الثورة الديمغرافية

"نحن في خضم ثورة صامتة تتجاوز إلى حد كبير المسائل السكانية، وتترتب عليها آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية وروحية ورئيسية"
كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة، لدى إعلان السنة الدولية لكبار السن في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1998

تُستخدم عبارات مثل "هزة شيوخة ديمغرافية" و "نظام سكاني دولي جديد" لوصف النمو المذهل للسكان المسنين في العالم. ويُتوقع أن تبلغ نسبة الأشخاص في سن الستين وما فوق أكثر من الضعف في العالم، أي أنها ستزيد من 10 إلى 22 في المائة، في الفترة 2000-2050، وتصبح عندها موازية لنسبة الأطفال (من الولادة إلى سن الرابعة عشرة). وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، فإن هذا التحول الديمغرافي التاريخي من حالة تتسم بارتفاع معدلات المواليد والوفيات إلى حالة تتميز بانخفاض معدلات المواليد والوفيات سيؤدي إلى جعل حصة كبار السن موازية لحصة صغار السن في مجموع عدد السكان.

وفي المناطق المتقدمة النمو، يتجاوز الآن عدد الأشخاص المسنين عدد الأطفال. وقد انخفضت معدلات المواليد دون مستوى الإحلال. وفي بعض البلدان المتقدمة النمو، سيتجاوز عدد المسنين ضعف عدد الأطفال بحلول عام 2050.

غير أن "هزة الشيوخة" الفعلية على وشك أن تصيب البلدان النامية حيث سيشيخ السكان بسرعة في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين. ويُتوقع أن تزيد نسبة المسنين من 8 إلى 21 في المائة بحلول عام 2050، بينما ستنخفض نسبة الأطفال من 33 إلى 20 في المائة. وهذه الأرقام مذهلة في حد ذاتها. والذي يؤكد ذلك هو النمط السريع لعملية الشيوخة وأن ثلاثة أرباع سكان العالم المسنين سيعيشون في البلدان النامية بعد أقل من ثلاثين سنة. وعندما انعقدت الجمعية العالمية للشيخوخة عام 1982، كان أغلبية المسنين يعيشون في العالم المتقدم النمو. أما في العالم النامي، وبالرغم من ازدياد التحضر، ستواصل غالبية المسنين العيش في المناطق الريفية.

والآثار التي ستترتب على هذا التحول السريع والمكثف للسكان من فترة الشباب إلى فترة الشيخوخة هي أن العديد من البلدان النامية ستجد نفسها في وضع ستكون فيه الشيخوخة مستندة إلى قاعدة سكانية عريضة جدا، بخلاف الشيوخة الأبطأ والتي تمتد على مدى طويل وتتسم بها المجموعات السكانية الأصغر حجما في البلدان المتقدمة النمو. ففي حين احتاج السكان المسنون في بعض بلدان أوروبا الغربية إلى ما يزيد قليلا على 100 سنة ليتضاعف عددهم خلال القرن العشرين، فإن عددهم في بعض بلدان العالم النامي سيتضاعف في القرن الحادي والعشرين خلال 25 سنة أو حتى أقل. وتطال آثار الشيوخة السريعة تقريبا جميع ميادين الحكم والمجتمع، بما في ذلك الرعاية الصحية، وأسواق التوظيف والعمالة، وتدابير الحماية الاجتماعية، والنمو الاقتصادي. ويبرز الطابع الفجائي للتغيير الديمغرافي بالإضافة إلى معدلات الفقر المثيرة للقلق وانكماش الموارد في البلدان النامية الضرورة الملحة لوضع سياسات تراعي نُهُجا ابتكارية لزيادة مشاركة المسنين واندماجهم الاجتماعي. ورسم سياسات جديدة تستجيب لهذا النمو الذي لا نظير له في عدد الذين يعيشون حتى سن الشيخوخة سيساعد على التخفيف من التوترات التي تعصف بالنسيج الاجتماعي الاقتصادي للأسرة.

بدأ حجم التغييرات التي يرجح أن تحصل يتجلى للعيان. ويجب أن يكون الدافع وراء المحاولات الرامية إلى التوصل إلى النتائج المرجوة الإقرار بأن الاتجاهات الديمغرافية نفسها التي تحمل على توقع تحديات على نطاق واسع لبنية المجتمع الأساسية تستوجب هي أيضا إجراء مناقشات جديدة واتخاذ إجراءات متعلقة بالسياسات لمعرفة كيفية الاستفادة من الإسهامات التي لا تُحصى للمواطنين المسنين.

 
السابق التالي

الصفحة الرئيسية | صفحة إستقبال الأمم المتحدة