الأمين العام يحث سفراء الخير: "نرجو مساعدتنا على جَعْل العالم أفضل"
فيما يلي الملاحظات التي أدلى بها الأمين العام كوفي عنان في اجتماع اليوم مع سفراء الخير ورُسل السلام:
اسمحوا لي أن أقول لكم إنه لشيء عظيم حقا أن نراكم جميعا في هذه القاعة - رجال ونساء أجلاء، من كل منطقة ومن كل عقيدة، تهتمون بشؤون إخوانكم وأخواتكم في الإنسانية.
وأرجو المعذرة إذا بدأت كلمتي اليوم بملاحظة حزينة - ولكن المرء منا لا يعرف هذه الأيام ما سيأتي به الغد. فقد علمنا هذا الصباح بوقوع عمل إرهابي يائس آخر أودى بحياة أبرياء في إسرائيل، من بينهم تلاميذ مدارس. وإني لأشعر بأسف شديد لما وقع لجميع الأسر التي نزلت بها هذه المأساة.
ويتحتم عليَّ، مرة أخرى، أن أكرر، بأقوى العبارات الممكنة، إدانتي لجميع أعمال العنف هذه. فما من قضية يمكن أن تُبرر قتل أبرياء. وإن هذا لسبب آخر يدعونا إلى المزيد من العمل الدؤوب لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط المنكوبة. وأعرف أنكم جميعا معي ونحن نسعى لتحقيق السلام في هذه المنطقة.
أعزائي سفراء الخير ورسل السلام والأصدقاء، أود بادئ ذي بدء أن أقول إنني عندما دخلت هذه القاعة، لم أكن واثقا أنني جئت إلى المكان الصحيح. ودار بخاطري سؤال: هل نحن بصدد احتفالات مشتركة بجوائز الأوسكار أو الأولمبياد أو بجوائز الموسيقى (غراميز) أو جوائز بوليترز؟
حقيقة الأمر أنني شعرت بكثير من الانبهار والرهبة وقد دخلت إلى قاعة حافلة بالمواهب والشهرة - والأكثر من ذلك أنها الشهرة والمواهب الموظفة لإعلاء شأن البشرية.
وكما قال هاري بيلافونتي آخر مرة نظمنا فيها مثل هذا الاجتماع - العالم حافل بالمشاهير، ولكن ليس كل المشاهير يعملون لخير البشر.
حقا إذن هناك من الأسباب الوجيهة ما يدعوكم إلى الاعتزاز بأنفسكم. دعوني أشكركم جميعا على إفساح بعض الوقت من برنامجكم المشحون لكي تنضموا إلينا. إنني أعرف تماما أن كثيرين منكم جاءوا من أماكن بعيدة، وتحملتم جميعا مصاريف سفركم، وهذا مؤشر آخر على جدية التزامكم.
هذه هي المرة الثانية التي نتشرف فيها بالترحيب بكم هنا في الأمم المتحدة بوصفكم سفراء الخير ورسل السلام. وكانت المرة الأولى فرصة اغتنمناها ليتعرف كل منا على الآخر، غير أن بعضكم فقط كان ضمن المجموعة التي حضرت إلينا في المرة الماضية. ولذلك دعوني أعرب عن ترحيبي الخاص بمن جاء إلينا للمرة الأولى اليوم.
ولا بد لهذا اللقاء الثاني أن يعطينا الفرصة لكي ننظر نظرة أكثر شمولا لما يمكن أن نفعله لمساعدة بعضنا البعض.
وأملي أن يُساعدكم هذا اللقاء على التعمق في فهم دور الأمم المتحدة، ويزيدكم بالتالي قدرة على العمل كدعاة لقضايا أسرة الأمم المتحدة وعلى التحدث باسمها
ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذا اللقاء سيساعدنا على أن نعرف منكم كيف يمكن للأمم المتحدة أن توصل رسالتها بمزيد من الفعالية وتنقل مضمون عملنا إلى الآخرين. فهذا مجال لا نبرع فيه.
صحيح أن الأمم المتحدة يمكن أن ينظر إليها كمجموعة من الحكومات، إلا أن دورها هو حماية حقوق الناس في كل مكان وتلبية احتياجاتهم. وتعتمد الأمم المتحدة على الناس بقدر اعتمادها على الحكومات كمصدر للدعم - والمقصود هنا هم الناس في كل مكان وليس فقط أولئك الذين يعملون في هذا المبنى أو يأتون لزيارته.
إنكم تستطيعون الاتصال بالناس في كل مكان على وجه الأرض تقريبا - الناس الذين قد يكونون مغرمين بالموسيقى والفن والقراءة ويعشقون الرياضة، ولكنهم لا يخصصون بالضرورة وقتا للاطلاع على ما يُسمى بالقضايا الكبرى أو لمعرفة مدى تأثر حياتهم بهذه القضايا.
أنتم هنا لأنكم تريدون أن يعرف أولئك الناس المزيد عن هذه القضايا، ولأنكم تريدون تشجيعهم على أن يكون لهم دور في التصدي لها.
وتستطيعون بصفة خاصة جذب انتباه وخيال الشباب الذين سيقع عليهم عبء النهوض بعملنا في وقت لاحق من هذا القرن. وبإمكانكم أن تمدوا لهم يد العون كي يدركوا أن وجود رؤية عالمية للأمور أمر لا غنى عنه الآن، ولا غنى عنه غدا بدرجة أعظم. فلم يعد بوسعنا أن نفكر تفكيرا محليا بحت، وعلينا أن ندرك أن ما يحدث محليا يكون له تأثير عالمي وما يحدث عالميا يؤثر في كل بلد من بلداننا وفي كل مجتمع من مجتمعاتنا. وبدون هذا الفهم، لا أعتقد أننا سنتمكن من أن نُحرز التقدم الجماعي الذي نتوق إليه جميعا.
وتستطيعون المساعدة على غرس قيم التفاهم والتضامن والاحترام والتواصل عبر جميع الثقافات في نفوس الشباب - وهذه هي نفس المُثل التي تدافع عنها الأمم المتحدة - بحيث تستقر هذه القيم في نفوسهم بشكل طبيعي طيلة حياتهم.
وخلال السنتين اللتين انقضتا منذ اجتماعنا السابق، وقعت أحداث كثيرة تُبرز الأهمية الحاسمة لتلك القيم في القرن الحادي والعشرين.
فقد كانت هجمات 11 أيلول/سبتمبر بمثابة تذكرة أليمة للعالم بضرورة العمل معا من أجل التصدي للتحديات العالمية.
وأظهرت دورة الجمعية العامة الاستثنائية المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز أن العالم مستعد فعلا للعمل سويا لمكافحة أحد أكبر التحديات التي يواجهها عصرنا - أسوأ وباء عرفته البشرية.
إن جائزة نوبل للسلام اعتراف بأننا إذا أردنا تحقيق هذا التعاون العالمي حقا في القرن الحادي والعشرين، لا بد للأمم المتحدة أن تؤدي دورا لا غنى عنه. ويُدلل كثيرا على أهمية هذا الدور ما حدث في السنتين الماضيتين في تيمور الشرقية، وسيراليون، وإثيوبيا - إريتريا، وميانمار، فضلا عن بدء نفاذ معاهدة المحكمة الجنائية الدولية.
إن حضوركم هنا اليوم، وأنتم تمثلون مجتمعات ومِهناً وبلدانا كثيرة مختلفة، يبين بصورة جلية أنه عندما تحين ساعة العمل معا من أجل عالم أفضل، فلا انقسام ولا تفرّق بين الحضارات. إنكم بذلك تُحيون دور الأمم المتحدة باعتبارها الأرضية المشتركة التي ننطلق منها لتعزيز روابط مجتمعنا العالمي.
وبهذا الحضور تثبتون أيضا أن الرسالة التي ستنقلونها معكم إلى جماهيركم ومناصريكم رسالة عالمية حقا. ويمكن إيجاز هذه الرسالة في "إعلان الألفية" الذي وافق عليه كل زعماء العالم منذ سنتين بوصفه مشروعا لنهضة الشعوب في القرن الحادي والعشرين.
ففي إعلان الألفية، تعهدت الحكومات بتلبية احتياجات شعوبها وتحرير هذه الشعوب من الفقر المدقع، ومن المرض، ومن ويلات الحرب، ومن خطر العيش على كوكب يضيق بسكانه.
وجدول الأعمال هذا ليس أقل إلحاحا اليوم مما كان عندما اعتمد في أيلول/سبتمبر عام 2000. بل العكس هو الصحيح، إذ أعتقد أنه اكتسب إلحاحية جديدة.
فلم ينخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في هذا العالم على دولار واحد أو أقل يُعانون الجوع وتنقصهم المياه المأمونة.
ولم ينخفض عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب الإيدز، والملاريا، والسل والأمراض الأخرى التي يمكن الوقاية منها.
ولم تقل العوامل التي تؤدي إلى زحف الصحراء وإلى فقد التنوع البيولوجي واحترار الغلاف الجوي للأرض.
وفي كثير من بقاع العالم المنكوبة بويلات الحرب، ما زال الأبرياء يقعون ضحايا فيُقتلون أو يُشوهون أو يُبعدون عن ديارهم أو يُسحبون منها.
حقا إن زعماء البلدان هم الذين اعتمدوا إعلان الألفية. وعليهم قبل غيرهم تقع مسؤولية السهر على تطبيق إعلان الألفية ووضعه موضع التنفيذ. ولكن الحكومات لا تستطيع أن تُحقق ذلك بمفردها، فهي بحاجة إلى دفع وإن يكن رقيقا. وهي بحاجة إلى الاستماع إلى أصوات الناس يلحون على زعمائهم لترجمة تعهداتهم إلى أفعال.
وهنا يأتي دوركم. فكلما استخدمتم أسماءكم في رسالة ازداد الوعي كثيرا وعلا لدى واضعي السياسات ولدى الملايين الذين ينتخبوهم. وفي عصر تميل فيه وسائط الإعلام إلى التركيز على القضايا التي تراها أقرب إلى الجمهور وألصق به، تزداد فرصتنا كثيرا لكسر حاجز اللامبالاة عندما تقفون في صفوفنا وفي صالح قضيتنا.
ويكفينا أن ننظر إلى ما للموسيقى "بونو" من أثر على موضوع تخفيف وطأة الديون والحد من الفقر في أفريقيا. وقد قال لي أحد مراسلي التليفزيون منذ بضعة أيام إن الأمر اختلط عليه فلم يعد يعرف المهندس الحقيقي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية - أهو الموسيقي الأيرلندي أم وزير الخزانة.
وإني واثق أنكم جميعا متحمسون - ومتعاطفون في ما يتعلق بمهمتكم تماما مثل بونو، حتى وإن اتبع كل واحد منكم نهجا مختلفا وطريقة مختلفة في نقل رسائلكم إلى الجمهور. وأرجو ألا تترددوا في الاتصال بنا للحصول على المعلومة والمشورة كلما احتجتم إليهما. ولكن أرجو ألا تظنوا أن من واجبكم أن تنتظروا منا أن نبين لكم ما يجب أن تفعلوه لكي تتحدثوا عن القضايا التي تهتمون بها.
لقد أمضى كثير منكم سنوات عديدة بل عقودا في اكتساب معرفة بالقضايا التي تناصرونها. بل إن بعض من انضم إلينا في الآونة الأخيرة ملتزم منذ مدة طويلة بالدفاع عن قضايا معينة. وأملي أن تستطيع أسرة الأمم المتحدة أن تستفيد من خبرتكم ومن التزامكم القائم منذ عهد طويل.
وتنم هذه الالتزامات عن طبيعة "النجوم" الحقيقية التي تتمتعون بها - لا بريق الشهرة الخارجية، بل شخصيتكم الداخلية كبشر - البشر الحريصين على مهمتهم ولا يخشون شيئا في سبيل غيرهم.
وسوف نستمع بعد لحظات إلى بعض الأمثلة عن كيفية وإمكانية تحقيق ذلك. وسوف تستمعون إلى آخرين سافروا في أنحاء شتى من العالم، ينقلون رسائل مهمة، ويحيون الأمل، ويمدون أيديهم إلى الناس الذين هم بحاجة إلى دعم وتشجيع. إننا نميل أحيانا إلى التهوين من الدور الهام الذي تؤديه أطراف ثالثة - طرف يُظهر اهتمامه، طرف يهب واقفا ويقول كفى - لم يعد بمقدرونا أن نتحمل ذلك، ولم يعد بمقدورنا أن نسمح باستمرار ذلك. وهذا يمنح من يمرون بظروف صعبة أملا وقدرة على المقاومة وعلى الكفاح، مدركين أن هناك من يهتم بهم ويشهد لصالحهم. وأعتقد أن دوركم كسفراء ورسل دور هام للغاية بالنسبة لكثيرين ولشعوب كثيرة حول العالم، وبالنسبة لمنظمتنا.
أرجو أن تنطلقوا وأن تستغلوا مواهبكم لمساعدتنا على إصلاح شأن عالمنا. إنني أتطلع إلى سماع أخباركم والاطلاع على ما أحرزتموه من تقدم والتعرف على آرائكم، هنا اليوم.
لمزيد
من النشرات الصحفية
|