خطاب السيد يان إلياسون عقب انتخابه رئيسا للدورة الستين للجمعية العامة
(نيويورك 13 حزيران/يونيه 2005)

 

إنني ممتن ويشرفني أن أنتخب رئيسا للجمعية العامة في دورتها الستين.

وأعرب عن امتناني الشديد لما حظي به ترشيح السويد من دعم من جانب الدول الأعضاء في مجموعتنا الإقليمية، واليوم من جانب جميع الدول الأعضاء في الجمعية. فلدعمهم هذا أهمية خاصة لبلدي بالنظر إلى أن الأمين العام الأسطوري، داغ همرشولد، ولد في يونكوبينغ، بالسويد، في شهر تموز/يوليه قبل 100 عام.

دعوني بادئ ذي بدء أثني على الأمين العام، كوفي عنان، لعمله الدؤوب المتفاني، ولما أبداه من شجاعة وبصيرة في أن يعرض علينا، نحن الدول الأعضاء، تقريره المعنون ”في جو من الحرية أفسح“ (A/59/2005)، وهو أكثر الاقتراحات التي قدمت لتعزيز الأمم المتحدة شمولا واتساقا منذ مولد المنظمة.

وقد قام رئيس الجمعية العامة الآن، بعد التشاور مع الدول الأعضاء، بتحويل ذلك الاقتراح إلى مشروع إعلان نقوم بالنظر فيه ويقوم رؤساء الدول أو الحكومات باعتماده في الاجتماع العام الرفيع المستوى الذي ستعقده الجمعية العامة في الفترة من 14 إلى 16 أيلول/سبتمبر. ويتحتم علينا جميعا أن نتعامل مع مشروع الإعلان المقترح هذا بصورة وافية وخلاقة وأن نبدي التزاما بقبول المسؤولية العالمية. وكما نعلم فقد شكلت القيادة الحكيمة والحازمة للرئيس بينغ، التي واجهت مفترقات طرق عديدة وكثيرا من الخيارات الصعبة، وسوف تشكل، مفتاحا لنجاح ذلك الاجتماع البالغ الأهمية المقرر عقده في شهر أيلول/سبتمبر، والذي ستتابعه جميع شعوب العالم باهتمام بالغ.

واليوم، نواجه اختبارا للعمل المتعدد الأطراف. فهل سنرسي مفاهيم وطرقا لمعالجة المشاكل العالمية في هذا العصر الذي يسير نحو العولمة بخطى سريعة؟ وهل سنستطيع أن ننهض بفعالية الأمم المتحدة بوصفها إحدى الجهات الفاعلة على المسرح العالمي؟ إن هذه مهام جسيمة، بل وتاريخية، لابد أن تضطلع بها شعوبنا ومجتمعاتنا وحكوماتنا، وأن نضطلع بها جميعا هنا في الأمم المتحدة: نحن، ممارسي الدبلوماسية المتعددة الأطراف.

إن مهمتنا الأساسية اليوم هي أن نقبل التحدي الثلاثي الكامن في تحقيق التنمية وإحلال الأمن وإعمال حقوق الإنسان، وأن نكون أهلا لمواجهته. فعناصر هذا التحدي الثلاثة مترابطة ويؤثر كل منها على الآخر ويدعمه.
دعونا نتذكر الدعوات الواردة في الميثاق إلى ”أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار“ وإلى ”أن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي“ و ”أن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها“. فإن حكمة واضعي الميثاق وبصيرتهم النافذة ما زالت تثير في نفسي الإعجاب البالغ. دعونا نلتزم بالعمل بنفس الروح التي كانوا يعملون بها، ونستمد الإلهام من تلك الوثيقة العظيمة.
ولنعمل أيضا وأعيننا موجهة نحو حقائق هذا العالم. ولنضع البشر والمشاكل الحقيقية في المركز وننظم أنفسنا وفقا لذلك. ولنبق في أذهاننا دائما عبارة ”نحن الشعوب“ الواردة في ديباجة الميثاق.

إن الاختبار الفصل والمقياس الذي تقاس به إصلاحات الأمم المتحدة يجب أن يكون الفرق الذي تحدثه بالنسبة إلى الشعوب وبالنسبة إلى المناطق المتأزمة في كل أنحاء العالم: من أجل الطفل المتضور جوعا، والأم المصابة بمرض متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والبلد الذي مزقته الحرب، واللاجئ اليائس، والمضطهد والمنبوذ، والنهر الملوث. واسمحوا لي أن أضيف هنا أن افتقار البلايين من الناس في أنحاء العالم إلى الماء الصالح للشرب أمر غير مقبول وينبغي أن يعالج بجدية وعلى وجه السرعة: والحصول على كأس من الماء الصالح للشرب نعيم بعيد المنال للعديد من الناس في العالم. إننا بحاجة إلى أن نعمل على حل تلك القضية الحاسمة جدا. إضافة إلى ذلك، يجب أن لا ننسى العاملين في المجال الإنساني المكافحين والإيثاريين التابعين للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، فضلا عن حفظة السلام التابعين للأمم المتحدة وحفظة السلام الإقليميين. وما أسميه تجارب الميدان - تجارب الواقع - يجب أن تطبق على جميع مقترحات الإصلاح.

لدي ذكريات شخصية قوية جدا من الوقت الذي كنت فيه وكيلا للأمين العام للشؤون الإنسانية ومن العديد من الكوارث الطبيعية وكوارث من صنع الإنسان في جميع أنحاء العالم. إن كابوس الصومال في عامي 1992 و 1993 سيذكرني دائما بالحاجة الملحة إلى الوقاية والإجراءات المبكرة والتعامل بفعالية مع الحروب الأهلية والصراعات العرقية والدينية المقلقة. ولا يمكننا بعد كمبوديا ورواندا وسريبرينيتسا ودارفور أن نكتفي بالقول ”لن يحدث مرة أخرى“ من دون أن نقوض بشكل خطير السلطة الأخلاقية للأمم المتحدة وميثاقها.

وفي فترة رئاستي سأسترشد بالقيم والمبادئ التي تعد ركائز سياسة السويد الخارجية: الإيمان بالتعاون المتعدد الأطراف وحتمية الوقاية واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والتضامن مع الفقراء والمضطهدين والحرص على حقوق المرأة والحرص على أطفال العالم ومستقبلهم، بل وعلى صحة كوكب الأرض. وإنني أعلم أن تلك التطلعات يتشاطرها الناس والأمم في جميع مناطق العالم.

وأؤمن بشدة بأنه ينبغي تقوية التعاون الإقليمي وبث الحيوية في المنظمات الإقليمية نتيجة لجهود الإصلاح في الأمم المتحدة. ونعلم أن الترتيبات الإقليمية تشكل جزءا لا يتجزأ من الميثاق ويجب أن تشكل عنصرا مهما من تقسيم العمل الدولي الضروري في هذا العصر الحافل بالقضايا والمطالب الملحة في كل أرجاء العالم.

الأمم المتحدة ليست الدواء الشافي ولا العلاج الوافي لكل العلل. إنها تجسد الإرادة السياسية الجماعية للدول الأعضاء ومصلحتها في تقوية النظام المتعدد الأطراف. وإن المعايير والهياكل الدولية الفعالة يجب أن تخدم المصالح الوطنية لكل أمة وأن تظهر بتلك الصورة. وهذا هو الهدف الذي يجب أن نرمي إلى تحقيقه.

وبغية إنجاز ذلك، يجب علينا أن نضع حلولا دولية وأساليب تتناسب مع حاجات عالم اليوم: محاربة الفقر والأمراض والجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل والتدهور البيئي، فضلا عن منع وحسم الصراعات ووقف القتل الجماعي والتعذيب والتجاوزات. ولهذا الغرض يجب أن نشحذ الأدوات المتاحة للأمم المتحدة وأن نطور مفاهيم تبين استعدادنا لمواجهة التحديات الأساسية تلك وللتصرف بشأنها، وأود أن أشدد على ذلك.

هذه هي زبدة مشروع إصلاح الأمم المتحدة: بناء أمم متحدة تستجيب بفعالية وشرعية للحاجات الملحة في مختلف أنحاء العالم وتضاعف فائدة عملنا في سبيل الأمن والازدهار والعيش في كرامة للجميع. وسيكون تحقيق تقدم فعلي لبلوغ تلك الغاية أهم مساهمة في اجتياز الاختبار التاريخي لروح تعددية الأطراف الذي نواجهه الآن.

وإذا اجتزنا، نحن في الأمم المتحدة، ذلك الاختبار، فإننا لن نحسّن فحسب آفاق التعاون الدولي الفعال. بل سنتمكن أيضا من معالجة الفجوة المتسعة واختلالات التوازن الخطيرة في العالم بفعالية أكبر. وعلى صعيد أعمق، أجرؤ على القول إننا يمكن أن نزرع في النفوس الأمل والإيمان في المستقبل في عالم يتسم بمخاوف متزايدة وشكوك متعاظمة. ويجب علينا أن نحشد الإرادة السياسية لتغيير مسار الاتجاهات السلبية ومنع الاستقطاب والتشاؤم. ويجب علينا أن ندرك أننا نملك الفرصة والقدرة على القيام بذلك في هذه اللحظة من التاريخ.

وبروح الحوار والشفافية فإنني، بصفتي رئيسا للدورة الستين، سأعمل يدا بيد مع كل الأعضاء في هذا المسعى الجماعي. فلنعمل على إبراز الطاقة الكاملة لهذه الهيئة المحورية، الجمعية العامة، ولنبن سوية صرح أمم متحدة معززة.

أخيرا، في غمار عملنا اليومي، ينبغي لنا جميعا - وأعضاء الجمعية العامة بصورة خاصة - عندما نتصارع مع إصلاح الأمم المتحدة في اللجان وأفرقة العمل وقاعات الاجتماع ومكاتب الأمانة العامة، أن نهتدي بكلمات داغ همرشولد في كتابه المعنون ”علامات“ - أو بترجمة مباشرة من اللغة السويدية أكثر دقة، ”علامات على الطريق“ - حول الحاجة إلى الرؤية والحاجة إلى منظور طويل الأمد: ”ينبغي لك أن لا تستهين أبدا بتفحص الأرض قبل أن تخطو خطوتك التالية: فالذي يتجه بناظريه إلى الأفق البعيد بثبات هو وحده الذي سيجد طريقه الصحيح“.

إنني ممتن للجمعية العامة على الثقة التي وضعتها في بانتخابي رئيسا لدورتها التالية.