النهوض باللغات والمحافظة عليها
تحظى اللغات بثقل استراتيجي هام في حياة البشر والكوكب بوصفها من المقومات الجوهرية للهوية وركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية. مع ذلك، فهي تتعرض جراء العولمة إلى تهديد متزايد أو إلى الاندثار كليا. وحين تضمحل اللغات يخبو كذلك ألق التنوع الثقافي وتبهت ألوانه الزاهية. ويؤدي ذلك أيضا إلى ضياع الفرص والتقاليد والذاكرة و الأنماط الفريدة في التفكير والتعبير، أي الموارد الثمينة لتأمين مستقبل أفضل.
ويتصف بأهمية ملحة في هذا السياق وجوب اتخاذ تدابير ترمي إلى تعزيز التعدد اللغوي، ونعني بذلك تشجيع وضع سياسات متماسكة تعني باللغات على الصعيدين الإقليمي والوطني من شأنها أن تمكـّن من فرصة استخدام اللغات في مجتمع أو بلد ما استخداما ملائما ومتجانسا. وهذه السياسات تروج لتدابير تسمح لكل جماعة لغوية باستخدام لغتها الأم في مجالي التعامل اللغوي الخاص والعام، مع تمكين الناطقين بتلك اللغة من تعلم واستعمال لغات إضافية، سواء من اللغات المحلية أو الوطنية أو الدولية. ويتعين تشجيع الناطقين بلغتهم الأم، الوطنية أو الدولية، على تعلم لغات البلد الأخرى وكذلك اللغات الإقليمية والدولية.
وفي إطار هذا الالتزام، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2008 سنة دولية للغات وعينت اليونسكو وكالة رائدة في هذا المجال.
ورد في طبعة عام 2002 المعنونة أطلس لغات العالم المهددة بالانقراض، التي نشرتها اليونسكو، أن نصف لغات العالم البالغ عددها 000 6 لغة تقريبا مهددة بالانقراض، مما سيترتب عنه فقدان بُعد لا يعوض من أبعاد معارفنا وفهمنا للفكر الإنساني. وتعد العملية التي تنقرض بواسطتها اللغات عملية متواصلة وهي ليست ظاهرة جديدة. بيد أن السنوات الـ 30 الماضية قد شهدت زيادة رهيبة في معدل انقراض اللغات.
وأسباب هذه الظاهرة متعددة ومعقدة. فالناس ينزعون إلى ترك لغاتهم الأصلية إما بسبب انتمائهم إلى مجموعات صغيرة غارقة في بيئات لغوية وثقافية مختلفة أو غير مواتية، أو من جراء اتصالهم بثقافة توسعية أو أقوى اقتصاديا. وفي مثل هذه الحالات، يقوم الكبار، في تجاهل تام للغاتهم الأصلية، بتشجيع الأطفال على تعلم لغة الثقافة المهيمنة، ليس فقط لزيادة قدرتهم التنافسية في أسواق العمل، وإنما لاكتساب مركز اجتماعي.
وقد أكد المؤتمر العام من جديد، باعتماده إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي في عام 2001، ضرورة اتخاذ إجراء عاجل لتشجيع التنوع اللغوي والثقافي، ولا سيما عن طريق صيانة التراث اللغوي وتعزيز تعلم لغات عديدة في الصغر وتشجيع التنوع اللغوي في الفضاء الحاسوبي.
حماية لغات الشعوب الأصلية والدفاع عنها
يشكل حماية لغات الشعوب الأصلية والدفاع عنها حقا من حقوق تلك الشعوب. وباعتماد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 2000/22 بشأن إنشاء المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية، وهو هيئة فرعية تابعة للمجلس، فقد التزمت بتسوية المشاكل التي تعترض الشعوب الأصلية ومتابعة ما يتعلق منها بحماية لغاتهم وثقافاتهم. وهناك من ناحية أخرى، اليوم الدولي للغة الأم الذي يحتفل به يوم 21 شباط/فبراير من كل سنة بغية إحياء التنوع اللغوي والثقافي والتعددية اللغوية.
وفي أيار/ مايو 2006 قدمت مؤسسات عديدة تابعة للأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أو منظمة العمل الدولية تقريرا إلى المنتدى الدائم. ويتضح أكثر فأكثر أن تعليم لغات الشعوب الأصلية يتم في الميدان، وأن لغاتهم تستخدم في العديد من المنشورات بهدف الدفاع عن حقوقهم. ومن ذلك، أن الأهداف الإنمائية للألفية ترجمت إلى عدة لغات وأن منظمة العمل الدولية ترجمت الاتفاقية رقم 169 المتعلقة بالشعوب والقبائل الأصلية إلى عدة لغات من بينها لغات شعوب أصلية، وهي تعتزم أيضا ترجمة عدة مواد تعليمية إلى تلك اللغات. وفي إطار برنامج التمويل البالغ الصغر التابع لمرفق البيئة العالمية، نظم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دورات لتعليم لغات الشعوب الأصلية وبخاصة، في أمريكا اللاتينية.
ولا تزال هناك عقبات كثيرة تعيق استخدام وحماية لغات الشعوب الأصلية وثقافاتهم على نحو ما يشير إليه تقرير المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للشعوب الأصلية (A/60/358). وفي هذا الإطار، تشدد منظمة التربية والعلم والثقافة على ضرورة وضع مناهج دراسية مناسبة ثقافيا ولغويا يحظى فيها تاريخ الشعوب الأصلية وقيمها ولغاتها وتقاليدها الشفوية بالاعتراف والاحترام والتشجيع.
وتتعاون الشعبة الإحصائية في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمانة العامة تعاونا وثيقا مع المنتدى الدائم للتأثير في الممارسات الوطنية المتبعة في تعدادات السكان لاستقاء بيانات عن الشعوب الأصلية وبخاصة فيما يتعلق بممارسة لغاتهم وحفظها. وكانت هذه الإدارة نشرت في نهاية عام 2005 على موقعها الشبكي بيانات عن الجماعات القومية الإثنية. وتستخدم أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي قاعدة البيانات الاتنولوجية لاستقاء بيانات عن التنوع اللغوي وعدد المتحدثين بلغات الشعوب الأصلية، وقد نشرت اليونسكو ’’أطلس لغات العالم المهددة بالزوال‘‘.
ويضطلع المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية بدور حيوي. ويجب عليه أن يواصل جهوده لمساعدة أعضائه الـ 16 على ضمان مراعاة الشواغل اللغوية للشعوب الأصلية في مجمل أنشطة الأمم المتحدة بصورة منهجية أكثر.