خطاب الأمين العام أمام الجمعية العامة


نيويورك، 21 أيلول/سبتمبر 2004

سيادة الرئيس،
أصحاب السعادة،
سيداتي وسادتي،

إنه لأمر طيب أن أرى هذا العدد الكبير من البلدان ممثلا هنا هذا التمثيل الرفيع. وإنني أرى في ذلك انعكاسا لتقديركم بأن الأمم المتحدة، في الأوقات العصيبة الراهنة، هي ”الدار المشتركة التي لا غنى عنها للأسرة البشرية كلها“ كما ذكرتم منذ أربع سنوات في إعلان الألفية.
والواقع أن العالم يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، آلية فعالة يلتمس من خلالها حلولا مشتركة لمشاكل مشتركة. وهذا هو الغرض الذي أُنشئت من أجله هذه المنظمة. فلنتخل عن أي تصور بأنه سيكون بإمكاننا، لو تقاعسنا عن الاستفادة منها على النحو السليم، العثور على أي آلية أخرى أكثر فعالية.
ثم إنكم سوف تلتقون، في نفس الوقت من العام المقبل، لاستعراض التقدم المحرز في تنفيذ إعلان الألفية. وأتمنى بحلول ذلك الوقت، أن تكونوا على استعداد للقيام معا باتخاذ قرارات جسورة بشأن النطاق الكامل للقضايا التي يشملها الإعلان، مستعينين بتقرير الفريق رفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير، الذي سيكون متاحا قبل نهاية السنة.
ومثلما قلت منذ عام مضى، فإننا بلغنا مفترق طرق على مسارنا. وإن لم يكن بوسعكم، كزعماء سياسيين لدول العالم، أن تتوصلوا إلى اتفاق بشأن الطريق التي سنسلكها في المستقبل، فإن التاريخ سيتخذ هذه القرارات نيابة عنكم، وربما تضيع مصالح شعوبكم جرّاء ذلك التقصير.
ولن أسعى اليوم إلى إصدار حكم مسبق على هذه القرارات، لكنني سأذكرّكم بالإطار الفائق الأهمية الذي يجب أن تتخذ فيه هذه القرارات، وأعني تحديدا حكم القانون، في كل دولة وعلى صعيد العالم.
إن الرؤية التي تنشد ”حكومة القوانين لا حكومة الأشخاص“ ربما تكون قديمة قدم الحضارة نفسها. وفي بهو لا يبعد كثيرا عن هذا المنبر، توجد نسخة للقوانين التي سنها حامورابي منذ أكثر من ثلاثة ألاف سنة، في الأرض التي تسمى اليوم العراق.
وقد يبدو كثير من قوانين حامورابي اليوم غليظاً، بدرجة مستعصية. إلا أن صحائف هذه القوانين نُقشت عليها مبادئ للعدالة أقر بها كل مجتمع إنساني تقريبا، أو طبقها على نحو يكاد يكون تاما، منذ ذلك الزمن:
إسباغ الحماية القانونية على الفقير.
كبح جماح القوي حتى لا يتمكن من ظلم الضعيف.
سن القوانين جهرا، وإشهارها على الجميع.
لقد كانت هذه القوانين علامة فارقة في كفاح البشر من أجل بناء نظام يعلو فيه الحق على القوة، بدلا من أن تصنع القوة الحق. وبإمكان كثير من الدول الممثلة في هذه القاعة أن يشير بفخر إلى ما لديه من وثائق تأسيسية تجسد هذا المفهوم البسيط. وإن هذا هو المبدأ ذاته الذي أُسست عليه هذه المنظمة، أممكم المتحدة التي تنتمون إليها.
إلا أن حكم القانون بات اليوم عرضة للخطر في بقاع العالم. وأصبحنا نرى، المرة تلو الأخرى، أن القوانين الأساسية، تلك التي تقضي باحترام الأرواح البريئة للمدنيين والضعفاء، ولا سيما الأطفال، يضرب بها عرض الحائط دونما حياء.
وهكذا، وعلى سبيل ذكر بعض الأمثلة الفادحة الراهنة:
في العراق، نرى المدنيين يذبحون بدم بارد، بينما يختطف عمال الإغاثة والصحفيون وسواهم من غير المحاربين وينفذ فيهم حكم الموت بأشد الطرق وحشية. وفي الوقت نفسه، شاهدنا السجناء العراقيين وهم يتعرضون لسوء المعاملة بصورة مخزية.
وفي دارفور، نرى مجموعات سكانية تُشرد بأكملها وتُدمر مساكنها، ونرى الاغتصاب يستخدم كاستراتيجية متعمدة.
وفي شمال أوغندا، نرى الأطفال يشوهون ويجبرون على المشاركة في فظائع يندى لها الجبين.
وفي بيسلان، رأينا الأطفال يُؤخذون رهائن ويذبحون بوحشية.
وفي إسرائيل، نرى المدنيين بمن فيهم الأطفال، يُستهدفون عمدا من قبل الانتحاريين الفلسطينيين، وفي فلسطين نرى المنازل تدمر والأراضي تصادر، كما نرى الخسائر التي لا مبرر لها في أرواح المدنيين بسبب استخدام إسرائيل المفرط للقوة.
وفي سائر أنحاء العالم نرى أُناسا يُؤهّلون لارتكاب المزيد من هذه العمليات، من خلال حملات الكراهية الموجهة ضد اليهود، وضد المسلمين، وضد أي شخص يمكن أن ينظر إليه باعتباره مختلفا عن المجموعة التي ينتمي إليها الفرد.

أصحاب السعادة،
لا توجد أي قضية أو مَظلمة، مهما كانت مشروعيتها في حد ذاتها، تبرر مثل هذه الأعمال. إنها تحمّلنا جميعا بمشاعر الخزي. كما أن انتشارها يعكس فشلنا الجماعي في احترام القانون، وغرس هذا الاحترام في نفوس رجالنا ونسائنا. وعلينا جميعا واجب بذل كل ما في وسعنا من أجل استعادة هذا الاحترام.
وحتى نفعل ذلك، علينا أن ننطلق من مبدأ، أن لا أحد فوق القانون، وأنه ينبغي ألا يُحرم أحد من الحماية التي يسبغها القانون. وأي دولة تدعي حكم القانون في داخلها، عليها أن تحترمه خارجها؛ وأي دولة تصمم على أن يحترم القانون خارجها، لا بد أن تنفذه في داخلها.
نعم إن حكم القانون يبدأ من الداخل. لكن ذلك لا يزال في كثير من الأماكن بعيد المنال. فالكراهية والفساد والعنف والاستبعاد، تفعل أفاعيلها دونما خلاص. وبينما يفتقر الضعيف إلى الانتصاف الفعال، يتلاعب القوي بالقوانين من أجل الاستمساك بالسلطة ومراكمة الثروة. وفي بعض الأحيان، يُسمح حتى للكفاح الضروري ضد الإرهاب بالتعدي بلا لزوم على الحريات المدنية.
وعلى الصعيد الدولي، تحتاج جميع الدول، قويها وضعيفها، كبيرها وصغيرها، إطارا للقواعد العادلة، تثق كلها بأن الآخرين سيولونه الاحترام. وهذا الإطار لحسن الطالع، موجود، فقد وضعت الدول مجموعة هائلة من القواعد والقوانين، من التجارة إلى الإرهاب، ومن قانون البحار إلى أسلحة الدمار الشامل، ونحن نعتبر ذلك إنجازا للمنظمة يشعرنا بأشد درجات الفخر.
غير أن هذا الإطار تشوبه ثغرات ويعتريه ضعف. فهو في أغلب الأحيان ينفذ بشكل انتقائي ويطبق بصورة تعسفية. كما يفتقر إلى قوة الإنفاذ التي تحيل مجموعة القوانين إلى نظام قانوني فعال.
وعندما لا تنعدم قدرة الإنفاذ، مثلما الحال في مجلس الأمن، يشعر كثيرون بأن الإطار لا يستخدم دائما بعدل أو بفعالية. وعندما يُحتكم بشكل جاد إلى حكم القانون، مثلما الحال في لجنة حقوق الإنسان، فإن من يتذرعون به لا يطبقون عادة ما يعظون به.
وعلى الذين يسعون إلى فرض الشرعية أن يجعلوا أنفسهم تجسيدا لها؛ وعلى الذين يتذرعون بالقانون الدولي أن يطبقوه على أنفسهم.
ولا بد على الصعيدين الداخلي والدولي، أن يكون لكل فرد نصيب في صنع القانون وفي تنفيذه. وقد يرفض الذين يشعرون بأنهم مُغَرّبون عن مجتمعنا العالمي، الالتزام بقوانينه. إلا أنه ليس بوسعنا أن نتحمل ذلك.
ومثلما هي الحال داخل كل بلد، حيث يعتمد احترام القانون على الإحساس بأن الجميع يشاركون في صنعه وإنفاذه، فتلك أيضا هي الحال في مجتمعنا العالمي. ولا ينبغي لأي أمة أن تشعر بأنها مستبعدة. ويجب أن يشعر الجميع بأن القانون الدولي يتعلق بهم ويحمي مصالحهم المشروعة.
إن حكم القانون بوصفه مجرد مفهوم لا يكفي. ولا بد للقوانين أن تُوضع موضع الممارسة، وأن تنفُذ إلى نسيج حياتنا.
وبتقوية معاهدات نزع السلاح وتنفيذها، بما في ذلك أحكامها المتعلقة بالتحقق، سيمكننا أن ندافع بحق عن أنفسنا ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل، واحتمال استخدامها.
وبتطبيق القانون، يمكننا أن نحرم الإرهابيين من الموارد المالية والملاذات الآمنة، وهو عنصر أساسي في أي استراتيجية ترمي إلى هزيمة الإرهاب.
وبإعادة تكريس حكم القانون، وإشاعة الثقة في تطبيقه بنزاهة، يمكننا أن نأمل في إعادة الحياة للمجتمعات التي مزقتها الصراعات.
إن القانون، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن، هو الذي يعطي أفضل أمل في حل الصراعات المزمنة، في الشرق الأوسط والعراق وفي سائر أنحاء العالم.
وبالتمسك الصارم بالقانون الدولي يمكننا، بل ولا بد لنا، أن نفي بمسؤوليتنا إزاء حماية المدنيين الأبرياء من الإبادة الجماعية، ومن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وكما حذرت هذه الجمعية منذ خمس سنوات خلت، فإن التاريخ سيحكم علينا حكما قاسيا إن نحن سمحنا لأنفسنا أن نحيد عن هذه المهمة، أو اعتقدنا أنه بوسعنا أن نعفي أنفسنا منها، متذرعين بالسيادة الوطنية.
لقد طلب مني مجلس الأمن توا أن أعين لجنة دولية للتحقيق في التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. ولتحديد ما إذا كانت أعمال للإبادة الجماعية قد ارتكبت هناك. وسوف أقوم بعمل ذلك على وجه السرعة. لكنني أحذر أي أحد من أن يرى في ذلك مهلة يمكن في أثنائها أن تواصل الأحداث مسارها في هذه المنطقة التي نالها الخراب. إن أشياء تحدث هناك ولا بد، بصرف النظر عن مسمياتها القانونية، أن تهز ضمير كل إنسان.
لقد تولى الاتحاد الأفريقي بنبل زمام القيادة، واضطلع بمسؤولية توفير مراقبين وقوة للحماية لسكان دارفور، كما أنه يسعى إلى التوصل إلى تسوية سياسية لن يمكن بدونها إحلال الأمن الدائم. إلا أننا نعرف جميعا القيود الراهنة التي تحيط بهذا الاتحاد الأفريقي الوليد. وعلينا أن نهبه كل دعم ممكن. ولا يتصور أي شخص أبدا أن هذه المسألة تخص أفريقيا وحدها. فالضحايا بشر، ولا بد أن تكون حقوق الإنسان خاصتهم مقدسة لنا جميعا. وعلينا كافة واجب بذل كل ما في قصارانا لإنقاذهم، وأن نفعل ذلك الآن.

أصحاب السعادة،
لقد وعدت مجلس الأمن في الشهر الماضي بأن أجعل عمل المنظمة في مجال تعزيز حكم القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع، أولوية لي في الفترة المتبقية من ولايتي.
وعلى نفس المنوال، فإني، أحثكم جميعا على أن تبذلوا المزيد من أجل تعزيز حكم القانون داخل دولكم وخارجها. وأطلب إليكم جميعا اليوم أن تغتنموا فرصة الترتيبات التي أعددناها لكم لتوقيع المعاهدات المتعلقة بحماية المدنيين، وهي معاهدات تفاوضتم أنتم أنفسكم بشأنها - وبعد ذلك، عودوا إلى بلدانكم لتنفيذها كاملة وبنية حسنة. كما أنني أهيب بكم أن تعطوا دعمكم الكامل للتدابير التي سأعرضها عليكم خلال هذه الدورة من أجل تحسين أمن موظفي الأمم المتحدة. إن هؤلاء الأفراد غير المحاربين، الذي يعرضّون أرواحهم للخطر طواعية من أجل مساعدة الآخرين من الرجال والنساء، يستحقون منكم بالتأكيد الحماية والاحترام..
أصحاب السعادة، إن ضحايا العنف والضيم ينتظرون في جميع أنحاء العالم؛ ينتظرون منا أن نفي بوعدنا. إنهم يفهموننا عندما نستخدم كلمات نتستر بها على عدم تحركنا. كما أنهم يلاحظون عندما لا تطبق القوانين التي كان ينبغي أن تسبغ عليهم الحماية.
وإنني على يقين من أننا نستطيع استعادة حكم القانون وتوسيع آفاقه في سائر أنحاء العالم. لكن ذلك يتوقف في نهاية المطاف على ما للقانون من ثقل في ضمائرنا. لقد أُنشئت هذه المنظمة على أنقاض حرب حلت على البشرية بآلام غير مسبوقة. وعلينا اليوم أن نفتش في ضميرنا الجماعي من جديد، وأن نسائل أنفسنا عما إذا كنا نفعل ما يكفي.
أصحاب السعادة،
إن لكل جيل دوره في الكفاح الممتد على مر العصور من أجل تعزيز سيادة القانون بالنسبة للجميع - وهو الأمر الوحيد الكفيل بضمان الحرية للجميع.
فلنعمل جميعا على ألا يغيب جيلنا عن هذا الكفاح.
أشكركم شكرا جزيلا.