sg statementnews centrepressr eleaseun home
 

 

ثانيا - التحرر من الفاقة

25 - شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية أشد انخفاض في معدلات الفقر المدقع حققه العالم على الإطلاق. وبفضل انطلاقة التقدم في الصين والهند، أمكن بالفعل لمئات الملايين من الرجال والنساء والأطفال التحرر من أعباء العوز الشديد والبدء في التمتع بفرص الوصول المحسنة إلى الأغذية والرعاية الصحية والتعليم والإسكان.

26 - ومع ذلك، ففي الوقت نفسه، أصبحت عشرات البلدان أكثر فقرا، ودفعت الأزمات الاقتصادية المدمرة بملايين الأسر إلى وهاد الفقر، كما أدى ارتفاع معدلات التفاوت في أرجاء واسعة من العالم إلى عدم التقاسم العادل لمنافع النمو الاقتصادي. واليوم، لا يزال أكثر من بليون نسمة- أي شخص واحد من بين كل ستة أشخاص- يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا، ولا تتوفر لهم سبل البقاء على قيد الحياة في مواجهة أوضاع مزمنة من الجوع والمرض والمخاطر البيئية. وبعبارة أخرى، فإن هذا هو فقر قاتل. فلسعة واحدة من بعوضة تحمل داء الملاريا كفيلة بالقضاء على حياة طفل بسبب الحاجة إلى ناموسية أو علاج يتكلف دولارا واحدا. أما الجفاف والآفات اللذان يدمران المحاصيل فهما كفيلان بتحويل الكفاف إلى مجاعة. إن عالما يموت فيه كل عام 11 مليون طفل قبل أن يبلغوا عامهم الخامس، ويقضي فيه الإيدز على حياة ثلاثة ملايين شخص، ليس بعالم ينعم بجو من الحرية أفسح.

27 - وعلى مدى قرون عديدة، اعتبر هذا النوع من الفقر أحد الجوانب المحزنة والتي لا مهرب منها من جوانب الحالة الإنسانية. أما اليوم، فإنه لا يمكن الدفاع عن هذا الرأي من وجهتي النظر الفكرية والأخلاقية. فلقد أظهر حجم ونطاق التقدم الذي حققته البلدان في كل منطقة من مناطق العالم أنه يمكن على مدى فترة قصيرة جدا من الزمن تحقيق خفض هائل في معدلات الفقر ومعدلات وفيات الأمهات والأطفال الرضع، في الوقت الذي يمكن فيه تحقيق انطلاقة كبيرة في التعليم، والمساواة بين الجنسين، وغيرهما من الجوانب الإنمائية. ومن شأن التضافر الذي لم يسبق له مثيل بين الموارد والتكنولوجيا الموضوعة تحت تصرفنا اليوم أن يجعل منا حقا أول جيل تتوفر له الأدوات والمعرفة والموارد للوفاء بالالتزام الذي قطعته جميع الدول على نفسها في إعلان الألفية ”بجعل الحق في التنمية حقيقة واقعة لكل إنسان، وبتخليص البشرية قاطبة من الفاقة“.

ألف - رؤية مشتركة للتنمية

28 - يتقاطع تحدي التنمية بوجوهه المتعددة مع طائفة شاسعة من القضايا المترابطة فيما بينها - والتي تتراوح بين المساواة بين الجنسين، مرورا بالصحة والتعليم، ووصولا إلى البيئة. ولقد ساعدت المؤتمرات الرئيسية ومؤتمرات القمة التاريخية التي عقدتها الأمم المتحدة خلال فترة التسعينات على أن تقيم، لأول مرة، إطارا معياريا شاملا حول هذه الروابط من خلال رسم رؤية عامة للأولويات المشتركة للتنمية. ومهدت هذه الأولويات السبيل أمام مؤتمر قمة الألفية لكي يضع مجموعة من الأهداف المحددة زمنيا تشمل جميع هذه المجالات - وتتراوح بين خفض معدلات الفقر المدقع إلى النصف وتعميم التعليم الابتدائي، على أن يتم بلوغ جميع هذه الأهداف في موعد غايته عام 2015- وتبلورت في وقت لاحق في الأهداف الإنمائية للألفية (انظر الإطار 1).

الإطار 1
الأهداف الإنمائية للألفية


الهدف 1
القضاء على الفقر المدقع والجوع


الغاية 1
تخفيض نسبة السكان الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد إلى النصف في الفترة ما بين 1990 و 2015

الغاية 2
تخفيض نسبة السكان الذين يعانون من الجوع إلى النصف في الفترة ما بين 1990 و 2015

الهدف 2
تحقيق تعميم التعليم الابتدائي


الغاية 3
كفالة تمكن الأطفال في كل مكان، سواء الذكور أو الإناث منهم، من إتمام مرحلة التعليم الابتدائي بحلول عام 2015

الهدف 3
تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة


الغاية 4
إزالة التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي ويفضل أن يكون ذلك بحلول عام 2005، وبالنسبة لجميع مراحل التعليم في موعد لا يتجاوز عام 2015

الهدف 4
تخفيض معدل وفيات الأطفال


الغاية 5
تخفيض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين في الفترة ما بين 1990 و 2015

الهدف 5
تحسين الصحة النفاسية

الغاية 6
تخفيض معدل الوفيات النفاسية بمقدار ثلاثة أرباع في الفترة مابين 1990 و 2015

الهدف 6
مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض


الغاية 7
وقف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز بحلول عام 2015 وبدء انحساره اعتبارا من ذلك التاريخ

الغاية 8
وقف انتشار الملاريا وغيرها من الأمراض الرئيسية بحلول عام 2015 وبدء انحساره اعتبارا من ذلك التاريخ

الهدف 7
كفالة الاستدامة البيئية


الغاية 9
إدماج مبادئ التنمية المستدامة في السياسات والبرامج القطرية وانحسار فقدان الموارد البيئية

الغاية 10
تخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يمكنهم الحصول على مياه الشرب المأمونة إلى النصف بحلول عام 2015

الغاية 11
تحقيق تحسين كبير بحلول عام 2020 لمعيشة ما لا يقل عن 100 مليون من سكان الأحياء الفقيرة

الهدف 8
إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية


الغاية 12
المضي في إقامة نظام تجاري ومالي يتسم بالانفتاح والتقيد بالقواعد والقابلية للتنبؤ به وعدم التمييز (يشمل التزاما بالحكم الرشيد، والتنمية، وتخفيف وطأة الفقر - على الصعيد الوطني والصعيد العالمي)

الغاية 13
معالجة الاحتياجات الخاصة لأقل البلدان نموا تشمل قدرة صادرات أقل البلدان نموا على الدخول معفاة من التعريفات الجمركية والخضوع للحصص؛ وبرنامجا معززا لتخفيف عبء الديون الواقع على البلدان الفقيرة المثقلة بالديون وإلغاء الديون الثنائية الرسمية وتقديم المساعدة الإنمائية الرسمية بصورة أكثر سخاء للبلدان التي أعلنت التزامها بتخفيف وطأة الفقر

الغاية 14
معالجة الاحتياجات الخاصة للبلدان غير الساحلية والدول النامية الصغيرة الجزرية (عن طريق برنامج العمل للتنمية المستدامة للدول النامية الصغيرة الجزرية ونتائج الدورة الاستثنائية الثانية والعشرين للجمعية العامة)

الغاية 15
المعالجة الشاملة لمشاكل ديون البلدان النامية باتخاذ تدابير على المستويين الوطني والدولي لجعل تحمل ديونها ممكنا في المدى الطويل

الغاية 16
التعاون مع البلدان النامية لوضع وتنفيذ استراتيجيات تتيح للشباب عملا لائقا ومنتجا

الغاية 17
التعاون مع شركات المستحضرات الصيدلانية لإتاحة العقاقير الأساسية بأسعار ميسورة في البلدان النامية

الغاية 15
المعالجة الشاملة لمشاكل ديون البلدان النامية باتخاذ تدابير على المستويين الوطني والدولي لجعل تحمل ديونها ممكنا في المدى الطويل

الغاية 18
التعاون مع القطاع الخاص لإتاحة فوائد التكنولوجيات الجديدة، وبخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال

29 - وقد أدت الأهداف الإنمائية للألفية إلى حشد جهود لم يسبق لها مثيل لتلبية احتياجات أشد الناس فقرا في العالم، إذ أصبحت معايير مقبولة عالمية لقياس التقدم المحرز على نطاق أوسع، وحازت رضى كل من الجهات المانحة، والبلدان النامية، والمجتمع المدني، والمؤسسات الإنمائية الرئيسية، على حد سواء. وهي تمثل بذلك مجموعة من الأولويات العاجلة التي يشترك فيها الجميع وتحظى بتأييد عالمي، وعلينا أن نعالجها في مؤتمر القمة المزمع عقده في شهر أيلول/سبتمبر 2005. وبفضل الأعمال التي أنجزت في إطار مشروع الألفية، الذي تلقيت التقرير الخاص به، المعنون الاستثمار في التنمية: خطة عملية لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية(2)، في شهر كانون الثاني/يناير، أصبحت هناك الآن خطة عمل لبلوغ تلك الأهداف. كما توجد دلائل مشجعة تنم عن بدء ظهور العنصر الذي لا غنى عنه في هذا الصدد، ألا وهو الإرادة السياسية. بيد أن المحك الحقيقي سيتمثل فيما إذا كانت الإجراءات الموسعة التي تتخذها البلدان المتقدمة النمو والنامية للتعامل مع هذا البرنامج ستدعمها زيادة المساعدة الإنمائية العالمية إلى أكثر من الضعف على مدى الأعوام القليلة المقبلة، إذ أن ذلك هو ما سيلزم للمساعدة على بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية.

30 - وفي الوقت نفسه، يلزمنا أن ننظر إلى الأهداف الإنمائية للألفية باعتبارها جزءا من برنامج أعم للتنمية. فبرغم القدر الهائل من أعمال المتابعة التي جرت بشأن هذه الأهداف، سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها، فإنها لا تشكل في حد ذاتها برنامجا كاملا للتنمية. وهي لا تغطي بصورة مباشرة بعضا من المسائل الأوسع نطاقا التي غطتها المؤتمرات التي عقدت في فترة التسعينات، ولا الاحتياجات التي تخص تحديدا البلدان النامية المتوسطة الدخل، أو المسائل المتعلقة بتنامي أوجه عدم المساواة والأبعاد الأعم للتنمية البشرية والحكم الرشيد، وهي مسائل تتطلب جميعا التنفيذ الفعال للنتائج التي تمخضت عنها المؤتمرات.

31 - ومع ذلك، فلن يكون من قبيل المغالاة التأكيد على الأهمية الملحة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. إذ أن العالم، برغم ما أحرز من تقدم في كثير من المجالات، يقصر على وجه العموم عن تلبية المطلوب، وبخاصة في أشد البلدان فقرا (انظر الإطار 2). وحسب ما أوضحه التقرير الصادر في إطار مشروع الألفية، ما زال من الممكن تنفيذ برنامجنا على الصعيد العالمي وفي معظم البلدان، أو حتى فيها جميعها، شريطة أن نخرج عن النمط المألوف في العمل ونسرِّع بشدة من خطى عملنا ونرتقي بمستواه، اعتبارا من الأشهر الإثنى عشر المقبلة، وحتى عام 2015. وسوف يتطلب النجاح عملا مستمرا على مدى العقد بأكمله، بدءا من هذه اللحظة وحتى الموعد النهائي المقرر. ويعزى السبب في هذا إلى أن النجاح في مجال التنمية لا يمكن إحرازه ما بين ليلة وضحاها، وكذلك إلى المعوقات الشديدة التي تعاني منها بلدان كثيرة من حيث القدرات اللازمة. فالأمر يحتاج إلى وقت لتدريب المعلمين والممرضين والمهندسين، ولبناء الطرق والمدارس والمستشفيات، وإقامة الأعمال التجارية الصغيرة والكبيرة القادرة على إيجاد فرص العمل وتوليد الإيرادات المطلوبة.

الإطار 2
التقدم المحرز نحو بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية

 
يتفاوت التقدم المحرز نحو بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية تفاوتا كبيرا في أنحاء العالم. وقد شهدت منطقتا شرق آسيا وجنوبها القدر الأكبر من التحسينات، إذ تم منذ عام 1990 فقط انتشال أكثر من 200 مليون نسمة من براثن الفقر. ولكن ما زال نحو 700 مليون نسمة في آسيا يعيشون على ما يقل عن دولار واحد في اليوم - ويمثل هذا الرقم نحو ثلثي أشد الناس فقرا في العالم – في الوقت الذي بدأ فيه بعض من أسرع البلدان نموا يقصر عن الوفاء بالأهداف غير المتعلقة بالدخل، من قبيل حماية البيئة والحد من وفيات الأمهات. وتتصدر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هذه الأزمة، إذ أنها قد تخلفت بصورة خطيرة عن بلوغ معظم الأهداف الإنمائية للألفية، مع استمرار انعدام الأمن الغذائي بها، وارتفاع معدلات وفيات الأطفال والأمهات على نحو يثير القلق، وتنامي أعداد سكان الأحياء الفقيرة، والزيادة العامة في معدل الفقر المدقع، وإن كان بعض فرادى البلدان قد أحرز قدرا من التقدم الملموس. أما أمريكا اللاتينية والاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي مناطق كثيرا ما تعرقل خطاها التفاوتات المتنامية بها، فتأتي سجلات التقدم بها متباينة، إذ تتفاوت مستويات التقدم بها تفاوتا شديدا، وإن كانت الاتجاهات العامة تنم عن قصور في تلبية المطلوب للوفاء بالموعد النهائي المحدد له عام 2015.

كما تفاوت التقدم المحرز من هدف للآخر. فعلى الرغم من تخلف أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأوقيانوسيا في جميع المجالات تقريبا، تحقق مناطق أخرى إنجازات كبيرة في الحد من الفقر وتحسين إمكانية الحصول على مياه الشرب وزيادة عدد الأطفال في المدارس الابتدائية. وشهدت أيضا معدلات وفيات الأطفال انخفاضا عاما، بيد أن خطى التقدم قد أبطأت في كثير من المناطق، بل وتوقفت في أنحاء من آسيا الوسطى. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التقدم الملموس في بعض البلدان، لا يجري على وجه العموم توفير سبل الحصول على خدمات الصرف الصحي بالمعدل المطلوب، وبخاصة في أفريقيا وآسيا حيث يتزايد أيضا عدد سكان الأحياء الفقيرة بصورة سريعة. وما زالت معدلات وفيات الأمهات مرتفعة بشكل غير مقبول في جميع أنحاء العالم النامي، وهو ما ينطبق أيضا على معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والدرن والملاريا واستشرائها. كما لم تتحقق بعد المساواة بين الجنسين، وتخلفت بلدان كثيرة عن تحقيق الغاية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في مجال التعليم بحلول عام 2005. ويشكل تدهور البيئة مصدر قلق بالغ في جميع المناطق النامية.

32 - ويتعين في عام 2005 أن تتحول الشراكة العالمية بين البلدان الغنية والفقيرة إلى حقيقة واقعة، وتمثل هذه الشراكة ذاتها الهدف الإنمائي الثامن، وقد تم تأكيدها مجددا وتحديد تفاصيلها منذ ثلاثة أعوام في المؤتمر الدولي لتمويل التنمية الذي عقد في مونتيري بالمكسيك، وفي مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عقد في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا. وتجدر الإشارة إلى شروط ذلك الاتفاق التاريخي، التي تنص على أن ينهض كل بلد نام بالمسؤولية الرئيسية عن التنمية به – مما يشمل تعزيز الحكم الرشيد ومحاربة الفساد ووضع السياسات وإيجاد الاستثمارات اللازمة لدفع عجلة النمو تحت قيادة القطاع الخاص وزيادة الموارد المحلية المتاحة لتمويل استراتيجيات التنمية الوطنية إلى أقصى حد. أما البلدان المتقدمة النمو فتتعهد من جانبها بأن تتلقى البلدان النامية التي تعتمد استراتيجيات إنمائية تتسم بالشفافية والمصداقية وتحدد تكاليفها على نحو سليم الدعم الكامل الذي يلزمها، على هيئة زيادة المساعدة الإنمائية، والأخذ بنظام تجاري أكثر توجها نحو خدمة التنمية، وتوسيع نطاق عمليات التخفيف من عبء الديون وتعميق مستواها. وقد صدرت وعود بكل هذه المسائل، لكن هذه الوعود لم تر النور. ويتجلى هذا الفشل في قوائم الوفيات التي تدرج بها سنويا ملايين الأسماء الجديدة.

باء - الاستراتيجيات الوطنية

33 - للفقر المدقع أسباب كثيرة، تتراوح مابين الوضع الجغرافي المناوئ وسوء الحكم أو فساده (بما في ذلك إهمال الطوائف المهمشة) وما تخلفه الصراعات والفترات التي تعقبها من دمار. ومن أخطر الأمور الوقوع في شرك دوامة الفقر التي تصيب بالوهن كثيرا من أشد البلدان فقرا وتدفع بها إلى دائرة مفرغة من العوز، حتى ولو كانت تنعم بحكومات نزيهة وملتزمة. وبسبب انعدام الهياكل الأساسية الأولية ورأس المال البشري والعجز في الإدارة العامة وأعباء المرض وتدهور البيئة ومحدودية الموارد الطبيعية، يتعذر على هذه البلدان توفير الاستثمارات الأساسية التي تلزمها للدخول في مسار جديد يعد بالرخاء، ما لم تتلق دعما خارجيا مستمرا وموجها.

34 - وكخطوة أولى نحو معالجة هذه المشاكل، تحتاج البلدان إلى أن تعتمد في السنوات العشر المقبلة أطرا جسورة وهادفة في مجال السياسات العامة ترمي إلى زيادة الاستثمارات المطلوبة لبلوغ الغايات الكمية على الأقل من بين الغايات المحددة في إطار الأهداف الإنمائية للألفية. وتحقيقا لهذا الهدف، ينبغي لكل بلد نام يعاني من الفقر المدقع أن يقوم بحلول عام 2006 باعتماد استراتيجية إنمائية وطنية تتسم بالجرأة الكافية للوفاء بالغايات المحددة في إطار الأهداف الإنمائية للألفية لعام 2015 والشروع في تنفيذ هذه الاستراتيجية. وينبغي أن تقوم هذه الاستراتيجية على أساس زيادة الاستثمارات العامة بصورة عملية وبناء القدرات وحشد الموارد المحلية والمساعدة الإنمائية الرسمية، حيثما تقتضي الحاجة. وقد يبدو أن هذه التوصية لم تأت بجديد، ولكن الربط المباشر بين الإجراءات المتخذة والاحتياجات المنبثقة من أهداف طموحة وقابلة للرصد سيجعل من تنفيذها إنجازا أساسيا على الطريق نحو زيادة الجسارة والمساءلة في المعركة الدائرة ضد الفقر.

35 - ومن المهم التشديد على أن هذا لا يقتضي إيجاد أدوات جديدة. فكل المطلوب هو اتباع نهج مختلف تجاه تصميم الأدوات والعمل بها. فالبلدان التي لديها بالفعل ورقات لاستراتيجية الحد من الفقر - وهي أطر للإنفاق مدتها ثلاث سنوات تخضع للسيطرة الوطنية ويجري وضعها على الصعيد الوطني بالاتفاق مع البنك الدولي وغيره من شركاء التنمية على الصعيد الدولي - ينبغي لها أن توفق بينها وبين إطار من السياسات والاستثمارات يغطي مدة عشر سنوات ويكون مواتيا لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية. أما في البلدان المتوسطة الدخل وغيرها من البلدان التي أصبحت فيها هذه الأهداف قريبة المنال بالفعل، فينبغي للحكومات أن تعتمد استراتيجية لتحقيق ”أهداف إنمائية معززة للألفية“ تشتمل على غايات أكثر طموحا.
إطار للعمل

36 - إن استراتيجيات الاستثمار الرامية إلى بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية لن تحرز أي نجاح عملي، مهما كانت جودة صياغتها من الوجهة النظرية، ما لم تدعمها الدول بنظم للحكم تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة، وتقوم على أساس سيادة القانون، وتُعمِل الحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتدعمها إدارة عامة تخضع للمساءلة وتتسم بالكفاءة. وسيحتاج كثير من أشد البلدان فقرا لاستثمارات كبيرة تخصص لبناء القدرات، من أجل إرساء الهياكل الأساسية اللازمة وصيانتها، وتدريب الموظفين وتعيين موظفين أكفاء. ولكن سيصعب تحقيق النجاح على نطاق أعم، دون وجود حكم رشيد ومؤسسات قوية والتزام واضح باستئصال شأفة الفساد وسوء الإدارة أينما وجدا.

37 - وعلى نفس المنوال، لن يتحقق النمو الاقتصادي المستدام دون وجود سياسات اقتصادية دينامية مواتية للنمو توفر الدعم لقطاع خاص مزدهر يمكنه بمرور الوقت أن يخلق فرص العمل ويولد الدخل وإيرادات الضرائب. ويتطلب هذا زيادة كبيرة في الاستثمارات الموجهة لرأس المال البشري والهياكل الأساسية التي تخدم التنمية، من قبيل هياكل الطاقة والنقل والاتصالات. وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى بيئة قانونية وتنظيمية مواتية، بما في ذلك القوانين التجارية الفعالة التي تحدد العقود وحقوق الملكية وتوفر لها الحماية، وإدارة عامة رشيدة تحد من الفساد وتكافحه، وسبل أوسع للحصول على رؤوس الأموال، بما في ذلك التمويل الصغير. وحسبما أبلغتني به في العام الماضي اثنتان من اللجان المهمة، هما اللجنة العالمية المعنية بالبعد الاجتماعي للعولمة(3) و اللجنة المعنية بالقطاع الخاص والتنمية(4)، فإن هذا أمر أساسي لتوفير فرص عمل كريمة توفر الدخل وتؤدي إلى تمكين الفقراء، ولا سيما النساء والشباب.

38 - ولمنظمات المجتمع المدني دور بالغ الأهمية يتعين أن تؤديه في دفع هذه العملية قدما حتى ”يصبح الفقر تاريخا منسيا “. فالمجتمع المدني ليس مجرد شريك لا غنى عنه في تقديم الخدمات للفقراء بالقدر الذي تتطلبه الأهداف الإنمائية للألفية، بل يمكنه أيضا أن يحفز العمل داخل البلدان فيما يتعلق بالشواغل الإنمائية الملحة، وأن يحشد حركات عريضة القاعدة، ويوجد ضغطا شعبيا يخضع القادة للمساءلة عن الالتزامات التي تعهدوا بها. وعلى الصعيد الدولي، يمكن لبعض منظمات المجتمع المدني أن تساعد في تكوين أو حشد الشراكات العالمية فيما يتعلق ببعض القضايا المحددة، أو توجيه الانتباه لمحنة الشعوب الأصلية وغيرها من الفئات المهمشة، في حين يمكن للبعض الآخر منها أن يعمل على تبادل أفضل الممارسات فيما بين البلدان من خلال أنشطة التبادل المجتمعية وتزويد الحكومات بالدعم الفني وإسداء المشورة لها.


أولويات الاستثمار الوطني والسياسة العامة
39 - يلزم أن تراعى في أي استراتيجية وطنية سبع ”مجموعات“ عامة من الاستثمارات والسياسات العامة التي تتعلق مباشرة بالأهداف الإنمائية للألفية وترسي الأساس للنمو الذي يتولى القطاع الخاص زمام قيادته. وحسبما هو مبين في مشروع الألفية، فإن جميع هذه المجموعات لا غنى عنها من أجل الوفاء بالأهداف الإنمائية للألفية وبالاحتياجات الإنمائية الأعم.

المساواة بين الجنسين: وضع نهاية لتفشي التحامل القائم على أساس نوع الجنس
40 - في وسع النساء بعد تمكينهن أن يشكلن بعضا من أنجع القوى الدافعة للتنمية. ومن الأنشطة المباشرة الرامية إلى النهوض بالمساواة بين الجنسين زيادة معدلات إتمام الفتيات للتعليم الابتدائي وإمكانية التحاقهن بالتعليم الثانوي، وكفالة حق النساء في ضمان الملكية، وكفالة سبل الحصول على الخدمات الصحية الجنسية والإنجابية، وتعزيز التكافؤ في فرص الدخول إلى أسواق العمل، وتهيئة الفرص اللازمة لزيادة التمثيل في الهيئات الحكومية لصنع القرار، وحماية المرأة من العنف.

البيئة: الاستثمار في الارتقاء بإدارة الموارد
41 - ينبغي للبلدان أن تعتمد غايات بيئية محددة بأطر زمنية، لا سيما فيما يتعلق بأولويات من قبيل إعادة غرس الغابات، والإدارة المتكاملة لموارد المياه، وحفظ النظم الإيكولوجية، والحد من التلوث. وتحقيقا لهذه الغايات، يلزم أن تقترن الزيادة في الاستثمارات الموجهة للإدارة البيئية بإصلاحات واسعة في السياسات. ويعتمد التقدم أيضا على الاستراتيجيات القطاعية -بما فيها استراتيجيات الزراعة والهياكل الأساسية والحراجة ومصائد الأسماك والطاقة والنقل- التي تتطلب جميعها ضمانات بيئية. وفضلا عن ذلك، فثمة أهمية بالغة لتحسين سبل الحصول على خدمات الطاقة الحديثة، سواء فيما يتعلق بالحد من الفقر أو بحماية البيئة. وهناك أيضا حاجة إلى ضمان أن يشكل تحسين فرص الحصول على مياه الشرب المأمونة والمرافق الصحية جزءا من الاستراتيجيات الإنمائية.

التنمية الريفية: زيادة إنتاج الأغذية والإيرادات المتأتية منها
42 - يحتاج صغار الملاك من المزارعين وغيرهم ممن يعيشون في مناطق ريفية فقيرة إلى مغذيات التربة وإلى أنواع محسنة من النباتات وإدارة أفضل للمياه وإلى التدريب على ممارسات الزراعة الحديثة المستدامة بيئيا، إلى جانب سبل الحصول على خدمات النقل والمياه والصرف الصحي وخدمات الطاقة الحديثة. ولا بد في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من حشد هذه العناصر من أجل شن ثورة خضراء أفريقية في القرن الحادي والعشرين تخرج إلى النور في عام 2005.

التنمية الحضرية: تعزيز فرص العمل والارتقاء بالأحياء الفقيرة وإيجاد بدائل عن إقامة أحياء فقيرة جديدة
43 - يلزم للأعداد الكبيرة والمتنامية من فقراء الحضر توفير خدمات الهياكل الأساسية الأولية، من قبيل الطاقة والنقل ومكافحة التلوث والتخلص من النفايات، إلى جانب النهوض بضمانات الملكية وبالجهود المجتمعية الرامية إلى إقامة مساكن لائقة ودعم التخطيط الحضري. ووصولا إلى هذه الغاية، يلزم تعزيز السلطات المحلية والعمل على نحو وثيق مع المنظمات المعنية بالفقراء في المناطق الحضرية.

النظم الصحية: كفالة سبل الحصول على الخدمات الأساسية أمام الجميع
44 - يلزم توفير نظم صحية قوية من أجل كفالة سبل الحصول على الخدمات الصحية الأساسية أمام الجميع، بما في ذلك الخدمات اللازمة لتعزيز صحة الأطفال والأمهات، ودعم الصحة الإنجابية، ومكافحة الأمراض الفتاكة من قبيل الإيدز والسل والملاريا (انظر الإطار 3). ويتطلب هذا توفير استثمارات كافية وأعدادا كبيرة من الأخصائيين الصحيين المتحمسين الذين يتلقون أجورا مناسبة، والارتقاء بالهياكل الأساسية واللوازم، وإيجاد نظم إدارة قوية، وإلغاء الرسوم المفروضة على مستعملي الخدمات.

التعليم: كفالة التعليم الابتدائي للجميع، وتوسيع نطاق التعليم الثانوي والتعليم العالي
45 - للارتقاء بالتعليم على جميع المستويات، ينبغي أن يكون في وسع الآباء والمجتمعات المحلية مساءلة المدارس التي تخدمهم، وأن تقوم الحكومات في الوقت نفسه بتحسين المناهج ونوعية التعليم وطريقة الإيصال؛ وبناء القدرات المتعلقة بالموارد البشرية والهياكل الأساسية، حيثما يلزم ذلك؛ وإيجاد الحوافز التي تجتذب أطفال الفئات الضعيفة إلى المدارس، بما في ذلك إلغاء رسوم المستعملين.

العلم والتكنولوجيا والابتكار: بناء القدرات الوطنية
46 - في سبيل زيادة القدرة المحلية للبلدان في مجال العلم والتكنولوجيا، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ينبغي للحكومات أن تنشئ هيئات استشارية علمية، وأن تعزز الهياكل الأساسية التي تهيئ الفرصة لتعلم التكنولوجيا، وتتوسع في كليات العلوم والهندسة، وتشدد على التطبيقات الإنمائية والتجارية في مناهج العلوم والتكنولوجيا.

الإطار 3
مأساة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز


يودي وباء فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز الآن بحياة أكثر من 3 ملايين نسمة سنويا، وهو يشكل خطرا لم يسبق له مثيل يهدد التنمية البشرية وأمن البشر. ويدمر هذا المرض ملايين الأسر ويخلف وراءه عشرات الملايين من الأيتام. فالإيدز، أكثر منه مجرد أزمة تواجه الصحة العامة، يؤدي إلى تقويض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويدمر نظم الصحة والتعليم والزراعة والرعاية الاجتماعية. وهو يفرض عبئا ثقيلا على النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه يضعف أيضا من هياكل الحكم والأمن، مما يهدد بالمزيد من الضرر.

ويتطلب هذا الوباء استجابة غير عادية. إذ لا يمكن البدء في وقف انتشار الإيدز، في ظل عدم وجود علاج شاف منه، إلا من خلال التعبئة الجماعية لكل قطاع من قطاعات المجتمع - وهو أمر لم يسبق له مثيل حتى الآن في تاريخ الصحة العامة. ويقتضي هذا برامج شاملة للوقاية والتثقيف والعلاج والتخفيف من آثار المرض، وهذه بدورها لن تحرز أي نجاح دون الالتزام الشخصي من قبل رؤساء الدول والحكومات بدعم الاستجابات التي تقوم على المشاركة الفعلية من جانب قطاعات متعددة، وبأداء دور قيادي في هذا الصدد.

ومنذ عام 2000، بدأ العالم في تحقيق بعض الإنجازات في مكافحة الإيدز. وازداد عدد الحكومات التي تدرج هذا المجال ضمن أولوياتها الاستراتيجية، والتي أرست هياكل إدارية متكاملة لتمسك بزمام القيادة في هذه المعركة وتتولى تنسيقها. ويضطلع الآن الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، الذي دعيت لإنشائه في عام 2001، بدور قيادي في الجهود المبذولة على الصعيد العالمي، مع تركيز الاهتمام في الوقت نفسه على الأوبئة الفتاكة الأخرى ومكافحتها. وفي كانون الأول/ديسمبر 2004، كان إجمالي من يتلقون العلاج المضاد للفيروسات الرجعية في العالم النامي قد بلغ 000 700 نسمة، وهو ما يمثل زيادة قدرها نحو 60 في المائة فيما لا يتجاوز خمسة أشهر. وتتجلى في ذلك الأولوية التي يوليها المجتمع الدولي الآن لتوسيع نطاق العلاج بصورة سريعة، كما يتبين من ذلك أن من الممكن إحداث تغيير حقيقي في فترة وجيزة للغاية.

بيد أن هناك الكثير مما يتعين عمله إذا كان لنا أن نأمل على أي نحو واقعي في الحد من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، وتوفير العلاج المضاد للفيروسات الرجعية لجميع من يحتاجونه في العقد المقبل. وكثير من الحكومات ما زال عليها أن تتعامل بشكل علني مع هذا المرض والوصمة المرتبطة به، أو ما زالت غير ملتزمة التزاماً كافياً بما يلزم من مناقشة صريحة ومن إجراءات فيما يتعلق بمسألة المساواة بين الجنسين. وعلى وجه التحديد، ما زالت الموارد المخصصة للإيدز أقل كثيرا من المطلوب للاستجابة له بصورة شاملة ووافية. ويتعين الآن على الحكومات الوطنية والجهات المانحة المتعددة الأطراف والثنائية أن تتخذ خطوات نحو الوفاء بهذه التكاليف.

وقد أهبت بالمجتمع الدولي منذ أربعة أعوام أن يوفر ما يتراوح بين 7 و 10 بلايين دولار سنوياً لتلبية الاحتياجات المتوقعة لمحاربة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في العالم النامي. ولم يجر توفير هذا المبلغ بالكامل، وفي الوقت نفسه أخذ المرض في الاستشراء. ونتيجة لذلك، أصبحت لدينا فجوة متنامية بين ما هو مطلوب وما هو متوافر. ولا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. فنحن بحاجة إلى استراتيجية أكثر طموحاً

وتوازناً للوقاية والعلاج معاً. ولذلك، أهيب بالمجتمع الدولي أن يقوم على وجه السرعة بتقديم الموارد اللازمة للاستجابة بصورة موسعة وشاملة لفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، حسبما حدده برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز وشركاؤه، وأن يوفر التمويل الكامل للصندوق العالمي لمكافحة السل والإيدز والملاريا.

جيم - تأمين فعالية الهدف 8: تسخير التجارة لأغراض التنمية وتمويل التنمية


47 - يمكن للكثير من البلدان المتوسطة الدخل وبعض البلدان الأفقر، بل وينبغي لها، أن تحشد معظم الموارد اللازمة لتمويل هذه الاستراتيجيات على الصعيد المحلي عن طريق إعادة تخصيص الإيرادات الحكومية، ومساهمات الأسر المعيشية، واستثمارات القطاع الخاص، مع إكمال ذلك بالاقتراض. ولكن في معظم البلدان المنخفضة الدخل، وفي جميع أقل البلدان نموا تقريبا، سيكون الحد الأقصى الذي يمكن جمعه عن طريق هذه الجهود أقل كثيرا من المطلوب لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية. ووفقا لمشروع الألفية، ستبلغ تكاليف الاستثمار لأغراض الأهداف الإنمائية للألفية وحدها في أي بلد عادى من البلدان المنخفضة الدخل نحو 75 دولارا للفرد في عام 2006، وترتفع إلى 140 دولارا في عام 2015 (بالقيمة الثابتة للدولار). وتتجاوز هذه المبالغ البسيطة بكثير الموارد المتاحة لمعظم البلدان المنخفضة الدخل، إذ أنها تعادل ما بين ثلث ونصف الدخل السنوي للفرد في هذه البلدان. ويلزم تقديم دفعة كبيرة في شكل مساعدات إنمائية من أجل تهيئة الظروف المواتية لزيادة الاستثمارات الخاصة ووضع ”استراتيجية للخروج“ من إطار المعونة على المدى الطويل في هذه البلدان.
المعونة
48 - من أهم التغيرات المشجعة التي طرأت في السنوات الأخيرة الزيادة التي شهدتها المساعدة الإنمائية الرسمية، بعد عقد من الانخفاض المستمر في التسعينات. وتبلغ نسبة المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية حاليا 25, في المائة من الدخل القومي الإجمالي للبلدان المتقدمة النمو، وهي نسبة لا تزال أقل بكثير من النسبة البالغة 33, في المائة التي تحققت في أواخر الثمانينات، ناهيك عن الهدف الذي حدد منذ فترة طويلة وتم تأكيده مجددا في توافق آراء مونتيري في عام 2002(5)، والذي تبلغ نسبته 7, في المائة. واستنادا إلى الالتزامات التي تعهد بها مؤخرا العديد من المانحين بشأن إحداث زيادات في المساعدة مستقبلا، ينبغي أن ترتفع التدفقات السنوية لهذه المساعدة إلى نحو 100 بليون دولار بحلول عام 2010، وهو ما يصل تقريبا إلى ضعف المستويات التي بلغتها وقت انعقاد مؤتمر مونتيري. بيد أن جزءا كبيرا من هذا المبلغ يمثل ديونا مشطوبة ويأتي نتيجة لانخفاض قيمة الدولار، ولا يشكل تمويلا صافيا طويل الأجل، و على أي الأحوال، سيظل المبلغ الإجمالي أقل بنحو 50 بليون دولار عن مستويات المساعدة الإنمائية الرسمية التي تشير حسابات مشروع الألفية إلى أنها ستلزم لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية، ناهيك عن الأولويات الإنمائية الأوسع نطاقا.
49 - ولحسن الحظ، هناك بوادر تشير إلى حدوث مزيد من التقدم. فقد ظهرت مجموعة جديدة من المانحين، من بينها أعضاء جدد في الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان النامية الأكثر ثراء، من قبيل البرازيل والصين والهند، وقد أخذ جميع هؤلاء المانحين يقدمون خبرتهم بشكل متزايد للبلدان النامية الأخرى من خلال أنشطة التعاون التقني. وقد بلغ خمسة من البلدان المانحة بالفعل هدف الـ 7, في المائة، وحددت ستة بلدان أخرى جداول زمنية مؤخرا لبلوغ هذا الهدف. وينبغي للبلدان المتقدمة النمو التي لم تحدد بعد جداول زمنية لبلوغ الهدف المتمثل في تخصيص 7, في المائة من الدخل القومي الإجمالي للمساعدة الإنمائية الرسمية أن تفعل ذلك في موعد غايته عام 2015، على تبدأ بإحداث زيادات كبيرة في موعد غايته عام 2006 وأن تحقق نسبة 5, في المائة بحلول عام 2009.
50 - وفي حين أن من الواضح أن هناك معوقات تتصل بالقدرات تكبل الكثير من البلدان النامية، علينا أن نضمن تلقي البلدان التي لديها الاستعداد زيادة فورية في المساعدة. واعتبارا من عام 2005، ينبغي أن تتلقى البلدان النامية التي تضع استراتيجيات وطنية سليمة وشفافة وخاضعة للمساءلة والتي تحتاج إلى زيادة في المساعدة الإنمائية الرسمية، زيادة في المعونة تكفي كميتها وجودتها وسرعة وصولها لتمكين هذه البلدان من بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية.
51 - وأقصر طريق لزيادة حجم المساعدة الإنمائية الرسمية هو أن تخصص للمعونة حصص متزايدة من الميزانيات الوطنية للبلدان المانحة. ولكن، نظرا إلى أن تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية يتطلب زيادة كبيرة في الصرف الإجمالي لهذه المساعدة على مدى الأعوام القليلة المقبلة، يجدر استكشاف سبل جديدة لتمويل إحداث زيادة حادة على الأجلين القصير والمتوسط. وقد اقترحت عدة أفكار يمكن تطبيقها على الأجل الطويل لإيجاد مصادر تمويل مبتكرة تكمل المساعدة الإنمائية الرسمية، ويجري استكشاف بعض من هذه الأفكار حاليا في إطار مبادرة هامة تتصدرها إسبانيا، وألمانيا، والبرازيل، وشيلي، وفرنسا. بيد أن الأمر اللازم الآن هو إيجاد آلية تكفل زيادة التمويل على الفور. ويمكن لمرفق المالية الدولي المقترح أن يحقق ذلك عن طريق ”صرف جزء كبير من تدفقات المساعدة المقبلة في بداية فترة التمويل“، مع مواصلة الاستعانة بقنوات الصرف القائمة. وينبغي للمجتمع الدولي في عام 2005 أن ينشئ مرفقا دوليا للمالية من أجل دعم البدء الفوري في صرف جزء كبير من المساعدة الإنمائية الرسمية في بداية فترة التمويل، على أن يقوم هذا المرفق على أساس التزامات معززة ببلوغ هدف المساعدة الإنمائية الرسمية المتعلق بنسبة الـ 7, في المائة في موعد لا يتجاوز عام 2015. وينبغي أيضا النظر على الأجل الطويل في مصادر أخرى مبتكرة لتمويل التنمية تكون مكملة للمرفق.
52 - ويمكن، بل وينبغي، إكمال هذه الخطوات بإجراءات فورية تتخذ لدعم مجموعة من ”المكاسب السريعة“، التي تمثل مبادرات شديدة الأثر وقليلة التكلفة نسبيا يمكنها أن تحقق مكاسب كبيرة على الأجل القصير وأن تؤدي من ثمَّ إلى إنقاذ حياة الملايين. وتتراوح هذه المبادرات ما بين التوزيع المجاني على نطاق واسع لناموسيات الوقاية من الملاريا وللعقاقير الفعالة المضادة للملاريا، والتوسع في برامج توفير الوجبات المدرسية محليا باستخدام الأغذية المنتجة على الصعيد المحلي، وإلغاء الرسوم المفروضة على مستعملي خدمات التعليم الابتدائي وخدمات الصحة الأولية. ومن شأن هذه الخطوات السريعة أن توفر دعما بالغ الأهمية لاستراتيجيات الأهداف الإنمائية للألفية. إذ من شأنها أن توجد زخما سريعا وأن تخلق قصص نجاح مبكر يمكن أن توسع من نطاق الالتزام بالأهداف الإنمائية للألفية، وإن كانت لن تشكل بديلا عن الاستثمارات المستمرة الطويلة الأجل.
53 - وفي الوقت نفسه، يلزم اتخاذ خطوات عاجلة للنهوض بنوعية المساعدة الإنمائية الرسمية وإضفاء مزيد من الشفافية عليها وإخضاعها لمزيد من المساءلة. وينبغي الربط بين المعونة والاحتياجات المحلية المحددة في الاستراتيجيات الوطنية للبلدان، وبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية، وليس ربطها بمصالح الموردين في البلدان المانحة. ومن الواضح أن هذا يخدم مصالح البلدان النامية، بيد أن للبلدان المتقدمة النمو ذاتها مصلحة في أن تظهر لدافعي الضرائب لديها أن المعونة لها فعاليتها. ومتابعة للمنتدى الرفيع المستوى الذي عقد في باريس في آذار/مارس 2005 بشأن فعالية المعونة، ينبغي للبلدان المانحة أن تحدد بحلول أيلول/سبتمبر 2005 جداول زمنية وأهدافا قابلة للرصد من أجل المواءمة بين آليات تقديم المعونة لديها والاستراتيجيات الوطنية القائمة على أساس الأهداف الإنمائية للألفية التي تأخذ بها البلدان الشريكة. ويشمل هذا التعهد بالتزامات تجاه خطط الاستثمار القائمة على أساس الأهداف الإنمائية للألفية، وتحديد أجل زمني ينتهي في عام 2005، وتوفير تمويل متعدد السنوات يمكن التنبؤ به، والأخذ بإجراءات مبسطة بصورة ملموسة، والدعم المباشر لميزانيات البلدان التي توجد لديها الآليات المناسبة.
الديون
54 - ترتبط مسألة الدين الخارجي ارتباطا وثيقا بالمساعدة الإنمائية الرسمية. وقد تم حتى الآن بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون الالتزام بمبلغ 54 بليون دولار للتخفيف من عبء الديون المترتبة على 27 بلدا وصلت إلى نقطة البت أو نقطة الإكمال. ولكن على الرغم من وجود أدلة مقنعة على أن هذا يؤدي إلى تحرير الموارد اللازمة بشدة للأهداف الإنمائية للألفية، فهو مازال أقل بكثير من المطلوب. وللمضي قدما في هذا الطريق، ينبغي لنا أن نعيد تعريف القدرة على تحمل الديون بحيث تعني أن يسمح مستوى الدين للبلد المعني بتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية والوصول إلى عام 2015 دون زيادة في نسب الديون. وسوف يتطلب هذا بالنسبة لمعظم البلدان الفقيرة المثقلة بالديون تمويلا يكون على هيئة منح خالصة كما يتطلب إلغاء كاملا للديون، بينما سيقتضي بالنسبة للكثير من البلدان المثقلة بالديون من غير البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، ومن البلدان المتوسطة الدخل، تخفيضات في حجم الديون أكبر كثيرا من التخفيضات المقدمة حتى الآن. وينبغي إلغاء المزيد من الديون دون خفض الموارد المتاحة للبلدان النامية الأخرى، ودون المساس بالمقومات المالية لبقاء المؤسسات المالية الدولية على الأجل الطويل.
التجارة
55 - رغم أن التجارة لا تغني عن الحاجة إلى استثمارات التنمية الواسعة النطاق التي تدعمها المساعدة الإنمائية الرسمية، فإن وجود نظام تجارة مفتوح ومنصف يمكن أن يكون دافعا قويا للنمو الاقتصادي والحد من الفقر، خاصة حين يقترن بمعونة كافية. لذلك تندرج التنمية بحق في صميم جولة المفاوضات التجارية لمنظمة التجارة العالمية بالدوحة. وكثيراً ما لا تجد البلدان النامية في الوقت الحالي ساحة عادلة تسمح لها بالتنافس في التجارة العالمية، لأن البلدان الغنية تلجأ لمجموعة متنوعة من التعريفات والحصص وأشكال الدعم لتقييد سبل الوصول إلى أسواقها وحماية منتجيها. ويتيح الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية المقرر عقده في كانون الأول/ديسمبر 2005 فرصة لا يجب إهدارها لوضع خطوط اتفاق يتعلق بكيفية تصحيح هذه الاختلالات. ومن الأولويات العاجلة وضع جدول زمني تزيل على أساسه البلدان المتقدمة النمو الحواجز التي تحول دون الوصول إلى الأسواق، وتبدأ في التخلص تدريجياً من أشكال الدعم المحلي التي تشوه التجارة، وخاصة في مجال الزراعة. و ينبغي، للتصدي لهذه الأولوية، أن تفي مفاوضات جولة المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف في الدوحة بوعدها الإنمائي وتكتمل في موعد لا يتجاوز عام 2006. وكخطوة أولى في هذا الصدد، ينبغي أن تتيح الدول الأعضاء سبل الوصول دون رسوم ودون حصص محددة أمام جميع الصادرات القادمة من أقل البلدان نموا.
56 - وقد شدد توافق آراء مونتيري على أن كثيراً من البلدان النامية، وخاصة أشدها فقرا التي تعتمد على عدد قليل من منتجات السلع الأساسية، تعاني أيضا مشكلة تتصل بجانب العرض، تتمثل في انعدام القدرة على تنويع الصادرات، والضعف أمام تقلبات الأسعار، والتدهور المطرد في مجال التجارة. ولبناء القدرة على التنافس التجاري، يلزم أن تشدد استراتيجيات الأهداف الإنمائية للألفية على الصعيد الوطني على الاستثمارات في الإنتاجية الزراعية، والهياكل الأساسية المتعلقة بالتجارة، والصناعات التصديرية القادرة على المنافسة، ولا سيما بالنسبة لأقل البلدان نموا، والبلدان النامية غير الساحلية، والدول الجزرية الصغيرة النامية. ورغم وجود عدد من المبادرات الرامية إلى معالجة هذه المشاكل، وتشجيع التنويع، والحد من الضعف أمام تقلبات أسعار السلع الأساسية، فإن الدعم المقدم لها يقل كثيرا عن القدر الضروري.


دال - كفالة الاستدامة البيئية


57 - نعتمد في وجودنا وتنميتنا بصفة أساسية على النظم والموارد الطبيعية. وستضيع الجهود التي نبذلها للتغلب على الفقر والأخذ بأسباب التنمية المستدامة هباء في حالة استمرار التدهور البيئي ونفاد الموارد الطبيعية دون هوادة. و يجب على الصعيد القطري أن تشمل الاستراتيجيات الوطنية استثمارات في تحسين الإدارة البيئية وإجراء التغييرات الهيكلية اللازمة لتحقيق الاستدامة البيئية. ويجب تعزيز الجهود المبذولة على الصعيدين الإقليمي والعالمي فيما يتعلق بكثير من الأولويات البيئية، من قبيل المجاري المائية المشتركة والغابات والمصائد البحرية والتنوع البيولوجي. ولدينا بالفعل نموذج مشجع يبين كيفية إيجاد حلول عالمية. فبفضل بروتوكول مونتريال المتعلق بالمواد المستنفدة لطبقة الأوزون(6)، يبدو أن خطر الإشعاع الضار قد أخذ في الانحسار، الأمر الذي يبرهن بوضوح على الكيفية التي يمكن بها إدارة المشاكل البيئية العالمية حين تبذل جميع البلدان جهودا تنم عن قوة عزمها على تنفيذ الأطر المتفق عليها دوليا. وهناك اليوم ثلاثة تحديات رئيسية أمام لمجتمع الدولي تستدعي إجراءات عاجلة بشكل للغاية، على النحو الوارد وصفه أعلاه.
التصحر
58 - كان للتدهور الذي أصاب ما يزيد على بليون هكتار من الأراضي أثر مدمر على التنمية في كثير من بقاع العالم. فاضطر ملايين الناس إلى التخلي عن أراضيهم حين أصبحت أساليب الحياة القائمة على الفلاحة والتنقل غير مستدامة. وهناك مئات الملايين غيرهم من المعرضين للانضمام إلى صفوف اللاجئين بسبب البيئة. ولمكافحة التصحر، يجب على المجتمع الدولي يقوم بدعم وتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في البلدان التي تعاني من الجفاف الشديد و/أو من التصحر، وبخاصة في أفريقيا(7).
التنوع البيولوجي
59 - من الشواغل الخطيرة الأخرى فقدان التنوع البيولوجي، وهو أمر يحدث بمعدل غير مسبوق داخل البلدان وفي مجموعها. ورغم أن هذا الاتجاه يثير القلق في حد ذاته، فإنه إلى جانب ذلك يضر أيضا على نحو بالغ بالصحة، وسبل كسب الرزق، والإنتاج الغذائي، والمياه النقية، ويزيد من ضعف المجتمعات السكانية إزاء الكوارث الطبيعية وتغير المناخ. ولعكس مسار هذه الاتجاهات، ينبغي لجميع الحكومات، على حدة وبشكل جماعي، أن تتخذ خطوات لتنفيذ اتفاقية التنوع البيولوجي(8) والتزام جوهانسبرغ بتحقيق خفض ملموس في معدل فقدان التنوع البيولوجي بحلول عام 2010(9).
تغير المناخ
60 - وسوف يكون من أكبر التحديات البيئية والإنمائية في القرن الحادي والعشرين التحدي المتمثل في الحد من تغير المناخ، والتعامل معه. وتتفق الغالبية الساحقة من العلماء الآن على أن للنشاط الإنساني تأثيرا كبيرا على المناخ. فقد ازدادت بؤر تركيز غازات الدفيئة زيادة ملموسة في الغلاف الجوي منذ قدوم الحقبة الصناعية في القرن الثامن عشر، وارتفعت حرارة الأرض ارتفاعاً كبيراً، كما ارتفع منسوب سطح البحر بدرجة ملحوظة. ولقد كان عقد التسعينات أدفأ العقود المسجلة، مما دفع بالأنهار الجليدية وبالغطاء الجليدي بالمنطقة القطبية الشمالية إلى الانحسار. ومع توقع مزيد من الارتفاع في معدلات تركيز غازات الدفيئة خلال القرن المقبل، من المحتمل أن تؤدي الزيادة المقابلة في متوسط درجة الحرارة السطحية على الصعيد العالمي إلى زيادة في تغير المناخ وإلى زيادة في حدوث ظواهر الطقس القاسية كالأعاصير والجفاف وفي شدتها. وأقل البلدان قدرة على حماية نفسها من هذه التغيرات هي البلدان الأكثر تعرضا لها، وهي الدول الجزرية الصغيرة النامية، والدول الساحلية التي تقيم بها أعداد كبيرة من الناس في المناطق المنخفضة، والبلدان الواقعة في المناطق المدارية وشبه المدارية القاحلة وشبه القاحلة. وهذه البلدان هي أيضا أقل البلدان إسهاما في الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة. وما لم تتخذ إجراءات في هذا الصدد، فإنها ستدفع ثمنا باهظا لأفعال الآخرين.
61 - ويمثل بدء نفاذ بروتوكول كيوتو لعام 1997(10) الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بتغير المناخ(11) في شهر شباط/فبراير 2005 خطوة هامة صوب التعامل مع الاحترار العالمي، ولكنه لا يستمر إلا حتى عام 2012. ويجب أن يتفق المجتمع الدولي على غايات تتعلق بتثبيت درجات التركيز في غازات الدفيئة بعد هذا الموعد. وللإنجازات العلمية والابتكار التكنولوجي دور هام يؤديانه في الحد من تغير المناخ وفي تيسير التكيف مع الظروف الجديدة. ولا بد من حشدهما اليوم، إذا أردنا إعداد الأدوات اللازمة في الوقت المناسب. ويلزم على وجه الخصوص أن يزيد بدرجة كبيرة التمويل المقدم لأغراض البحث والتطوير في مجال مصادر الطاقة المتجددة والتحكم في الكربون وكفاءة الطاقة. كما ينبغي التوسع في الآليات الخاصة بالسياسات، من قبيل أسواق مبادلة الكربون. وحسب ما تم الاتفاق عليه في جوهانسبرغ، لابد من أن تقع المسؤولية الرئيسية عن الحد من تغير المناخ وغير ذلك من أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة على عاتق البلدان التي تسهم أكثر من غيرها في إيجاد هذه المشاكل. ويجب أن نضع إطاراً دولياً أكثر شمولاً لما بعد عام 2012، بمشاركة أوسع نطاقاً من جانب جميع الجهات الرئيسية المسببة للانبعاثات وكل من البلدان المتقدمة النمو والبلدان النامية، من أجل كفالة التضافر على اتخاذ إجراءات محددة عالميا، بما في ذلك عن طريق الابتكار التكنولوجي، للحد من تغير المناخ، مع مراعاة مبدأ المسؤوليات المشتركة، وإن تباينت.
 

هاء - أولويات أخرى للعمل العالمي


62 - يلزم أيضا، للتصدي للاحتياجات الإنمائية الأوسع نطاقا، أن تتخذ إجراءات في عدد من المجالات الأخرى، على النحو المبين أدناه.
مراقبة ورصد الأمراض المعدية
63 - اتسمت الاستجابة الدولية عموما لما يظهر من أوبئة ببطء مذهل، وهي لا تزال تفتقر إلى التمويل بصورة مخجلة. فالملاريا ما زالت متفشية في أنحاء المناطق المدارية من العالم، برغم توافر تدابير شديدة الفعالية للوقاية والعلاج. وكثير من الأمراض المعدية التي تفتك بالبلدان النامية اليوم، وبخاصة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والسل، تشكل أخطارا شديدة على العالم بأسره، وخاصة في ضوء تنامي المقاومة للعقاقير. وتستلزم كل من الأمراض المعدية المألوفة والجديدة استجابة متضافرة من المجتمع الدولي. وقد أدى تفشي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة في عام 2003 إلى توجيه الانتباه إلى أن الوقت الذي تستغرقه حتى أطول الرحلات الجوية أقصر من فترات حضانة الكثير من الأمراض المعدية، بحيث أن أيا من المسافرين البالغ عددهم 700 مليون مسافر على متن الرحلات الجوية الدولية كل عام يمكن أن يكون ناقلا للمرض دون أن يدري.
64 - وأظهرت الاستجابة السريعة للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة أيضاً أن انتشار المرض المعدي يمكن احتواؤه حين تعمل مؤسسات عالمية فعالة، من قبيل منظمة الصحة العالمية، في شراكة وثيقة مع أجهزة الصحة الوطنية ومؤسسات الخبرة التقنية الفاعلة. فلم يكن بوسع أي دولة أن تحقق هذه الدرجة من احتواء المرض وحدها. ولتعزيز الآليات القائمة للتعاون الدولي السريع والفعال، أدعو الدول الأعضاء إلى الاتفاق على تنقيح اللوائح الصحية الدولية في جمعية الصحة العالمية المقرر أن تنعقد في أيار/مايو 2005. ولاحتواء خطر تفشي الأوبئة في المستقبل، ينبغي أيضاً إتاحة مزيد من الموارد للشبكة العالمية للإنذار بتفشي الأمراض والتصدي لها، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، حتى يمكنها تنسيق الاستجابة الصادرة عن شراكة دولية عريضة، دعما لنظم الرقابة والاستجابة الصحية على الصعيد الوطني.
الكوارث الطبيعية
65 - لقد ذكّرنا التأثير المدمر الذي أحدثته أمواج تسونامي بالمحيط الهندي جميعاً بمدى ضعف الحياة البشرية أمام الكوارث الطبيعية، وكذلك بالتأثير غير التناسبي الذي تحدثه على الفقراء. وما لم يجر بذل مزيد من الجهود المتسمة بالإصرار لمواجهة الخسائر في الأرواح والأرزاق والهياكل الأساسية، ستصبح الكوارث عقبة متزايد الخطورة تعرقل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. وقد اعتمد المؤتمر العالمي المعني بالحد من الكوارث الذي انعقد في أوائل عام 2005 ”إطار عمل هيوغو للفترة 2005-2015“ الذي يحدد بعض الأهداف الاستراتيجية والمجالات ذات الأولوية للحد من خطر الكوارث خلال السنوات العشر المقبلة. ويجب أن نشرع في تنفيذه.
66 - وتعكف بلدان منطقة المحيط الهندي، بمساعدة من الأمم المتحدة وجهات أخرى، على اتخاذ خطوات لإقامة نظام إقليمي للإنذار المبكر بأمواج التسونامي. ولكن لعلنا لا ننسى الأخطار الأخرى التي يتعرض لها الناس في جميع مناطق العالم، ومنها العواصف والسيول وحالات الجفاف والانهيارات الأرضية وموجات الحرارة والانفجارات البركانية. ولإكمال المبادرات الأعم المتعلقة بالتأهب للكوارث والتخفيف منها، أوصي بإقامة نظام للإنذار المبكر بجميع الأخطار الطبيعية على نطاق العالم، يضيف إلى القدرات الوطنية والإقليمية الموجودة. وفي سبيل المساعدة على إقامة هذا النظام، سأطلب إلى أمانة الاستراتيجية الدولية للحد من الكوارث أن تنسق عملية إجراء استقصاء للقدرات والثغرات القائمة، بالتعاون مع جميع الكيانات المعنية التابعة لمنظومة الأمم المتحدة، وأتطلع إلى تلقي النتائج والتوصيات التي ستنبثق عن هذا الاستقصاء. وعندما تحل الكوارث يلزمنا أيضاً ترتيبات أفضل للاستجابة السريعة لأغراض الإغاثة الإنسانية الفورية، وهو ما سيتطرق إليه الفرع الخامس أدناه
.
تسخير العلم والتكنولوجيا لأغراض التنمية
67 - يلزم، للمساعدة على دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتمكين البلدان النامية من وضع حلول لمشاكلها الخاصة إحداث زيادة كبيرة في بذل الجهود المبذولة على الصعيد العالمي لدعم أعمال البحث والتطوير التي ترمي إلى تلبية الاحتياجات الخاصة للفقراء في مجالات الصحة والزراعة وإدارة الموارد الطبيعية والبيئة، والطاقة، والمناخ. وينبغي إيلاء أهمية خاصة لأولويتين هما الاضطلاع بمبادرة عالمية رئيسية لإجراء البحوث في مجال الأمراض المدارية وتقديم دعم إضافي للفريق الاستشاري للبحوث الزراعية الدولية، لإجراء البحوث المتعلقة بالزراعة المدارية.
68 - ويمكن لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات أن تسهم إسهاما ملموسا في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. ولاستغلال إمكانيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الوجه الأكمل، يلزم أن نعالج الفجوة الرقمية، وذلك بطرق منها آليات التمويل الطوعية من قبيل صندوق التضامن في مجال التكنولوجيا الرقمية الذي بدأ عمله مؤخرا.
الهياكل الأساسية والمؤسسات الإقليمية
69 - من الأمور الضرورية لدعم التنمية الاقتصادية وجود الهياكل الأساسية والتعاون في مجال السياسات على الصعيد الإقليمي. ويكون هذا صحيحا بصفة خاصة حين تكون البلدان النامية غير ساحلية، أو بلداناً جزرية صغيرة، فكلا النوعين بحاجة إلى دعم خاص. ولكن البلدان الأخرى التي قد تكون صغيرة في عدد السكان فحسب، أو التي تعتمد على جيرانها في النقل أو الأغذية أو المياه أو الطاقة، هي أيضا بحاجة إلى المساعدة. وينبغي أن تدعم الجهات المانحة الدولية التعاون الإقليمي في التعامل مع هذه المشاكل، وينبغي للبلدان النامية أن تجعل هذا التعاون جزءاً لا يتجزأ من استراتيجياتها الوطنية. وينبغي ألا يقتصر هذا على التعاون الاقتصادي فحسب، بل أن يشمل أيضاً آليات الحوار السياسي الإقليمي وبناء توافق الآراء، كالآلية الأفريقية لاستعراض الأقران والشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا.
المؤسسات العالمية
70 - لا غنى عن المؤسسات المالية الدولية لكفالة التنمية حول العالم، والنجاح في تنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية. وأشجع هذه المؤسسات على ضمان أن تكون البرامج القطرية التي تدعمها طموحة بالقدر الذي يحقق الأهداف الإنمائية للألفية. إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تنظر هذه المؤسسات ومساهموها في نوع التغييرات التي يمكن أن تجري عليها لكي تعكس على نحو أفضل التغييرات التي شهدها الاقتصاد السياسي في العالم منذ عام 1945. وينبغي أن يجري هذا في سياق ما تم الاتفاق عليه ضمن توافق آراء مونتيري بشأن توسيع وتعزيز مشاركة البلدان النامية والتي تمر بمرحلة انتقالية في عملية صنع القرارات الاقتصادية وتحديد المعايير على الصعيد الدولي. وقد اتخذت مؤسسات بريتون وودز بالفعل بعض الخطوات لتعزيز صوت البلدان النامية ومشاركتها. ولكن يلزم اتخاذ خطوات أكبر، للتغلب على التصور السائد بين البلدان النامية بشأن انخفاض تمثيلها في هيئتي بريتون وودز، مما يؤدي بدوره إلى الاتجاه نحو التشكيك في مشروعيتهما.

الهجرة
71 - يزيد اليوم عدد الذين يعيشون خارج بلدانهم الأصلية عن عددهم في أي وقت مضى، والمتوقع أن يزداد هذا العدد في المستقبل. فالهجرة تتيح فرصا عديدة، للمهاجرين أنفسهم، وللبلدان التي تتلقى الأيدي العاملة الفتية، وكذلك لأوطانهم الأصلية، وخاصة على هيئة مبالغ التحويلات التي نمت بشكل ملفت للأنظار في الأعوام الأخيرة. غير أن الهجرة تنطوي أيضا على تحديات معقدة كثيرة. ويمكن لها أن تسهم في وقت واحد في وجود البطالة في منطقة من المناطق أو قطاع من القطاعات وفي ظهور حالات نقص العمالة و ”نزوح العقول“ في غيرها. كما يمكن لها، ما لم يجر التعامل معها بعناية، أن تثير توترات اجتماعية وسياسية حادة. ولم يفهم بعد أثر هذه الاتجاهات فهما جيدا، ولكني أعتقد أن تقرير اللجنة العالمية للهجرة الدولية، الذي سأتلقاه في موعد لاحق هذا العام، سيأتي بتوجيه قيم في هذا الصدد. كما سيتيح الحوار الرفيع المستوى المقرر أن تعقده الجمعية العامة في عام 2006 بشأن هذا الموضوع فرصة هامة لتناول المشاكل الصعبة المتعلقة بهذه المسألة.


واو - التحدي المتعلق بالتنفيذ


72 - تتمثل المهمة العاجلة في عام 2005 في التنفيذ الكامل للالتزامات التي صدرت بالفعل، وفي التفعيل الحقيقي للإطار الموضوع. فالمبدآن اللذان استند إليهما توافق آراء مونتيري، وهما المسؤولية المتبادلة والمساءلة المتبادلة، مبدآن سليمان ويلزم تحويلهما إلى أفعال. ويجب أن يتمخض مؤتمر القمة الذي سيعقد في أيلول/سبتمبر عن اتفاق على عمل تسهم فيه جميع البلدان، ويحكم عليها من خلاله. ويجب ألا تظل الأهداف الإنمائية للألفية غايات غير راسخة، يشار إليها بين الحين والحين لقياس التقدم المحرز. بل يجب أن تتجلى يوميا في الاستراتيجيات الوطنية والمساعدات الدولية على حد سواء. فبدون تحقيق إنجاز جريء في عام 2005 يمهد السبيل نحو تحقيق تقدم سريع في الأعوام المقبلة لن نصل إلى هذه الغايات. ولنكن واضحين بشأن التكاليف التي ينطوي عليها ضياع هذه الفرصة، والتي تتمثل في إهدار ملايين الأرواح التي كان يمكن إنقاذها؛ والحرمان من الحريات الكثيرة التي كان يمكن تأمينها؛ والحياة في عالم أشد خطرا وأقل استقرارا.
73 - ومن نفس المنطلق، ستتعرض التنمية للإعاقة على أحسن الفروض وستنتكس على أسوئها في عالم تمزقه الصراعات العنيفة أو يشل إرادته الخوف من الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، أو عالم تداس فيه حقوق الإنسان، ويستخف فيه بسيادة القانون، وتتجاهل فيه حكومات غير تمثيلية لا تلبي المطلوب منها آراء واحتياجات مواطنيها. لذلك، فإن إحراز تقدم بشأن المسائل التي يتناولها الفرعان الثالث والرابع أدناه أمر لا غنى عنه لتحقيق الأهداف المبينة أعلاه، تماماً كما أن التنمية ذاتها أساس لا غنى عنه للأمن وحقوق الإنسان وسيادة القانون على الأجل الطويل.

الإطار 4
الاحتياجات الخاصة لأفريقيا


المشاكل التي يناقشها هذا التقرير هي مشاكل ذات طابع عالمي، ويجب أن تكون حلولها ذات طابع عالمي أيضا. غير أن أفريقيا هي التي تتحمل الوطأة العظمى من تلك المشاكل برمتها تقريبا. ولكي نتمكن من إيجاد حلول عالمية حقا، يجب علينا أن نسلم بالاحتياجات الخاصة لأفريقيا، على غرار ما قام به قادة العالم في إعلان الألفية. ومن ثم فإن احتياجات أفريقيا الخاصة تلك تشكل جوهر كل جزء من أجزاء هذا التقرير، ابتداء بالإجراءات المتخذة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية وانتهاء بتحسين القدرة الجماعية من أجل بناء السلام وتوطيد الدول.

ولقد شهدت أفريقيا بعض التطورات الإيجابية خلال السنوات الخمس الماضية. وأصبح عدد الدول الأفريقية التي لديها الآن حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية أكبر من أي وقت مضى، كما تراجع عدد الانقلابات العسكرية في القارة تراجعا ملموسا. وتم فض بعض الصراعات الطويلة الأمد، مثل الصراعين اللذين شهدتهما أنغولا وسيراليون. ومن أوغندا إلى موزامبيق، ثمة حاليا العديد من فرادى البلدان التي تشهد انتعاشا اقتصاديا واجتماعيا سريعا ومطردا. وفي كل أرجاء القارة يقوم عامة الناس بالدخول في تنظيمات يعبرون من خلالها عن أنفسهم.

على أن أرجاء واسعة من أفريقيا - ولا سيما الجزء الواقع جنوب الصحراء - ما زالت تعاني من الآثار المأساوية لاستمرار الصراعات العنيفة والفقر المدقع والمرض. فهناك ما يقدر بنحو 2.8 مليون من اللاجئين - والنصف الكامل من عدد المشردين داخليا في العالم البالغ عددهم 24.6 مليون من الأشخاص - الذين يقعون ضحية الصراعات والقلاقل في أفريقيا. كما لا تزال أفريقيا متخلفة عن بقية العالم النامي في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. وتستأثر أفريقيا بثلاثة أرباع نسبة الوفيات في العالم بسبب الإيدز سنويا، ويشكل النساء أشد الفئات تضررا. ويمثل ارتفاع نسبة تفشي فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في العديد من بلدان أفريقيا مأساة بشرية وعائقا رئيسيا أمام التنمية على السواء. وتتسبب الملاريا في مقتل مليون شخص ونيف في العالم سنويا، من بينهم 90 في المائة على وجه التقريب في أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، ومعظمهم من الأطفال ممن هم دون سن الخامسة. وما فتئ عدد كبير من بلدان أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء يواجه في آن واحد ارتفاع تكاليف النقل ومحدودية الأسواق، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، والارتفاع الشديد في عبء المرض، وبطء نقل التكنولوجيا من الخارج. وتسهم هذه العوامل جميعها في استمرار الفقر في أفريقيا.

واليوم، تعكف الدول الأفريقية على التصدي لهذه المشاكل بإرادة وعزم جديدين. فقد بدأت تعتمد استراتيجيات إنمائية أمتن لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية بحلول العام 2015. وتعكف أفريقيا على وضع هيكل جديد للمؤسسات، يشمل الاتحاد الأفريقي والشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا، لكي تقوم من خلاله بمنع نشوب الصراعات العنيفة وإدارتها وإيجاد حلول لها، وتعزيز الحكم السليم والديمقراطية، وتهيئة الظروف المواتية لنمو اقتصاداتها وازدهارها بطريقة مستدامة.

وعلى نحو ما أفادت به لجنة المملكة المتحدة المعنية بأفريقيا في آذار/مارس 2005، فإن قادة أفريقيا وسكانها سيحتاجون إلى دعم خاص من سائر العالم لتُكلَّل جهودهم الرائدة بالنجاح. ويجب على المجتمع الدولي أن يستجيب لتلك الحاجة. ويجب عليه أن يوفر دعما حقيقيا ومستمرا للبلدان الأفريقية وللمنظمات الأفريقية الإقليمية ودون الإقليمية، بروح الشراكة والتضامن. وهذا يعني كفالة متابعة الالتزامات القائمة والمطلوبة في مجال تخفيف عبء الديون، وفتح الأسواق، وتحقيق زيادة كبيرة في توفير المساعدة الإنمائية الرسمية. كما يعني المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام وتعزيز قدرات الدول الأفريقية من أجل توفير الأمن لمواطنيها وتلبية احتياجاتهم.

 

إعداد قسم خدمات شبكة الإنترنت بالأمم المتحدة - ادارة شؤون الإعلام - جميع الحقوق محفوظة © الأمم المتحدة 2005