18 - خلال سنوات الأمم المتحدة الأولى، كان في الإمكان التنبؤ بدقة بتوقيت اختتام دورات الجمعية العامة: فقد كان الحد الأقصى لذلك التوقيت هو آخر رحلة في العام تقوم بها السفينة "كوين ماري" وغيرها من السفن التي تمخر عباب المحيط. وواضح أن العالم آنذاك كان يختلف كثيرا عن العالم اليوم.
19 - فعندما تأسست الأمم المتحدة لم يكن ثُلثا أعضائها حاليا دولا ذات سيادة آنذاك، وكانت شعوبها لا تزال تعيش تحت الحكم الاستعماري. وكان عدد سكان العالم يقل عن 2.5 بليون نسمة، بالمقارنة بـ 6 بلايين نسمة اليوم. وكانت الحواجز التجارية شديدة، والتدفقات التجارية هزيلة، وضوابط رأس المال ثابتة. وكانت الشركات الكبيرة، في معظمها، تعمل داخل بلد وحيد وتنتج لأسواق بلدانها. ولم تكن المكالمات الهاتفية عبر المحيط في متناول الشخص العادي، وحتى استعمالها للأغراض التجارية كان يقتصر على الظروف الاستثنائية. وكان الناتج السنوي من الصُلب رمزا يُعتز به للدلالة على القدرة الاقتصادية الوطنية. وكان أول حاسوب في العالم قد أنشئ توا، ويملأ غرفة كبيرة تؤوي 000 18 صمام إلكتروني ونصف مليون وصلة من الوصلات الملحومة، وكانت كل مهمة جديدة للحاسوب تتطلب عمليا تغيير التوصيلات. كما كانت الإيكولوجيا موضوعا يقتصر على دراسة البيولوجيا، ولم تكن الإشارة إلى الفضاء الإلكتروني موجودة حتى في الخيال العلمي.
20 - ونحن ندرك عمق التغيرات التي حدثت. فصادرات العالم تضاعفت عشر مرات منذ سنة 1950، حتى مع أخذ أثر التضخم في الحسبان، وتتزايد باستمرار أسرع مما يتزايد الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وازدادت الاستثمارات الأجنبية بسرعة أكبر؛ وتتجاوز قيمة مبيعات الشركات عبر الوطنية قيمة الصادرات العالمية بفارق متزايد، وتمثِّل المعاملات بين فروع الشركات قطاعا من التجارة العالمية يتوسع بسرعة. وتجاوزت تدفقات النقد الأجنبي 1.5 تريليون دولار يوميا، بعد أن كانت تبلغ 15 بليون دولار في عام 1973 عندما انهار نظام أسعار الصرف الثابتة. وأسفرت عملية ضم شركات عبر وطنية مؤخرا في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية عن إنشاء شركة تتجاوز قيمتها السوقية الناتج المحلي الإجمالي لقرابة نصف جميع أعضاء الأمم المتحدة، بالرغم من أنها ليست سوى رابع شركة في العالم من حيث القيمة. وأصبح بإمكان مندوبي الجمعية العامة اليوم، تحت ضغط عنصر الوقت، أن يعبروا المحيط الأطلسي في أقل من أربع ساعات وأن يقوموا، إذا شاءوا، بتسيير شؤون الدولة عبر الإنترنت أو خطوط الهاتف طوال الرحلة.
21 - هذا هو عالم العولمة - سياق جديد للعناصر الفاعلة الاقتصادية وللأنشطة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم وإمكانيات جديدة للتواصل بينها. ولقد تسنى تحقيق العولمة بفضل الإزالة التدريجية للحواجز القائمة أمام التجارة وحركة رؤوس الأموال، إلى جانب الفتوحات التكنولوجية الأساسية والانخفاض المتواصل في تكاليف النقل والاتصالات والحوسبة. ويبدو أن منطق العولمة الإدماجي لا مهرب منه، وتيارها لا يقاوَم. وفوائد العولمة واضحة للعيان: نمو اقتصادي أسرع، ومستويات معيشية أعلى، وابتكار ونشر أسرع للتكنولوجيا والمهارات الإدارية، وفرص اقتصادية جديدة للأفراد وللبلدان على حد سواء.
22 - لماذا، إذن، بدأت العولمة تولِّد رد فعل رافضا، لم تكن الأحداث التي أحاطت باجتماع منظمة التجارة العالمية في تشرين الثاني/نوفمبر الأخير في سياتل سوى أحدث وأوضح مظهر له؟
23 - إن قلائل من الناس أو الجماعات أو الحكومات تعارض العولمة بصورتها الحالية. فهم يحتجون على التفاوتات الناجمة عنها. فأولا، لا تزال الفوائد والفرص التي تتيحها العولمة مركَّزة بشدة في عدد صغير نسبيا من البلدان وموزعة توزيعا متفاوتا فيما بينها. ثانيا، برز في العقود الأخيرة عدم توازن بين نجاح الجهود في وضع قواعد قوية وجيدة الإنفاذ تيسر توسُّع الأسواق العالمية، من ناحية، وتأخر دعم أهداف اجتماعية لا تقل وجاهة، سواء ما يتعلق منها بمعايير العمل، أو البيئة، أو حقوق الإنسان، أو التخفيف من الفقر، من ناحية أخرى.
24 - وبشكل أعم، أصبحت العولمة تعني للعديد من الناس درجة أكبر من الضعف في مواجهة قوى غير مألوفة لا يمكن التنبؤ بها وقادرة على زعزعة الاستقرار الاقتصادي وعلى إحداث خلخلة اجتماعية، أحيانا بسرعة صاعقة. ولقد كانت الأزمة المالية الآسيوية التي حدثت في عامي 1997 و 1998 قوة من ذلك النوع - وكانت خامس أخطر أزمة نقدية ومالية دولية في أقل من عقدين. وهناك قلق متزايد من أن تكون ثقافات الدول وسيادتها معرضتين للخطر. وحتى في أقوى البلدان، يتساءل الناس عمن يسيطر على الأمور، ويساورهم القلق على وظائفهم، ويخشون أن يكتسحهم تيار العولمة.
25 - وتكمن وراء مظاهر التعبير عن القلق المتباينة هذه رسالة وحيدة وقوية هي أن العولمة يجب أن تعني ما هو أكثر من مجرد إيجاد أسواق أكبر. إذ لا يمكن فصل المجال الاقتصادي عن نسيج الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأعقد، وتركه ينطلق في مسار من صُنعه. فالاقتصاد العالمي، لكي يبقى ويزدهر، يحب أن يكون له أساس أرسخ يتمثل في قيم وممارسات مؤسسية مشتركة، وأن يسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية أوسع وأشمل.
26 - عندما اجتمع زعماء العالم في أواخر الحرب العالمية الثانية لبناء نظام دولي قادر على البقاء فإنهم كانوا يؤمنون بهذا الرأي إيمانا راسخا. وكانوا يدركون تماما أن عصرا سابقا من العولمة الاقتصادية، يماثل عصرنا من بعض الجوانب في ترابطه اقتصاديا، قد تآكل باطراد قبل أن ينهار تماما تحت وطأة هزة عام 1914. وكان عصر العولمة ذلك قائما على بنية امبريالية سياسية، تحرم الشعوب والأقاليم التابعة من حق الحكم الذاتي.
27 - وعلاوة على ذلك كانت الدول الكبرى تفتقر إلى وسائل كافية لإحداث تكيف سياسي دولي، فعلى سبيل المثال لجأت تلك الدول إلى تجزئة القارة الأفريقية. أما في المجال الاقتصادي فكان أفضل ما تستطيعه لتحقيق الاستقرار المالي الدولي هو أن تُبقي مستويات النشاط الاقتصادي المحلي رهينة التقلبات في ميزان مدفوعاتها الخارجية، بحيث تنكمش تلك المستويات في حالة العجز، وتزيد عند تحقيق فائض. ثم لم يعد في الإمكان استمرار ذلك عندما أصبحت حقوق الامتياز تشمل الأشخاص العاديين، وبدأت الحكومات تستجيب تدريجيا، بتبرٌم في البداية، لحاجة الناس إلى فرص عمل منتظمة وإلى أسعار مستقرة.
28 - ولكن مَن خططوا لفترة ما بعد سنة 1945 تعلموا من "أزمة العشرين سنة" مدى الضرر الذي يلحق بالبلدان عندما تتخلى تماما عن الترابط الاقتصادي. فقد انتشرت النـزعة القومية الاقتصادية غير المكبوحة وسياسات "إفقار الجار" في جميع أنحاء العالم تقريبا في الثلاثينات، متسببة في بروز نزعات ثأر سياسي ونزعات شمولية وعسكرية في بعض البلدان، ونزعات انعزالية في بلدان أخرى. وهكذا تعرضت عصبة الأمم من بدايتها لطعنة خطيرة، ولم تكن أمامها فرصة في مواجهة تلك القوى.
29 - ولذلك اختار أسلافنا، بحكمة، أن يسلكوا طريق الانفتاح والتعاون. فأنشأوا الأمم المتحدة، ومؤسسات بريتون وودز، ومجموعة الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (مجموعة "غات") (التي أصبحت فيما بعد منظمة التجارة العالمية) ومنظمات عديدة أخرى مهمتها تيسير عمل النظام بأكمله. فقدم بعضها الدعم لعملية إنهاء الاستعمار، وإن كان النضال في سبيل الاستقلال، الذي تعتز الأمم المتحدة بالدعوة له، قد استغرق سنوات طويلة وأودى بأرواح كثيرة للغاية. ففي البلدان المصنعة قُدم الدعم المحلي للأسواق المفتوحة بإنشاء شبكات أمن اجتماعي، وبتقديم المساعدة على التكيف إلى الفئات والصناعات المتضررة. ولا زلنا نستفيد من ذلك التراث.
30 - ولكن لب مشكلتنا اليوم يكمن هنا: ففي حين أن النظام المتعدد الأطراف الذي نشأ بعد الحرب سمح بنشأة العولمة الجديدة وبازدهارها، فإن العولمة، بدورها، جعلت أهداف ذلك النظام أهدافا تجاوزها الزمن. وبعبارة أخرى فإن مؤسساتنا التي نشأت بعد الحرب أقيمت لعالم دولي، بينما نعيش اليوم عصر العولمة. وإدارة التحول من العصر الأول إلى الثاني إدارة بنَّاءة هي التحدي المؤسسي الرئيسي الذي يواجه زعماء العالم اليوم. وبإمكان مؤتمر قمة الألفية أن يساعد على تحديد الطريق الذي يجب أن نسير عليه.
31 - إن تغير طبيعة الأخطار المحدقة بالسلم والأمن التي يواجهها سكان العالم اليوم هو خير دليل على مدى ابتعادنا عن عالم دولي بحق. وقد افترضت أحكام الميثاق مسبقا أن العدوان الخارجي، أي اعتداء دولة على أخرى، هو أعظم الأخطار. غير أن العقود الأخيرة شهدت مقتل أعداد من الناس أكبر بكثير في الحروب الأهلية وأعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي أجج من ضرامها توافر الأسلحة على نطاق واسع في سوق الأسلحة العالمي. ويجري تداول تكنولوجيات الدمار الشامل في عالم سفلي من الأسواق غير المشروعة، ويلقي الإرهاب بظلاله على استقرار الحكم. ونحن لم نكيّف بعد مؤسساتنا حسب هذا الواقع الجديد.
32 - وينطبق ذلك إلى حد كبير على المجال الاقتصادي، حيث أقيمت الترتيبات المؤسسية فيما بعد الحرب على أساس عالم مكون من اقتصادات وطنية منفصلة، منهمكة في معاملات خارجية. والعولمة مناقضة لكل هذه التوقعات. ولذا لا يدهشنا تعرض النظام التجاري لما يتعرض له من ضغط - فهو يميل أكثر فأكثر لمعالجة المسائل "المحلية" التقليدية بدلا من حواجز الحدود. كما لا يدهشنا أن تكون النداءات الموجهة من أجل إنشاء هيكل مالي جديد متسمة بذلك الإصرار.
33 - والعولمة تقيد قدرة البلدان المصنعة على اتقاء الآثار المحلية السلبية الناشئة عن زيادة فتح الأسواق. ولم تتمتع البلدان النامية إطلاقا بهذا الامتياز بادئ ذي بدء، ونتيجة لذلك، يجد الجمهور نفسه في كلتا المجموعتين معرضا للخطر مفتقدا للأمان.
34 - ونشأت عن العولمة أيضا أوجه ضعف جديدة إزاء مخاطر قديمة. إذ تستغل شبكات الإجرام أكثر التكنولوجيات تطورا في الاتجار غير المشروع في أنحاء العالم بالمخدرات والأسلحة والمعادن والأحجار الثمينة - بل وبالناس. وبالفعل فإن هذه العناصر من "المجتمع غير المتمدن" تبني اتحادات عالمية للأنشطة غير المشروعة.
35 - وأثرت في التاريخ على امتداد آلاف السنين الأمراض التي نشرها التجار والغزاة وناقلات الجراثيم الطبيعية. غير أن آخر موجة لتفشي مسببات الأمراض في العالم، وأولها فيروس نقص المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، ما كانت من الممكن أن تحدث بهذه السرعة وعلى هذا النطاق الواسع لولا انفتاح الحدود وكثافة الحراك التي لم يسبق لها مثيل.
36 - وظهرت كذلك للعولمة أبعاد جديدة تماما. فمع أن موضوع التلوث عبر الحدود ظل مدرجا على جدول الأعمال الدولي لعدة عقود من الزمن، ما أن فُهم أن الآثار التراكميـة للتصنيع تؤثر في تغير المناخ العالمي حتى دخل العالم - بل غرق فعليا - في سياق جديد تماما لا تجدي فيه كثيرا الحلول المؤسسية التقليدية.
37 - وعقد العالم على الثورة في مجال الاتصالات العالمية آمالا جديدة في تخفيف المعاناة الإنسانية ونصرة الحقوق الأساسية. ولم تقم حتى الآن الحكومات ولا المؤسسات الدولية بتحديد الآثار الكاملة لهذه التوقعات أو كيفية تلبيتها.
38 - ولآثار ثورة الاتصالات صور أخرى أيضا. فشبكة الإنترنت هي أسرع أدوات الاتصال نموا في تاريخ الحضارة، ولعلها أسرع الأدوات من أي نوع انتشارا. وربما يؤدي بالفعل اقتران تكنولوجيا المعلومات وشبكة الإنترنت والتجارة الإلكترونية إلى إحداث تحول في العالم مثل التحول الذي أحدثته الثورة الصناعية. وستظل هذه العناصر تغير البيئة الاقتصادية العالمية وتعيد تشكيل الهياكل التنظيمية. وستغير الطريقة التي يعمل ويعيش بها كثير من الناس. وأصبح بالفعل من الممكن أن تساعد هذه العوائق العناصر على القفز على الحواجز الحالية التي تعترض سبيل التنمية، كما يشهد بذلك أصحاب الأعمال الحرة من بنغالور إلى غوادالاهارا وساو باولو، ومن الممكن توسيع نطاق هذه الفرص توسيعا كبيرا.
39 - ولعل أهم ما في ذلك هو أن هذه التكنولوجيات تمكن الناس من التواصل مباشرة وإلا ظلت تفصل بينهم المسافات والثقافات والتصنيفات الاقتصادية، وقد يمكننا هذا التواصل المباشر من أن نفهم، نحن الشعوب، هويتنا فهما أفضل. غير أن أيا من هذه الإمكانيات لا يتوافر لمن ليس لهم سبيل إلى التكنولوجيا، سواء بسبب عدم توافر الهياكل الأساسية اللازمة أو رؤوس الأموال الضرورية، أو لأن النظم والقوانين تحول دون ذلك.
40 - وهكذا يصبح التحدي واضحا: إذا كان المراد أن نغتنم وعود العولمة ونتحكم في الوقت ذاته في آثارها السلبية فلا بد من أن نتعلم كيف نحكم معا بطريقة أفضل. ولذا فإن مؤتمر قمة الألفية ينعقد في لحظة بالغة الأهمية، ليس فقط بالمعنى الرمزي للعبارة ولكن بمعناها الحقيقي أيضا.
41 - ماذا نعني بتعبير "الحكم" في المجال الدولي؟ وما هي بعض الخاصيات المستحسنة التي ينبغي أن يتسم بها ذلك الحكم إذا كان هدفنا أن ننجح في الانتقال من عالم دولي إلى عصر العولمة؟
42 - لا تزال هذه الكلمة توحي في أذهان البعض بصورة حكومة عالمية مكونة من بيروقراطيات مركزية عملاقة تدوس على حقوق الشعوب والدول، وليس هناك ما هو أبعد من أن نرغب فيه من ذلك. فالدول الضعيفة هي إحدى العوائق الرئيسية التي تعترض سبيل تحقيق الحكم الفعال اليوم، على الصعيدين الوطني والدولي على حد سواء. وخدمة لمصالح شعوبها ذاتها وتحقيقا لأهدافنا المشتركة، يجب علينا أن نعمل على تعزيز قدرة تلك الدول على الحكم، لا أن نمعن في إضعافها. وعلاوة على ذلك فإن فكرة الهياكل الهرمية المركزية هي في حد ذاتها مفارقة تاريخية في عالمنا المتغير دائما الشديد الدينامية المتسع الترابط - وهي بذلك من مخلفات عقليات القرن التاسع عشر التي عفا عليها الزمن.
43 - غير أنه ينبغي، من نفس المنطلق، أن تعي الدول بصورة أعمق دورها المزدوج في عصر العولمة. فبالإضافة إلى المسؤوليات الفردية التي تتحملها كل دولة إزاء مجتمعها، فإن هذه الدول هي، جماعيا، الحارس على حياتنا المشتركة على هذا الكوكب - حياة يشترك فيها مواطنو جميع البلدان. وعلى الرغم من الاضطراب المؤسسي الذي غالبا ما يرتبط بالعولمة، فلا يوجد كيان آخر ينافس الدولة أو يمكن أن يحل محلها. لذلك فإن إدارة العولمة بنجاح تستلزم، أولا وقبل كل شيء، أن تتصرف الدول بطريقة تتمشى ودورها المزدوج.
44 - وينطوي ذلك بالتالي على وجوب أن تكون هياكل صنع القرار التي يمارس من خلالها الحكم دوليا مرآة لحقائق عصرنا بوجه عام. وينطبق ذلك بشكل واضح على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فتكوين المجلس، الذي قام على أساس توزيع النفوذ والتحالفات في عام 1945، لا يعكس اليوم طابع العولمة التي يشهدها عالمنا ولا احتياجاته. وينطبق الشيء نفسه على بعض المحافل الاقتصادية الكبرى: إذ أن جميع البلدان مستهلكة لآثار العولمة، وجميعها يجب أن يكون له دور أكبر في العملية ذاتها.
45 - وينبثق دور الأمم المتحدة الفريد في عهد العولمة الجديد من عضويتها ونطاقها العالميين، ومن القيم المشتركة المجسدة في ميثاقنا. ومهمتنا هي ضمان أن تأتي العولمة بمنافع ليس فقط للبعض بل للجميع؛ وألا ينعم بالسلام والأمن قلة فقط بل ينعم بهما الكثيرون؛ وأن تتاح الفرص، ليس فقط للمحظوظين بل لكل إنسان، في كل مكان. والأمم المتحدة ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى من أجل تذويب الفروق بين الدول في النفوذ والثقافة والحجم والمصالح، وبوصفها محفلا لطرح قضية إنسانيتنا المشتركة وتعزيزها ويلزم الآن أكثر من أي وقت مضى نظام قانوني دولي، إلى جانب مبادئ وممارسات تعددية الأطراف، لتحديد القواعد الأساسية لحضارة عالمية بازغة يتسع فيها المجال للتعبير عن التنوع الثري الذي يتسم به العالم تعبيرا كاملا.
46 - والحكم الأفضل يستلزم زيادة المشاركة، مقرونة بالمحاسبة. ولذلك يجب زيادة إفساح المجال العام الدولي - بما فيه الأمم المتحدة - للمشاركة الفعالة من جانب العناصر الفاعلة العديدة التي تعد مساهماتها ضرورية لإدارة مسار العولمة. ويمكن أن تشمل تلك العناصر الفاعلة، رهنا بالمسائل المطروحة، منظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والبرلمانيين، والسلطات المحلية، والرابطات العلمية، والمؤسسات التعليمية، وعناصر أخرى كثيرة.
47 - وتحتل الشركات العالمية مركزا حيويا في هذه الكوكبة الجديدة. فهي التي قامت أكثر من أي جهة أخرى بتهيئة الحيز الاقتصادي الوحيد الذي نعيش فيه؛ وتؤثر قراراتها على المستقبل الاقتصادي للشعوب بل والدول في جميع أنحاء العالم. واتسع كثيرا نطاق حقوقها في العمل على الصعيد العالمي بفضل الاتفاقات الدولية والسياسات الوطنية، غير أن تلك الحقوق يجب أن تقترن بمسؤوليات أكبر - وفقا لمفهوم المواطنة العالمية للشركات وممارستها. وقد تتفاوت درجات المواطنة الجيدة حسب الظروف، ولكن ستكون لها سمة مشتركة واحدة هي: استعداد الشركات، حيثما أمكن وعند الاقتضاء، لاتباع "الممارسات الجيدة" كما يحددها المجتمع الأوسع، بدلا من استغلالها الهياكل التنظيمية الضعيفة للبلدان المضيفة أو مراكزها التفاوضية غير المتكافئة.
48 - وحتى يكون السياق العالمي أكثر تكاملا يتطلب ذلك أيضا درجة جديدة من اتساق السياسات، كما يجب في الوقت نفسه سد الثغرات المهمة. وينبغي تقوية البنيان المالي الدولي وكذلك النظام التجاري المتعدد الأطراف. ويجب تحقيق المزيد من التساوق فيما بين سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات التجارية والسياسات المتعلقة بالمعونة والسياسات المالية والبيئية، وذلك بحيث تدعم جميعها هدفنا المشترك المتمثل في توسيع نطاق فوائد العولمة. ومن الضروري تحقيق تكامل أكثر فعالية بين النهج المتبعة في مجالات اتقاء الصراعات وبناء السلام بعد انتهاء حالات الصراع وتقديم المساعدة الإنسانية والتنمية. وباختصار، فإنه من الصعب إلى أبعد الحدود قيادة دفة التحول بنجاح إلى عالم أكثر عولمة باستخدام شذرات ناقصة وغير متجانسة من السياسات.
49 - وكثيرا ما تفتقر الترتيبات المؤسسية الرسمية إلى اتساع النطاق والسرعة والقدرة المعلوماتية لمواكبة التغيير السريع في جدول الأعمال العالمي. لذلك فإن تعبئة المهارات وسائر موارد الجهات الفاعلة العالمية المختلفة قد تتطلب أكثر فأكثر إقامة شبكات عالمية فضفاضة ومؤقتة للسياسات تتجاوز الحدود القومية والمؤسسية والتخصصية، والأمم المتحدة بحكم وضعها خير من يرعى "الائتلافات من أجل التغيير" غير الرسمية هذه، في المجالات المختلفة لمسؤولياتنا. ويمكن أن يكون العديد من هذه الشبكات شبكات إلكترونية، فتتغلب من ثم على القيود العادية التي تفرضها المسافات والزمن. والدور الأساسي الذي يجب أن تواصل هياكل الحكم الرسمية الاضطلاع به هو دور معياري: تحديد الأهداف، ووضع المعايير، ورصد الامتثال.
50 - وبالنسبة للأمم المتحدة فإن النجاح في مواجهة تحديات العولمة يعني في نهاية الأمر تلبية احتياجات الشعوب. فباسمها كتب الميثاق؛ ولا يزال تحقيق طموحاتها هو هدفنا المنشود في القرن الحادي والعشرين.
51 - لكن مَن هم "نحن"، الشعوب؟ وما هي شواغلنا المشتركة؟
52 - لنتخيل لحظة أن العالم هو بالفعل "قرية عالمية" - مستحضرين في أذهاننا جديا الصورة المجازية التي كثيرا ما نستعيرها للتعبير عن الترابط العالمي. ولنفترض أن هذه القرية يعيش فيها 000 1 نسمة يحملون جميع السمات التي يحملها اليوم الجنس البشري موزعة بينهم بنفس النسب تماما. فكيف سيكون شكل هذه القرية؟ وماذا سنرى من قبيل التحديات الرئيسية التي ستواجهها؟
53 - يعيش 150 فردا تقريبا من السكان في منطقة ثرية من القرية، ويعيش نحو 780 نسمة في الأحياء الفقيرة. ويعيش حوالي 70 غيرهم في حي يمر بمرحلة انتقالية. ويبلغ متوسط دخل الفرد 000 6 دولار في السنة، ويوجد عدد من الأسر ذات الدخل المتوسط يفوق عدد مثل تلك الأسر في الماضي. ولكن فيها 200 فرد فقط يتصرفون في 86 في المائة من مجموع الثروة، بينما يتحايل نصف سكان القرية تقريبا من أجل العيش بأقل من دولارين في اليوم.
54 - ويفوق عدد الرجال عدد النساء بهامش ضئيل، ولكن غالبية من يعيشون في فقر من النساء. ونسبة مَن يجيدون القراءة والكتابة من الكبار في ازدياد. غير أن نحو 220 من سكان القرية - ثلثهم من النساء - أميون. ومن بين السكان الذين تقل أعمارهم عن العشرين سنة وعددهم 390 نسمة يعيش ثلاثة أرباع في الأحياء الفقيرة، ويبحث العديد منهم دون أمل عن فرص عمل لا وجود لها. ويملك أقل من 60 شخصا من سكان القرية حاسوبا، ولا يستخدم شبكة الإنترنت منهم سوى 24 شخصا. وأكثر من نصفهم لم يستخدم الهاتف أو يتلق مكالمة قط.
55 - ويبلغ متوسط العمر المتوقع في حي الأثرياء قرابة 78 سنة، بينما يبلغ في المناطق النامية 64 سنة - أما في الأحياء الأشد فقرا في تلك المناطق فإنه لا يزيد على 52 سنة. ويزداد متوسط العمر المتوقع في كل جيل مقارنة بالأجيال السابقة، لكن ما هو سبب تخلف متوسط العمر المتوقع للسكان الأشد فقرا إلى هذا الحد؟ لأن معدلات الإصابة بالأمراض المعدية وكذلك معدلات سوء التغذية في أحيائهم أكثر ارتفاعا مقرونة بنقص حاد في توفير المياه المأمونة والصرف الصحي والرعاية الصحية والسكن الملائم والتعليم والعمل.
56 - وليست هناك طريقة يمكن التنبؤ بها لحفظ السلام في هذه القرية. فبعض الأحياء مأمونة نسبيا غير أن الأحياء الأخرى يدمرها العنف المنظم. وفي السنوات الأخيرة نكبت هذه القرية بعدد متزايد من الكوارث الطبيعية التي لها صلة بالطقس، كان من بينها هبوب عواصف غير متوقعة وحادة، فضلا عن تقلبات مفاجئة من الفيضانات إلى الجفاف، في حين أن متوسط درجة الحرارة أدفأ بصورة ملحوظة. وتتزايد الدلائل على وجود صلة بين هذين الاتجاهين، وعلى أن ارتفاع درجة الحرارة له علاقة بنوع الوقود والكميات التي يستخدمها منه السكان وقطاع الأعمال. فعلى سبيل المثال بلغت الانبعاثات الكربونية، وهي السبب الرئيسي لظاهرة الاحترار، أربعة أمثال حجمها خلال فترة الخمسين سنة الماضية. وينخفض مستوى المياه الجوفية في القرية بسرعة، وأصبحت أسباب الرزق التي يعتمد عليها سدس السكان مهددة بسبب تدهور التربة في المناطق الريفية المجاورة.
57 - مَن منا لن يتساءل إلى متى يمكن لهذه القرية أن تظل على قيد الحياة دون اتخاذ الخطوات التي تكفل إمكانية عيش جميع سكانها في مأمن من الجوع والعنف، وبحيث يشربون ماء نظيفا ويتنفسون هواء نقيا، وهم مطمئنين إلى أنه ستتاح لأطفالهم فرص حقيقية في الحياة؟
58 - هذه هي المسألة التي علينا أن نواجهها في عالمنا الحقيقي الذي يسكنه 6 بلايين نسمة. والواقع أن أسئلة كهذه طرحها ممثلو المجتمع المدني الذين اشتركوا في جلسات الاستماع التي عقدتها اللجان الإقليمية التابعة للأمم المتحدة تحضيرا لجمعية الألفية - في أديس أبابا، وبيروت وجنيف وطوكيو وسانتياغو.
59 - وأُعرب أيضا عن مشاعر مماثلة في الخريف الماضي في أكبر استطلاع أجري على الإطلاق للرأي العام - حيث شمل 000 57 من الكبار في 60 بلدا منتشرة في القارات الست كلها (انظر الإطار 1).
60 - ومما يبعث على الدهشة أنه تم التأكيد في كل من جلسات الاستماع وفي الاستطلاع على محورية حقوق الإنسان في الآمال التي تعلقها الشعوب على الأدوار التي ينبغي أن تقوم بها الأمم المتحدة مستقبلا. وحُكم على المستوى الحالي للأداء، لا سيما أداء الحكومات، بأنه "غير مرض".
61 - وأعرب المجيبون في استطلاع الألفية عن آراء بنفس القدر من القوة بشأن البيئة. فقد ذكر ثلثاهم بالتمام، على صعيد العالم، أن حكوماتهم لم تتخذ الإجراءات الكافية لحماية البيئة. وكانت الغالبية في خمسة بلدان فقط من 60 بلدا راضية عن جهود حكوماتها في هذا المجال؛ وكان سكان البلدان النامية من بين الأكثر الناس انتقادا.
62 - وكان تقييم جلسات الاستماع والاستطلاع على حد سواء للأمم المتحدة تقييما عاما متفاوتا. فعند فرز الرأي العام حصلت الحكومات على درجات أقل من الدرجات التي حصلت عليها الأمم المتحدة. وفي معظم البلدان ذكرت الغالبية أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة. ولكن ثلثي مجموع المجيبين كان رأيهم أن بلدانهم، مع ذلك، لا يسير الحكم فيها وفقا لإرادة الشعوب. وحتى في أعرق الديمقراطيات في العالم أعرب العديد من المواطنين عن استيائهم العميق.
63 - ولنحذر من الوقوع في الخطأ. إذ أن هناك الكثير من قصص النجاح والاتجاهات الإيجابية، وسأحكي لكم عن كليهما في هذا التقرير. وعلى سبيل المثال، أرست المؤتمرات العالمية التي عقدتها الأمم المتحدة في التسعينات أساسا قويا من الأهداف وخطط العمل - في مجالات البيئة والتنمية، وحقوق الإنسان، والمرأة، والطفل، والتنمية الاجتماعية، والسكان، والمستوطنات البشرية، والأمن الغذائي. أما على الصعيد الوطني فإن عملية إعادة تشكيل الهياكل الاقتصادية والإصلاح السياسي تجري على نحو أوسع نطاقا اليوم من أي وقت مضى.
64 - غير أن سكان العالم يقولون لنا إن الإنجازات التي حققناها في الماضي ليست كافية، وذلك بالنظر إلى حجم التحديات التي نواجهها. ويجب علينا أن نفعل المزيد، بل وعلينا أن نفعله على نحو أفضل.
65 - والتحديات التي أوردها أدناه ليست شاملة. فقد ركزت على المجالات ذات الأولوية الاستراتيجية التي يمكن فيها، في نظري، بل ويجب، أن نحدث تغييرا حقيقيا من أجل مساعدة الشعوب على أن تعيش حياة أفضل. والتحديات مجمعة في ثلاث فئات عامة، اثنتان منها هما هدفان من أهداف تأسيس الأمم المتحدة لا يزال يروغ تحقيقهما من بين أيدينا، وهما: التحرر من الفاقة، والتحرر من الخوف. ولم يخطر ببال أحد، عند وضع الميثاق، أن التحدي الثالث - وهو أن نخلف للأجيال اللاحقة مستقبلا مضمونا بيئيا - سيكون من أعتى التحديات على الإطلاق.
| أصوات الناس: أكبر دراسة استقصائية لاستطلاع الرأي العام في العالم |
|---|
في عام 1999 تولى معهد غالوب الدولي رعاية وإجراء دراسة استقصائية للألفية شملت 000 57 من البالغين في 60 بلدا. ما هو أهم شيء في الحياة
حقوق الإنسان
البيئة
الأمم المتحدة
الديمقراطية
|