ليس للحوار حدود جغرافية أو ثقافية أو اجتماعية. فحتى في المناطق التي يبدو فيها أن الصراع أقام بين الناس أسوارا لا ترتقي، حافظ البشر بعزمهم وتبصرهم على شعلة الحوار متقدة في العديد من الحالات. وإن الحفاظ على هذه الشعلة المتقدة من أهداف سنة الأمم المتحدة للحوار.
لهذا الغرض، ساقت الأمم المتحدة أمثلة عن شجاعة الإنسان حاكية عن أبطال الحوار المناضلين في الخفاء والذين واجهوا المحن وتطلعوا إلى حل المشاكل متجاوزين الخلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعرقية. وقد تم إنتاج ستة إعلانات عامة مدة كل إعلان ستون ثانية، يبرز فيها كيف يتخطى الفرد حاجز الاختلاف لكي يجمع بين الناس. ويمكن بث هذه الإعلانات عبر أي محطة تلفزيونية ترغب في ذلك كما يمكن ترجمتها إلى أي عدد من اللغات.
وفيما يلي قصص "الجنود المجهولين".
- جاك بيتسون (استراليا).
جاك بيتسون معلم استرالي ينتمي إلى السكان الأصليين، يقوم كل عام بدعوة أشخاص ينتمون إلى السكان الأصليين وغير الأصليين ليلتقي كل منهم ب "الآخر" في مزرعته التي يطلق عليها اسم (Linga Longa Philosophy Farm) في الريف. ويقيم ضيوفه في مخيم مشترك ويطرحون الأسئلة ويقومون باستكشاف الثقافات والهويات. إنها مناسبة نادرة بالنسبة لثقافتين مختلفتين لتجاوز الانقسام واللقاء والاكتشاف في بيئة ودية وغير رسمية.
وجاك هو أيضا الرئيس التنفيذي لتعاونية ترانبي للسكان الأصليين، التي تقيم دورات عن دراسات السكان الأصليين التي يقوم بها السكان الأصليون لصالح السكان الأصليين وغير الأصليين. وبصرف النظر عن توفير التعليم المهني الملائم ثقافيا، فإن برامج "النهضة الثقافية" التي يضطلع بها قد ساعدت السكان الأصليين الذين أُبعدوا عن أسرهم وهم أطفال على تركيب أجزاء هويتهم واستعادة الكرامة والكبرياء. وعن طريق توفير التبصر في طابع السكان الأصليين وعلاقتهم بالأرض خلال السنين التي سبقت استيطان الرجل الأبيض في استراليا قبل 200 سنة فحسب، يكتسب الطلاب من غير السكان الأصليين بعدا إضافيا إلى هويتهم وإدراكا بديلا للبلاد الفريدة التي يعيشون فيها. إن الحافز الذي يدفع جاك إلى العمل ليس مجرد حقوق السكان الأصليين فحسب وإنما حقوق الإنسان للجميع.
- زلاطا فيليبوفيتش (البوسنة).
بدأت زلاطا فيليبوفيتش كتابة يومياتها في 1991، قبيل عيد ميلادها الحادي عشر. كل يوم كانت تسجل أنشطة المراهقين التي انهمكت فيها بتعطش، متنقلة بين المدرسة ودروس البيانو، والتزحلق على الثلج، والحفلات، ومشاهدة برامجها التلفزيونية المفضلة. ثم حلت كارثة الحرب وويلاتها فحطمت عالمها. ورغم هول الفاجعة والحرمان، دأبت زلاطا على تدوين يومياتها برباطة جأش وعقل مستنير مؤرخة ما تجلبه الحرب من رهاب الاحتجاز، وملل، واستسلام، وغضب، ويأس، وخوف. وبدقة وتبصر يفوقان سنها، كتبت زلاطا قائلة: "إن الحالة السياسية غباء متحرك". وتعطي يوميات زلاطا صورة عن سراييفو لم يعطها أي تقرير للأنباء من قبل. ومنذ نهاية الحرب نشرت يوميات زلاطا بترحيب من النقاد، حيث نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة أولا، ثم صدرت في فرنسا، بينما عادت حقوق مسلسل نشرها في الولايات المتحدة إلى مجلة نيوزويك. وبعدما عاشت ويلات الحرب عن كثب، توظف زلاطا وقتها الآن في العمل من أجل السلام وتساعد على تعزيز التواصل بين مختلف الشعوب. وساهمت في إصدار تقارير اليونيسيف عن تأثير النزاع المسلح في الأطفال، بالإضافة إلى كونها عضوا في لجنة تحكيمية دولية تابعة لليونسكو تبت بشأن جائزة باسم التسامح لأدب الأطفال والشبان. وتدرس زلاطا حاليا العلوم الإنسانية في كلية سانت جون في أكسفورد.
- مرغريت غيبني (بلفاست، أيرلندا الشمالية)
بدأ مشروع سور السلام في كلية ماونت جيلبرت (بلفاست) عندما كتب أطفال إلى شخصيات قيادية في مختلف أنحاء العالم يطلبون إليهم أن يبعثوا رسائل سلام. وقد كتبت مرغريت غيبني، وكانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها، إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير تقول له في رسالتها إنها لم تعش سوى سنة واحدة في سلام خلال حياتها كلها. وقد تأثر رئيس الوزراء بطلبها وبفكرة سور السلام إلى درجة أنه ذكر قصتها في التلفزيون الأمريكي، ونتيجة لذلك، طلبت هيلاري كلينتون زيارة مرغريت حيث كانت تقيم في بلفاست عام 1997. ومنذ ذلك الحين حازت مرغريت على عدد من الجوائز مكافأة لها على عملها الملهم في مجال السلام، منها جائزة الأطفال الأبطال، وسافرت إلى الخارج كسفيرة شابة لليونيسيف. وفي تموز/يوليه 1998 ذهبت مرغريت إلى نيويورك للمشاركة في مؤتمر قادة الشباب وفي ألعاب الصداقة التي أسسها تيد تيرنر. وكانت من بين 36 شابا استقدموا من جميع أنحاء العالم للاحتفال بافتتاح ألعاب الصداقة. وكانت مرغريت أيضا أحد السفراء الشباب الثلاثة المشاركين في التغطية التلفزيونية الحية وأجريت معها مقابلة بشأن دورها في عملية السلام وسور السلام في أيرلندا الشمالية.
- سلطان سومجي (نيروبي، كينيا)
يرأس عالم الإثنوغرافيا الكيني سلطان سومجي إدارة الإثنوغرافيا في المتحف الوطني لكينيا في نيروبي. ويعد أيضا مؤسس مشروع المتحف الأفريقي للسلام. ويعد مرجعا في تقاليد الثقافة والسلام في أوساط الشعوب الرعوية بكينيا، حيث نمى معارفه على مدى ما يربو على 25 سنة من الدراسة. ومن خلال عمله في مجال السلام، يشجع سومجي السكان الأصليين على تبادل تقاليدهم في ميدان السلام. هذه الثقافات غير المكتوبة لا تبني المعالم، ولا تكتب، لكنها تحافظ على معرفتها حية من خلال الثقافتين الشفوية والمرئية. وهناك أيضا مواقع سلام محلية يقر بها المجتمع بكامله. سومجي مسلم إسماعيلي قدم أجداده إلى كينيا في مطلع القرن من شبه القارة الهندية.
- سيدني بوسويلو (البرازيل)
سيدني بوسويلو مسؤول عن إدارة القبائل غير المعروفة في المؤسسة الهندية التابعة للحكومة البرازيلية. ويعد من الخبراء الهنود المتمرسين في البرازيل. قضى أكثر من 30 سنة يرعى جماعات السكان الأصليين - الموجودين في غابات الأمازون أساسا - حيث تزحف باستمرار آثار التنمية وإزالة الأحراج إلى داخل موطنهم في الغابة. أحيانا يطلق الغزاة من المنقبين، وقاطعي الأخشاب والمهربين النار على الهنود الذين يعترضون طريقهم. لذا يساعد سيدني والمؤسسة الهندية في حماية حقوق هؤلاء المستضعفين. في الماضي، كانت المؤسسة الهندية ترى في الاتصال أفضل خيار للقبائل غير المعروفة، لكن هدف سيدني في العقد الأخير انحصر في ترك القبائل وشأنها في سلام لأطول مدة ممكنة. غير أن هناك أحيانا يلزم فيها الاتصال بكل بساطة. عند ذلك، يبدأ سيدني بوسويلو حوارا بطريقة حذقة. فقد تستغرق عملية الحوار عدة سنوات، وقد تكون خطرة جدا، إذ قتل الهنود عددا من الأفراد العاملين في فرق سيدني أو أصابوهم بجروح. وفي الماضي، اضطر سيدني إلى الاتصال بأكثر من ستة جماعات غير معروفة من السكان الأصليين في الغابة المطرية المتراجعة.
- الدكتور صلاح الدين رامز (أفغانستان)
على المرء أن يكون مقداما لكي يطير إلى منطقة اندلعت فيها الحرب ويعمل على إسعاف الجرحى، يمنحهم الأمل ويشملهم بالرعاية في خضم الصراع. الدكتور صلاح الدين رامز من هؤلاء الشجعان، إذ غادر مسقط رأسه أفغانستان ليعمل جراحا مع لجنة الصليب الأحمر الدولية، ويسعف جرحى الحروب في مناطق الصراع بمختلف أرجاء العالم. وبعدما تلقى تعليمه في كل من أفغانستان وألمانيا، انضم إلى صفوف لجنة الصليب الأحمر الدولية عام 1995 وسافر إلى باكستان أولا ثم إلى السودان، وتيمور الشرقية وختاما ذهب في مهمة إلى سيراليون. هناك، وبينما كان يزاول عمله أصابت الدكتور رامز حمى لاسى ومات في ظروف مأساوية في 25 تموز/يوليه 2000. هذا الإعلان العام اعتراف متأخر بجميله وتفانيه في المساعدة الإنسانية متخطيا الحواجز الدينية والثقافية.
- فوزي الصقلي (المغرب)
ينظم في فاس بالمغرب، كل عام، مهرجان متميز جداً. إنه حدث فريد يجمع الناس من كل أنحاء المعمورة ويوحد صفوفهم على اختلاف الثقافات، والبلدان، والتقاليد، واللغات، والأزمنة. يفعل مهرجان فاس العالمي للموسيقى الروحية كل هذا من خلال لغة الموسيقى العالمية. والمهرجان فكرة من إلهام مديره العام، الدكتور فوزي الصقلي. ويعتقد فوزي أن بمقدور الناس التواصل رغم اختلافاتهم بقوة الموسيقى. كل عام يدعو موسيقيين من جميع أنحاء العالم للاستمتاع سوية بالموسيقى التي يقدسونها. وفي عالم تحطم فيه التكنولوجيا حواجز التجارة والاتصالات بسرعة كبيرة، يرمي المهرجان في كنهه إلى العمل على إشاعة احترام كرامة الإنسان وروحانيته دون قيد، محطما الحواجز أيضا لتمكين جميع الثقافات من التواصل بنية حسنة والاحتفاء بتنوع الفكر والعقيدة.

