابعا - التحرر من الخوف

189 - يعيش العالم الآن عامه الخامس والخمسين بدون حرب بين الدول الكبرى - وهي أطول فترة من نوعها في تاريخ منظومة الدول الحديثة بأكمله. وفي منطقة أوروبا التي تشكل الآن الاتحاد الأوروبي - حيث اندلع معظم الحروب الحديثة - نشأت جماعة أمنية: رابطة دول تتسم بتوقعات يمكن الركون إليها، هي توقعات حل النـزاعات بالوسائل السلمية.

190 - وفضلا عن ذلك، انقضى زهاء خمسة عقود من الحرب الباردة - القائمة على توازن رعب نووي كان من الممكن أن يبيدنا جميعا في لمح البصر. وهو أمر أسف له نفر من المراقبين، زعموا أن وجود قطبين يتيح الاستقرار والثبات ويساعد على استمرار السلام. ولكن قلما صح ذلك في العالم النامي: فهناك كانت الحرب الباردة فترة صراعات مسلحة متكررة يؤججها كلا جانبي العالم الثنائي القطب. وعندما انتهت الحرب الباردة انتفى وجود المصدر الذي كان يتيح الدعم السياسي والمادي الخارجي.

191 - وأدى أيضا تحرر الأمم المتحدة من أغلال الحرب الباردة إلى تمكينها من القيام بدور أكثر أهمية. فقد شهدت التسعينات زيادة كبيرة في أنشطتنا الرامية إلى حفظ السلام وكذلك في تلك الرامية إلى صنع السلام: فعدد اتفاقات السلام التي تم التفاوض بشأنها وتوقيعها خلال ذلك العقد كان أكثر من ثلاثة أمثال ما تم في العقود الثلاثة السابقة مجتمعة.

192 - بل إن الحروب بين الدول - وهي الحروب التي كان القصد من الأمم المتحدة أن تحول دونها - انخفضت وتيرتها منذ فترة (للاطلاع على الانخفاض المقابل في أعداد اللاجئين أنظر الشكل 6). فالعولمة الاقتصادية قضت إلى حد بعيد على فوائد اكتساب الأراضي، في حين أدى الدمار الذي تتسبب فيه الحرب الحديثة إلى زيادة تكاليفه. ولم يكن التضاعف تقريبا في عدد الدول الديمقراطية منذ عام 1990 أقل أهمية، لأن اندلاع حرب عسكرية بين الدول ذات الرسوخ الديمقراطي قلما يحدث، وذلك لأسباب شتى (أنظر الشكل 7).

193 - ومنذ التسعينات أصبحت الحروب داخلية بالدرجة الأولى. وكانت حروبا وحشية، أودت بحياة ما يزيـد على خمسـة ملايين شخص. ولم تنتهـك تلك الحروب الحدود بقدر ما انتهكت الأشخاص. وساد الاستهزاء بالاتفاقيات الإنسانية وأصبح المدنيون والعاملون في مجال المعونة أهدافا استراتيجية، وأُجبر الأطفال على أن يصبحوا قتلة. وهذه الحروب، التي يحركها في الغالب الطموح أو الجشع السياسي، كانت تستغل الاختلافات العرقية والدينية، وكانت تدعمها في كثير من الأحيان مصالح اقتصادية خارجية، ويغذيها سوق عالمي للأسلحة بالغ النشاط وغير شرعي إلى حد كبير.

194 - وفي أعقاب هذه الصراعات، بدأ ينشأ فهم جديد لفكرة الأمن. فمقتضيات الأمن، التي كانت في السابق تعني الدفاع عن إقليم الدولة ضد العدوان الخارجي، أصبحت اليوم تشمل حماية الجماعات والأفراد من العنف الداخلي.

195 - والحاجة إلى اتباع نهج فيما يتعلق بالأمن يكون أكثر تمحورا حول الإنسان يؤكدها استمرار المخاطر التي تسببها للبشرية أسلحة الدمار الشامل، لا سيما الأسلحة النووية، التي يوحي اسمها في حد ذاته بنطاقها وبالهدف المقصود منها إذا استخدمت في أي وقت من الأوقات.

196 - وعندما نتأمل المستقبل يتبين لنا أن استنفاد الموارد، ولا سيما شحة المياه العذبة، فضلا عن الأوجه الخطيرة لتدهور البيئة، يُنذر فعلا باحتمال تزايد التوترات الاجتماعية والسياسية بأشكال لا يمكن التنبؤ بها ولكنها تنطوي على خطورة.

197 - وباختصار، تقتضي منا هذه التحديات الأمنية الجديدة أن نفكر بطريقة مبتكرة ونكيف نهجنا التقليدية بغية تلبية احتياجات عهدنا الجديد بشكل أفضل. ولكن هناك قولا مأثورا يصح اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو أن الوقاية بداية كل شيء.

ألف - اتقاء الصراعات المهلكة

198 - هناك اتفاق عام تقريبا على أن الوقاية خير من العلاج، وأن استراتيجيات الوقاية يجب أن تتصدى للأسباب الجذرية للصراعات ولا تقتصر ببساطة على أعراضها العنيفة. بيد أن توافق الآراء لا تقابله دائما إجراءات عملية. ويصعب على القادة السياسيين إقناع جماهيرهم في الداخل بسياسات الوقاية المستوردة من الخارج، ذلك لأن تكاليفها ملموسة وفورية أما فوائدها - المتمثلة في عدم وقوع حدث غير مرغوب فيه أو مأساوي مستقبلا - فيصعب عليهم أن يعبروا عنها ويصعب على الجماهير استيعابها. وبالتالي فإن الوقاية تشكل، أولا وقبل كل شيء، تحديا أمام القيادة السياسية.

199 - وإذا أردنـا أن ننجـح في اتقاء الصراعات المهلكة فلا بد أن نفهم أسبابها بوضوح. والحروب ليست جميعها متشابهة؛ لذلك ليست هناك استراتيجية وحيدة مجدية في كل الأحوال. فما هي أوجه الاختلاف في أنواع الحروب التي عانى منها الناس منذ بداية التسعينات؟

200 - إن عدة صراعات كبرى في العقد الماضي كانت أساسا حروبا اندلعت حول خلافة الشيوعية، وقام خلالها زعماء غلاظ القلب باستغلال الأشكال البدائية للغاية للقومية العرقية والاختلافات الدينية من أجل البقاء في السلطة أو الاستحواذ عليها. والبعض من تلك الصراعات طواه التاريخ - إلى جانب أولئك الزعماء - والأمل معقود على أن ما تبقى منها سيطويه التاريخ قريبا. وأغلبية الحروب اليوم هي حروب فيما بين الفقراء. فما سبب ذلك؟

201 - إن ما تملكه البلدان الفقيرة من موارد اقتصادية وسياسية لاحتواء الصراعات أقل مما يملكه غيرها. فهي، على سبيل المثال، تفتقر إلى القدرة على تحويل مدفوعات ضخمة إلى جماعات أو مناطق الأقليات، وقد تخشى أن يكون جهاز الدولة لديها هشا بحيث لا يمكن أن يشجع تفويض السلطات؛ في حين أن هذين الأمرين من الأدوات الاعتيادية في البلدان الأغنى.

202 - وهذا يعني أن كل تدبير ذكرته في الفرع السابق - أي كل خطوة تُتخذ من أجل تخفيف حدة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي العريض القاعدة - هي خطوة صوب اتقاء الصراعات. لذلك يجب على جميع العاملين في مجال اتقاء الصراعات وفي مجال التنمية - أي الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز والحكومات ومنظمات المجتمع المدني - التصدي لهذه التحديات على نحو أكثر تكاملا.

203 - وبإمكاننا إنجاز المزيد. ففي كثير من البلدان الفقيرة التي تعيش حالة حرب، يقترن الفقر بأوجه شقاق عرقي أو ديني حادة. وفي كل الأحوال تقريبا، لا تحظى حقوق الجماعات الأقل منـزلة بالاحترام الكافي، ولا تشمل مؤسسات الحكم الجميع بالقدر الكافي، وينحو تخصيص موارد المجتمع إلى محاباة الزمرة المسيطرة وذلك على حساب غيرها.

204 - والحل واضح، ولئن كان من الصعب تحقيقه عمليا: إنه تعزيز حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات وتطبيق ترتيبات سياسية تكون فيها كافة الجماعات ممثلة. والجراح التي تقرحت لمدة طويلة لن تندمل بين عشية وضحاها. ولن يتسنى بناء الثقة أو إقامة حوارات في الوقت الذي تسدد فيه طعنات جديدة. وليست هناك حلول سريعة أو سبل مختصرة، وإنما من الضروري أن تقتنع كل جماعة بأن الدولة ملك للجميع.

205 - وبعض الصراعات المسلحة التي تندلع اليوم سببها الجشع لا الظلم. والحرب باهظة التكلفة بالنسبة للمجتمع ككل ولكنها قد تعود على البعض بالفائدة. وكثيرا ما يكون المتنازع عليه هـو السيطرة على الموارد الطبيعية، وكثيرا ما تكون للمخدرات علاقة بالأمر، ويقوم الجيران الانتهازيون بتأجيج الصراعات، وتتواطأ العناصر الفاعلة التابعة للقطاع الخاص - عن طريق شراء المكاسب غير المشروعة والمساعدة على غسل الأموال وتسريب الأسلحة بانتظام إلى منطقة الصراع.

206 - وأفضل استراتيجية وقاية في هذا السياق هي الشفافية: أي "كشف الضالعين والتشهير بهم". ويتعين على عناصر المجتمع المدني الفاعلة أن تؤدي دورا كبيرا للغاية في هذا الصدد. ولكن على كل من الحكومات ومجلس الأمن أن يمارس مسؤولياته. ومن الضروري أيضا أن تضطلع الشركات العالمية، بما فيها المصارف، بقدر أكبر من المسؤولية الاجتماعية.

207 - ويأتي في ختام ذلك أن استراتيجيات الوقاية الناجحة تقتضي منّا كفالة عدم اندلاع الصراعات القديمة من جديد، وتقديم الدعم اللازم لبناء السلام بعد انتهاء حالات الصراع. ويؤسفني أن أقول إننا لا نحظى تماما بذلك المستوى من الدعم في معظم بعثاتنا.

208 - ولئن كانت الوقاية هي السمة الأساسية لجهودنا الرامية إلى تعزيز الأمن البشري، فإن من واجبنا الاعتراف بأن حتى أفضل استراتيجيات الوقاية والردع قد تفشل. لذلك قد تدعو الحاجة إلى تدابير أخرى. ومن هذه التدابير تعزيز التزاماتنا بحماية الضعفاء.

باء - حماية الضعفاء

209 - بالرغم من وجود اتفاقيات دولية متعددة تهدف إلى حماية الضعفاء فإن الإيذاء الوحشي للمدنيين، وبخاصة النساء والأطفال، في الصراعات المسلحة لا يزال مستمرا. وأصبحت المرأة معرضة بوجه خاص للعنف والاستغلال الجنسي، أما الأطفال فهم فريسة سهلة للسخرة وكثيرا ما يُفرض عليهم أن يصبحوا مقاتلين. وأضحى السكان المدنيون والهياكل الأساسية المدنية غطاء تحتمي به عمليات حركات التمرد، وأهدافا للانتقام، وضحايا للأعمال الوحشية الفوضوية التي كثيرا ما تعقب انهيار سلطة الدولة. وفي أشد الحالات تطرفا، يصبح الأبرياء هم الأهداف الرئيسية لممارسي التطهير العرقي والإبادة الجماعية.

210 - ولقد درجت العادة على أن تتوقع الاتفاقيات الدولية من الدول أن تحمي المدنيين، ولكن هذا التوقع أصبح اليوم مهددا من وجوه شتى. أولا، لأن الدول تكون في بعض الأحيان هي الجهات الأساسية التي ترتكب أعمال العنف ضد نفس المواطنين الذين يلزمها القانون الإنساني بحمايتهم. وثانيا، لأنه كثيرا ما يجهل المقاتلون الذين لا يمثلون الدولة، ولا سيما في الدول المنهارة، القانون الإنساني أو كثيرا ما يستخفون به. وثالثا، لأن الاتفاقيات الدولية لا تعالج معالجة وافية الاحتياجات الخاصة للفئات الضعيفة، مثل المشردين داخليا أو النساء أو الأطفال في حالات الطوارئ المعقدة.

211 - ولتعزيز الحماية علينا أن نعيد تأكيد محورية القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان. وينبغي علينا أن نسعى جاهدين إلى إنهاء ثقافة الإفلات من العقوبة - ولهذا السبب يكتسب إنشاء المحكمة الجنائية الدولية هذا القدر من الأهمية. وعلينا أيضا أن نستنبط استراتيجيات جديدة تستجيب للاحتياجات المتغيرة.

212 - وقد تتضمن النُهُج الجديدة في هذا المجال إنشاء آلية لرصد امتثال جميع الأطراف لأحكام القانون الإنساني الدولي القائمة. وثمة حاجة إلى معايير قانونية أقوى لتوفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني. كما ينبغي الاهتمام بوضع اتفاقية دولية تنظم أعمال شركات الأمن الخاصة والعامة التي نشهد مشاركتها في الحروب الداخلية بأعداد متزايدة.

213 - ومن شأن زيادة استعمال تكنولوجيا المعلومات أن تساعد أيضا على تخفيف الآلام التي تخلفها حالات الطوارئ المعقدة وتخفيف أعبائها على السكان، ومن أمثلة ذلك برنامج يسمى "لـمّ شمل الأطفال"، وهو يساعد على لـمّ شمل الأطفال وذويهم الذين فرقتهم الحروب والكوارث الطبيعية (انظر الإطار 7).

214 - وإذا صح لنا أن نكون على يقين من شئ فهو أنه بدون حماية الضعفاء ستكون مبادراتنا السلمية هشة وقائمة على الوهم، على حد السواء.

جيم - معالجة معضلة التدخل

215 - لقد ناشدت الدول الأعضاء، في خطابي الموجه إلى الجمعية العامة في أيلول/سبتمبر الماضي، أن تتكاتف في السعي لوضع سياسات أفعل تستهدف إيقاف القتل الجماعي المنظم والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان. ومع أني شددت على أن التدخل يشمل سلسلة واسعة ومتصلة الحلقات من الاستجابات، تمتد من الدبلوماسية إلى الأعمال المسلحة، فإن أغلب الجدل الذي أثير في المناقشة التي أعقبت ذلك قد تعلق بهذا الخيار الأخير.

216 - إذ أبدى بعض الناقدين تخوفهم من أن يصبح مفهوم "التدخل الإنساني" غطاء لتدخل لا مسوغ له في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة. ورأى آخرون أن هذا المفهوم قد يشجع الحركات الانفصالية على أن تدفع الحكومات عمدا إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تكون مدعاة للتدخلات الخارجية التي من شأنها أن تدعم قضية هذه الحركات. ولاحظ فريق ثالث عدم الاتساق في ممارسة التـدخل إلا لماما، وذلـك بسبب الصعـوبات المتأصلة فيه والتكاليف المرتبطة به، فضلا عما يُتصور أنه المصالح الوطنية - هذا إذا استثنينا أن الدول الضعيفة قد تكون عرضة للتدخل أكثر بمراحل من الدول القوية.

217 - إنني أدرك قوة هذه الحجج وأهميتها. كما أسلم بأن مبدأي السيادة وعدم التدخل يوفران الحماية الحيوية للدول الصغيرة والضعيفة. ولكني أوجه إلى الناقدين هذا السؤال: إذا كان التدخل الإنساني يمثل حقا تعديا غير مقبول على السيادة، فعلى أي نحو ينبغي علينا أن نستجيب لحالات شبيهة برواندا وبسريبرينتشا - وللانتهاكات الجسيمة والمنتظمة لحقوق الإنسان التي تمثل تعديا على كل مبدأ من مبادئ إنسانيتنا المشتركة؟

218 - إننا نواجه معضلة حقيقية. ولن ينكر إلا نفر قليل أن الدفاع عن الإنسانية والدفاع عن السيادة، كليهما، مبدآن ينبغي دعمهما. بيد أن ذلك لا يرشدنا، مع الأسف، إلى أي المبدأين ينبغي أن تكون له الغلبة عند حدوث تناقض بينهما.

219 - إن التدخل الإنساني مسألة حساسة، تكتنفها صعوبات سياسية، ولا يسهل إيجاد أجوبة لها. ولكن من المؤكد أنه ما من مبدأ قانوني - حتى مبدأ السيادة نفسه - يمكن أن يحمي الجرائم المرتكبة ضد الإنسانيـة. وحين يُرتكب مثل هذه الجرائم وتستنفد المحاولات السلمية الرامية إلى وقفها، يكون على مجلس الأمن واجب أخلاقي بأن يتصرف حيالها نيابة عن المجتمع الدولي. وإذا كنا لا نستطيع حماية السكان في كل مكان، فليس ذلك سببا لأن نقف مكتوفي الأيدي حين نكون قادرين على حمايتهم. وينبغي أن يظل التدخل المسلح دائما بمثابة ملجأ أخير، ولكنه خيار لا يجوز التخلي عنه في مواجهة القتل الجماعي.

الإطار 7
"لم شمل الأطفال": استخدام ثورة المعلومات في الاهتداء إلى الأطفال المفقودين

في الحروب والكوارث الطبيعية غالبا ما ينفصل الأطفال عن والديهم، ويمكن أن يمثل لم شملهم تحديا هائلا أمام وكالات المعونة. وقد تم تصميم مشروع لجنة الإنقاذ الدولية "لم شمل الأطفال" لحل هذه المشكلة. ويستخدم المشروع قاعدة بيانات مشتركة مفتوحة أمام جميع الوكالات في الميدان التي تسعى إلى لم شمل الأطفال المفقودين مع والديهم. ويمكن لهذه الوكالات أن تحيل البيانات والصور الفوتوغرافية للأطفال غير المصحوبين بالإضافة إلى طلبات البحث المقدمة من الوالدين. ويمكن إنجاز إجراءات البحث التي كانت تستغرق فيما مضى أشهرا في دقائق، مما يوفر على الأطفال والآباء قدرا كبيرا من الحزن العميق.

ولكي يحقق مشروع لم شمل الأطفال إمكاناته المرجوة، فإن جميع وكالات التعقب في المنطقة تحتاج إلى أن تتمكن من تقديم بيانات عن المفقودين ومن ثم الاهتداء إليهم واستعراضها بانتظام. وأسهل طريقة للقيام بذلك هي بالطبع عن طريق الإنترنت، إلا أن الصراعات المسلحة نادرا ما تحدث في أماكن توجد بها بنية أساسية قوية للإنترنت أو للاتصالات.

ففي كوسوفو، قامت لجنة الإنقاذ الدولية بإنشاء شبكة للإنترنت تستخدم كلا من السواتل واللاسلكي في بريشتينا (www.ipko.org). وكل وكالة من وكالات الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وعدة بعثات وطنية، وأغلبية المنظمات غير الحكومية، تكون موصولة بالإنترنت على مدى 24 ساعة يوميا عبر الشبكة.

ونظرا لأن التكلفة الحدية لهذه التكنولوجيا منخفضة جدا، يتمكن المشروع أيضا من توفير الاستفادة بالإنترنت مجانا للجامعة والمستشفيات والمكتبات والمدارس ووسائط الإعلام المحلية والمنظمات غير الحكومية المحلية. وهكذا فإن المنظمات الدولية لا تحصل على وصلات قوية للاتصالات وتوفر أموالها فحسب، بل إنها تساعد بذلك أيضا على دعم المجتمع المدني في كوسوفو، وإقامة بنية أساسية للإنترنت من أجل كوسوفو في الأجل الطويل. وقد تم تسليم المشروع حاليا إلى منظمة غير حكومية محلية مستقلة تعتبر بالفعل قائمة على الدعم الذاتي تماما.

وقد يكون هذا المشروع بمثابة نموذج لحالات الطوارئ الإنسانية في المستقبل. وستستفيد المنظمات الدولية، عن طريق إقامة بنية أساسية مشتركة للإنترنت، من اتصالات أكثر موثوقية بتكلفة أقل بكثير وستتمكن من الاستفادة من الوصول المشترك إلى قواعد البيانات وغيرها من تطبيقات الإنترنت بغية تحسين فعاليتها.

وعندما تنتهي الأزمة، يمكن ترك البنية الأساسية في مكانها وتدريب السكان المحليين على صيانتها.

دال - تعزيز عمليات السلام

220 - بانتهاء المواجهة الناجمة عن الحرب الباردة وبانتهاء الشلل الذي أصاب مجلس الأمن من جرائها، أصبح عقد التسعينات عقدا اتسم بقدر كبير من النشاط بالنسبة للأمم المتحدة. فقد تجاوز عدد عمليات السلام المضطلع بها في ذلك العقد عدد العمليات المضطلع بها خلال العقود الأربعة السابقة مجتمعة، ووضعنا نُهُجا جديدة لبناء السلام فيما بعد انتهاء حالات الصراع، وأولينا اتقاء الصراعات أهمية جديدة.

221 - وتختلف عمليات حفظ السلام المعقدة في الوقت الراهن اختلافا شديدا عن عمليات حفظ السلام التقليدية التي كانت تركز أساسا على مراقبة عمليات وقف إطلاق النار. فهدف العمليات الحالية، في جوهره، يتمثل في مساعدة أطراف الصراع على السعي لتحقيق مصالحها مستعيضة عن الصراع بقنوات سياسية. ولذلك تساعد الأمم المتحدة على إنشاء المؤسسات السياسية وتعزيزها وعلى توسيع قاعدتها. ونحن نعمل جنبا إلى جنب مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية وجماعات المواطنين المحلية لتقديم الغوث في حالات الطوارئ، وتسريح المقاتلين السابقين وإعادة إدماجهم في المجتمع، وإزالة الألغام، وتنظيم الانتخابات وإجرائها، وتشجيع ممارسات التنمية المستدامة.

222 - وتمثل المساعدات الدولية المقدمة لإعادة بناء الاقتصاد مُكملا أساسيا لهذا العمل. فآمال الناس في المؤسسات الوليدة بل وفي عملية السلام نفسها ستخيب سريعا إذا لم يروا أي آفاق تنفتح لتحسين أوضاعهم المادية. وقد ساعد بناء السلام فيما بعد انتهاء حالات الصراع على الحيلولة دون انهيار كثير من اتفاقات السلام، وعلى إرساء أسس السلام المستدام.

223 - ويمكننا القول بأننا قد حققنا قدرا لا يستهان به من النجاح في عمليات سلام نفذناها في العقد الماضي أو نحوه، بدأت في ناميبيا أولا في أواخر الثمانينات وشملت موزامبيق، والسلفادور، وجمهورية افريقيا الوسطى، وسلافونيا الشرقية، وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة، كما شملت كمبوديا حيث حققنا نجاحا جزئيا على الأقل. كما واجهنا حالات فشل مأساوية، كانت أشدها مرارة حالات رواندا وسقوط سربرينيتشا وغيرها من المناطق الآمنة في البوسنة. وقد ناقشت بصراحة وبقدر كبير من التفصيل، في تقريرين أصدرتهما في أواخر العام الماضي، الأسباب العديدة التي أدت إلى حالات الفشل هذه، ومن ضمنها الأسباب التي يمكن أن تُنسب إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة.

224 - بيد أن الدول الأعضاء هي وحدها التي يمكنها إصلاح أوجه الضعف الهيكلي في عمليات السلام التي تضطلع بها الأمم المتحدة. فالنظام الذي نتبعه عند الشروع في عمليات السلام قد شُبِّه في بعض الأحيان بفرقة إطفاء مؤلفة من متطوعين، بيد أن هذا الوصف ممعن في التبسيط. إذ يتعين علينا كلما شب حريق أن نوجد أولا معدات الإطفاء وأن نوفر الأموال اللازمة لتشغيلها قبل أن نشرع في إخماد النيران. ويكاد النظام الحالي يعوِّل تماما على ترتيبات طارئة تُتخذ في آخر لحظة وتؤدي لا محالة إلى التأخر في توفير الموظفين المدنيين تأخرا يفوق ما يحدث حتى في حالة العسكريين.

225 - ورغم توصلنا إلى تفاهمات مع الدول الأعضاء لاتخاذ ترتيبات احتياطية عسكرية، فإن درجة توافر القوات المحددة لهذا الغرض لا يمكن التنبؤ بها كما لا يوجد سوى قلة قليلة منها بدرجة استعداد عالية. أما المعوقات من حيث الموارد فإنها تحول حتى دون قدرتنا على إيفاد عناصر مقر قيادة أي بعثة على وجه السرعة.

226 - أما على الجانب المدني، فقد ذكرتنا كوسوفو وتيمور الشرقية تذكيرا قاسيا بمدى الصعوبة التي تكتنف تدبير الأفراد المؤهلين للبعثات. فمن أين لنا - إذا قصرنا الحديث على احتياجات إنفاذ القانون فحسب - أن نجد على وجه السرعة أفراد الشرطة، أو القضاة، أو الأشخاص الذين يديرون المؤسسات الإصلاحية؟ وفي هذا الصدد أيضا يلزم اتباع نهج أكثر انتظاما.

227 - وحتى يتضح لنا بشكل أفضل أين نقف وكيف يمكن لنا أن نأمل في إحراز تقدم فيما يتعلق بعمليات السلام التي تضطلع بها الأمم المتحدة، فقد أنشأت فريقا رفيع المستوى سيستعرض عمليات حفظ السلام من جميع وجوهها، ابتداء بالمفاهيم وانتهاء بالسوقيات. وسيقترح الفريق سبلا للمضي قدما تكون مقبولة سياسيا ومعقولة تنفيذيا.

228 - وأتوقع أن يكتمل تقرير الفريق في الوقت المحدد حتى تتمكن جمعية الألفية من النظر في توصياته.

هاء - توجيه الجزاءات

229 - لقد أنشأت الأمم المتحدة خلال التسعينات عددا من نظم الجزاءات لم يسبق له مثيل. والجزاءات، التي هي جزء لا يتجزأ من أحكام الميثاق المتعلقة بالأمن الجماعي، تتيح لمجلس الأمن وسيلة مهمة لإنفاذ قراراته تندرج في سلسلة إجراءات تتراوح بين الإدانة اللفظية المحضة واللجوء إلى القوة المسلحة. وتشمل الجزاءات حظر توريد الأسلحة، وفرض قيود تجارية ومالية، وقطع الروابط جوا وبحرا، والعزل الدبلوماسي.

230 - وقد حققت الجزاءات درجات متفاوتة من الحفز على الامتثال لقرارات مجلس الأمن. ففي بعض الحالات وجهت جهود قليلة، أو لم توجه أي جهود على الإطلاق، لمراقبة الامتثال وإنفاذه. وفي حالات كثيرة لم تتلق البلدان المجاورة، التي تتحمل قسطا وافرا من الخسائر الناجمة عن كفالة الامتثال، المساعدة من بقية المجتمع الدولي فسمحت بالتالي بإحداث فجوات في الجزاءات.

231 - وقد وُوجهت مشكلة مختلفة عندما استهدفت جزاءات اقتصادية قوية وشاملة أنظمة حكم سلطوية. ففي هذه الحالات تكون المعاناة عادة من نصيب الشعب لا النخب السياسية التي تسبب سلوكها في المقام الأول في فرض الجزاءات. بل الواقع أن مَن يكونون في السلطة هم، على العكس من ذلك، الذين كثيرا ما يستفيدون من هذه الجزاءات، بقدرتهم على التحكم في أنشطة السوق السوداء وعلى الاستفادة منها، وباتخاذ الجزاءات ذريعة للقضاء على المصادر المحلية للمعارضة السياسية.

232 - ولما كانت الجزاءات الاقتصادية قد أثبتت أنها وسيلة غير فعالة إلى هذا الحد، بل وتؤدي إلى نتائج عكسية، فقد سعى عدد من الحكومات وكثير من منظمات المجتمع المدني وهيئات الفكر والبحث في جميع أنحاء العالم إلى استكشاف وسائل تزيد فعاليتها من خلال توجيهها بطريقة أفضل. فقادت سويسرا جهدا يستهدف تصميم وسائل للجزاءات المالية الموجهة، ويتضمن صوغ التشريع الوطني النموذجي اللازم لتنفيذها، بينما تدعم ألمانيا أعمالا ترمي إلى إيجاد سبل تزيد من فاعلية حظر توريد الأسلحة وغيره من أشكال المقاطعة الموجهة. وأسهمت المملكة المتحدة وكندا أيضا في المناقشة الدائرة بشأن سبل توجيه الجزاءات بطريقة أكثر فعالية.

233 - وقد بلغت هذه الجهود الآن مرحلة من التقدم تكفي لجعلها جديرة بأن تنظر فيها الدول الأعضاء بجدية. وإني أدعو مجلس الأمن، بصفة خاصة، إلى مراعاة هذه الجهود عند وضع وتطبيق نظم الجزاءات.

واو - مواصلة العمل على إجراء تخفيضات في الأسلحة

234 - سجلت فترة ما بعد الحرب الباردة مكاسب ونكسات في مجال نزع السلاح. ومن الجوانب الإيجابية أن كلا من اتفاقية أوتاوا التي تحظر الألغام الأرضية واتفاقية الأسلحة الكيميائية دخل حيز النفاذ. كما أُبرمت معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وجرى تعزيز الضمانات النووية، وتشمل الآن المناطق الخالية من الأسلحة النووية نصف الكرة الأرضية الجنوبي كله. وانخفض عدد الأسلحة النووية بنسبة النصف تقريبا منذ عام 1982. كما انخفض الإنفاق العسكري العالمي بحوالي 30 في المائة خلال الفترة من عام 1990 إلى عام 1998 (انظر الشكلين 8 و 9).

235 - لكن بقية الصورة أبعد عن أن تكون مشجعة بنفس القدر. إذ لم يحرز الكثير من التقدم الجدير بالذكر في مجال الحد من انتشار الأسلحة الصغيرة. وتعرض نظام عدم الانتشار النووي لنكسات كبيرة نتيجة لبرامج الأسلحة النووية السرية، والتجارب النووية في جنوب آسيا، وعدم رغبة دول رئيسية في التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

236 - وتزيد التطورات في مجال التكنولوجيا الحيوية من الخطر الكامن الذي تشكله الأسلحة البيولوجية، في حين تطول بدون لزوم المفاوضات المتعلقة بنظام التحقق المتعلق باتفاقية الأسلحة البيولوجية. كما أن مؤتمر نزع السلاح في جنيف لم يبدأ طيلة ثلاث سنوات متتالية أية مفاوضات نظرا لعدم تمكن أعضائه من الاتفاق على الأولويات في مجال نزع السلاح.

237 - ولا أستطيع هنا استعراض كامل نطاق عملية الحد من الأسلحة. ولكني سأركز على فئتين من الأسلحة تثيران قلقا خاصا: فئة الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، لأنها تتسبب حاليا في قتل أكبر عدد من الأشخاص في معظم الحروب، وفئة الأسلحة النووية نظرا لقدرتها المروعة الكامنة والمستمرة على الدمار الشامل.

الأسلحة الصغيرة

238 - إن عدد المقتولين بالأسلحة الصغيرة يتجاوز بكثير عدد المقتولين بجميع نظم الأسلحة الأخرى - ويتجاوز بكثير في معظم السنوات عدد المقتولين بالقنبلتين النوويتين اللتين دمرتا هيروشيما وناغازاكي. ويمكن في الواقع وصف الأسلحة الصغيرة بأنها "أسلحة دمـار شامـل" بالنظر إلى ما تتسبب فيه من مجازر. ومع ذلك، وعلى عكس الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، لا يوجد حتى الآن نظام عدم انتشار عالمي للحد من انتشارها.

239 - وانتشار الأسلحة الصغيرة ليس مجرد مسألة أمنية؛ فهو أيضا مسألة تمس حقوق الإنسان والتنمية. فانتشار الأسلحة الصغيرة يديم ويصعد الصراعات المسلحة. وهو يعرض العاملين في مجال حفظ السلام والمجال الإنساني للخطر. وهو يقوض احترام القانون الإنساني الدولي. ويهدد الحكومات الشرعية الضعيفة ويخدم الإرهابيين فضلا عن مرتكبي الجريمة المنظمة.

240 - وقد انتهى المطاف بالجزء الأكبر من فائض الحرب الباردة من الأسلحة الصغيرة فـي أخطر مناطق الصراع في العالم، ومع تزايد عدد الأسلحة المتداولة فقد انخفضت أسعارها مما سهل إمكانية الحصول عليها حتى في أفقر البلدان. فعلى سبيل المثال أصبح من الممكن في منتصف التسعينات في أجزاء من أفريقيا شراء بنادق هجومية مميتة بثمن دجاجة أو كيس من الذرة. وسيكون من الصعب تخفيض عدد المقتولين بهذه الأسلحة، ومن الأسباب الرئيسية لذلك العدد الهائل من الأسلحة المتداولة، والذي يقدر البعض أنه يصل إلى 500 مليون.

241 - ويقدر أن 50 إلى 60 في المائة من تجارة العالم في الأسلحة الصغيرة شرعية - بيد أن الأسلحة المصدرة قانونا غالبا ما تشق طريقها إلى السوق غير المشروعة. وقد أصبحت مهمة الحد الفعال من الانتشار أصعب بكثير مما يجب وذلك بسبب السلوك غير المسؤول لبعض الدول، وعدم قدرة عدد آخر على القيام بهذه المهمة، إلى جانب حجاب السرية الذي يكتنف جزءا كبيرا من تجارة الأسلحة. ويتعين على الدول الأعضاء أن تتخذ إجراءات لزيادة الشفافية في تحويلات الأسلحة إذا أريد أن نحرز أي تقدم. وأود أيضا أن أحثها على دعم اتخاذ تدابير لنـزع السلاح على الصعيد الإقليمي، مثل وقف استيراد الأسلحة الخفيفة أو تصديرها أو صنعها في غرب أفريقيا.

242 - وحتى إذا أمكن القضاء على جميع تحويلات الأسلحة، فإن المشكلة التي يطرحها وجود العديد من ملايين الأسلحة الصغيرة غير القانونية المتداولة بالفعل في مناطق الحروب القائمة في العالم سوف تبقى.

243 - ونظـرا لأن البلـدان الفقيرة المعرضـة للصراعات لا تملك في معظمها القدرة على كشف الأسلحة غير المشروعة ومصادرتها، ربما يكون استخدام حوافز السوق طريقة واعدة أكثر من غيرها. فبرامج إعادة الشراء المباشرة ربما تحفز على الاستيراد من البلدان المجاورة، أما برامج التسديد غير النقدي فقد أثبتت نجاحها في ألبانيا وبنما والسلفادور وموزامبيق. إذ يمكن للأفراد في تلك البلدان أن يحصلوا، مقابل الأسلحة، على أدوات مثل آلات الخياطة والدراجات والمعازق ومواد البناء، كما وُفرت لمجتمعات محلية كاملة مدارس جديدة وخدمات الرعاية الصحية وعمليات إصلاح الطرق.

244 - وينبغي لا للحكومات فحسب بل للقطاع الخاص أيضا المساعدة في تمويل مثل تلك البرامج. من شأن ذلك أن يشكل إسهاما مناسبا على وجه الخصوص من جانب الشركات الدولية التي لها وجود في المناطق المعرضة للصراعات.

245 - والحد من انتشار الأسلحة غير المشروعة خطوة أولى ضرورية نحو عدم انتشار الأسلحة الصغيرة. وينبغي إخضاع هذه الأسلحة لسيطرة الدول وإخضاع الدول للمساءلة عن تحويلها إلى غيرها. وستعقد الأمم المتحدة في عام 2001 مؤتمرا بشأن الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، آمل أن توجه فيه الدعوة إلى منظمات المجتمع المدني لكي تشارك مشاركة كاملة.

246 - وإني أحث الدول الأعضاء على اغتنام هذا المؤتمر لبدء اتخاذ إجراءات جدية تقلص الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة.

247 - ويمثل ما أبدى مؤخرا من تعبيرات عن القلق إزاء انتشار الأسلحة الصغيرة علامة جديرة بالترحيب على الاعتراف بأهمية هـذه المسألة، ولكن الكلمات وحدها لا تفعل شيئا لمنع ما يجري من ذبح لأشخاص أبرياء. والحوار أمر هام ولكن يجب أن نضارع التعبير البليغ عن القلق بإحراءات عملية جوهرية.

الأسلحة النووية

248 - اسمحوا لي الآن أن أنتقل إلى موضوع الأسلحة النووية. فعندما راح توازن الرعب النووي ذو القطبين طي التاريخ، انجرف أيضا من الوعي الجماهيري على ما يبدو الشعور بالقلق إزاء الأسلحة النووية. ولكن ما زال هناك قرابة 000 35 قطعة من الأسلحة النووية في ترسانات القوى النووية، وما زالت الآلاف منها منتشرة في حالة تأهب قصوى. وأي كان الأساس المنطقي الذي كان يقوم عليه وجود هذه الأسلحة في وقت ما فإنه قد تضاءل منذ فترة طويلة. كما أن القيود السياسية والأخلاقية والقانونية على استخدامها الفعلي تقوض كذلك فائدتها الاستراتيجية ولكن دون أن تقلل من مخاطر اندلاع حرب غير مقصودة أو مخاطر الانتشار.

249 - واستمرار الدول الحائزة لأسلحة نووية في التأكيد على أن وجود هذه الأسلحة في حوزتها يعزز الأمن بينما يشكل وجود هذه الأسلحة في حوزة غيرها تهديدا للسلام العالمي لا يساعد على تحقيق هدف عدم الانتشار النووي.

250 - ولو كنا نحرز تقدما مطردا نحو نـزع السلاح لكانت هذه الحالة لا تبعث على نفس القـدر مـن الفـزع. ولكن العكس هو الصحيح لسوء الحظ. فمحادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية لم تتعطل فحسب، بل إنه لا تجري حاليا أية مفاوضات على الإطلاق تشمل العديد من آلاف الأسلحة الموجودة المسماة بالأسلحة النووية التكتيكية، ولا أسلحة أي قوة نووية أخرى غير أسلحة الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية.

251 - وعلاوة على ذلك ما لم توضع مخططات لنشر نظم دفاع من القذائف بموافقة جميع الأطراف المعنية فإن التقدم المحرز حتى الآن في الحد من عدد الأسلحة النووية قد يتعرض للخطر. وهناك حاجة إلى بناء الثقة لطمأنة الدول إلى أن قدراتها على الردع النووي لن تنتفي.

252 - ونحن بحاجة، قبل كل شيء، إلى إعادة تأكيد الالتزام السياسي على أعلى المستويات بالحد من المخاطر الناشئة عن الأسلحة النووية القائمة وعن زيادة الانتشار.

253 - وللمساعدة على تركيز الاهتمام على المخاطر التي نواجهها وعلى الفرص السانحة لنا للحد منها فإني أقترح النظر في إمكانية عقد مؤتمر دولي رئيسي يساعد في تحديد سبل القضاء على المخاطر النووية.