ثالثا - التحرر من الخوف
74 - إذا كنا نعاني من ضعف التنفيذ في الحقل الإنمائي، فإننا نفتقر حتى إلى
التوافق الأساسي حول الجانب الأمني بالرغم من ازدياد الوعي بالتهديد لدى
الكثيرين، وإذا تحقق أحيانا التنفيذ، فإنه غالبا ما يكون مثارا للجدل.
75 - وستظل الأمم المتحدة بطيئة في توفير الأمن لجميع أعضائها ولشعوب العالم
قاطبة، ما لم يتسن لنا أن نتفق على تقييم متبادل لهذه التهديدات وفهم مشترك
لالتزاماتنا من أجل التصدي لها. ومن ثم، ستظل قدرتنا على تقديم المساعدة لمن
يسعون إلى التحرر من الخوف، جزئية في أفضل الأحوال.
ألف - رؤية للأمن الجماعي
76 - قُمتُ في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، وقد أثار جزعي عدم وجود اتفاق بين
الدول الأعضاء بشأن الدور المناسب الذي ينبغي للأمم المتحدة أن تضطلع به في
ميدان توفير الأمن الجماعي - بل حتى بشأن طبيعة الأخطار التي تواجهنا وتستوجب
منا أشد الاهتمام - بإنشاء الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات
والتغيير. وقدم الفريق تقريره المعنون ”عالم أكثر أمنا: مسؤوليتنا المشتركة“
(A/59/565) في كانون الأول/ديسمبر 2004.
77 - وإني أؤيد تأييدا تاما الرؤية الواسعة التي يقدمها التقرير، ودفاعه عن
إيجاد مفهوم أشمل للأمن الجماعي، يكون من شأنه أن يتصدي لجميع التهديدات،
جديدها وقديمها، ويعالج الشواغل الأمنية للدول قاطبة. وأعتقد أن باستطاعة هذا
المفهوم أن يرأب الصدع بين الآراء المتباينة حول الأمن، وأن يمدَّنا بالتوجيه
الذي نحتاج إليه لمواجهة معضلات الوقت الحاضر.
78 - على أن التهديدات التي تواجه السلام والأمن في القرن الحادي والعشرين لا
تشمل الحروب والصراعات على النطاق الدولي وحسب، وإنما تشمل أيضا مظاهر العنف
المدني، والجريمة المنظمة، والإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل. وهي تشمل كذلك
الفقر، والأمراض المعدية المهلكة، والتدهور البيئي، ما دام باستطاعة هذه الآفات
أن تخلف آثارا بنفس القدر من الدمار. إن كل هذه التهديدات قادرة على إيقاع
الموت أو تقليص فرص الحياة على نطاق كبير. وكلها أيضا قادرة على تقويض الدول
بوصفها الوحدة الأساسية في النظام الدولي.
79 - إن التباين في الثروة والموقع الجغرافي والقوة يجعلنا نختلف في تحديد
التهديدات التي نعتبرها أدعى للاهتمام العاجل. عدا أننا لا نملك في الحقيقة
القدرة على الاختيار. ذلك أن الأمن الجماعي يتوقف حاليا على قبول الفكرة التي
مؤداها أن التهديدات التي تعتبرها كل منطقة من مناطق العالم أدعى للاهتمام
العاجل تكتسي في الواقع نفس القدر من الاستعجال بالنسبة للجميع.
80 - إن التهديدات التي نواجهها هي تهديدات مترابطة في عالمنا المتميز بطابع
العولمة. فالأغنياء ضعفاء أمام التهديدات التي تنزل بالفقراء، والأقوياء ضعفاء
أمام من لا قوة لهم، والعكس صحيح. ومن شأن أي هجوم إرهابي نووي على الولايات
المتحدة أو على أوروبا أن يخلف آثارا تشمل بدمارها العالم أجمع. بيد أن الأمر
سيكون على نفس الشاكلة إذا ظهر مرض وبائي جديد وفتاك في بلد فقير ليس له نظام
فعال للرعاية الصحية.
81 - ويجب علينا أن ننشئ توافقا أمنيا جديدا بشأن هذا الترابط بين التهديدات،
ويجب أن يقوم أول مبدأ فيه على أن لنا جميعا الحق في التحرر من الخوف وعلى أن
الخطر الذي يهدد واحدا منا هو خطر يهددنا جميعا. وحين ندرك ذلك، لا يكون أمامنا
من سبيل سوى التصدي للتهديدات بنطاقها الكامل. فيجب علينا أن نتصدى لفيروس نقص
المناعة البشرية/الإيدز بنفس القوة التي نتصدى بها للإرهاب، وأن نكافح الفقر
بنفس الفعالية التي نكافح بها انتشار الأسلحة. ويجب علينا أن نسعى إلى القضاء
على خطر الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة بمقدار سعينا إلى القضاء على خطر
أسلحة الدمار الشامل. ويجب علينا، علاوة على ذلك، أن نواجه كل التهديدات عن
طريق اتخاذ إجراءات وقائية وأن نتصرف في مرحلة مبكرة كافية باستخدام الأدوات
المتوفرة بنطاقها الكامل.
82 - ونحتاج إلى كفالة احترام الدول للمعاهدات الأمنية التي وقعتها، بحيث يتسنى
للجميع مواصلة جني الثمار المتولدة عنها. ولكي تثق الدول بالآليات المتعددة
الأطراف وتستخدمها لتجنب الصراعات، فإن مما له أهميته الأساسية أن يتم زيادة
اتساق الرصد، وزيادة فعالية التنفيذ، والعمل على زيادة الصرامة في الإنفاذ،
حيثما كان ذلك ضروريا.
83 - وهذه ليست مسائل نظرية، بل هي مسائل على درجة بالغة الإلحاح. فإذا لم
نتوصل إلى توافق في الآراء بشأنها في هذه السنة ونبدأ في اتخاذ الإجراءات
اللازمة، فقد لا تسنح لنا بذلك الفرصة مرة أخرى. وإذا كان لنا أن نقوم بتحويل
الأمم المتحدة إلى أداة فعالة لمنع نشوب الصراعات، كما كان القصد منها دائما،
فلا بد لنا أن نقوم بذلك هذا العام، وذلك باتخاذ إجراءات بشأن عدد من الأولويات
الرئيسية المتعلقة بالسياسات وبالجوانب المؤسسية.
84 - ويجب علينا أن نعمل على ألا تصبح كوارث الإرهاب حقيقة واقعة. وسيقتضي هذا
وضع استراتيجية عالمية جديدة، تبدأ باتفاق الدول الأعضاء على تعريف للإرهاب
وإدراجه ضمن اتفاقية شاملة. كما سيقتضي أن تقوم الدول قاطبة بتوقيع الاتفاقيتين
الشاملتين ضد الجريمة المنظمة والفساد، والتصديق عليهما وتنفيذهما والامتثال
لأحكامهما. وسيتطلب منها الالتزام باتخاذ خطوات عاجلة لمنع وقوع الأسلحة
النووية والكيميائية والبيولوجية في أيدي الجماعات الإرهابية.
85 - ويجب علينا القيام بتنشيط أطرنا المتعددة الأطراف للتصدي للتهديدات التي
تطرحها الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية. فالخطر الذي تمثله تلك
الأسلحة لا ينحصر في استخدامها للأغراض الإرهابية. فوجود الصكوك المتعددة
الأطراف الرامية إلى تعزيز نزع السلاح ومنع الانتشار فيما بين الدول يكتسي
أهمية مركزية في صون السلام والأمن الدوليين منذ أن تم الاتفاق على تلك الصكوك.
ولكنها اليوم تواجه خطر الاضمحلال. ولذلك يجب تنشيطها لكفالة استمرار إحراز
التقدم في نزع السلاح، ولمواجهة الخطر المتزايد للانتشار التدريجي، ولا سيما في
الحقل النووي.
86 - ويجب علينا أن نواصل الحد من انتشار الحروب وخطر نشوبها. وذلك يستلزم
التركيز على التنمية على النحو المبين في الفرع ثانيا أعلاه، وتعزيز الأدوات
اللازمة لتقديم الدعم العسكري والمدني المطلوب لمنع نشوب الحروب وإنهائها، فضلا
عن بناء السلام الدائم. إن الاستثمار في الوقاية من الحروب، وصنع السلام، وحفظ
السلام، وبناء السلام يمكن أن ينقذ ملايين الأرواح البشرية. ولعله كان بمقدورنا
الحيلولة دون مقتل ثلاثة ملايين شخص تقريبا لو تكلل بالنجاح تنفيذ اتفاقين
اثنين من اتفاقات السلام في أوائل التسعينات - وهما اتفاقات بيسيسي في أنغولا
واتفاقات أروشا في رواندا.
باء - منع كوارث الإرهاب
الإرهاب العابر للحدود الوطنية
87 - الإرهاب خطر على كل المقاصد التي تعمل من أجلها الأمم المتحدة في مجال
احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وحماية المدنيين، والتسامح بين الشعوب
والأمم، وحل المنازعات بالوسائل السلمية. وقد أصبح هذا الخطر أشد إلحاحا في
السنوات الخمس الماضية. فشبكات الجماعات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية
أصبحت عالمية النطاق وغدت تجعل من التهديد العالمي قضيتها المشتركة. إن تلك
الجماعات تفصح عن رغبتها في اكتساب الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية،
وفي استخدامها لإيقاع عدد كبير من الخسائر. وفي مقدور هجوم واحد من ذلك القبيل،
وما قد يترتب عنه من أحداث متسلسلة، أن يغير وجه العالم إلى الأبد.
88 - ويجب أن تكون استراتيجيتنا ضد الإرهاب شاملة، وينبغي أن تقوم على خمسة
أركان: فيجب أن تهدف إلى ثني الأشخاص عن اللجوء إلى الإرهاب أو دعمه؛ ويجب أن
تمنع الإرهابيين من الحصول على الأموال والمواد اللازمة لهم؛ ويجب أن تثني
الدول عن رعاية الإرهاب؛ ويجب أن تطور قدرة الدول على دحر الإرهاب؛ ويجب أن
تدافع عن حقوق الإنسان. وأحث الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني في كل مكان
على الانضمام إلى هذه الاستراتيجية.
89 - ويقتضي ذلك اتخاذ عدة خطوات على وجه الاستعجال، على النحو المبين أدناه.
90 - علينا أن نقنع كل الذين قد يستهويهم دعم الإرهاب بأن ذلك ليس بالأسلوب
المقبول أو الفعال لنصرة قضيتهم. ولكن عجز الدول الأعضاء عن الاتفاق بشأن
اتفاقية شاملة تتضمن تعريفا للإرهاب قد أدى إلى إعاقة السلطة المعنوية التي
تتمتع بها الأمم المتحدة وقوتها في مجال إدانة الإرهاب.
91 - ولقد آن الأوان لكي تنحى جانبا المناقشات المتعلقة بما يدعى ”إرهاب
الدولة“. فاستخدام القوة من قبل الدول منظم فعلا وعلى نحو شامل بموجب القانون
الدولي. ويجب أن يُفهم الحق في مقاومة الاحتلال بمعناه الصحيح. إذ لا ينبغي أن
يتضمن الحق في قتل المدنيين أو تشويهم عمدا. وأنا أؤيد تأييدا تاما دعوة الفريق
الرفيع المستوى إلى وضع تعريف للإرهاب يوضح أن الإرهاب هو أي عمل، إلى جانب
الأعمال المحظورة فعلا في الاتفاقيات القائمة، يراد به التسبب في وفاة مدنيين
أو أشخاص غير محاربين أو إلحاق إصابات جسمانية خطيرة بهم، بهدف ترويع مجموعة
سكانية أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عنه،
وأحث بقوة قادة العالم على تأييد ذلك التعريف، وإبرام اتفاقية شاملة لمكافحة
الإرهاب قبل نهاية الدورة الستين للجمعية العامة.
92 - إن من الحيوي أن نمنع الإرهابيين من الحصول على المواد النووية. وهذا
يقتضي تجميع المواد الخطرة وتأمينها، والقضاء عليها إذا أمكن، وإعمال ضوابط
فعالة في مجال التصدير. وبينما اتخذت مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية
الثمانية ومجلس الأمن خطوات مهمة لتحقيق ذلك، نحتاج إلى التأكد من إنفاذ تلك
التدابير بشكل تام وأن يكون يعزز بعضها بعضا. وأحث الدول الأعضاء على العمل،
دون إبطاء، من أجل الانتهاء من إعداد اتفاقية دولية لقمع أعمال الإرهاب النووي.
93 - ويختلف خطر الإرهاب البيولوجي عن خطر الإرهاب النووي. فسيشهد العالم عما
قريب قيام آلاف المختبرات القادرة على إنتاج جراثيم اصطناعية ذات قدرة مرعبة
على الفتك. وتكمن وسيلتنا الفضلى في الاحتماء من هذا الخطر في تعزيز الصحة
العامة، وتنطوي التوصيتان الواردتان في الفرع ثانيا أعلاه لبلوغ تلك الغاية على
ميزة مزدوجة: إذ ستساعدان على التصدي لآفة الأمراض المعدية التي تقع بأسباب
طبيعية، وستسهمان في تأمين سلامتنا من الأمراض التي يكون تفشيها راجعا لإرادة
بشرية متعمدة. وبالموازاة مع التزامنا بتعزيز النظم الصحية المحلية- وهي مهمة
ستتطلب منا عملا يستغرق جيلا بأكمله-، يجب علينا أيضا أن نعمل من أجل أن تكون
استجابتنا العالمية ملائمة. وقد قامت الشبكة العالمية للإنذار بتفشي الأوبئة
والتصدي لها التابعة لمنظمة الصحة العالمية بعمل مثير للإعجاب في مجال رصد تفشي
الأمراض المعدية المهلكة والتصدي لها، سواء كانت ناجمة عن أسباب طبيعية أو
أسباب مشبوهة. ولكنها قد أنجزت ذلك بموارد محدودة. وأحث الدول الأعضاء على
تزويدها بالموارد التي تحتاجها للقيام بمهمتها على نحو شامل، تحقيقا لمصلحتنا
جميعا.
94 - إن الإرهابيين لا يخضعون لمساءلة أحد. أما نحن فيجب علينا ألا نغفل عن
مسؤوليتنا أمام المواطنين في كل أرجاء العالم. فمن واجبنا أن نحرص، ونحن نخوض
الحرب على الإرهاب، على عدم المساس أبدا بحقوق الإنسان. فإن نحن فعلنا ذلك،
سنكون قد يسرنا للإرهابيين بلوغ واحد من مراميهم. والتخلي عن الوازع الأخلاقي
القوي من شأنه أن يثير التوتر والحقد على الحكومات وسوء الظن بها في أوساط فئات
السكان التي يقصدها الإرهابيون تحديدا لتجنيد أتباعهم. وأحث الدول الأعضاء على
إيجاد مقرر خاص يوافي لجنة حقوق الإنسان بتقارير عن توافق تدابير مكافحة
الإرهاب مع قوانين حقوق الإنسان الدولية.
الجريمة المنظمة
95 - ويرتبط خطر الإرهاب ارتباطا وثيقا بخطر الجريمة المنظمة التي ما فتئت تنمو
وتؤثر في أمن الدول قاطبة. إن الجريمة المنظمة تسهم في إضعاف الدول، وعرقلة
النمو الاقتصادي، وتأجيج العديد من الحروب الأهلية، كما تؤدي بشكل منهجي إلى
تقويض جهود بناء السلام التي تضطلع بها الأمم المتحدة، وتوفر آليات التمويل
للجماعات الإرهابية. والجماعات الإجرامية المنظمة ضالعة أيضا وبشكل كبير في
التهريب غير المشروع للمهاجرين والاتجار بالأسلحة النارية.
96 - ولقد أحرزت الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة تقدما مهما في وضع إطار
للمعايير والقواعد الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة والفساد، حيث تم اعتماد عدة
من الاتفاقيات والبروتوكولات الرئيسية أو دخولها حيز النفاذ. على أن العديد من
الدول الأطراف في تلك المعاهدات لم تنفذها بشكل ملائم، وعزى ذلك في بعض الأحيان
إلى افتقارها حقاًّ للقدرة اللازمة لذلك. وينبغي أن تقوم الدول جميعها بالتصديق
على هذه الاتفاقيات وتنفيذها على السواء، مع مساعدة بعضها بعضا على تعزيز نظمها
المحلية للعدالة الجنائية وسيادة القانون. وينبغي أن تزود الدول الأعضاء مكتب
الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بالموارد الكافية للاضطلاع بدوره
الرئيسي في مجال مراقبة تنفيذ تلك الاتفاقيات.
جيم - الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية
97 - تعد الجهود المبذولة على الصعيد المتعدد الأطراف من أجل كبح أخطار
التكنولوجيا النووية والعمل في الوقت ذاته على تسخير جوانبها الواعدة بالخير،
قديمة قدم الأمم المتحدة ذاتها أو تكاد. فمعاهدة عدم انتشار الأسلحة
النووية(12)، التي مضى عليها 35 سنة بحلول هذا الشهر، قد أثبتت أنه لا غنى
عنها: فهي لم تساعد فحسب على تقليص الخطر النووي، بل قد برهنت أيضا على أهمية
الاتفاقات المتعددة الأطراف في حفظ السلام والأمن الدوليين. ولكن المعاهدة
واجهت أول انسحاب لأحد أطرافها في الوقت الحاضر، كما تعاني أزمة ثقة وامتثال
ناشئة عن التوتر المتنامي بشأن التحقق والإنفاذ. ويواجه مؤتمر نزع السلاح، من
جهته، أزمة صلاحية ناتجة في جانب منها عن الخلل الذي يشوب إجراءات اتخاذ القرار
وما يترتب عنه من جمود.
98 - والتقدم في نزع السلاح وعدم الانتشار جوهري، ولا ينبغي أن يبقى أحدهما
رهينة الآخر. وينبغي الاعتراف بالخطوات الأخيرة التي اتخذتها الدول الحائزة
للأسلحة النووية نحو نزع السلاح. وأدت الاتفاقات الثنائية، بما فيها معاهدة
تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية المعقودة بين الولايات المتحدة الأمريكية
والاتحاد الروسي، إلى تفكيك آلاف الأسلحة النووية، مع ما صاحبها من التزامات
بمواصلة إجراء تخفيضات حادة في المخزونات. على أن المركز الفريد للدول الحائزة
للأسلحة النووية يستتبع أيضا مسؤولية فريدة، وعليها أن تتخذ المزيد من الخطوات
التي تشمل، دون حصر، مواصلة إجراء تخفيضات في ترساناتها من الأسلحة النووية غير
الاستراتيجية، والسعي إلى إبرام اتفاقات لمراقبة الأسلحة تقتضي ليس وحسب
التفكيك وإنما عدم قابلية التراجع أيضا. وينبغي أيضا أن تعيد تأكيد التزامها
بضمانات الأمن السلبية. ومن الجوهري التفاوض بسرعة بشأن معاهدة لوقف إنتاج
المواد الانشطارية. ويجب أيضا دعم الوقف الاختياري للتفجيرات النووية التجريبية
حتى يصير باستطاعتنا تحقيق دخول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية حيز
النفاذ. وأشجع بقوة الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على
تأييد هذه التدابير في المؤتمر الاستعراضي لعام 2005.
99 - ولقد أدى انتشار التكنولوجيا النووية إلى تفاقم التوتر القائم منذ مدة
طويلة داخل النظام النووي، والناشئ عن حقيقة بسيطة وهي أن التكنولوجيا اللازمة
لاستخدام الوقود النووي في الأغراض المدنية يمكن أيضا أن تسخر لتطوير الأسلحة
النووية. ويجب الحرص في التدابير المتخذة للتخفيف من حدة هذا التوتر على مواجهة
أخطار الانتشار النووي، ولكن يجب أيضا أن تأخذ بعين الاعتبار التطبيقات المهمة
للتكنولوجيا النووية في مجالات البيئة والطاقة والاقتصاد والبحث. ويجب، أولا،
تعزيز سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال التحقق عن طريق اعتماد
البروتوكول الإضافي النموذجي على النطاق العالمي. وينبغي، ثانيا، التركيز على
إيجاد حوافز تشجع الدول على الامتناع طواعية عن استحداث قدرات محلية في مجال
تخصيب اليورانيوم وفصل البلوتونيوم، وضمان تزويدها بالوقود الضروري لتطوير
استخداماته في الأغراض السلمية، وذلك مع ضرورة عدم تقليص قدرة الدول غير
الحائزة للأسلحة النووية على الاستفادة من فوائد التكنولوجيا النووية. ومن بين
الخيارات الممكنة وضع ترتيب تضطلع فيه إطاره الوكالة الدولية للطاقة الذرية
بدور الضامن في توفير المواد الانشطارية بأسعار السوق لفائدة مستخدمي الطاقة
النووية للأغراض المدنية.
100 - ورغم أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تظل تمثل أساس نظام عدم
الانتشار، ينبغي أن نرحب بالجهود الأخيرة الرامية إلى تكملتها. وتشمل تلك
الجهود قرار مجلس الأمن 1540 (2004) الرامي إلى منع الأطراف الأخرى غير الدول
من الوصول إلى الأسلحة والتكنولوجيا والمواد النووية والكيميائية والبيولوجية،
ووسائل إيصالها؛ والمبادرة الأمنية لمكافحة الانتشار على أساس طوعي، والتي أصبح
ثمة عدد متزايد من الدول التي تتعاون في إطارها لمنع الاتجار غير المشروع
بالأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية.
101 - ويمثل توافر القذائف التسيارية المتسمة باتساع مداها ودقتها الكبرى مصدر
قلق متزايد لدى العديد من الدول، شأنه في ذلك شأن انتشار القذائف الكتفية التي
يمكن أن يستخدمها الإرهابيون. وينبغي أن تعتمد الدول الأعضاء ضوابط وطنية فعالة
لمراقبة التصدير، تشمل القذائف وسائر وسائل إيصال الأسلحة النووية والبيولوجية
والكيميائية، والصواريخ، والقذائف الكتفية، بالإضافة إلى فرض حظر على نقل أي
منها لأطراف أخرى غير الدول. وينبغي أن ينظر مجلس الأمن في اتخاذ قرار يرمي إلى
جعل اكتساب الإرهابيين للقذائف الكتفية أو استخدامها أمرا أصعب منالا.
102 - وينبغي تدعيم التقدم المحرز في مجالات بعينها. فاتفاقية حظر استحداث
وإنتاج وتكديس واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1997(13)
تدعو الدول الأطراف كافة إلى القضاء على الأسلحة الكيميائية وتدميرها بشكل تام،
مما يتيح فرصة تاريخية لإتمام العمل الذي شُرِع فيه قبل قرن من الزمن ونيف.
وينبغي للدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية أن تجدد التزامها بتحقيق
التدمير المقرر لمخزونات الأسلحة الكيميائية المصرح بها. وأناشد جميع الدول
الانضمام فورا إلى تلك الاتفاقية.
103 - ولقد حظيت اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتكديس الأسلحة البكتريولوجية
(البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1975(14) بمقدار لافت للنظر
من الدعم والانضمام، كما تعززت بصورة إضافية بفضل الاجتماعات السنوية الأخيرة.
وينبغي للدول الأطراف العمل على تدعيم نتائج تلك الاجتماعات في المؤتمر
الاستعراضي لعام 2006، والالتزام باتخاذ تدابير إضافية لتعزيز اتفاقية الأسلحة
البيولوجية والتوكسينية. كما أناشد الدول قاطبة الانضمام فورا إلى هذه
الاتفاقية وزيادة شفافية برامج الحماية البيولوجية.
104 - وثمة حاجة إلى بذل جهود مزيدة من أجل دعم نظام الأمن البيولوجي. وفي هذا
السياق، ينبغي تعزيز قدرات الأمين العام في مجال التحقيق في الاستخدام المشتبه
فيه للمواد البيولوجية، على النحو الذي تأذن به الجمعية العامة في قرارها
42/37، وذلك بتضمينها آخر مستجدات التكنولوجيا والخبرة؛ وينبغي أن يستخدم مجلس
الأمن تلك القدرات طبقا لقرار مجلس الأمن 620 (1988).
105 - والواقع أنه يجب أن يكون مجلس الأمن مطلعا بصورة أفضل على جميع المسائل
ذات الصلة بالتهديدات النووية والكيميائية والبيولوجية. وأشجع المجلس على أن
يدعو بانتظام المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية والمدير العام لمنظمة
حظر الأسلحة الكيميائية إلى إطلاع المجلس على حالة عمليتي الضمانات والتحقق.
وإنني شخصيا على استعداد لاستخدام صلاحياتي بموجب المادة 99 من ميثاق الأمم
المتحدة، بالتشاور مع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، لتوجيه اهتمام مجلس
الأمن لأي مرض معد يتفشى بصورة كاسحة بما يهدد السلام والأمن الدوليين.
دال - الحد من خطر نشوب الحروب وتفشيها
106 - ليس ثمة بالنسبة للأمم المتحدة من عمل أهم من الوقاية من نشوب الصراعات
المهلكة وإيجاد حل لها. ويجب أن تكون الوقاية، على وجه الخصوص، ذات صبغة مركزية
في جهودنا قاطبة، ابتداء بمكافحة الفقر وتشجيع التنمية المستدامة؛ مرورا بتعزيز
القدرات الوطنية في مجال إدارة الصراعات، وتقوية الديمقراطية وسيادة القانون،
وكبح تدفق الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة؛ وانتهاء بتوجيه الأنشطة الوقائية
التنفيذية كاستخدام المساعي الحميدة وبعثات مجلس الأمن وعمليات الانتشار
الوقائي.
107 - ويجب على الدول الأعضاء أن تكفل تزويد الأمم المتحدة بالهيكل المناسب
وبالموارد الكافية للاضطلاع بتلك المهام الحيوية.
الوساطة
108 - لقد بات في حكم المؤكد تقريبا أن الأمم المتحدة منعت نشوب العديد من
الحروب بفضل استخدام ”المساعي الحميدة“ للأمين العام للمساعدة على حل المنازعات
بالوسائل السلمية، بالرغم من صعوبة إقامة الدليل على ذلك. ولقد ساعدت جهود
الوساطة في السنوات الخمس عشر الماضية على إنهاء عدد أكبر من الحروب الأهلية
بالقياس إلى ما تم في القرنين السابقين، وذلك راجع في بعض أسبابه إلى الدور
الذي اضطلعت به الأمم المتحدة من حيث الريادة وإتاحة فرص التفاوض والتنسيق
الاستراتيجي وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ اتفاقات السلام. ولا شك في أنه لو
كانت بحوزتنا القدرات والأفراد، لكان في مقدورنا أن ننقذ عددا أكبر من الأرواح.
وأحث الدول الأعضاء على تخصيص موارد إضافية للأمين العام للقيام بمهمة المساعي
الحميدة الموكولة إليه.
الجزاءات
109 - تعد الجزاءات من الأدوات الحيوية الموضوعة تحت تصرف مجلس الأمن للتصدي
بأسلوب وقائي للأخطار المحدقة بالسلام والأمن الدوليين. فهي تمثل مرحلة وسطى
ضرورية بين الحرب والكلام عن الحرب. وفي بعض الحالات، يمكن أن تساعد الجزاءات
على التوصل إلى اتفاقات. وفي حالات أخرى، يمكن الجمع بينها وبين الضغط العسكري
لإضعاف وعزل الجماعات المتمردة أو الدول التي تنتهك قرارات مجلس الأمن بشكل
صارخ.
110 - واستخـــدام الجزاءات المالية والدبلوماسية والمتعلقة بالأسلحة والطيران
والسفر والسلع ضد المتحاربين، ولا سيما الأشخاص المسؤولون مسؤولية مباشرة عن
السياسات الداعية للشجب، سيظل من بين الأدوات الحيوية الموجودة ضمن ذخيرة الأمم
المتحدة. وينبغي تطبيق جميع الجزاءات التي يفرضها مجلس الأمن وإنفاذها بشكل
فعال من خلال تعزيز قدرة الدول على تطبيق الجزاءات، وإقامة آليات للرصد مزودة
بالموارد الملائمة، والتخفيف من حدة الآثار على الصعيد الإنساني. ونظرا للظروف
الصعبة التي كثيرا ما تستخدم فيها الجزاءات وللعبر المستخلصة من السنوات
الأخيرة، يجب أيضا توخي الدقة في وضع هياكل نظم الجزاءات في المستقبل، بما يقلل
إلى أدنى حد من الضرر الذي يلحق بأطراف ثالثة لا ذنب لها - بما في ذلك السكان
المدنيون للدول المستهدفة – وكفالة سلامة البرامج والمؤسسات المشاركة.
حفظ السلام
111 - لقد اضطلعت الأمم المتحدة بجهود كبيرة على مدى العقود الماضية من أجل
تحقيق الاستقرار في مناطق الصراعات، كما أنها قدمت خلال السنوات الخمس عشر
الماضية أو بعضها المساعدة للبلدان للخروج من حالات الصراع بفضل نشر قوات حفظ
السلام. ومنذ صدور تقرير الفريق المعني بعمليات الأمم المتحدة للسلام
(A/55/305-S/2000/809، المرفق) الذي قاد إلى إصلاحات مهمة في إدارة عملياتنا
لحفظ السلام، أفضى تجدد ثقة الدول الأعضاء بدور الأمم المتحدة في حفظ السلام
إلى زيادة مفاجئة في الطلب، حتى لقد فاق عدد بعثات الأمم المتحدة المنتشرة في
الميدان حاليا عددها في أي وقت مضى. ويوجد معظم هذه البعثات في أفريقيا التي
يؤسفني القول بأن البلدان المتقدمة النمو أصبحت تعارض بصورة متزايدة المساهمة
بقوات فيها. ونتيجة لذلك، فإن قدراتنا أصبحت تتعرض لضغوط شديدة.
112 - وأناشد الدول الأعضاء بذل المزيد من الجهود لكفالة تزويد الأمم المتحدة
بقدرات فعالة لحفظ السلام، تكون متناسبة مع الطلبات الموجهة إليها. وأحثها،
بخاصة، على تحسين خيارات الانتشار المتاحة لنا عن طريق إنشاء احتياطيات
استراتيجية يكون بالإمكان استخدامها بسرعة، في ظل ترتيبات الأمم المتحدة.
وينبغي ألا تطوَّر قدرات الأمم المتحدة على سبيل التنافس مع الجهود الباهرة
التي تبذلها حاليا منظمات إقليمية عديدة، وإنما ينبغي تطويرها بالتعاون معها.
وتشكل قرارات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى إنشاء قوات محاربة احتياطية، على
سبيل المثال، وقرارات الاتحاد الأفريقي القاضية بإنشاء قدرات احتياطية أفريقية،
عناصر نفيسة جدا تُكمِّل ما نبذله من جهود. والواقع أنني أعتقد أن الوقت قد حان
لاتخاذ خطوة حاسمة إلى الأمام ألا وهي: إنشاء نظام مترابط لقدرات حفظ السلام
يُمَكِّن الأمم المتحدة من العمل مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة في إطار
شراكات محددة وموثوقة.
113 - ولما كانت سيادة القانون عنصرا أساسيا في تحقيق السلام الدائم، فإن حفظة
السلام وبناة السلام التابعون للأمم المتحدة يتحملون مسؤولية رسمية عن احترام
القانون أنفسهم، ولا سيما احترام حقوق الأشخاص الذين تقع على عاتقهم مهمة توفير
الحماية لهم. وفي ضوء الادعاءات الأخيرة المتعلقة بسوء السلوك الصادر عن
المديرين وحفظة السلام التابعين للأمم المتحدة، يجب أن تعيد منظومة الأمم
المتحدة تأكيد التزامها باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية
والمعايير الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة، والتقيد بها وتطبيقها. وسأعمل
من أجل تعزيز قدرات الأمم المتحدة الداخلية في مجال مراقبة عمليات حفظ السلام،
وأُذكِّر الدول الأعضاء بالتزامها الذي يقضي بمحاكمة أي أفراد من الوحدات
الوطنية التابعة لها يرتكبون جنايات أو جرائم في الدول التي يجري إيفادهم
إليها. ومما يثير انزعاجي بوجه خاص الحالات التي ادُّعِي فيها أن حفظة السلام
التابعين للأمم المتحدة استغلوا جنسيا عددا من القاصرات وغيرهن من الأشخاص
المستضعفين، وقد سننت سياسة ”عدم التسامح المطلق“ تجاه مثل تلك الجنايات، بحيث
تنطبق على جميع الأفراد المشاركين في عمليات الأمم المتحدة. وأشجع بقوة الدول
الأعضاء على أن تسير على نفس المنوال فيما يتعلق بوحداتها الوطنية.
بناء السلام
114 - مما يحز في النفس أن بعض حالات الفشل المُمِضّ تلطخ سجل النجاحات التي
أحرزناها بفضل دور الوساطة من أجل إبرام اتفاقات السلام وتنفيذ تلك الاتفاقات.
والحال أن عددا من أعنف الأحداث التي شهدتها التسعينات وأشدها مأساوية قد وقع
بعض التفاوض على اتفاقات السلام - كما هو الشأن مثلا بالنسبة لأنغولا في عام
1993 ورواندا في عام 1994. إن النصف تقريبا من جميع البلدان الخارجة من الحرب
يقع مجددا في وهدة العنف في غضون خمس سنوات. وهاتان النقطتان تحملان على
استخلاص العبرة التالية: إذا كنا نريد منع نشوب الصراعات فيجب علينا أن نكفل
تنفيذ اتفاقات السلام بطريقة مستمرة ودائمة. على أنه في هذه النقطة بالذات ثمة
حلقة ضعيفة في الآلية المؤسسية للأمم المتحدة: إذ لا جهة في منظومة الأمم
المتحدة تتولى بفعالية معالجة التحدي المتمثل في مساعدة البلدان في عملية
الانتقال من الحرب إلى السلام الدائم. ومن ثم فإنني أقترح على الدول الأعضاء
إنشاء لجنة حكومية دولية لبناء السلام، فضلا عن مكتب لدعم بناء السلام في إطار
الأمانة العامة للأمم المتحدة، لتحقيق هذه الغاية.
115 - ويمكـن للجنة بناء السلام الاضطلاع بالمهمتين التاليتين: العمل في الفترة
التالية مباشرة لانتهاء الحرب على تحسين تخطيط الأمم المتحدة للانتعاش المطرد،
من خلال التركيز على الجهود المبكرة من أجل إقامة المؤسسات الضرورية؛ والمساعدة
على كفالة تمويل قابل للتنبؤ لأنشطة الانتعاش السريع، عن طريق عدد من الأمور
منها توفير استعراض عام لآليات تمويل دائمة وطوعية وقائمة على أنصبة مقررة؛
وتحسين تنسيق الأنشطة العديدة التي تضطلع بها صناديق الأمم المتحدة وبرامجها
ووكالاتها بعد انتهاء الصراعات؛ وإتاحة منتدى يمكن للأمم المتحدة وأهم الجهات
المانحة الثنائية والبلدان المساهمة بقوات والأطراف والمنظمات الإقليمية ذات
الصلة والمؤسسات المالية الدولية والحكومة الوطنية أو الانتقالية للبلد المعني،
أن تتبادل في إطاره المعلومات المتعقلة باستراتيجياتها للانتعاش بعد انتهاء
الصراع، بما يحقق المزيد من التماسك؛ والقيام دوريا باستعراض التقدم المحرز نحو
بلوغ أهداف الانتعاش في الأجل المتوسط؛ وتوسيع فترة الاهتمام السياسي بحيث تشمل
الانتعاش بعد انتهاء الصراع. ولا أعتقد أنه ينبغي أن تضطلع مثل تلك الهيأة
بمهمة الإنذار المبكر أو الرصد، إنما سيكون من المفيد لو استطاعت الدول الأعضاء
أن تستفيد، في أي مرحلة من المراحل، من مشورة لجنة بناء السلام وأن تلتمس
المساعدة من صندوق دائم لبناء السلام لإقامة مؤسساتها المحلية للحد من الصراع،
بما في ذلك من خلال تعزيز المؤسسات الساهرة على سيادة القانون.
116 - وأعتقد أن هيئة من هذا القبيل ستجمع بين الفعالية والمشروعية على نحو
أفضل إذا كانت تقدم تقاريرها إلى مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي
بصورة متعاقبة، حسب المرحلة التي يكون قد بلغها الصراع. وينبغي تفادي الإبلاغ
المتزامن لأنه سيتسبب في الازدواجية ويوقع الفوضى.
117 - وستكون لجنة بناء السلام أكثر فعالية إذا كانت عضويتها الأساسية تضم
مجموعة فرعية من أعضاء مجلس الأمن، وعددا مماثلا من أعضاء المجلس الاقتصادي
والاجتماعي، والبلدان الرئيسية المساهمة بقوات، والجهات المانحة الرئيسية
لصندوق دائم لبناء السلام. وينبغي للجنة بناء السلام أن تسعى فيما تضطلع به من
عمليات محددة حسب البلدان إلى إشراك السلطات الوطنية أو الانتقالية، والأطراف
والمنظمات الإقليمية ذات الصلة، والبلدان المساهمة بقوات، حسب الاقتضاء،
والجهات المانحة الرئيسية للبلد المعني.
118 - وستكون لمشاركة المؤسسات المالية الدولية أهميتها الحيوية. وقد شرعتُ في
إجراء مناقشات معها لتحديد أفضل طريقة لتحقيق مشاركتها، مع المراعاة الواجبة
لولاياتها والترتيبات التي تخضع لها.
119 - ولدى انتهاء هذه المناقشات، قبل حلول أيلول/سبتمبر 2005، سأقدم إلى الدول
الأعضاء اقتراحا أكثر تفصيلا للنظر فيه.
الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة والألغام الأرضية
120 - لا يزال تراكم الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة وانتشارها يهددان بشكل
خطير السلام والاستقرار والتنمية المستدامة. وحظيت المشكلة بإدراك متزايد كما
برزت إلى حيز الوجود مبادرات عديدة لمواجهتها منذ اعتماد برنامج العمل لمنع
الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة من جميع جوانبه
ومكافحته والقضاء عليه(15) في عام 2001. ويجب علينا الآن أن نحرز تقدما حقيقيا
بكفالة تحسين إنفاذ إجراءات الحظر المفروضة على الأسلحة، وتعزيز برامج نزع
أسلحة المقاتلين السابقين، وإجراء مفاوضات بشأن صك دولي ملزم قانونا ينظم وضع
العلامات على الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة وتعقبها، فضلا عن صك يمنع أنشطة
السمسرة غير المشروعة ومكافحتها والقضاء عليها. وأحث الدول الأعضاء على الاتفاق
على صك ينظم وضع العلامات على الأسلحة وتعقبها قبل انعقاد مؤتمر استعراض برنامج
العمل في السنة المقبلة وعلى تسريع المفاوضات بشأن صك يتعلق بأنشطة السمسرة غير
المشروعة.
121 - ويجب علينا أيضا أن نواصل جهودنا من أجل التخلص من آفة الألغام الأرضية
التي لا تزال- إلى جانب سائر مخلفات الحروب من المتفجرات – تقتل وتشوه الأبرياء
في نصف بلدان العالم تقريبا وتؤخر مجتمعات بأكملها عن الإفلات من براثن الفقر.
وهناك الآن 144 دولة طرفا في اتفاقية حظر استعمال وتكديس وإنتاج ونقل الألغام
المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام(16)، التي أُلحق بها البروتوكول المعدل
الثاني(17) لاتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها
مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر(18)، وهي اتفاقية أحرزت تقدما حقيقيا على الأرض.
إذ توقفت عمليات نقل الألغام تقريبا، وأزيلت الألغام من مناطق واسعة من أراض
ملغمة سابقا، ودمر أكثر من 31 مليون لغم من الألغام المخزونة. ومع ذلك، لا تزال
هناك دول أطراف لم تنفذ الاتفاقية تنفيذا كاملا وتوجد مخزونات واسعة من الألغام
في ترسانات الدول التي لم تنضم إليها بعد. ولذلك، أحث الدول الأطراف على تنفيذ
التزاماتها كاملة، وأدعو الدول التي لم تنضم بعد إلى الاتفاقية والبروتوكول إلى
القيام بذلك في أقرب وقت ممكن.
هاء – استعمال القوة
122 - أخيرا، يجب أن يكون الاتفاق على توقيت استعمال القوة للدفاع عن السلام
والأمن الدوليين وطريقة استعمالها عنصرا أساسيا في توافق الآراء الذي نسعى إلى
بلوغه. ففي السنوات الأخيرة، كانت هذه المسألة مصدر اختلاف عميق بين الدول
الأعضاء التي اختلفت على ما إذا كان للدول الحق في استعمال القوة العسكرية
بصورة استباقية لحماية نفسها من تهديدات وشيكة؛ وما إذا كان لها الحق في
استعمالها بصورة وقائية لحماية نفسها من تهديدات كامنة أو غير وشيكة؛ وما إذا
كان لها الحق – أو ربما عليها، استعمالها بصورة حمائية لإنقاذ مواطني دول أخرى
من جريمة الإبادة الجماعية أو غير ذلك من الجرائم المشابهة.
123 - ويجب التوصل إلى اتفاق بشأن هذه المسائل حتى تصبح الأمم المتحدة - على
نحو ما قصد لها أن تكون - منتدى لتسوية الخلافات وليس مجرد مسرح لإبرازها. على
أني أعتقد أن ميثاق منظمتنا، بشكله الحالي، يوفر أساسا جيدا للتفاهم الذي نحتاج
إليه.
124 - وتتناول المادة 51 بشكل واف التهديدات الوشيكة وتكفل الحق الطبيعي للدول
ذات السيادة في حماية نفسها من أي هجوم مسلح. وأدرك المحامون منذ فترة طويلة أن
هذا يشمل في آن معا الهجوم الوشيك والهجوم الواقع.
125 - وحينما لا تكون التهديدات وشيكة بل كامنة، يعطي الميثاق لمجلس الأمن كامل
الصلاحيات لاستعمال القوة العسكرية لصون السلم والأمن الدوليين، بما في ذلك على
سبيل الوقاية. أو ليست الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم الأخرى
المرتكبة ضد الإنسانية هي أيضا تهديدات للسلم والأمن الدوليين ينبغي أن يكون
بوسع البشرية أن تحتمي بمجلس الأمن منها؟
126 - إن المهمة لا تكمن في إيجاد بدائل لمجلس الأمن باعتباره مصدرا للسلطة بل
في تحسين عمله. إذ ينبغي للمجلس، عند نظره فيما إذا كان سيأذن باستعمال القوة
العسكرية، أن يتوصل إلى رؤية مشتركة بشأن طريقة تقدير خطورة التهديد، ومشروعية
الهدف المتوخى من العمل العسكري المقترح، وإمكانية النجاح بشكل معقول في وقف
التهديد باللجوء إلى وسائل أخرى غير استعمال القوة، وتناسب الخيار العسكري مع
التهديد المطروح، وووجود حظوظ معقولة للنجاح. وبتبرير العمل العسكري على هذا
النحو، يجعل المجلس مداولاته أكثر شفافية وقراراته أكثر قابلية للاحترام سواء
من قبل الحكومات أو من قبل الرأي العام العالمي. ولذلك، أوصي مجلس الأمن باتخاذ
قرار يعرض فيه لهذه المبادئ ويبدي فيه عزمه على الاسترشاد بها لدى البت في
الإذن باستعمال القوة أو التفويض باستعمالها.
|