دورة الجمعية العامة الاستثنائية
المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز

اجتماع المائدة المستديرة 3
الأثر الاجتماعي - الاقتصادي للوباء وتعزيز القدرات الوطنية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز

    أولا- معلومات أساسية: الأثر المتعدد الجوانب لفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز


  1. لفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز تأثير مشؤوم على التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلدان المتضررة بشدة من هذا الوباء، الذي سيثبت أنه أكبر عقبة وحيدة أمام بلوغ أهداف التنمية التي حددها مؤتمر قمة الألفية. ونظرا إلى أن الإيدز يفتك غالبا بالناس من الفئة العمرية 15 - 45 سنة، فإنه يحرم الأسر، والمجتمعات، والأمم عموما من الشباب وأكثر السكان إنتاجا. وهو متفرد في آثاره المدمرة من حيث أنه يؤدي إلى زيادة الفقر، والإطاحة بمنجزات التنمية البشرية، وإضعاف قدرة الحكومات على تقديم الخدمات الأساسية والحفاظ عليها، وتقليل اليد العاملة المتاحة وخفض الإنتاجية، ووقف النمو الاقتصادي.
  2. البقاء على قيد الحياة

  3. لقد أوقع الإيدز بالفعل خسائر هائلة من حيث زيادة معدلات الوفيات والمراضة. ففي البلدان الأفريقية الخمسة والثلاثين الأشد تأثرا بالإيدز، يقدر العمر المتوقع عند الميلاد بنحو 48.3 سنة في الفترة 1995-2000، أي بنقص مقداره 6.5 سنوات عما كان يمكن أن يكون عليه في غياب الإيدز. ومن المتوقع بحلول الفترة 2005-2010 أن يتناقص متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في الأحد عشر بلدا الأشد تأثرا بالإيدز بحيث يصل إلى 44 سنة، بدلا من أن يرتفع إلى 61 سنة كما كان متوقعا في غياب الإيدز. كما تتزايد حاليا معدلات وفيات الأطفال في بعض أشد البلدان تأثرا بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، مما أدى إلى إضعاف التقدم نحو تحقيق هدف تخفيض معدلات وفيات الأطفال بنسبة الثلثين بحلول سنة 2015، وفقا لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر قمة الألفية.
  4. التعليم

  5. مع وفاة المعلمين وتسرب اليتامى من المدارس، تتبخر سريعا المكاسب التي تم تحقيقها في مجال محو الأمية وتتقلص نسب الالتحاق بالمدارس. ففي بعض أشد البلدان تأثرا بالإيدز يتسرب من المدارس حوالي نصف الأطفال الذين يفقدون آباءهم بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. ولما كان يتوقع أن يصل عدد اليتامى بسبب الإيدز إلى 40 مليونا بحلول سنة 2010، فإن الدلائل تشير إلى أن التقدم نحو تحقيق هدف مؤتمر قمة الألفية المتمثل في توفير التعليم الابتدائي للجميع بحلول سنة 2015 قد أصبح الآن مهددا.
  6. النمو الاقتصادي

  7. في أشد البلدان تأثرا بالإيدز، يؤدي الوباء إلى إبطاء النمو الاقتصادي بما لا يقل عن 1 إلى 2 نقطة مئوية سنويا، مما يهدد بشدة الجهود المبذولة للحد من نطاق الفقر عن طريق النمو المتكافئ. وسوف يشهد العديد من البلدان تناقص ناتجها الوطني الإجمالي بنسبة تتراوح بين خُمْسه ورُبْعه بحلول سنة 2020، وسوف يشهد بعضها تناقصا أكبر من ذلك، كما سيتأثر بشدة نمو القطاع الخاص وتنمية المؤسسات.
  8. فقر الدخل

  9. يدفع فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز الناس في المناطق الريفية والحضرية على السواء إلى مزيد من فقر الدخل، إذ يفقد الكثير من الأسر المعيشية عائلها بسبب الإيدز، وتتأثر أسباب المعيشة بشدة، وتنكمش المدخرات بسبب تكاليف الرعاية الصحية والجنازات. وقد أظهرت إحدى الدراسات أن الأسر المعيشية التي فقدت عائلا واحدا بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز تنقص دخولهم بنحو 80 في المائة. وفي أحد البلدان، زادت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر هذا بما لا يقل عن 5 في المائة نتيجة لفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. وبدون التصدي لهذا الأثر، لن يمكن تحقيق الهدف الإنمائي الذي حدده مؤتمر قمة الألفية والمتمثل في إنقاص معدل الذين يعيشون في فقر مدقع بنسبة النصف بحلول سنة 2015.
  10. قوة العمل

  11. من المتوقع أن يقل حجم قوة العمل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 10 إلى 30 في المائة بحلول سنة 2020 عما كان يمكن أن يكون عليه في غياب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. ومن شأن تقلص رأس المال البشري، وفقدان العمال المهرة وذوي الخبرة، ونقص الإنتاجية أن تؤدي إلى التفاوت بين الموارد البشرية ومتطلبات العمل، مما تترتب عليه عواقب وخيمة بالنسبة لأصحاب الأعمال في القطاع الخاص والقطاع العام على حد سواء. ويؤدي فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز إلى تفاقم مشكلة تشغيل الأطفال، إذ يضطر الأطفال الذين يفقدون آباءهم إلى الاعتماد على أنفسهم لتوفير الأسباب الأساسية لبقائهم على قيد الحياة.
  12. الأمن الغذائي

  13. يؤدي الوباء إلى تفاقم اختناقات العمل في مجال الزراعة، واستفحال سوء التغذية، وزيادة العبء الواقع على كاهل الريفيات، وبخاصة منهن من يرأسن أسرا معيشية زراعية. وهنالك بالفعل تقارير تفيد بتناقص الإنتاج الغذائي في بعض المناطق، كما أن الهدف الإنمائي الذي حدده مؤتمر قمة الألفية والمتمثل في خفض معدل من يعانون من الجوع بنسبة النصف بحلول سنة 2015 مهدد هو الآخر بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز في بعض البلدان.
  14. الحكم

  15. لفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز أثر مشؤوم على قدرة الحكومات على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية. فها هي الموارد البشرية تضيع، والإيرادات العامة تتناقص، والميزانيات تحول أموالها للتغلب على الأثر الناجم عن الوباء. كما أن البقاء التنظيمي لمؤسسات المجتمع المدني مهدد هو الآخر بالخطر، وتتأثر الديمقراطية تبعا لذلك.
  16. المرأة

  17. تتأثر المرأة تأثرا شديدا بوجه خاص بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز سواء فيما يتعلق بدورها الإنتاجي أو دورها الإنجابي. ويبدو أن المرأة أشد تأثرا بعدوى فيروس نقص المناعة البشري لأسباب بيولوجية واجتماعية على السواء، إذ تزيد معدلات العدوى بين الشابات بما يصل إلى أربعة أضعاف نظائرها بين الشبان في كثير من البلدان. كما أن المرأة هي مقدم الرعاية الرئيسي لمرضى الإيدز وللأطفال الذين يَتَّمهم الإيدز.
  18. التماسك الاجتماعي

  19. يهدد فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز نسيج المجتمع نفسه بالخطر، وأصبح ينظر إليه بشكل متزايد على أنه عامل من العوامل التي تهدد بالخطر الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فها هو الإيدز يحصد القسم الأعظم من أجيال بكاملها من صغار البالغين المنتجين، مخلفا وراءه أفواجا ضخمة من الأطفال اليتامى الذين هم بلا دعم كاف من المجتمع، والمعرضين للاستغلال والذين يعوزهم التعليم وفرص كسب العيش.

  20. وللتصدي لهذه الآثار على التنمية الاجتماعية - الاقتصادية، تم تضمين مشروع إعلان الالتزام الذي سيصدر من الدورة الاستثنائية أهدافا موقوتة لإعداد وتنفيذ الاستراتيجيات الرامية إلى ضمان استمرار الخدمات الأساسية وتكثيف الجهود الرامية إلى الحد من نطاق الفقر، بما في ذلك البرامج التي تستهدف على وجه التحديد أشد الأسر المعيشية والمجتمعات تأثرا بالوباء (انظر القسم ذا العلاقة من مشروع إعلان الالتزام).
  21. ثانيا- المواجهة الحالية

  22. يُلاحظ أن المواجهة العالمية لفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز تتركز، عن حق، على التحدي المتمثل في احتواء الوباء، والوقاية من حالات العدوى الجديدة من خلال جهود الدعوة والحملات الإعلامية والتثقيفية، وتغيير السلوك، والاتصال، وتوزيع الرفائل (الحواجز الذكرية)، والبرامج الموجهة للفئات المعرضة بشدة للعدوى، وغير ذلك من الإجراءات الرئيسية. أما الجزء الآخر من المواجهة فيتركز على رعاية ودعم المصابين بعدوى فيروس نقص المناعة البشري والإيدز، وعلى الجهود التي يتوقع أن تشتد مع توافر علاجات جديدة ميسورة الكلفة. علما بأن الوقاية والعلاج هو الأولويتان العلييان لا لإنقاذ الأرواح وتقليل المعاناة البشرية، فحسب، بل أيضا للحد من أثر الوباء في المستقبل على جهود التنمية البشرية والحد من نطاق الفقر.

  23. غير أنه، على الرغم من تركيز الجهود المكثفة على الوقاية والرعاية، فلا يزال الوباء ينتشر بلا هوادة، ونظرا لأن المصابين بعدوى فيروس نقص المناعة البشري يمرضون ويموتون، فإن وطأة الأثر تُحس أشد ما تُحس في أشد البلدان تأثرا بالوباء. ونظرا لأن المعالجة المطيلة للعمر لن تتوافر للجميع في البلدان الفقيرة بين عشية وضحاها، فسوف تظل معدلات الوفاة من الإيدز في تصاعد. ووفقا للتقديرات الصادرة مؤخرا عن شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة، فإن سكان البلدان الخمسة والأربعين الأشد تأثرا بالوباء سوف يقلون بنحو 97 مليون نسمة في عام 2015 عما كان يمكن أن يكون عليهم عددهم في غياب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. ويُعزى معظم هذه الخسارة للزيادات الحادة في معدلات الوفيات بين صغار البالغين.

  24. ونظرا للافتقار إلى العمل على الصعيدين الوطني والعالمي من أجل التخفيف من أثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز على التنمية، تواصل الأسر المعيشية، والمجتمعات ومنظمات المجتمع المدني تحمل وطأة هذه الكارثة المأساوية. فهي تقف على الخطوط الأمامية للجهود المبذولة للتخفيف من أثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، والاستجابة بشكل مباشر لاحتياجات الناس، والعمل غالبا بقليل من الدعم الخارجي أو الحكومي. وتقوم المجتمعات بتعبئة نفسها وإبداء كثير من المرونة والتضامن، على الرغم من سرعة تأثرها بالصدمات الخارجية، مثل موت أكثر أفرادها إنتاجية قبل الأوان.

  25. وتميل المواجهة العالمية لفيروس نقص المناعة البشري/ الإيدز إلى تجاهل الصورة الأكبر لآثار هذا الوباء على التنمية والحد من نطاق الفقر. وقد أجريت أبحاث كثيرة لفهم أثر الوباء، ولكن أجريت أبحاث أقل فيما يتعلق بوضع هذه النتائج موضع التنفيذ واتخاذ تدابير مضادة لهذه الآثار. كما أن المناقشات حول آثار الوباء على خبراء التنمية ومقرري السياسات لا تزال محدودة للغاية، وتم الاتفاق على الأهداف والمرامي الإنمائية العالمية دوم مراعاة التحديات الإضافية الناجمة عن الزيادات الحادة في معدلات وفيات البالغين المتعلقة بالإيدز في معظم أفريقيا وفي بعض أجزاء من مناطق أخرى.

  26. ومن الخطأ القول بأنه لم يُبذل أي جهد للتخفيف من أثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز وفقا لتعريف هذه الوثيقة. فقد تم في العقد الماضي تكثيف جهود الحد من الفقر عموما، وهو ما يعزى جزئيا للالتزامات العالمية التي عقدت في مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية في عام 1995. وقد تم خلال العام الماضي، بالتدريج، إدراج فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز في استراتيجيات الحد من نطاق الفقر، لا سيما في أفريقيا. وقد اتضح من استعراض أجري مؤخرا لعشرين استراتيجية وطنية أن الإيدز قد ذُكر فيها باعتباره عاملا من عوامل ترسيخ الفقر، وأورد بعضها بعض الإجراءات الهامة لمحاربة الإيدز في إطار إجراءات الحد من الفقر. غير أنه لا بد من القيام بما هو أكثر من ذلك بكثير.

  27. كما أنشأت بعض البلدان برامج ذات أهداف أكثر تحديدا لدعم الناس، والأسر المعيشية والمجتمعات التي أوقع الوباء الخراب بها. وقد تحقق تقدم في تعزيز جهود مساندة الأطفال الذين يَتَّمهم الوباء، وهو تقدم يرجع جزء من الفضل فيه إلى الدعم العالمي المكثف: غير أنه نظرا إلى أنه يُتوقع أن يشهد العالم بحلول سنة 2010 تيتم ما يزيد على 40 مليون طفل بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، فإن هذه الجهود تُعتبر أبعد من أن تكون كافية.

  28. ثالثا- تنفيذ إعلان الالتزام: التقدم إلى الأمام

  29. نظرا لواقع الآثار الحالية والمقبلة للوباء على التنمية البشرية، فإن الأمر يستلزم حاليا بذل جهود غير عادية لتكثيف الجهود الرامية إلى الحد من نطاق الفقر. ويشمل هذا، فيما يشمل، ضمان استمرار توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية على الرغم من فقد الموارد البشرية، والأخذ بسياسات تستهدف تحقيق النمو الاقتصادي المتكافئ، على الرغم من تناقص الإنتاجية والضغوط الواقعة على ميزانيات الصحة العمومية والتي يترتب عليها حدوث عجز في هذه الميزانيات. ويجب بذل مثل هذه الجهود في سياق خطط التنمية الوطنية العامة واستراتيجيات الحد من نطاق الفقر.

  30. وهناك سببان رئيسيان يستوجبان التصدي لأثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز على التنمية، باعتبار ذلك جزءا أساسيا من المواجهة العالمية للوباء. فأولا، فإنه بدون سياسات، واستراتيجيات، وموارد كافية لمعاوضة الأثر المُفْقِر لارتفاع معدلات الوفيات بين الفئات العمرية المنتجة، فإنه لا يمكن بلوغ الأهداف الإنمائية التي حددها مؤتمر قمة الألفية في جزء كبير من أفريقيا أو في أجزاء أخرى من العالم التي من المرجح أن يواصل الوباء انتشاره فيها، على نحو ما تم إيضاحه آنفا. وثانيا، فإن انخفاض معدل التنمية البشرية واتساع نطاق الفقر، وقلة فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية، وهي أمور يؤدي الوباء إلى تفاقمها، تزيد من ضراوة انتشار فيروس نقص المناعة البشري. وقد أثبتت البحوث التي أجريت والخبرة التي اكتسبت خلال العشرين سنة الماضية وجود علاقة واضحة بين هذه الظروف وزيادة الاستعداد للعدوى وقلة إمكانيات الحصول على العلاج. وعلى حين يجب النظر إلى فيروس نقص المناعة البشري/ الإيدز على أنه من الطوارئ ذات الأولوية العليا، فإن التقدم المطرد في مجال الحد من نطاق الفقر لا يزال يمثل الحل الطويل الأجل والمستدام للأزمة الصحية في العالم النامي. وعلى المدى الطويل، فإنه لا يمكن للوقاية والرعاية أن ينجحا إلا إذا أمكن للناس والأمم الخروج من هوة الفقر.

  31. علما بأن البلدان التي أوقع الوباء الخراب فيها تواجه خطرا مزدوجا. فمن ناحية، تضعف كثيرا قدرتها على تخطيط وتنفيذ استراتيجيات التنمية بسبب فقد رأس المال البشري والاضطرار إلى تحويل الموارد الشحيحة للإنفاق على أغراض غير التي كانت مقررة لها. ومن ناحية أخرى، فإن القدرة الوطنية القوية قد أصبحت أشد أهمية وضرورة للبلدان وهي تجابه ذلك التحدي الهائل المتمثل في مواجهة الوباء. علما بأن مثل هذه القدرة ليست ضرورية في القطاع الصحي فحسب، كي يتمكن من مغالبة عبء المرض المستفحل وتوفير ما يلزم من علاجات جديدة، بل إنها ضرورية أيضا لجميع القطاعات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، التي يجب حشد جهودها حول الوقاية الواسعة القاعدة والتعبئة الاجتماعية من أجل القضاء على الوباء.

  32. وتبين هذه الورقة فيما يلي الأولويات الأربع المحددة لتنفيذ تلك الأجزاء من مشروع إعلان الالتزام، المتعلقة بالأثر الاجتماعي - الاقتصادي للوباء، والتي ستعرض للبحث أثناء اجتماع المائدة المستديرة 3.

  33. تكثيف جهود الحد من نطاق الفقر

  34. بغية بلوغ الأهداف الإنمائية التي حددها مؤتمر قمة الألفية وأهداف التنمية البشرية المقررة على الصعيد الوطني في البلدان المتأثرة بالوباء، لا بد من إعادة تقييم الاستراتيجيات الحالية للحد من نطاق الفقر وتعديلها من أجل مواجهة ذلك التحدي الفريد المترتب على أثر وباء فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. ولا بد من إيلاء اهتمام خاص لأثر الوباء على المجتمعات الريفية لأنها غالبا ما تعاني من الحرمان فيما يتعلق بالخدمات والهياكل الأساسية الاجتماعية، كما أنها تستوعب سكان الحضر الذين يعودون إلى قراهم عندما يقعون فريسة للمرض. ولا بد من مضاعفة الجهود الرامية إلى تعزيز النمو المتكافئ، وإيجاد فرص للعمل، وزيادة الدخول، وتحسين الإنتاج الزراعي، وتعزيز أسباب العيش للقطاع غير الرسمي، وذلك لمعاوضة الأثر المفقر لارتفاع معدلات الوفيات بين أكثر الفئات العمرية إنتاجا. ولا يخفى أن التخصيص الأمثل للموارد المحلية الشحيحة يصبح تحديا أشد أهمية، إذ أنه لا يدع مجالا كبيرا لبنود الميزانية التي لا تسهم بشكل مباشر في الحد من نطاق الفقر وتحسين إمكانية الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية. ولا بد لورقات استراتيجيات الحد من نطاق الفقر أن تصاغ على نحو يجعلها تأخذ في الحسبان الأثر الحالي والمتوقع للوباء. فعلى سبيل المثال حققت بوركينا فاسو وكينيا تقدما في تعديل استراتيجياتها للحد من نطاق الفقر بحيث يراعى فيها أثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، وبدأتا في تخصيص الوفورات التي تحققت بفضل تخفيف عبء ديونهما لتمويل أنشطة الوقاية من فيروس نقص المناعة البشري ورعاية المصابين به.
  35. البرامج الخاصة الموجهة للأطفال والنساء والمسنين وفئات أخرى

  36. بالإضافة إلى الارتقاء بالاستراتيجيات الوطنية للحد من نطاق الفقر، يستلزم الأمر إنشاء برامج خاصة للحماية الاجتماعية من أجل دعم الناس والأسر المعيشية والمجتمعات الأشد تأثرا بالوباء. ونظرا لجسامة العبء الذي يلقيه الوباء على عاتق المرأة، كراعية ومعيلة، فلا بد من اتخاذ ترتيبات أمنية استجابة لاحتياجاتها. وإضافة إلى ذلك، لا بد من بذل جهد غير عادي لتلبية احتياجات الأطفال الذين يتمهم الوباء، بما في ذلك بذل جهود خاصة لضمان حصولهم على التعليم الابتدائي، والغذاء، والرعاية الصحية، وغير ذلك من أشكال الدعم الاجتماعي. ومن العناصر الرئيسية التي يجب أن يشتمل عليها هذا الجهد دعم آليات التضامن المجتمعية القائمة لرعاية الأيتام.
  37. منع انهيار الخدمات العمومية الأساسية ومؤسسات الحكم الديمقراطي

  38. لا بد من بذل جهود خاصة لضمان استمرار توفير الخدمات العمومية الأساسية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، والأمن، والعدالة، ومؤسسات الحكم الديمقراطي. فالقطاع العام في أشد البلدان تأثرا بالوباء ينهار تحت وطأة الوباء الذي يحصد الموارد البشرية التي لا تعوض، ويجري تحويل موارد الميزانيات العامة للإنفاق على الاحتياجات العاجلة لرعاية المرضى والمحتضرين. كما يُتوقع أن تنخفض الإيرادات الحكومية بنسبة الخُمس في أشد البلدان تأثرا بالوباء، بسبب تأثر النشاط الاقتصادي عموما وانكماش الناتج الوطني الإجمالي. ولا بد من التصدي لكل هذه الآثار في الميزانيات الوطنية، وخطط الإنفاق المتوسطة الأجل وخطط تنمية القطاعات. وفي أشد البلدان تأثرا بالإيدز تزداد أهمية وضع ميزانيات تأخذ جانب الفقراء، ويجب اتخاذ تدابير خاصة للوقاية من انهيار وظائف القطاع العام. وتشتمل مثل هذه الإجراءات على التدريب السريع المباشر، وتوظيف معلمين وممرضات جدد وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية الرئيسيين، وعادة تخصيص الميزانيات لصالح الخدمات الأساسية، وبذل الجهود لإطالة عمر الحياة العملية للمصابين بفيروس نقص المناعة البشري، وذلك من خلال الرعاية والدعم والعمل الجماعي، بما يتفق مع التغييرات اللازمة في إدارة الموارد البشرية في القطاع الخاص. وملاوي من البلدان التي تتخذ خطوات فاعلة لتقييم أثر فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز في القطاع العام، وتقوم بتنفيذ سياسات متعلقة بمكان العمل ضمانا لاستمرار أداء الخدمات العمومية الأساسية، على الرغم مما يكون لذلك من أثر على الموارد البشرية.
  39. التصدي لأثر الوباء على أسواق العمل

  40. يلزم تعديل السياسات المتعلقة بسوق العمل ومكان العمل بحيث تتصدى لأثر الوباء على مدى توافر العمال المهرة، والإنتاجية، وتنمية الموارد البشرية. ولا بد من بذل الجهود لدعم وحماية حقوق العمال المصابين بفيروس نقص المناعة البشري والإيدز، والوصول بإنتاجيتهم إلى أقصى حد ممكن لها من خلال تيسير حصولهم على الرعاية ودعمهم وإجراء تغييرات في إجراءات العمل الروتينية. فعلى سبيل المثال، قامت شركة فولكسفاغن في البرازيل بتنفيذ برنامج وقائي وعلاجي ناجح، ساهم في الوقاية من وقوع حالات جديدة كثيرة من العدوى بين عمالها، وقلل بنسبة 90 في المائة من حالات التغيب عن العمل بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز. ومن الضروري قيام حوار اجتماعي بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل من أجل إعداد إطار قانوني ومبدئي للتصدي لأثر الوباء على قوة العمل. وينبغي اعتماد مدونة لقواعد الممارسات المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز ومكان العمل، وذلك على المستوى الوطني ومستوى الشركات.

  41. ولا يمكن للبلدان المتأثرة بالوباء أن تتصدى بنجاح لهذه التحديات بدون قدر كاف من التضامن والتعاون والدعم المالي الدولي. وعلى الرغم من أن هذه القضية سوف يبحثها اجتماع المائدة المستديرة 4 بشأن تمويل جهود مواجهة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، فمن الضروري التأكيد على الحاجة إلى مستويات أعلى بكثير من المساعدة الإنمائية الرسمية لأشد البلدان تأثرا بالوباء، دعما لاستراتيجيات الحد من نطاق الفقر عموما وتحسينا للخدمات الاجتماعية. علما بأن تدفقات المساعدة الإنمائية الرسمية إلى البلدان الثمانية والعشرين ذات المعدلات الأعلى لانتشار فيروس نقص المناعة البشري بين البالغين فيها (أكثر من 4 في المائة)، قد نقصت بنسبة الثلث تقريبا، فقد هبطت من 12.5 إلى 8.6 بلايين دولار من دولارات الولايات المتحدة( ). ويجب إعكاس هذا الاتجاه وزيادة تدفقات الموارد زيادة كبيرة تتناسب مع حجم التحدي القائم. وقد يلزم في الوقت نفسه استكشاف إمكانية إلغاء جميع الديون التي على أشد البلدان تضررا من الوباء، وهو أمر يبرره ما أحدثه فيها الوباء من خراب، شريطة تخصيص جانب كبير من الوفورات المترتبة على إلغاء الديون للإنفاق على أنشطة الوقاية من فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ورعاية المصابين. فبدون مثل هذا الدعم لن يتسنى للمجتمع الدولي الوفاء بالتزامه بمساعدة البلدان على بلوغ الأهداف الإنمائية التي حددها مؤتمر قمة الألفية في أجزاء كبيرة من أفريقيا، وكذلك في أجزاء أخرى عديدة في العالم، تبعا لمسار الوباء.

  42. عودة إلى صفحة الدورة الاستثنائية | التغطية الحية | صفحة الاستقبال